من عالم التوحد إلى "نجم" على "السوشيال ميديا".. قصة نجاح ملهمة
التقديرات تشير إلى معاناة حوالي طفل من كل 100 طفل من التوحد في العالم

رحلة طويلة معبّدة بالأشواك والزهور، قطعتها فاتن مرعشلي مع ابنها محمود حجازي المصاب باضطرابات طيف التوحد، من محطة الإنكار إلى قطار تقّبل الواقع وصولاً إلى مشاركة الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي بيومياتهما، نجحت ابنة بيروت في إيصال رسالتها التي كتبتها بحبر الصبر والمثابرة.

من "بوابة" الفيسبوك تمكّنت فاتن من تعريف متابعينها على حالة المصابين بالتوحد، وقدرات ابنها والصراعات التي تواجهها، وكذلك لحظات السعادة التي يعيشانها، محاربة بذلك المجتمع بسلاح إيجابي بعدما شن معركته عليها بطريقة غير مباشرة مشكّلاً عائقاً كبيراً أمامها، أما هدفها الأسمى من توثيق مقتطفات من حياتها فهو دعم الأمهات اللواتي لا يزلن في مرحلة إنكار وعدم تقبل لإصابة أولادهن بالتوحد.

تعود فاتن بذاكرتها 20 عاما إلى الوراء، أي منذ ولادة ابنها الذي لم يكن يعاني من أي عوارض، وكما تقول لموقع "الحرة": "كانت الأمور تسير بشكل هادئ، إلى أن انقلبت رأساً على عقب حين بلغ السنتين من عمره، حيث فقد تواصله البصري وتراجعت قدرته على الكلام، أصبح يمارس حركات نمطية تكرارية، كأن يدور حول نفسه، يضحك ويبكي فجأة، شعرت أنه يعيش في عالمه الخاص وأنه مختلف عن أقرانه".

عرضت فاتن طفلها على طبيب نفسي، فأطلعها أنه مصاب بالتوحد، لم تكن حينها تعلم "أي شيء عن هذا المرض، اعتقدتُ بداية أنه كباقي الأمراض يمكن الشفاء منه من خلال تناول حبة دواء، طلبت من الطبيب وصف العلاج له لكي يشفى ويعود إلى وضعه الطبيعي، إلا أني صدمت عندما علمت أن ذلك استعصى على كل أطباء العالم".

تعرّف منظمة الصحة العالمية اضطرابات طيف التوحد بأنه "مجموعة من الاعتلالات المتنوعة التي تتصف ببعض الصعوبات في التفاعل الاجتماعي والتواصل. ولهذه الاعتلالات سمات أخرى تتمثل في أنماط لا نموذجية من الأنشطة والسلوكيات مثل صعوبة الانتقال من نشاط إلى آخر والاستغراق في التفاصيل وردود الفعل غير الاعتيادية على الأحاسيس".

وتشير التقديرات كما أوردتها المنظمة العالمية "إلى معاناة حوالي طفل من كل 100 طفل من التوحد في العالم، وتمثل هذه التقديرات رقما متوسطا، ويختلف معدل الانتشار المبلغ عنه اختلافا شديدا بين الدراسات. ومع ذلك، أفادت بعض الدراسات المضبوطة جيدا بمعدلات أعلى بكثير. ومعدل انتشار التوحد غير معروف في العديد من البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط".

مواجهة التحديات

سبع سنوات من الإنكار عاشتها فاتن، محاولة إقناع نفسها بأنها ستعثر على ضالتها (أي الدواء) وستنتشل ابنها من براثن التوحد، أصيبت خلال هذه المرحلة باكتئاب شديد أرخى بظلاله على عائلتها، إلى أن اتخذت قرارها بالبحث عن شفائها النفسي، خاصة أنها تأكدت أن حالة ابنها سترافقه طوال عمره، وأن عليها تقبّله كما هو.

خلال رحلة تعافيها النفسي اكتشفت "أم محمود" بأن عليها أن تحب نفسها وترضى بواقعها لكي تستطيع الإمساك بيد ابنها ومساعدته، كما اكتشفت نقاط قوتها، وتمكنت من تحقيق أحلامها الشخصية منها متابعة تعليمها الجامعي، كل ذلك انعكس إيجابا على ولدها حيث ظهرت عليه علامات التحسن ونتيجة تعبها لسنوات طويلة في متابعته".

كل الدراسات تشير كما تقول الوالدة إلى "تراجع قدرات مرضى التوحد في سن البلوغ، لكن محمود أثبت عدم صحة ذلك، فبعد أن حضّرت نفسي أمام الأسوأ فاجأني بأن حالته لم تتدهور وبأنه لا يزال يسير في طريق تطوير قدراته، ولا زلت حتى اليوم ألمس نتيجة المجهود الذي أبذله من أجله".

وعن أبرز التحديات التي واجهتها تشرح "لكل مرحلة عمرية تحدياتها، لكن مرحلتي الطفولة والتأسيس أصعبها، فتعليم الطفل الطبيعي المهارات اليومية والقراءة والكتابة أمر صعب، فكيف لمصاب التوحد الذي يحتاج لسنوات لتعلم مهارة ما، من دون أن أنسى معاناة الاختلاط بالمجتمع، لكن بعدما كنت أنظر إلى التحديات نظرة سوداوية، أصبحت أعتبرها فرصة تعليمية جديدة لي ولابني".

وعن دور الأب تقول فاتن إنه "مهم جدا، لكن للأسف في مجتمعنا العربي عليه تكريس وقته لتأمين مصروف عائلته، يبذل جهدا كبيرا إذا لم يكن يعاني أي من أولاده من مرض، فكيف إن كان لديه ابنا مصابا بالتوحد يحتاج إلى دعم طوال العمر، في دولة يظلم فيها الأشخاص الطبيعيين فكيف بذوي الاحتياجات الخاصة؟".

منذ طفولته، تابع فريق من الاختصاصيين حالة محمود في أحد المراكز الخاصة، وعندما بلغ السادسة عشرة من عمره جرى تسجيله في مدرسة بهدف انخراطه في بيئة جديدة، قبل أن ينتقل وعائلته للإقامة في دبي مع انتشار وباء كورونا، وتقول فاتن: "للأسف، المدارس الدامجة في لبنان تجارية تصبو إلى الربح المادي، حيث لا تتمتع بأي مؤهلات، من الأساتذة الى التلاميذ فالمناهج الدراسية".

منذ طفولته، تابع فريق من الاختصاصيين حالة محمود في أحد المراكز الخاصة

انعكست الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان على الجمعيات والمراكز التي تعنى بحالات التوحد، حيث أقفل عدد منها، كما تقول رئيسة "جمعية الأهل لدعم التوحّد"، غادة مخول، وذلك نتيجة "تراجع قدرة وزارة الشؤون الاجتماعية على دعمها وعدم قدرة الأهالي على دفع المترتب عليهم لمراكز متابعة حالة ابنائهم، أما المراكز التي يدعمها الأهالي والمبادرات الفردية كما حال مركزنا فإنها لا تزال صامدة".

استقبل مركز مخول عند افتتاحه خمسة أطفال يعانون من التوحد، أما اليوم فيضم 20 ولداً، ويجري العمل على مضاعفة العدد، في يونيو القادم، بعد الانتهاء من توسعته، وذلك بسبب تزايد عدد الطلبات من قبل الأهالي لتسجيل أولادهم فيه.

وفي حديث مع موقع "الحرة" توجهت مخول إلى "الوزارات المعنية وكل من يستطيع المساعدة بألا يترددوا في ذلك، كون بقاء المتوحد في المنزل يؤدي إلى تراجع قدراته، وبالتالي صعوبة دمجه في المجتمع وتقبّله من قبل أفراده، لا سيما وأن غالبية المدارس اللبنانية غير مؤهلة لحالتهم بسبب التكلفة المرتفعة".

تخطي الأحلام

ترفض مخول اعتبار التوحد مرضا "كون لا يوجد فحص طبي يثبت الإصابة به ولعدم وجود علاج له"، لافتة إلى دراستين أجرتهما الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية خلصتا إلى أن لبنان يتبع الإحصاءات العالمية فيما يتعلق بعدد الذين يعانون من التوحد".

تركّز "جمعية الأهل لدعم التوحّد" على الدمج الاجتماعي، من خلال نشاطات متنوعة منها اصطحاب المتوحدين برفقة أهاليهم إلى المطاعم ودور السينما التي كان يتم تخصيصها ليوم في الشهر لحالتهم الخاصة، من خلال تخفيف الإضاءة والصوت، إضافة إلى استضافة متطوعين من طلاب الجامعات لتمضية بعض الوقت في المركز، لكن انتشار وباء كورونا كما تقول مخول "أجبرنا على التوقف، وها نحن نعاود نشاطنا الذي سيكون زاخرا في فترة الأعياد".

في رسالته بمناسبة اليوم العالمي للتوعية بمرض التوّحد، في 2 أبريل، كشف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش النقاب عن الطريقة التي أدّت بها جائحة كوفيد-19 إلى تفاقم عدم المساواة وتأثير ذلك على الأشخاص المصابين بهذه الحالة، مشدداً على كيفية دعم الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص المصابين بالتوحد في المشاركة الكاملة في المجتمع، بما يتماشى مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وخطة التنمية المستدامة لعام 2030، والتي تتعهد "بعدم ترك أحد يتخلف عن الركب".

الحياة كالبيانو فيها الأبيض والأسود، الفرح والحزن، وأسعد اللحظات التي عاشتها فاتن عندما عزف محمود على البيانو في مركز النخيل التجاري في دبي.

وتقول: "كان إنجازا تخطى أحلامي، وإحدى لحظات الفرح التي عشتها معه تضاف إلى لحظات كنت ولا زلت أعيشها مع كل تقدم يحققه، فكما تفرح كل أم بأول كلمة وأول خطوة وأي نجاح يحرزه ولدها، تفرح أمهات المصابين بالتوحد لكن بالتقسيط، فإلى اليوم أشعر أني أمتلك الكون حين أسمعه ينطق بكلمة جديدة أو يقوى على القيام بما عجز عنه طوال هذه السنوات" وعن أمنيتها أجابت "أن يجيبني عن سؤالي دون أن أضطر إلى تكراره عدة مرات وبطرق مختلفة".

تتباين قدرات الأشخاص المصابين بالتوحد واحتياجاتهم ويمكن أن تتطور مع مرور الوقت، كما تشير منظمة الصحة العالمية "فقد يتمكن بعض المصابين بالتوحد من التمتع بحياة مستقلة غير أن بعضهم الآخر يعاني من إعاقات وخيمة ويحتاج إلى الرعاية والدعم مدى الحياة".

وتؤكد أنه "غالبا ما يؤثر التوحد في التعليم وفرص العمل. وإضافة إلى ذلك، قد يزداد عبء تقديم الرعاية والدعم الملقى على الأسر. والسلوكيات المجتمعية ومستويات الدعم المقدم من الهيئات المحلية والوطنية هي عوامل مهمة تحدد جودة حياة المصابين بالتوحد".

وتشير إلى أنه "يمكن اكتشاف سمات التوحد في مرحلة الطفولة المبكرة، ولكنه لا يُشخص في الغالب إلا بعد هذه المرحلة بفترة طويلة، شارحة "غالبا ما يعاني المصابون بالتوحد من اعتلالات مصاحبة تشمل الصرع والاكتئاب والقلق واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط بالإضافة إلى سلوكيات مستعصية مثل صعوبة النوم وإلحاق الأذى بالنفس. ويتفاوت مستوى الأداء الذهني بين الأشخاص المصابين بالتوحد تفاوتا كبيرا يتراوح بين الاختلال الشديد والمهارات المعرفية العليا".

أما رئيسة "جمعية الأهل لدعم التوحد" فتؤكد أن "المتوحد شخص حساس جدا، يتأثر كثيرا بمحيطه، لذلك ينزعج بصورة كبيرة، فهو يفضّل الهدوء، وغالبية من يعانون من هذه الحالة يعشقون الطبيعة والبحر والموسيقى، مع العلم أن ما بين 50 إلى 60 في المئة من المتوحدين لا يتكلمون ومعظمهم لا يجيدون التعبير حتى لو كانوا يتحدثون، وهم بحاجة للدعم والاهتمام ما داموا على قيد الحياة".

رسالة دعم

عانت مخول كثيرا حتى تمكنت من اكتشاف ما يعانيه ابنها أنطوني، ٢٤ عاما، الذي ولد كأي طفل طبيعي، لا بل نطق أولى كلماته في عمر السبعة أشهر، مشى أولى خطواته في عمر السنة، لكن بعد شهرين توقف عن التكلم وعن التجاوب مع ما يدور حوله.

تذكُر كيف صدمت ذات يوم حين لم يبد أي ردة فعل لعواء كلب أرعب كل المتواجدين في المكان، ظنت حينها أنه يفتقد حاسة السمع، لكن الطبيب أكد لها أن سمعه ممتاز، كما أن جميع الأطباء الذين قصدتهم عجزوا عن تشخيص حالته، إلى أن تمكّن برنامج تلفزيوني كانت تشاهده من ذلك، بعدما خصص حلقة عن التوحد، فاكتشفت أن كل العوارض التي تم ذكرها تنطبق على طفلها.

ليس من السهل كما تشير مخول تشخيص التوحد "إذ تختلف أعراضه من طفل إلى آخر، الأمر يحتاج إلى طبيب اختصاصي أو فريق من الاختصاصيين الذين يتوجب عليهم إجراء مجموعة من اختبارات التطور للطفل بما فيها اختبارات اللغة والكلام والسلوك، كما أنه باستطاعة طبيب الأطفال اكتشاف بعض علامات التوحد المبكرة، مشددة على ضرورة "التشخيص المبكر، لكي يستجيب الطفل للعلاج بشكل أكبر".

وعن أسباب التوحد، ذكرت منظمة الصحة العالمية أن "البيّنات العلمية المتاحة تشير إلى وجود عدة عوامل تزيد على الأرجح احتمال إصابة الطفل به، وتشمل العوامل البيئية والوراثية".

وكما فاتن، صدمت مخول عندما علمت بإصابة ابنها بالتوحد، لم تتقبل الأمر بسهولة، حتى بدأت تتحدث عن حالته، فمن خلال ذلك استمدت قوتها لمواجهة المجتمع، أنشأت أول موقع إلكتروني عن التوحد، وفي عام 2015 أسست الجمعية بهدف مساعدة أهالي المصابين، لتفتح بعدها المركز، ويبقى هدفها وهاجسها الأكبر كيفية تأمين مستقبل آمن لهؤلاء كون لا نهاية لحاجتهم للدعم.

يمكن تحسين نمو المصابين بالتوحد وصحتهم وعافيتهم وجودة حياتهم على أمثل وجه من خلال حصولهم كما تشير منظمة الصحة العالمية "على مجموعة كبيرة من التدخلات من مرحلة الطفولة المبكرة وفي جميع مراحل العمر. وقد يؤدي حصول الأطفال المصابين بالتوحد في الوقت المناسب على التدخلات النفسية والاجتماعية المسندة بالبينات إلى تحسين قدرتهم على التواصل الفعال والتفاعل الاجتماعي".

ومن المهم كما تضيف "إتاحة المعلومات ذات الصلة والخدمات وفرص الإحالة والدعم العملي للأطفال والمراهقين والبالغين الذين شُخصت إصابتهم بالتوحد والقائمين على رعايتهم بما يتناسب مع احتياجاتهم وتفضيلاتهم الشخصية المتغيرة" مضيفة "يحتاج الأشخاص المصابون بالتوحد إلى رعاية صحية معقدة ومجموعة من الخدمات المتكاملة تشمل تعزيز الصحة والرعاية وإعادة التأهيل. ومن المهم أن يتعاون قطاع الصحة مع قطاعات أخرى ولا سيما قطاعات التعليم والعمل والرعاية الاجتماعية".

ويتعين كما تشدد المنظمة العالمية "تصميم التدخلات الموجهة إلى الأشخاص المصابين بالتوحد واضطرابات النمو الأخرى وتطبيقها بمشاركة هؤلاء الأشخاص. كما يتعين أن تكون الرعاية مصحوبة بإجراءات اجتماعية ومجتمعية لمزيد من التيسير والشمول والدعم".

رغم التقدم الذي تم إحرازه على صعيد توعية المجتمع اللبناني حول التوحد حيث ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي في ذلك، إلا أنه كما تشدد مخول "لا يزال يحتاج إلى الكثير لتفهّم وتقبّل هذه الحالات"، من هنا توجّهت إلى أهالي المتوحدين بالقول: "تقبلوا أبناءكم وأحبوهم، لا تبالوا بنظرة المجتمع، فهم نعمة من الله مطهرين من كل كذب وخبث وخداع، ربما يعيشون في عالم أفضل لم يتسن لنا اكتشافه".

أما فاتن فتوجهت لأهالي المصابين بالتوحد قائلة: "لا تجلدوا أنفسكم، اطلبوا المساعدة النفسية إن احتجتم لها، وابحثوا عن البيئة التي تريحكم والأشخاص الذين يتقبلونكم وأولادكم كما أنتم". 

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".