الفقر يطال معظم اللبنانيين
الفقر يطال معظم اللبنانيين

خلف جدران عدد كبير من منازل اللبنانيين قصص لا تعد ولا تحصى عن المعاناة من فقر استشرس في السنوات الأخيرة، تسلل من دون استئذان ليسيطر على حياتهم، ويحرمهم من أبسط مقومات العيش الكريم. 

زكريا السيد، واحد من الآباء الذين يعجزون عن تأمين حاجيات عائلته المؤلفة من أربعة أولاد، بل ويعجز حتى عن تأمين دوائه باستمرار، وهو المصاب بالسرطان منذ عام 2004، فقد ألقت الظروف الاقتصادية التي يمر بها لبنان بثقلها عليه، اضطر إلى التوقف عن العمل، باع وشقيقه المحل الذي كانا يمتلكانه لبيع اللحوم المثلجة، ليجد نفسه من دون مدخول.

يتكّل زكريا على فاعلي الخير، وعلى زوجته التي تعمل كمعلمة "احتياطية" في إحدى مدارس ببنين في عكار شمالي لبنان، والذي لا يزيد ما تجنيه عن المليون ليرة شهريا، حيث أن ساعة التدريس بثلاثين ألف ليرة أي أقل من دولار واحد. 

"الوضع أصعب مما يمكن شرحه"، كما يقول زكريا لموقع "الحرة"، مضيفا "أصبحت أنتظر صندوق الإعاشة، نسينا طعم اللحوم والدجاج والأجبان والألبان، قلبي يكاد ينفطر حين يشمّ أولادي رائحة الشواء من عند الجيران، إذ بالكاد أستطيع شراء الخضروات وربطة الخبز لهم، وأحزن كثيرا حين يقفون أمام واجهة محل ملابس يتأملون ما هو معروض وهم يعلمون أنهم لن يتمكنوا من شراء أي قطعة، أرى الدمعة في أعينهم دون أن أستطيع فعل شيء لهم". 

رجل يبحث عن لقمة في صندوق للقمامة في صيدا

أعلنت منظمة "هيومن رايتس ووتش'' في تقرير نشرته قبل يومين، تحت عنوان "تزايد الفقر والجوع وسط الأزمة الاقتصادية في لبنان" أن غالبية سكان لبنان عاجزون عن تأمين حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية وسط أزمة اقتصادية متفاقمة، حيث تتحمل الأسر ذات الدخل المحدود العبء الأكبر، وحضت الحكومة اللبنانية والبنك الدولي على اتخاذ إجراءات عاجلة للاستثمار في نظام حماية اجتماعية قائم على الحقوق ويضمن مستوى معيشيا لائقا للجميع. 

ألقى البحث الجديد الذي أجرته المنظمة الدولية، الضوء على المستويات المقلقة للفقر وانعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب تراجع النشاط الاقتصادي، وعدم الاستقرار السياسي، وارتفاع تكاليف المعيشة. 

ويبلغ عدد سكان لبنان حوالي 6.7 مليون نسمة، كما أشارت المنظمة الدولية، مضيفة "قدرت الأمم المتحدة في أواخر العام 2021 أن نحو نصفهم، أي قرابة 3.28 مليون شخص، دُفعوا إلى فقر الدخل منذ بدء الأزمة الاقتصادية في لبنان عام 2019. وازداد الوضع سوءا بالنسبة للآخرين الذين كانوا أصلا يعانون لتأمين حقوقهم الاقتصادية الأساسية، بما في ذلك الحق في الغذاء، أو التعليم، أو الرعاية الصحية". 

مصارعة الموت 

تمضي عائلة السيد الليل على ضوء الشمعة، فحتى الاشتراك بأمبير واحد في مولد خاص يفوق قدرتها، أما التدفئة فتحاول أن تستمدها من البطانيات، إذ يستحيل عليها شراء المازوت والحطب كون أسعارها باهظة.

ويؤكد زكريا أنه "حتى عام 2020 كان الوضع لا يزال مقبولا، إذ كانت الليرة اللبنانية لا تزال تحافظ ولو قليلا، على قيمتها أمام الدولار، لكن بعد أن تخطى سعر صرف الأخير في السوق السوداء الـ27 ألف ليرة، ساء الوضع كثيرا لا سيما وأن غالبية التجار معدومو الضمير يسعّرون بضاعتهم بحسب ما يحلو لهم، في ظل غياب الرقابة الجدية من قبل وزارة الاقتصاد". 

كل ما يتمناه زكريا ألا يمرض أحد من أفراد عائلته، لأنه لن يقدر على شراء الدواء لهم، كما يتمنى ألا تفرغ قارورة الغاز، "فأنا دائم التفكير في كيفية تأمين ثمنها، إذ أن كل سلعة يتخطى سعرها الـ 300 ألف ليرة أحتاج إلى معجزة كي أتمكّن من شرائها". 

شمل المسح الذي أجرته "هيومن رايتس ووتش" بين نوفمبر 2021 ويناير 2022، عينة تمثيلية شملت 1,209 أسرة في لبنان، وذلك لجمع معلومات حول الظروف الاقتصادية للأفراد وقدرتهم على تحمل تكاليف الطعام والأدوية والسكن والتعليم. سأل الباحثون أفراد العائلات إن كانوا يتلقون دعما ماليا أو عينيا من الحكومة أو الجماعات الدينية أو السياسية أو المنظمات غير الحكومية، وتحدثوا مع الأسر حول تأثير نقص الدخل الكافي. 

معظم اللبنانيين عاجزون عن توفير مصاريف الاحتياجات الأساسية

تسلط نتائج المسح الضوء على خطورة الوضع، وتشير إلى أن نظام الحماية الاجتماعية الحالي عاجز عن مواجهة الأزمة بالنسبة لكثير من الناس، حيث قالت قرابة 70 في المئة من العائلات إنها واجهت صعوبة في تغطية نفقات أفرادها أو إنهم تأخروا دائما عن دفع النفقات الأساسية في العام السابق. 

ينخر الفقر عائلة عبد الوهاب خالد، الذي خضع قبل أيام لعملية استئصال كليته (بعدما جمع تكلفة الفاتورة الاستشفائية من فاعلي الخير)، ما أجبره على التوقف عن عمله في صيد السمك لحين تحسن وضعه الصحي، وبالتالي حرم من مدخوله البسيط الذي لا يتجاوز المئة ألف ليرة يوميا، في وقت يظل أولاده الثلاثة عاطلين عن العمل.

ويقول بحرقة: "أشتري أدويتي بالدين من الصيدلية، وأعجز عن متابعة علاج ابنتي التي تعاني من كهرباء في الرأس، فأنا أعيش على الاستدانة وما يقدمه الخيّرون لي، كي لا نموت من المرض والجوع". 

أشارت "هيومن رايتس ووتش" في تقريرها إلى بيانات منظمة العمل الدولية المتعلقة بفترة ما قبل الأزمة (2018)، "حيث لم يكن لدى حوالي نصف السكان (52.8 في المئة) أي نوع من الحماية الاجتماعية.

ووجد تقرير حديث صادر عن منظمة "هيلب إيج إنترناشيونال"، وهي منظمة غير حكومية تدعم حقوق المسنين، أن الافتقار إلى الحماية الاجتماعية للمسنين في لبنان يعني أن 80 في المئة يعتمدون على أسرهم للحصول على الدعم المالي أو يعتمدون على ما لديهم من مدخرات". 

وكما عائلة السيد فإن عائلة خالد محرومة من اشتراك الكهرباء ومن وسائل التدفئة، ويشدد عبد الوهاب "تقدمت بطلب من أجل الحصول على بطاقة مساعدة من وزارة الشؤون الاجتماعية دون أن أصل إلى نتيجة".

تقاطعه ابنته قائلة: "الرطوبة تنهش منزلنا، والمياه تتسرب إليه من كل زاوية، أعارتنا عمتي سجّادتين لنشعر بالدفء ولو قليلا، نعيش في ظروف لا يتحملها إنسان، بحثت كثيراً عن وظيفة لمساعدة والدي، لكني فشلت، أحلم بالسفر خارج البلاد لكن جواز السفر يشكّل عائقا أمامي، فبدل تكلفته والمدة التي يستغرقها إنجازه كفيلان بتحطيم خشبة خلاصي".  

مأساة "عامة" 

من خلال احتكاك زاهر الكسار اليومي بالمواطنين، كونه مختار بلدة ببنين ورئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، ورئيس جمعية "عكار الزاهر الخيرية"، يقدّر أن "90 في المئة من الشعب اللبناني يعاني من الفقر، فمن كان قبل الأزمة الاقتصادية من الطبقة الوسطى أو الميسورة حُجز على ودائعه في المصارف، كما أن الموظفين والعمال في القطاعين العام والخاص التي كانت رواتبهم تكفيهم للعيش عيشة كريمة، لم يعد لها قيمة الآن". 

ويضيف "أصبحوا بحاجة لتأمين أبسط متطلبات الحياة من طعام وشراب وأقساط مدرسية وأدوية واستشفاء، وللأسف غالبية اللبنانيين يطرقون أبواب الجمعيات، وإن كانت تبعد عن منازلهم مئات الكيلومترات، يقفون في الطوابير للحصول على ربطة خبز أو صندوق إعاشة". 

في بلد فيه إحدى أعلى نِسب التفاوت في الدخل والثروة في المنطقة كما تشير "هيومن رايتس ووتش"، "يقول الأكاديميون ووكالات الأمم المتحدة إن الأزمة الاقتصادية وسّعت الفجوة، حيث اختفت مدخرات الأسر ذات الدخلين المتوسط والمحدود، وشحّت فيه فرص الارتقاء". 

يشدد الكسار في حديث لموقع "الحرة" على أنه "وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها اللبناني يحتفل إذا ما حصل على قارورة غاز أو غالون من المحروقات، ويحتار بين إطعام أولاده وشراء علبة دواء، نسي الرفاهية ورضخ للعيش من دون كهرباء وتدفئة ولشرب المياه الملوثة وللموت وهو على قيد الحياة، فحتى إن قرر السفر للخلاص من هذا البلد، سيتعرض للإذلال نتيجة اختفاء الطوابع من الأسواق، فعلى سبيل المثال فإن طابع العشرين ألف ليرة الذي يحتاجه المواطن لإخراج القيد، غير متوفر إلا في السوق السوداء بسعر مئتي ألف ليرة وما فوق، والمسؤول الأول عن هذه المعاناة هي وزارة المالية التي لا تقوم بواجبها في تأمين الطوابع، فاسحة المجال أمام تجّار السوق السوداء للتحكم بالناس". 

الانهيار الاقتصادي في لبنان

وبعد أن كان اللبناني كما يقول مختار ببنين "يخجل من طلب المساعدة علنا لم يعد يبالي في ذلك، حيث وجد في وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة لإيصال صوته ومعاناته، وهذه المأساة لا تستثني أيا من المناطق اللبنانية، ولولا المساعدة البسيطة التي يحصل عليها بعض المواطنين من وزارة الشؤون الاجتماعية لسمعنا فعلا عن أشخاص لقوا حتفهم جوعا وبردا". 

وسبق أن توصل مسح أجرته "اليونيسف" في شهر يونيو إلى أن "ما يصل إلى 70 في المئة من الأسر تقترض المال لشراء الطعام أو تشتريه بالدين. وقالت إنه يتم إرسال المزيد من الأطفال للعمل لإعالة أسرهم، ويتم تزويج الفتيات الصغيرات لتخفيف النفقات المالية". 

يتعرض الحق في الغذاء لتهديد شديد في لبنان في مختلف شرائح المجتمع، كما أشارت المنظمة الدولية حيث تقول الأسر إن "نقص الأموال أو الموارد الأخرى كان السبب الرئيسي لتفويت الوجبات أو نفاد الطعام. في أكثر من أسرة واحدة من بين كل أربع أسر، كان على شخص بالغ أن يفوّت وجبة بسبب نقص المال الكافي أو الموارد الأخرى للحصول على الطعام. كما نفد الطعام لدى 20 في المئة من الأسر في الشهر السابق بسبب نقص الموارد". 

وأضافت "يواجه أصحاب الدخل المحدود بشكل خاص انعدام الأمن الغذائي. 43 في المئة من الأسر التي شملها المسح والتي يقضي فيها شخص بالغ يوما كاملا دون تناول الطعام كانت ضمن شريحة الـ 20 في المئة الأدنى دخلا. كانت الأسر التي لديها أطفال والأسر التي تعيلها نساء أكثر احتمالا من غيرها أن تقول إنه لم يكن هناك، في بعض الأحيان أو في كثير من الأحيان، ما يكفي من الطعام في الشهر السابق". 

أما تغطية برامج المساعدة الاجتماعية الحالية، الممولة جزئياً من البنك الدولي، فضئيلة كما تشير "هيومن رايتس ووتش"، شارحة في تقريرها أنها "تستهدف بشكل ضيق للغاية الأسر التي تعيش في فقر مدقع، ما يترك شرائح كبيرة من السكان غير المؤهلين معرضين للجوع، وعاجزين عن الحصول على الأدوية، ويخضعون لأنواع أخرى من الحرمان التي تقوّض حقوقهم مثل الحق في الغذاء والصحة، وتشدد "لم تعتمد الحكومة بعد استراتيجية وطنية للحماية الاجتماعية تضمن الحق في الضمان الاجتماعي للجميع". 

انعكاسات "مدمرة" 

منذ عام 2019 والوضع، كما يقول الخبير الاقتصادي، لويس حبيقة، نحو مزيد من الانحدار، موضحا أن "أسباب عدة أدت إلى ارتفاع نسبة الفقر في لبنان، من بينها الحالة الداخلية السياسية والاجتماعية وانهيار قيمة العملة المحلية. تراجع دخل اللبنانيين وارتفعت كلفة المعيشة ما أدى إلى افقار اللبنانيين بنسب متفاوتة". 

وفيما إن كان رفع الدولار الجمركي سيساهم أكثر في إفقار اللبنانيين، أجاب حبيقة في حديث لموقع "الحرة" بالقول: "لن يطال الفقراء كما يعتقد البعض، كونه لا يشمل المواد الغذائية الأساسية، وقد تم إقراره لتأمين إيرادات للدولة، إذ قبل أسبوع أعلن وزير المال أن خزينته فارغة، بالتالي كيف سيؤمن رواتب موظفي القطاع العام". 

أما "هيومن رايتس ووتش" فأشارت إلى أن "ارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض قيمة العملة المحلية، والارتفاع الهائل في معدلات التضخم ورفع الدعم عن الأدوية والوقود، أدى إلى زيادة الصعوبة التي يواجهها الكثير من الناس لتلبية احتياجاتهم الأساسية".

ووجد المسح أن "تقريبا أربع من كل خمس أسر لديها معيل، فقد العمل منذ بدء الأزمة في 2019، مع بقاء حوالي 15 في المئة عاطلين عن العمل منذئذ. كانت الأسر التي لا يزال أحد أفرادها عاطلا عن العمل أكثر عرضة لمواجهة صعوبة في تلبية احتياجاتها". 

ولفتت إلى أن "متوسط الدخل الشهري للأسر بلغ 122 دولار أميركي فقط، واستمر التضخم في الارتفاع بشكل كبير منذ إجراء المسح. متوسط حجم الأسرة هو أربعة أشخاص، بينهم طفل واحد عمره أقل من 18 عاما. نسبة الأسر التي تعيش على دخل محدود للغاية كانت مرتفعة: على الصعيد الوطني، يكسب 40 في المئة من الأسر تقريبا 100 دولار أو أقل شهريا ويكسب 90 في المئة من الأسر أقل من 377 دولار شهرياً". 

انعكاسات الفقر على المجتمع اللبناني مدّمرة، كما تقول الأستاذة الجامعية والباحثة الاجتماعية، وديعة الأميوني، فهو يهدد "الأمن الأسري والاجتماعي والقومي"، وتشرح "على المستوى الأسري والاجتماعي، يسود التشنج والضغوطات بين الزوجين وبينهما وبين الأولاد، ما قد يؤدي إلى الطلاق وتفكك الأسرة، وعلى صعيد الأمن القومي يساهم الفقر في تلاشي الضوابط الأخلاقية وتجاوز القوانين، فترتفع نسبة جرائم السرقة والقتل، كما ينتشر تعاطي المخدرات فيغيب الأمن والأمان". 

تزايد مستويات الفقر في لبنان يدفع اللبنانيين كما تقول الأميوني لموقع "الحرة" "إلى فقدان الأمل ببلدهم، من هنا نرى أن عدد المهاجرين، لا سيما من فئة الشباب، ارتفع بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة، علماً أن محاربة الفقر ليست بالأمر الصعب، خاصة وأن لبنان بلد صغير وغني بموارده البشرية والطبيعية والاقتصادية، فالأمر يحتاج فقط إلى أن تعمل السلطة السياسية بضمير وأن تضع وتنفذ استراتيجيات وخططا اقتصادية للنهوض، عندها فقط يمكن بناء وطن يستحقه اللبنانيون، يواكب التطورات وينافس أعظم البلدان". 

للخروج من هذا النفق المظلم، يجب بحسب حبيقة، "البدء بمعالجة الأمور السياسية من خلال انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وتوقيع اتفاقية مع صندوق النقد الدولي، وإلى حينه فإن الانحدار مستمر، واذا كانت القوى الأمنية والجيش اللبناني متماسكان إلى حد الآن، نتيجة التعاطف الذي يتلقيانه داخليا وخارجيا وتخصيص جزء بسيط من رواتب عناصرهما بالدولار، إلا أن ما أخشاه هو انحلال الدولة والانفلات الأمني، وهذا أمر خطير يجب الانتباه له، لا سيما أننا في بلد الانقسام فيه طائفي ومذهبي".

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".