الاتصالات في لبنان
إضراب شركات الخلوي يهدد شبكة الاتصالات في لبنان.

أي عطل طارئ أو مشكلة تقنية من شأنها أن تُفقد لبنان شبكة اتصالاته الخليوية في أي لحظة، فيما خدمة الزبائن في الشركات لا تجيب على أي اتصال، وقد بدأت بوادر الأعطال بالظهور على شكل ضعف في شبكات الإرسال وانقطاع في مناطق معينة. هذا هو الأمر الواقع في لبنان، الذي يشهد إضرابا شاملاً لليوم الرابع على التوالي، ينفذه موظفو شركتي اتصالات الهاتف الخليوي في البلاد، "ألفا" و"تاتش".  

وكان مجلس نقابة موظفي ومستخدمي الشركات المشغلة للقطاع الخليوي في لبنان قد أعلن مطلع الأسبوع "التوقف عن العمل في شركتي ألفا وتاتش ابتداء من الاثنين، وحتى نيل الحقوق"، مؤكدا أن "من يتحمل مسؤولية هذا القرار هو من سلب صاحب الحق حقه ونكث بوعوده".

وأضافت النقابة: "لم نكن يوما هواة تعطيل، لكن عند النكث بالوعود وعند عدم التزام المسؤولين بتعهداتهم بإعطائنا ما هو حق لنا بلا زيادة أو نقصان، ولأننا لم نكن يوما من الطامعين كما غيرنا والإثباتات معلومة وكل ما نطلبه هو حقنا، وبعد إعطاء مهل كدليل على حسن النية، قوبلنا بالتحدي والتهديد والوعيد، ووصلنا إلى نتائج سلبية وعدم رغبة أصحاب الشأن بإعطائنا حقوقنا المنصوص عليها بشكل واضح في عقد العمل الجماعي".

وفي اليوم الرابع للإضراب، وعلى الرغم من المفاوضات الجارية بوساطة لجنة الاتصالات النيابية ووزارة العمل اللبنانية بين الموظفين وإدارات الشركات ووزارة الاتصالات، لم تتقدم أي حلول في المدى المنظور، حيث يتمسك الموظفون بإضرابهم فيما يؤكد وزير الاتصالات عدم القدرة على تلبية مطالب الموظفين، ما يهدد بأزمة اتصالات لا مفر منها مطلع الأسبوع القادم. 

وعليه أعلنت نقابة موظفي شركات الخليوي استمرارها بالإضراب. وفي بيان صادر عنها الخميس، لخصت مطالبها بلائحة من عدة نقاط، حسب الأولويات، بدءا من "إقرار الزيادات السنوية المستحقة منذ العام 2018 حسب عقد العمل الجماعي"، من ثم "إقرار الترقيات المستحقة حسب الأنظمة والقوانين المعمول بها في الشركات (الفا وتاتش) بدون استنسابية"، إضافة إلى "جدولة واضحة للمستحقات المتراكمة (Bonuses+ months 13) والتي تعتبر جزءا أساسيا من الراتب"، وأخيرا "اعتبار عقد العمل الجماعي هو عقد ملزم بكافة بنوده ومنتفعاته دون نقصان".

وهذا الإضراب هو الثاني الذي يأتي بعد رفع الحكومة اللبنانية تعرفة الاتصالات في البلاد في يوليو، بعد الإضراب الأول  الذي شهده شهر أغسطس الماضي،  وعلى الرغم من أن الأسعار تضاعفت أكثر من 5 مرات لم تنعكس تحسنا على أوضاع الموظفين والعاملين في قطاع الاتصالات وشركاته، وفق ما يؤكدون. 

محسوبيات واستنسابية 

يعيد نقيب موظفي شركات الخليوي مارك عون، المشكلة إلى العام 2018، حين توقفت الحكومة اللبنانية عن تسديد الزيادات السنوية للموظفين المنصوص عليها بالعقد الجماعي للشركة، ويقول "صبرنا حينها ووقعت الأزمة المالية، فانتظرنا طيلة تلك السنوات التي لم نحصل فيها على حقوقنا، وإذ بالوزير، يمنح زيادات وترقيات استثنائية واستنسابية لبعض الأشخاص في الشركتين، بناء على محسوبيات سياسية وحزبية، بينما في حالتنا كموظفين في شركات خاصة تتعاقد مع الدولة اللبنانية، لدينا عقد عمل جماعي، الزودة 5٪ على الراتب هي بند شرعي في عقد العمل الجماعي، ويجب أن تقر كل عام للجميع".

ويشرح عود في حديثه لموقع "الحرة" أن النقابة اعترضت على ما يحصل، "حيث لم نكن نريد إثارة شرخ بين الموظفين، بناء على معايير سياسية وطائفية، وهذا ظلم، خاصة أن كل تلك التقديمات الاستنسابية جاءت في زمن الانتخابات، ورغم صبر الموظفين وطول انتظارهم، وبعد الوعود المقدمة لهم من إدارات الشركات ومن وزارة الاتصالات، لم يعطوهم شيئاً، وهو ما أوصلهم إلى الإضراب الشامل".

 "ينظرون إلينا وكأننا محظوظون نسبة لموظفي الدولة، ولكن الحقيقة أن الجميع يعاني وليست الأمور مفاضلة وإنما حقوق مكتسبة للجميع". ويلفت عون إلى أن معدل الرواتب في شركات الاتصالات كان بحدود 1700 "لولار" (تسمية أطلقت على أرصدة الدولارات العالقة في المصارف والتي تصرف وفق سعر 8000 ليرة، فيما سعر صرف الدولار في الأسواق يبلغ 41500 ليرة لبنانية)، ارتفع هذا المعدل إلى 2500 "لولار" بعد الزيادات العشوائية التي أقرها الوزير لبعض المحظيين".

"في المقابل، الحكومة اللبنانية رفعت من تعرفة الاتصالات وبالتالي ما من عذر بعدم توفر الأموال، وهذا ما كانوا قد وعدونا به، أن يرفعوا التعرفة ويدفعوا حقوقنا، ولم يحصل ذلك"، يؤكد عون. 

ويضيف "فيما نحو 80 في المئة من الموظفين يتراوح معاشهم بين الـ 1000 والـ 1500  "لولار"، أي أن راتب الـ1000 دولار يساوي نحو 200 فقط، فيكون 8 ملايين ليرة بدلاً من 41 مليون، فيما سعر صفيحة البنزين الواحدة يقارب المليون ليرة".

حتى الترقيات التي أعطيت عشوائيا، وفق عون، لم تحترم التراتبية داخل الشركات والأنظمة الداخلية، "وقفزت بموظفين من أدنى السلم الوظيفي إلى منصب مدراء، معيارها المحسوبية السياسية وليس التسلسل أو الأحقية أو الكفاءة في كثير من الحالات".

تهديدات بالفصل ونعرات طائفية 

يكشف نقيب موظفي شركات الخليوي، أن هناك عددا من الموظفين يتعرضون للتهديد من وزير الاتصالات بفصلهم إذا ما استمروا بإضرابهم، "رغم أن الإضراب حق شرعي، والموظفون مستمرون بالإضراب وليسوا خائفين من تلك التهديدات، وشأنهم شأن كافة الموظفين والقضاة وغيرهم المضربين عن العمل لنيل حقوقهم، وليس من حق أي جهة أن تهدد موظفاً يطالب بحقوقه".

ويحذر عون من اللعب على الأوتار الطائفية والحزبية السياسية داخل الشركات من أجل تشتيت الموظفين وخلق النعرات في ما بينهم من أجل ضرب مسعاهم النقابي، ويتهم وزير الاتصالات اللبناني بالعمل على ذلك، من خلال استدعاء موظفين بشكل خاص ومحاولة ترغيبهم بزيادات وترقيات خاصة أو ترهيبهم وتهديدهم بالفصل والخطوات القانونية.  

وعلى ضوء الإضراب كان وزير الاتّصالات قد اجتمع مع رئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، معلناً أنّ "تعطيل المرفق العام هو خطّ أحمر"، كاشفاً عن مباحثات لإيجاد الطرق القانونية لمعالجة أزمة إضراب العاملين في شركتي الاتصالات الخلوية. 

ولم يخف قرم في تصريحاته نيته بحل نقابة موظفي شركات الخليوي عبر وزارة العمل، وطلب انتخابات مبكّرة، إذ لوح بذلك محملاً النقابة مسؤولية الإضراب وتأثيره على المواطنين والبلاد، مشدداً على أنه في الوقت الراهن ليس بالإمكان إعطاء زيادة على الرواتب".

يصف عون أداء الوزير بـ "القمعي"، ويضيف "وصل به الأمر إلى حد إحضار القوى الأمنية لوضعهم في وجه موظفي ألفا وتاتش المعتصمين للمطالبة بحقوقهم، وسحبهم لاحقا رئيس شرطة بيروت رفضا لهذا الموقف المخجل، وقبل ذلك هدد موظفي شركة أوجيرو حين أضربوا للمطالبة بحقوقهم بتدخل الجيش اللبناني". 

ويؤكد عون أنه تواصل بشأن قضية حل النقابة مع وزارة العمل "التي أعلنت وقوفها إلى جانبنا ويتولى وزير العمل التفاوض وقال لنا إنه يحمي العمل النقابي ولا يرضى بأي مس بالعمل النقابي المحمي بالمواثيق الدولية". 

ويتابع "إضرابنا حتى الآن مهذب ومحترم جداً، ولكن من الممكن أن تؤدي الإضرابات إلى أذى كبير، وهذا ما لا نطمح إليه، ولكن إن أرادوا التصعيد سنصعد".

الوزير يرد 

موقع "الحرة" تواصل مع وزير الاتصالات اللبناني، جوني قرم، الذي رأى أن الاتهامات بشأن الاستنسابية والمحسوبيات في الترقيات والزيادات المقدمة، هي اتهامات "قديمة دائما ما يحكى فيها، وسبق أن رددت عليها ولست في وارد الرد عليها الآن".

وكان في تصريحات سابقة قد برر القرم الترقيات بأنها جاءت لملء شواغر بمواقع عدة خلت بعد استقالة موظفين وتخطى عددهم 450 بعد إيجادهم وظائف أخرى تدفع رواتب أفضل​، ومن جهة أخرى لتحفيز ​الموظفين​ الأكفاء على البقاء في القطاع"، كاشفا أن "كل الجهات السياسية أرسلت أسماء لتشملها الترقيات، لكنني أدقق فيها، وأرقي فقط الأكفاء بناء على مؤشرات من بينها أداؤهم ومدى حضورهم إلى العمل وغيرها". 

وعن التهديدات بفصل موظفين، يؤكد القرم لموقع "الحرة" أنه لم يتخذ قراره فيها بعد، إلى حين البت في المفاوضات التي تنسقها وزارة العمل ولجنة الاتصالات النيابية، وبنتيجة الاجتماعات يتبين إن كان الاتجاه تصعيدياً أم نحو التهدئة.  

ويحسم وزير الاتصالات بأنه لا نية لديه للتوقيع على أي زيادات على الرواتب حالياً، ويعبر عن عدم وجود قناعة لديه بزيادة الرواتب بنسبة 25 في المئة كما يطالب الموظفون، مضيفاً "في النتيجة هذه شركتهم هم وليست شركتي أنا، هم من يعملون بها ويستمرون معها".

يحمل القرم المسؤولية كاملة لنقيب الموظفين في شركات الخليوي مارك عون بصورة شخصية، عما قد يحصل في قطاع الاتصالات ومصالح المواطنين ومصير الموظفين في حال الاستمرار بالإضراب، "خاصة وأنهم يعرفون موقفي بأنني لن أوقع".

حتى قضية العقد الجماعي التي يستخدمها الموظفون منطلقاً للمطالبة بحقوقهم، يعبر الوزير القرم عن ملاحظاته ومآخذه عليها، بحيث أن العقد الجماعي لا ينص على إعطاء أي مبالغ مالية بعملة الدولار، "إن وقعوا على تعهد بأنهم لا يريدون الزيادات بعملة الدولار، سأكون حاضراً لتنفيذ العقد الجماعي بدون دفع الدولار الفريش، ولكن لا يمكن الركون للعقد الجماعي في حالات والتغاضي عنه في حالات أخرى".  

وينبه الوزير من وجود مسعى "يبدأ اليوم للمطالبة بزيادة الرواتب تمهيداً للمطالبة بدفع 50 في المئة منها مطلع العام المقبل بعملة الدولار الفريش، وهم ينكرون ذلك، لكنهم في بياناتهم الأولى قالوا إنهم يطالبون بالترقيات دون الزيادات، من ثم طرحوا قضية زيادات الأجور لاحقا".

رواتب موظفي الشركتين هي بحدود 2500 دولار يتقاضون منها 25% "فريش" وقريباً سيتقاضون المبلغ المتبقي على 15 ألف ليرة، كما أنّ لديهم تأميناً من الدرجة الأولى لهم ولكافة أفراد عائلاتهم كذلك تدفع لهم قيمة الأدوية، كما أنّ لديهم مساعدات مدرسية تصل إلى 8 آلاف دولار على كلّ ولد وبينها 20% "فريش، أضف إلى ذلك، خط هاتفي مع تغطية لفاتورته، جمعت كل تلك المحفزات في شركة تاتش مثلاً، تصل التكلفة لـ 640 موظف، 3.75 مليون دولار في الشهر، بمعدل ٥٨٠٠ دولار لكل موظف كتكلفة إجمالية. 

ولدى مواجهته بأن هذه الحسابات تتم وفق "اللولار" وليس القيمة السوقية والشرائية للدولار، يؤكد أن صرف هذه الدولارات سيتم من شهر فبراير المقبل وفق سعر 15000 ليرة بدلا من 8 آلاف، (سعر صرف السوق 41.5 ألف ليرة)، كل ذلك إضافة إلى المحفزات التي يحصلون عليها، تشكل حلماً لأي موظف آخر في لبنان إن كان في القطاع العام أو الخاص، وجميعهم اليوم لا يتقاضون أكثر مما كانوا يتقاضونه في السابق". 

وعما إذا كان رفع تعرفة الاتصالات قد أمن مردوداً كافيا لسد حاجات موظفي قطاع الاتصالات، يؤكد الوزير أن المشكلة تكمن في تأمين الدولارات "الفريش"، لتلبية حاجات ومتطلبات قطاع الاتصالات ومدفوعاته التي باتت جميعها بالدولارخاصة وأنه عاجلاً أم آجلاً ستصرف رواتبهم بالدولار وبالتالي الزيادات التي قد تقر اليوم وفق أسعار صرف متدنية ستصرف لاحقاً بالدولار، وبالتالي المطالبة بالزيادات اليوم نوع من أنواع التذاكي".

ويختم أنا مؤتمن على قطاع الاتصالات، وهذه الأموال ليست ملكي الخاص، ولن أقبل أن يقال بعد سنوات الوزير جوني القرم رفع الرواتب عشوائياً، وأدى ذلك إلى عجز في القطاع وخسارة من قيمته، وهذا هدفي الوحيد في العمل، ولكن في النهاية ليس ذنب المواطن أن يتحمل نتائج الإضراب ويدفع ثمن انقطاع بطاقات الاتصالات والتشريج أضعافاً في السوق السوداء".

أزمة مقبلة بدأ استغلالها 

يذكر أن بوادر أزمة اتصالات حادة بدأت تنعكس في الأسواق اللبنانية، فالإضراب الذي نتج عنه عدم تسليم لبطاقات التشريج والخطوط الجديدة، أدى إلى انخفاض هذه البطاقات من الأسواق، لاسيما وأن الإضراب جاء مفاجئاً لأصحاب محال الخليوي ومراكز التوزيع بحيث لم يكونوا قد احتسبوا للأمر لناحية مخزونهم.  

ووفقاً لتقديرات عون فإن الكميات المتوفرة اليوم في الأسواق لا تكفي لأكثر من 3 أيام، ما يعني أن السوق مهدد بالانقطاع شبه التام في مطلع الأسبوع المقبل إذا ما استمر الإضراب، في حين بدأت تشهد الأسواق ظاهرة احتكار ورفع أسعار البطاقات بنحو 20 في المئة عن سعرها الرسمي، وفق ما أكد عدد من أصحاب المحال لموقع "الحرة"، حيث باتت بطاقة التشريج التي كانت تباع بـ 250 ألف ليرة تباع بـ300 ألف والرقم مرشح للارتفاع في الأيام المقبلة مع اشتداد الأزمة.  

أصحاب المحال يؤكدون أن وكلاء الشركتين لا يزودون الأسواق بتلك البطاقات، ومن يسلم يحد جداً من الكميات، ما أدى إلى نوع من الانقطاع في الأسواق، وتحكم بالأسعار، في حين أن الطلب عليها يرتفع وتحديداً في ظل مشاهدة الناس لكأس العالم عبر هواتفهم والتطبيقات، حيث يزداد الإقبال.  

من جهة أخرى بدأت أعطال تقنية بالظهور على شبكة الإرسال والإنترنت في البلاد في حين يرفض عمال الصيانة أسوة بغيرهم من الموظفين إجراء أي تصليحات، الأمر الذي يهدد بتوقف شامل للاتصالات عند أي خلل طارئ دون أن يتم إصلاحه، مع ما يمثله ذلك من مخاطر وأضرار، أحدث تلك الأعطال طرأ على شبكة الإرسال في منطقة المصنع الحدودية مع سورية شرقي لبنان، حيث انقطع الإرسال نهائياً، دون أن يتم إصلاحه، وهو سيناريو قد يتكرر في أي منطقة لبنانية أو في كامل البلاد في أي لحظة.

حزب الله

في أقصى الجنوب اللبناني، حيث لا يبدو أن إعادة الإعمار قادرة على إعادة عقارب الدمار إلى الوراء، يبرز السؤال مرة أخرى: من يملك القرار في لبنان فعلا؟ الدولة، أم ميليشيا تعمل بالوكالة داخل الدولة؟

عاد هذا السؤال المزمن إلى الواجهة بعد تأكيد نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في 3 مايو، مرة أخرى،  رفض الحزب التخلي عن سلاحه لصالح سيادة الدولة.

 "سلاح المقاومة باق ولن يُسلَّم مهما اشتدت الضغوط،" قال قماطي. 

العبارة مألوفة، لكنها تتردد اليوم في لبنان المنهار اقتصاديا، المتعثر سياسيا، والمثقل بتبعات حرب لم يكن حزب الله قادرا على خوضها.

بالنسبة لكثير من اللبنانيين، الجواب بات واضحا. فالحرب الأخيرة مع إسرائيل كشفت حدود قدرة حزب الله العسكرية، وفشله في حماية لبنان من التدمير الواسع النطاق، بل فشله حتى في حماية قياداته. 

ورغم قبوله باتفاق وقف إطلاق النار، الذي اعتبره مراقبون بمثابة "استسلام"، يواصل الحزب تأويل بنود الاتفاق، مصرا على حصر تسليم السلاح في جنوب نهر الليطاني، والاحتفاظ بترسانته في شماله.

الدولة في مواجهة الميليشيا

إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه يتناقض بشكل صارخ مع خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، وقرارات دولية أبرزها القرار 1701، والتي تؤكد جميعها حصر السلاح بيد الدولة. ومع ذلك، يصر حزب الله على أن سلاحه لا يزال ضروريا لـ"الحماية والدفاع" رغم أن هذا السلاح نفسه يغرق لبنان أكثر فأكثر في صراعات إقليمية لا طاقة له بها.

"سلاح حزب الله لم يكن يوما لحماية لبنان"، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، "الهدف الأساس كان حماية المصالح الإيرانية في المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن".

وفي رأيه، فإن مواجهة حزب الله لإسرائيلي في السابق، لم تكن إلا وسيلة للحفاظ على نفوذ طهران، لا على السيادة اللبنانية. "لبنان لم يكن أولوية، بل جاءت سيطرة هذا السلاح على لبنان لتضعف الدولة والاقتصاد وتساهم في الانهيار المالي والسياسي الذي يعاني منه لبنان حتى اليوم"، كما قال في حديثه لـ"الحرة".

سلاح بلا مهمة

يصف الأمين تصريح قماطي بأنه "نوع من المكابرة". ويضيف: "إذا كان المقصود بالسلاح مواجهة إسرائيل، فسلاح حزب الله فشل فشلا ذريعا في حماية لبنان، بل في حماية قيادته والبيئة الحاضنة ووفر فرصة لإسرائيل لتدمير وتهجير عشرات القرى والبلدات الحدودية".

التناقض جلي: كيف يمكن لحزب أن يشارك في المؤسسات الدستورية للدولة بينما يحتفظ بميليشيا مسلحة خارجة عن سلطتها؟

أداة بيد طهران

من جانبه، يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن تمسك حزب الله بسلاحه يعكس تطورات تتجاوز حدود لبنان.

"يتبدّل خطاب الحزب تبعا لمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، والوضع في اليمن، ومصير سلاح الحوثيين"، يشرح الزغبي، "حتى تصريح قماطي الأخير جاء، بعد ثلاثة أسابيع من الصمت، بطلب إيراني على الأرجح، في إطار لعبة التفاوض الأوسع".

ويشير الزغبي إلى أن طهران تسعى لضبط إيقاع أذرعها: إيقاف ضربات ضد الأميركيين، الاستمرار في الضغط على إسرائيل، والمحافظة على ورقة السلاح للتفاوض.

درع مُكلف

ينتقد كثير من اللبنانيين سلاح الحزب باعتباره درعا جلب الخراب بدلا من الحماية. المحلل السياسي خالد ممتاز كتب على منصة أكس "لو كان سلاح حزب الله رادعا، لما تجرأت إسرائيل على استهداف قياداته، ولما بلغت خسائر لبنان 14 مليار دولار، ولا تدمرت مئات القرى بالكامل".

ويضيف: "سلاح الحزب له قيمة فقط في الداخل، لذلك نطالب بتفكيك المنظومة الأمنية المرتبطة به، لأن كواتم الصوت والمتفجرات قتلت خيرة الناس وساهمت في دمار الدولة وإفلاس البنوك ووصول الفاسدين إلى السلطة".

بين البقاء والاندثار

يعتقد الأمين أن الحزب يتمسك بسلاحه لأنه لا يستطيع الاستمرار من دونه. "نزع السلاح يعني تحوّله إلى حزب سياسي عادي، ما يفقده جزءا كبيرا من النفوذ القائم على المال والسلاح والتبعية الكاملة لإيران".

لكن هذا النفوذ يأتي بثمن داخلي متزايد. "حين يتحول السلاح إلى أداة لتخويف المجتمع وفرض القرار، يُغذي الطائفية ويزيد الانقسام"، يحذر الأمين.

ويدعو الحكومة إلى الحزم إذ "لا يجوز للدولة أن تتعايش مع ميليشيا. إما أن يلتزم الحزب بشرعية الدولة، أو أن يخرج منها. لا وجود لمنطقة وسطى".

وهم المقاومة

بحسب الزغبي، فقدت ذريعة المقاومة صلاحيتها بعد الهزيمة أمام إسرائيل. ويقول: "لم يعد بإمكان الحزب الادعاء بأن سلاحه يحمي لبنان، إذليس باستطاعته حتى حماية معاقله".

ويرى أن تذرّع الحزب بخطر التكفيريين وسوريا هو محاولة جديدة لتبرير بقاء السلاح، لكنه يضيف: "الحماية الحقيقية لا تأتي إلا من الدولة وشرعيتها".

ورغم ذلك، لا يتردد حزب الله في مطالبة الدولة بالحماية من الغارات الإسرائيلية، وبالدعم في إعادة الإعمار، بينما يُصر على التفرد بالسلاح. هذا التناقض يعمّق أزمة الشرعية والحكم في لبنان.

البُعد الدولي

تتجاوز تداعيات احتفاظ حزب الله بسلاحه حدود لبنان. فالدعم الدولي مشروط بسيادة الدولة الكاملة. أما إسرائيل، فتحذر من أنها قد تتصرف بمفردها إذا عجزت الدولة اللبانية عن ضبط الميليشيات.

بالنسبة للأمين، لم تعد مسألة السلاح داخلية فقط. فالحزب وافق على اتفاق وقف إطلاق النار. "تصريحاته اليوم تهدف لإشعال أزمة داخلية، لكنها لن تغيّر الموقف الدولي".

ويحذر من أن المماطلة ستزيد من كلفة نزع السلاح على اللبنانيين.

ويذهب الزغبي في الاتجاه ذاته: "ما دام الحزب مسلحا، سيبقى لبنان غير مستقر. السلاح يمنع قيام الدولة، ويُبقي الطوائف في حالة ترقب وقلق دائم من مواجهات جديدة".

ضرورة وطنية

في الذكرى السنوية لأحداث 7 أيار، كتب العميد المتقاعد بعرب صخر، الباحث في شؤون الأمن القومي: "يوم عار كشف الستار عن الوجه القبيح لحزب إيران في لبنان، وبين أن سلاحه ليس من أجل لبنان، بل على لبنان".

وأضاف في منشور على أكس: "اليوم المجيد هو اليوم القريب الذي ننزع فيه هذا السلاح، سلاح الدمار والغدر والاغتيال، والعبثية والتبعية لأعداء لبنان".

ويخلص الزغبي إلى القول إن على الدولة اللبنانية "حصر السلاح في يدها" وذلك "كي تنجح في تحقيق وعودها بالاستقرار والسيادة والإصلاح. فنزع السلاح غير الشرعي سواء كانت هويته لبنانية أو غير لبنانية هو الشرط الأول لنجاح الإصلاح واستجرار أموال المساعدات العربية والدولية المخصصة لإعادة الإعمار، وكذلك لاستعادة ثقة العرب والعالم وتشجيع السياحة وأموال الاستثمارات" في لبنان.