الفقر يطال معظم اللبنانيين
الفقر يطال معظم اللبنانيين

خلف جدران عدد كبير من منازل اللبنانيين قصص لا تعد ولا تحصى عن المعاناة من فقر استشرس في السنوات الأخيرة، تسلل من دون استئذان ليسيطر على حياتهم، ويحرمهم من أبسط مقومات العيش الكريم. 

زكريا السيد، واحد من الآباء الذين يعجزون عن تأمين حاجيات عائلته المؤلفة من أربعة أولاد، بل ويعجز حتى عن تأمين دوائه باستمرار، وهو المصاب بالسرطان منذ عام 2004، فقد ألقت الظروف الاقتصادية التي يمر بها لبنان بثقلها عليه، اضطر إلى التوقف عن العمل، باع وشقيقه المحل الذي كانا يمتلكانه لبيع اللحوم المثلجة، ليجد نفسه من دون مدخول.

يتكّل زكريا على فاعلي الخير، وعلى زوجته التي تعمل كمعلمة "احتياطية" في إحدى مدارس ببنين في عكار شمالي لبنان، والذي لا يزيد ما تجنيه عن المليون ليرة شهريا، حيث أن ساعة التدريس بثلاثين ألف ليرة أي أقل من دولار واحد. 

"الوضع أصعب مما يمكن شرحه"، كما يقول زكريا لموقع "الحرة"، مضيفا "أصبحت أنتظر صندوق الإعاشة، نسينا طعم اللحوم والدجاج والأجبان والألبان، قلبي يكاد ينفطر حين يشمّ أولادي رائحة الشواء من عند الجيران، إذ بالكاد أستطيع شراء الخضروات وربطة الخبز لهم، وأحزن كثيرا حين يقفون أمام واجهة محل ملابس يتأملون ما هو معروض وهم يعلمون أنهم لن يتمكنوا من شراء أي قطعة، أرى الدمعة في أعينهم دون أن أستطيع فعل شيء لهم". 

رجل يبحث عن لقمة في صندوق للقمامة في صيدا

أعلنت منظمة "هيومن رايتس ووتش'' في تقرير نشرته قبل يومين، تحت عنوان "تزايد الفقر والجوع وسط الأزمة الاقتصادية في لبنان" أن غالبية سكان لبنان عاجزون عن تأمين حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية وسط أزمة اقتصادية متفاقمة، حيث تتحمل الأسر ذات الدخل المحدود العبء الأكبر، وحضت الحكومة اللبنانية والبنك الدولي على اتخاذ إجراءات عاجلة للاستثمار في نظام حماية اجتماعية قائم على الحقوق ويضمن مستوى معيشيا لائقا للجميع. 

ألقى البحث الجديد الذي أجرته المنظمة الدولية، الضوء على المستويات المقلقة للفقر وانعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب تراجع النشاط الاقتصادي، وعدم الاستقرار السياسي، وارتفاع تكاليف المعيشة. 

ويبلغ عدد سكان لبنان حوالي 6.7 مليون نسمة، كما أشارت المنظمة الدولية، مضيفة "قدرت الأمم المتحدة في أواخر العام 2021 أن نحو نصفهم، أي قرابة 3.28 مليون شخص، دُفعوا إلى فقر الدخل منذ بدء الأزمة الاقتصادية في لبنان عام 2019. وازداد الوضع سوءا بالنسبة للآخرين الذين كانوا أصلا يعانون لتأمين حقوقهم الاقتصادية الأساسية، بما في ذلك الحق في الغذاء، أو التعليم، أو الرعاية الصحية". 

مصارعة الموت 

تمضي عائلة السيد الليل على ضوء الشمعة، فحتى الاشتراك بأمبير واحد في مولد خاص يفوق قدرتها، أما التدفئة فتحاول أن تستمدها من البطانيات، إذ يستحيل عليها شراء المازوت والحطب كون أسعارها باهظة.

ويؤكد زكريا أنه "حتى عام 2020 كان الوضع لا يزال مقبولا، إذ كانت الليرة اللبنانية لا تزال تحافظ ولو قليلا، على قيمتها أمام الدولار، لكن بعد أن تخطى سعر صرف الأخير في السوق السوداء الـ27 ألف ليرة، ساء الوضع كثيرا لا سيما وأن غالبية التجار معدومو الضمير يسعّرون بضاعتهم بحسب ما يحلو لهم، في ظل غياب الرقابة الجدية من قبل وزارة الاقتصاد". 

كل ما يتمناه زكريا ألا يمرض أحد من أفراد عائلته، لأنه لن يقدر على شراء الدواء لهم، كما يتمنى ألا تفرغ قارورة الغاز، "فأنا دائم التفكير في كيفية تأمين ثمنها، إذ أن كل سلعة يتخطى سعرها الـ 300 ألف ليرة أحتاج إلى معجزة كي أتمكّن من شرائها". 

شمل المسح الذي أجرته "هيومن رايتس ووتش" بين نوفمبر 2021 ويناير 2022، عينة تمثيلية شملت 1,209 أسرة في لبنان، وذلك لجمع معلومات حول الظروف الاقتصادية للأفراد وقدرتهم على تحمل تكاليف الطعام والأدوية والسكن والتعليم. سأل الباحثون أفراد العائلات إن كانوا يتلقون دعما ماليا أو عينيا من الحكومة أو الجماعات الدينية أو السياسية أو المنظمات غير الحكومية، وتحدثوا مع الأسر حول تأثير نقص الدخل الكافي. 

معظم اللبنانيين عاجزون عن توفير مصاريف الاحتياجات الأساسية

تسلط نتائج المسح الضوء على خطورة الوضع، وتشير إلى أن نظام الحماية الاجتماعية الحالي عاجز عن مواجهة الأزمة بالنسبة لكثير من الناس، حيث قالت قرابة 70 في المئة من العائلات إنها واجهت صعوبة في تغطية نفقات أفرادها أو إنهم تأخروا دائما عن دفع النفقات الأساسية في العام السابق. 

ينخر الفقر عائلة عبد الوهاب خالد، الذي خضع قبل أيام لعملية استئصال كليته (بعدما جمع تكلفة الفاتورة الاستشفائية من فاعلي الخير)، ما أجبره على التوقف عن عمله في صيد السمك لحين تحسن وضعه الصحي، وبالتالي حرم من مدخوله البسيط الذي لا يتجاوز المئة ألف ليرة يوميا، في وقت يظل أولاده الثلاثة عاطلين عن العمل.

ويقول بحرقة: "أشتري أدويتي بالدين من الصيدلية، وأعجز عن متابعة علاج ابنتي التي تعاني من كهرباء في الرأس، فأنا أعيش على الاستدانة وما يقدمه الخيّرون لي، كي لا نموت من المرض والجوع". 

أشارت "هيومن رايتس ووتش" في تقريرها إلى بيانات منظمة العمل الدولية المتعلقة بفترة ما قبل الأزمة (2018)، "حيث لم يكن لدى حوالي نصف السكان (52.8 في المئة) أي نوع من الحماية الاجتماعية.

ووجد تقرير حديث صادر عن منظمة "هيلب إيج إنترناشيونال"، وهي منظمة غير حكومية تدعم حقوق المسنين، أن الافتقار إلى الحماية الاجتماعية للمسنين في لبنان يعني أن 80 في المئة يعتمدون على أسرهم للحصول على الدعم المالي أو يعتمدون على ما لديهم من مدخرات". 

وكما عائلة السيد فإن عائلة خالد محرومة من اشتراك الكهرباء ومن وسائل التدفئة، ويشدد عبد الوهاب "تقدمت بطلب من أجل الحصول على بطاقة مساعدة من وزارة الشؤون الاجتماعية دون أن أصل إلى نتيجة".

تقاطعه ابنته قائلة: "الرطوبة تنهش منزلنا، والمياه تتسرب إليه من كل زاوية، أعارتنا عمتي سجّادتين لنشعر بالدفء ولو قليلا، نعيش في ظروف لا يتحملها إنسان، بحثت كثيراً عن وظيفة لمساعدة والدي، لكني فشلت، أحلم بالسفر خارج البلاد لكن جواز السفر يشكّل عائقا أمامي، فبدل تكلفته والمدة التي يستغرقها إنجازه كفيلان بتحطيم خشبة خلاصي".  

مأساة "عامة" 

من خلال احتكاك زاهر الكسار اليومي بالمواطنين، كونه مختار بلدة ببنين ورئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، ورئيس جمعية "عكار الزاهر الخيرية"، يقدّر أن "90 في المئة من الشعب اللبناني يعاني من الفقر، فمن كان قبل الأزمة الاقتصادية من الطبقة الوسطى أو الميسورة حُجز على ودائعه في المصارف، كما أن الموظفين والعمال في القطاعين العام والخاص التي كانت رواتبهم تكفيهم للعيش عيشة كريمة، لم يعد لها قيمة الآن". 

ويضيف "أصبحوا بحاجة لتأمين أبسط متطلبات الحياة من طعام وشراب وأقساط مدرسية وأدوية واستشفاء، وللأسف غالبية اللبنانيين يطرقون أبواب الجمعيات، وإن كانت تبعد عن منازلهم مئات الكيلومترات، يقفون في الطوابير للحصول على ربطة خبز أو صندوق إعاشة". 

في بلد فيه إحدى أعلى نِسب التفاوت في الدخل والثروة في المنطقة كما تشير "هيومن رايتس ووتش"، "يقول الأكاديميون ووكالات الأمم المتحدة إن الأزمة الاقتصادية وسّعت الفجوة، حيث اختفت مدخرات الأسر ذات الدخلين المتوسط والمحدود، وشحّت فيه فرص الارتقاء". 

يشدد الكسار في حديث لموقع "الحرة" على أنه "وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها اللبناني يحتفل إذا ما حصل على قارورة غاز أو غالون من المحروقات، ويحتار بين إطعام أولاده وشراء علبة دواء، نسي الرفاهية ورضخ للعيش من دون كهرباء وتدفئة ولشرب المياه الملوثة وللموت وهو على قيد الحياة، فحتى إن قرر السفر للخلاص من هذا البلد، سيتعرض للإذلال نتيجة اختفاء الطوابع من الأسواق، فعلى سبيل المثال فإن طابع العشرين ألف ليرة الذي يحتاجه المواطن لإخراج القيد، غير متوفر إلا في السوق السوداء بسعر مئتي ألف ليرة وما فوق، والمسؤول الأول عن هذه المعاناة هي وزارة المالية التي لا تقوم بواجبها في تأمين الطوابع، فاسحة المجال أمام تجّار السوق السوداء للتحكم بالناس". 

الانهيار الاقتصادي في لبنان

وبعد أن كان اللبناني كما يقول مختار ببنين "يخجل من طلب المساعدة علنا لم يعد يبالي في ذلك، حيث وجد في وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة لإيصال صوته ومعاناته، وهذه المأساة لا تستثني أيا من المناطق اللبنانية، ولولا المساعدة البسيطة التي يحصل عليها بعض المواطنين من وزارة الشؤون الاجتماعية لسمعنا فعلا عن أشخاص لقوا حتفهم جوعا وبردا". 

وسبق أن توصل مسح أجرته "اليونيسف" في شهر يونيو إلى أن "ما يصل إلى 70 في المئة من الأسر تقترض المال لشراء الطعام أو تشتريه بالدين. وقالت إنه يتم إرسال المزيد من الأطفال للعمل لإعالة أسرهم، ويتم تزويج الفتيات الصغيرات لتخفيف النفقات المالية". 

يتعرض الحق في الغذاء لتهديد شديد في لبنان في مختلف شرائح المجتمع، كما أشارت المنظمة الدولية حيث تقول الأسر إن "نقص الأموال أو الموارد الأخرى كان السبب الرئيسي لتفويت الوجبات أو نفاد الطعام. في أكثر من أسرة واحدة من بين كل أربع أسر، كان على شخص بالغ أن يفوّت وجبة بسبب نقص المال الكافي أو الموارد الأخرى للحصول على الطعام. كما نفد الطعام لدى 20 في المئة من الأسر في الشهر السابق بسبب نقص الموارد". 

وأضافت "يواجه أصحاب الدخل المحدود بشكل خاص انعدام الأمن الغذائي. 43 في المئة من الأسر التي شملها المسح والتي يقضي فيها شخص بالغ يوما كاملا دون تناول الطعام كانت ضمن شريحة الـ 20 في المئة الأدنى دخلا. كانت الأسر التي لديها أطفال والأسر التي تعيلها نساء أكثر احتمالا من غيرها أن تقول إنه لم يكن هناك، في بعض الأحيان أو في كثير من الأحيان، ما يكفي من الطعام في الشهر السابق". 

أما تغطية برامج المساعدة الاجتماعية الحالية، الممولة جزئياً من البنك الدولي، فضئيلة كما تشير "هيومن رايتس ووتش"، شارحة في تقريرها أنها "تستهدف بشكل ضيق للغاية الأسر التي تعيش في فقر مدقع، ما يترك شرائح كبيرة من السكان غير المؤهلين معرضين للجوع، وعاجزين عن الحصول على الأدوية، ويخضعون لأنواع أخرى من الحرمان التي تقوّض حقوقهم مثل الحق في الغذاء والصحة، وتشدد "لم تعتمد الحكومة بعد استراتيجية وطنية للحماية الاجتماعية تضمن الحق في الضمان الاجتماعي للجميع". 

انعكاسات "مدمرة" 

منذ عام 2019 والوضع، كما يقول الخبير الاقتصادي، لويس حبيقة، نحو مزيد من الانحدار، موضحا أن "أسباب عدة أدت إلى ارتفاع نسبة الفقر في لبنان، من بينها الحالة الداخلية السياسية والاجتماعية وانهيار قيمة العملة المحلية. تراجع دخل اللبنانيين وارتفعت كلفة المعيشة ما أدى إلى افقار اللبنانيين بنسب متفاوتة". 

وفيما إن كان رفع الدولار الجمركي سيساهم أكثر في إفقار اللبنانيين، أجاب حبيقة في حديث لموقع "الحرة" بالقول: "لن يطال الفقراء كما يعتقد البعض، كونه لا يشمل المواد الغذائية الأساسية، وقد تم إقراره لتأمين إيرادات للدولة، إذ قبل أسبوع أعلن وزير المال أن خزينته فارغة، بالتالي كيف سيؤمن رواتب موظفي القطاع العام". 

أما "هيومن رايتس ووتش" فأشارت إلى أن "ارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض قيمة العملة المحلية، والارتفاع الهائل في معدلات التضخم ورفع الدعم عن الأدوية والوقود، أدى إلى زيادة الصعوبة التي يواجهها الكثير من الناس لتلبية احتياجاتهم الأساسية".

ووجد المسح أن "تقريبا أربع من كل خمس أسر لديها معيل، فقد العمل منذ بدء الأزمة في 2019، مع بقاء حوالي 15 في المئة عاطلين عن العمل منذئذ. كانت الأسر التي لا يزال أحد أفرادها عاطلا عن العمل أكثر عرضة لمواجهة صعوبة في تلبية احتياجاتها". 

ولفتت إلى أن "متوسط الدخل الشهري للأسر بلغ 122 دولار أميركي فقط، واستمر التضخم في الارتفاع بشكل كبير منذ إجراء المسح. متوسط حجم الأسرة هو أربعة أشخاص، بينهم طفل واحد عمره أقل من 18 عاما. نسبة الأسر التي تعيش على دخل محدود للغاية كانت مرتفعة: على الصعيد الوطني، يكسب 40 في المئة من الأسر تقريبا 100 دولار أو أقل شهريا ويكسب 90 في المئة من الأسر أقل من 377 دولار شهرياً". 

انعكاسات الفقر على المجتمع اللبناني مدّمرة، كما تقول الأستاذة الجامعية والباحثة الاجتماعية، وديعة الأميوني، فهو يهدد "الأمن الأسري والاجتماعي والقومي"، وتشرح "على المستوى الأسري والاجتماعي، يسود التشنج والضغوطات بين الزوجين وبينهما وبين الأولاد، ما قد يؤدي إلى الطلاق وتفكك الأسرة، وعلى صعيد الأمن القومي يساهم الفقر في تلاشي الضوابط الأخلاقية وتجاوز القوانين، فترتفع نسبة جرائم السرقة والقتل، كما ينتشر تعاطي المخدرات فيغيب الأمن والأمان". 

تزايد مستويات الفقر في لبنان يدفع اللبنانيين كما تقول الأميوني لموقع "الحرة" "إلى فقدان الأمل ببلدهم، من هنا نرى أن عدد المهاجرين، لا سيما من فئة الشباب، ارتفع بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة، علماً أن محاربة الفقر ليست بالأمر الصعب، خاصة وأن لبنان بلد صغير وغني بموارده البشرية والطبيعية والاقتصادية، فالأمر يحتاج فقط إلى أن تعمل السلطة السياسية بضمير وأن تضع وتنفذ استراتيجيات وخططا اقتصادية للنهوض، عندها فقط يمكن بناء وطن يستحقه اللبنانيون، يواكب التطورات وينافس أعظم البلدان". 

للخروج من هذا النفق المظلم، يجب بحسب حبيقة، "البدء بمعالجة الأمور السياسية من خلال انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وتوقيع اتفاقية مع صندوق النقد الدولي، وإلى حينه فإن الانحدار مستمر، واذا كانت القوى الأمنية والجيش اللبناني متماسكان إلى حد الآن، نتيجة التعاطف الذي يتلقيانه داخليا وخارجيا وتخصيص جزء بسيط من رواتب عناصرهما بالدولار، إلا أن ما أخشاه هو انحلال الدولة والانفلات الأمني، وهذا أمر خطير يجب الانتباه له، لا سيما أننا في بلد الانقسام فيه طائفي ومذهبي".

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".