القضية تزامنت مع إضراب قضائي في لبنان
القضية تزامنت مع إضراب قضائي في لبنان

أفرج القضاء اللبناني عن الممثلة اللبنانية ستيفاني صليبا، بعد ساعات على توقيفها، الجمعة، على ذمة التحقيق في شبهات "تبييض أموال وإثراء غير مشروع" ترتبط بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي يواجه والمقربين منه تحقيقات محلية ودولية وتدقيق حساباته وشركاته وانشطته المالية، على خلفية الانهيار المالي الذي ضرب لبنان قبل ثلاث سنوات.

الإفراج جاء بإشارة من النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان القاضية غادة عون بعد استجواب صليبا، حيث تم تركها رهن التحقيق، وذلك بعد ضجة كبيرة أثارتها القضية بكافة تفاصيلها لدى الرأي العام اللبناني، منذ ترك صليبا في المطار ثم توقيفها وصولاً إلى إطلاق سراحها.

وسبق أن أعطى النائب العام المالي في لبنان، القاضي علي إبراهيم، إشارة قضائية بتوقيف الممثلة اللبنانية، ستيفاني صليبا، صباح يوم الجمعة، وفق ما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان، بعد أن كان قد أخلى سبيلها عند توقيفها في مطار بيروت خلال عودتها من دبي، الخميس، بناء على بلاغ بحث وتحر صادر عن النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، القاضية غادة عون، التي تحقق في لبنان القضايا المالية المتعلقة حاكم المصرف المركزي بموازاة التحقيقات الدولية الجارية في هذا الشأن.

وكانت صحيفة "الأخبار" اللبنانية قالت، الخميس، إن "تدخلات سياسية على مستوى رفيع، وخصوصاً من قبل رئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، حالت دون توقيف صليبا لدى وصولها إلى مطار بيروت"، حيث كانت الممثلة اللبنانية خارج البلاد.  

من جهته، نفى مكتب ميقاتي الاتهامات بالتدخل، وأوضح في بيان أن ما ورد في وسائل إعلام محلية عن "تدخل ميقاتي في ملف صليبا غير صحيح على الإطلاق". 

وعلى إثر ذلك عبر لبنانيون عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن استهجانهم واعتراضهم على التدخلات السياسية، والتفرغ للإفراج عنها أو ملاحقتها في ظل اعتكاف وإضراب قضائي في البلاد يعاني منه اللبنانيون، كما وتناولت التعليقات الشبهات والاتهامات التي تدور حول كل من صليبا وسلامة، والعلاقة التي تربط بينهما.  

كذلك تسببت القضية، ومجرياتها، بنزاع قضائي وتضارب صلاحيات واختصاص بين كل من النائب العام المالي في لبنان، القاضي علي إبراهيم، أو النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، القاضية غادة عون، وذكرت تقارير إعلامية أن القاضي إبراهيم يرى أن الجرائم المالية من هذا النوع تقع ضمن اختصاصه، فيما القاضية عون تعتبر أنها المسؤولة الأولى عن التحقيقات والملاحقة التي تجريها في ملفات حاكم مصرف لبنان، وكل ما يرتبط به.  

وكانت قد أوضحت عون في تصريحات صحفية الخميس أن مذكرة البحث والتحري التي أصدرتها كانت للتحقيق في مصدر الهدايا الباهظة التي تتلقاها صليبا. وشددت على أنه ليس من صلاحية القاضي إبراهيم الحلول مكانها وإطلاق سراح صليبا، مشيرة إلى أنها ستتقدّم بشكوى بحقه لدى التفتيش القضائي، وذلك قبل أن يعيد القاضي إبراهيم توقيفها. 

بدوره نشر الأمن العام اللبناني بيانا أورد فيه تفاصيل مسار مداولات ملف ستيفاني صليبا، منذ لحظة وصولها إلى بيروت، وشرح البيان الذي جاء في إطار الرد على الروايات الإعلامية المتناقلة لما جرى، أن صليبا كانت قد وصلت عند  الساعة 8 من فجر يوم 8/12/2022، وأثناء الاستعلام العدلي عنها تبين ان في حقها "بلاغ بحث وتحر صادر عن المديرية العامة لامن الدولة - جبل لبنان، تاريخ 5/12/2022، بجرم تبييض أموال".

وأوضحت المديرية، أن "برقية بلاغ البحث والتحري، المشار إليها أعلاه، مرسلة إلى المديرية العامة للأمن العام بواسطة رئيس مكتب التحريات في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. ولم يُذكر فيها اسم القاضي أو النيابة العامة، الواجب مراجعته عند توقيف صاحبة العلاقة، وبعد التحقيق مع المدعوة صليبا في شعبة التحقيق في دائرة أمن عام المطار حسب الأصول، تمت مخابرة النيابة العامة المالية بشخص القاضي علي إبراهيم وفقاً للصلاحية كون الجرم المشار إليه في البرقية هو "جرم تبييض اموال"، ولا يوجد أية إشارة أو ملاحظة مدوّنة في البلاغ بوجوب مخابرة اي قاضي او اي مدعي عام في هذه القضية.

بناء عليه، وكون الجرم يتعلق بتبييض الأموال وللأسباب المذكورة أعلاه، يقول البيان: "تمت مراجعة المدعي العام المالي الذي أشار بترك صاحبة العلاقة رهن التحقيق، وسحب جواز سفرها اللبناني بموجب إيصال، ومراجعة قلم النيابة العامة المالية خلال 48 ساعة وعدم كف التدبير". وقامت المديرية العامة للأمن العام، "بصفتها الضابطة العدلية، بتنفيذ إشارة النيابة العامة المالية وفق الأصول القانونية المتبعة".

 وكان قد ارتبط اسم الممثلة اللبنانية بحاكم مصرف لبنان، على خلفية إعلان ترويجي للمصرف، قامت صليبا بتصويره، مطلع أكتوبر من العام 2019، مرتدية أزياء تحمل فئات من عملة الليرة اللبنانية، تحت شعار "ليرتنا قوتنا"، لصالح مجلة الأزياء اللبنانية "Spécial Madame Figaro" والتي تصدر باللغة الفرنسية. 

ولاقت صورتها بقميص الليرة الواحدة، الانتشار الأكبر بين الصور حينها، لكنها سرعان ما ارتدت سلبا على الممثلة بعد الانهيار المالي الكبير الذي ضرب الاقتصاد اللبناني بعد أيام على حملة "ليرتنا قوتنا"، والنقمة الشعبية التي نتجت على مصرف لبنان وشخص حاكمه رياض سلام، بسبب الحملات الإعلامية والترويجية المطمئنة حول وضع العملة اللبنانية، والتي تبين أنها لا تتوافق مع حقيقة الوضع المالي في البلاد، الأمر الذي وضع صليبا في خانة الماكينة الإعلامية لمصرف لبنان والمقربين من حاكم المصرف. 

وتأتي قضية صليبا على بعد أيام من ملاحقة أخرى تجري في فرنسا لامرأة أوكرانية على صلة بحاكم مصرف في إطار تحقيق أوسع في اتهامات بالاحتيال، وصرح متحدث باسم مكتب المدعين الماليين الوطنيين في باريس بأن، آنا كوساكوفا، التي لرياض سلامة ابنة منها، وفقا لشهادة ميلاد اطّلعت عليها "رويترز"، يُشتبه في تورطها في عمليات غسل أموال.

وأضاف المتحدث أن كوساكوفا، التي تم إخطارها بالتهم الأولية في 14 يونيو، اضطرت إلى تسليم جواز سفرها، وأُمرت بعدم مغادرة فرنسا.

والتحقيق الفرنسي جزء من جهود منسقة لمدعين عامين في لبنان، وكذلك في سويسرا وألمانيا ولوكسمبورغ وليختنشتاين، لمعرفة ما إذا كان سلامة قد استغل منصبه في مصرف لبنان لاختلاس مئات ملايين الدولارات من الأموال العامة.

متسوقون في سوق النبطية الذي أعيد فتحه بعد تدميره خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، في النبطية، جنوبي لبنان، 19 مايو 2025. رويترز
متسوقون في سوق النبطية الذي أعيد فتحه بعد تدميره خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، في النبطية، جنوبي لبنان، 19 مايو 2025. رويترز

وسط أنقاض خلفها القصف الإسرائيلي لجنوب لبنان، تحث ملصقات دعائية الناخبين على التصويت لجماعة حزب الله في الانتخابات البلدية غدا السبت، وسط مساعي الجماعة لإظهار أنها لا تزال تتمتع بنفوذ سياسي على الرغم من الضربات الموجعة التي تلقتها العام الماضي في الحرب مع إسرائيل.

والانتخابات البلدية بالنسبة لحزب الله أكثر أهمية من أي وقت مضى، إذ تتزامن مع تزايد الدعوات لنزع سلاح الجماعة واستمرار الضربات الجوية الإسرائيلية، وفي وقت لا يزال فيه كثير من قاعدتها الانتخابية من الشيعة يئنون تحت وطأة تداعيات الصراع.

ومضت بالفعل ثلاث جولات انتخابية أجريت هذا الشهر بشكل جيد بالنسبة للجماعة المدعومة من إيران. وفي الجنوب، لن تكون هناك منافسة في كثير من الدوائر، مما يمنح حزب الله وحلفاءه انتصارات مبكرة.

وقال علي طباجة البالغ من العمر 21 عاما "بالدم نريد أن ننتخب"، في إشارة إلى ولائه لحزب الله. وسيكون إدلاؤه بصوته في مدينة النبطية بدلا من قريته العديسة بسبب ما لحق بها من دمار.

وأضاف "العديسة صارت صحراء، راحت كلها، لم يعد فيها شيء".

ويعكس مشهد الأنقاض في الجنوب التداعيات المدمرة للحرب التي بدأت مع قصف جماعة حزب الله لإسرائيل "إسنادا" لحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) مع اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، وتطور الأمر إلى أن بلغ ذروته بهجوم إسرائيلي واسع النطاق.

وباتت الجماعة أضعف مما كانت عليه في السابق بعد مقتل قيادتها وآلاف من مقاتليها وتضاؤل ​​نفوذها على الدولة اللبنانية بشكل كبير وتزايد نفوذ خصومها في البلاد.

وفي مؤشر على مدى انقلاب الموازين، أعلنت الحكومة الجديدة أنها تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة ما يعني ضرورة نزع سلاح حزب الله كما هو منصوص عليه في اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل والذي توسطت فيه الولايات المتحدة.

وقال مهند الحاج علي من مركز كارنيغي للشرق الأوسط، وهو مركز أبحاث، إن نتائج الانتخابات تشير بناء على ذلك إلى أن "الحرب لم تحقق هدفها المتمثل في خفض شعبية حزب الله ... بل على العكس، يشعر كثير من الشيعة الآن بأن مصيرهم مرتبط بمصير حزب الله".

ولطالما كان سلاح الجماعة مصدر انقسام في لبنان ما أشعل فتيل اقتتال قصير عام 2008. ويقول منتقدون إن حزب الله جر لبنان إلى القتال.

وقال وزير الخارجية يوسف راجي، وهو معارض لحزب الله، إنه تم إبلاغ لبنان بأنه لن تكون هناك مساعدات من المانحين الأجانب لإعادة الإعمار حتى يكون السلاح بيد الدولة وحدها.

من ناحيته، ألقى حزب الله بعبء إعادة الإعمار على عاتق الحكومة واتهمها بالتقصير في اتخاذ خطوات تجاه هذا الأمر رغم وعود الحكومة.

شروط نزع السلاح

قال الحاج علي إن الهدف من ربط مساعدات إعادة الإعمار بنزع سلاح الجماعة هو تسريع العملية، لكن "من الصعب أن يقبل حزب الله بذلك".

وذكرت الجماعة أنه لا يوجد أي سلاح لها حاليا في الجنوب، لكنها تربط أي نقاش عما تبقى من ترسانة أسلحتها بانسحاب إسرائيل من خمسة مواقع لا تزال تسيطر عليها وبوقف الهجمات الإسرائيلية.

وتقول إسرائيل إن حزب الله لا يزال يمتلك بنية تحتية قتالية في الجنوب تضم منصات إطلاق صواريخ، ووصفت ذلك بأنه "انتهاك صارخ للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان".

وذكر مصدر دبلوماسي فرنسي أن إعادة الإعمار لن تتحقق إذا استمرت إسرائيل في القصف وإذا لم تتحرك الحكومة اللبنانية بالسرعة الكافية لنزع السلاح.

ويريد المانحون أيضا أن يقوم لبنان بإصلاحات اقتصادية.

وقال هاشم حيدر، رئيس مجلس الجنوب، إن الدولة ليس لديها الأموال اللازمة لإعادة الإعمار، لكنه أشار إلى أن هناك تقدما في رفع الأنقاض. ووفقا لتقديرات البنك الدولي، يحتاج لبنان إلى 11 مليار دولار لإعادة الإعمار والتعافي.

وتشير كومة من الأنقاض في النبطية إلى مكان متجر خليل ترحيني (71 عاما) الذي كان بين عشرات المتاجر التي دمرها القصف الإسرائيلي في سوق النبطية المركزي.

ولم يحصل ترحيني على أي تعويض، ولا يرى جدوى من التصويت. وقال "الدولة لم تقف إلى جانبا"، في تعبير عن شعوره بالخذلان.

لكن الوضع كان مختلفا تماما بعد حرب سابقة بين حزب الله وإسرائيل في عام 2006 حين تدفقت المساعدات من إيران ودول الخليج العربية.

وقال حزب الله إنه ساعد 400 ألف شخص ودفع تكاليف الإيجار والأثاث وترميم الأضرار، لكن المستفيدين يقولون إن الأموال المتاحة له تبدو أقل بكثير من عام 2006.

واتهم حزب الله السلطات الحكومية بعرقلة وصول الأموال القادمة من إيران رغم أن طهران تعاني أيضا من ضائقة مالية أكبر مما كانت عليه قبل عقدين بسبب تشديد الولايات المتحدة للعقوبات التي تفرضها عليها وعودتها من جديد لسياسة ممارسة "أقصى الضغوط".

أما دول الخليج، فقد توقفت مساعداتها للبنان مع انخراط حزب الله في صراعات إقليمية وتصنيفها له منظمة إرهابية في عام 2016. وأيدت السعودية موقف الحكومة اللبنانية بأن تكون المتحكم الوحيد في السلاح.

وقال حسن فضل الله النائب البرلماني عن حزب الله إن تأمين تمويل لإعادة الإعمار يقع على عاتق الحكومة، واتهمها بالتقصير في اتخاذ "أي تحركات فعالة في هذا السياق".

وحذر من أن هذه المسألة قد تفاقم الانقسامات في لبنان إذا لم تُعالج. وتساءل "هل يمكن أن يستقر جزء من الوطن وجزء آخر يتألم؟ هذا لا يستقيم" في إشارة إلى الشيعة في الجنوب ومناطق أخرى، بما في ذلك الضاحية الجنوبية لبيروت التي يُهيمن عليها حزب الله، والتي تضررت بشدة من قصف إسرائيل.