من عالم التوحد إلى "نجم" على "السوشيال ميديا".. قصة نجاح ملهمة
التقديرات تشير إلى معاناة حوالي طفل من كل 100 طفل من التوحد في العالم

رحلة طويلة معبّدة بالأشواك والزهور، قطعتها فاتن مرعشلي مع ابنها محمود حجازي المصاب باضطرابات طيف التوحد، من محطة الإنكار إلى قطار تقّبل الواقع وصولاً إلى مشاركة الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي بيومياتهما، نجحت ابنة بيروت في إيصال رسالتها التي كتبتها بحبر الصبر والمثابرة.

من "بوابة" الفيسبوك تمكّنت فاتن من تعريف متابعينها على حالة المصابين بالتوحد، وقدرات ابنها والصراعات التي تواجهها، وكذلك لحظات السعادة التي يعيشانها، محاربة بذلك المجتمع بسلاح إيجابي بعدما شن معركته عليها بطريقة غير مباشرة مشكّلاً عائقاً كبيراً أمامها، أما هدفها الأسمى من توثيق مقتطفات من حياتها فهو دعم الأمهات اللواتي لا يزلن في مرحلة إنكار وعدم تقبل لإصابة أولادهن بالتوحد.

تعود فاتن بذاكرتها 20 عاما إلى الوراء، أي منذ ولادة ابنها الذي لم يكن يعاني من أي عوارض، وكما تقول لموقع "الحرة": "كانت الأمور تسير بشكل هادئ، إلى أن انقلبت رأساً على عقب حين بلغ السنتين من عمره، حيث فقد تواصله البصري وتراجعت قدرته على الكلام، أصبح يمارس حركات نمطية تكرارية، كأن يدور حول نفسه، يضحك ويبكي فجأة، شعرت أنه يعيش في عالمه الخاص وأنه مختلف عن أقرانه".

عرضت فاتن طفلها على طبيب نفسي، فأطلعها أنه مصاب بالتوحد، لم تكن حينها تعلم "أي شيء عن هذا المرض، اعتقدتُ بداية أنه كباقي الأمراض يمكن الشفاء منه من خلال تناول حبة دواء، طلبت من الطبيب وصف العلاج له لكي يشفى ويعود إلى وضعه الطبيعي، إلا أني صدمت عندما علمت أن ذلك استعصى على كل أطباء العالم".

تعرّف منظمة الصحة العالمية اضطرابات طيف التوحد بأنه "مجموعة من الاعتلالات المتنوعة التي تتصف ببعض الصعوبات في التفاعل الاجتماعي والتواصل. ولهذه الاعتلالات سمات أخرى تتمثل في أنماط لا نموذجية من الأنشطة والسلوكيات مثل صعوبة الانتقال من نشاط إلى آخر والاستغراق في التفاصيل وردود الفعل غير الاعتيادية على الأحاسيس".

وتشير التقديرات كما أوردتها المنظمة العالمية "إلى معاناة حوالي طفل من كل 100 طفل من التوحد في العالم، وتمثل هذه التقديرات رقما متوسطا، ويختلف معدل الانتشار المبلغ عنه اختلافا شديدا بين الدراسات. ومع ذلك، أفادت بعض الدراسات المضبوطة جيدا بمعدلات أعلى بكثير. ومعدل انتشار التوحد غير معروف في العديد من البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط".

مواجهة التحديات

سبع سنوات من الإنكار عاشتها فاتن، محاولة إقناع نفسها بأنها ستعثر على ضالتها (أي الدواء) وستنتشل ابنها من براثن التوحد، أصيبت خلال هذه المرحلة باكتئاب شديد أرخى بظلاله على عائلتها، إلى أن اتخذت قرارها بالبحث عن شفائها النفسي، خاصة أنها تأكدت أن حالة ابنها سترافقه طوال عمره، وأن عليها تقبّله كما هو.

خلال رحلة تعافيها النفسي اكتشفت "أم محمود" بأن عليها أن تحب نفسها وترضى بواقعها لكي تستطيع الإمساك بيد ابنها ومساعدته، كما اكتشفت نقاط قوتها، وتمكنت من تحقيق أحلامها الشخصية منها متابعة تعليمها الجامعي، كل ذلك انعكس إيجابا على ولدها حيث ظهرت عليه علامات التحسن ونتيجة تعبها لسنوات طويلة في متابعته".

كل الدراسات تشير كما تقول الوالدة إلى "تراجع قدرات مرضى التوحد في سن البلوغ، لكن محمود أثبت عدم صحة ذلك، فبعد أن حضّرت نفسي أمام الأسوأ فاجأني بأن حالته لم تتدهور وبأنه لا يزال يسير في طريق تطوير قدراته، ولا زلت حتى اليوم ألمس نتيجة المجهود الذي أبذله من أجله".

وعن أبرز التحديات التي واجهتها تشرح "لكل مرحلة عمرية تحدياتها، لكن مرحلتي الطفولة والتأسيس أصعبها، فتعليم الطفل الطبيعي المهارات اليومية والقراءة والكتابة أمر صعب، فكيف لمصاب التوحد الذي يحتاج لسنوات لتعلم مهارة ما، من دون أن أنسى معاناة الاختلاط بالمجتمع، لكن بعدما كنت أنظر إلى التحديات نظرة سوداوية، أصبحت أعتبرها فرصة تعليمية جديدة لي ولابني".

وعن دور الأب تقول فاتن إنه "مهم جدا، لكن للأسف في مجتمعنا العربي عليه تكريس وقته لتأمين مصروف عائلته، يبذل جهدا كبيرا إذا لم يكن يعاني أي من أولاده من مرض، فكيف إن كان لديه ابنا مصابا بالتوحد يحتاج إلى دعم طوال العمر، في دولة يظلم فيها الأشخاص الطبيعيين فكيف بذوي الاحتياجات الخاصة؟".

منذ طفولته، تابع فريق من الاختصاصيين حالة محمود في أحد المراكز الخاصة، وعندما بلغ السادسة عشرة من عمره جرى تسجيله في مدرسة بهدف انخراطه في بيئة جديدة، قبل أن ينتقل وعائلته للإقامة في دبي مع انتشار وباء كورونا، وتقول فاتن: "للأسف، المدارس الدامجة في لبنان تجارية تصبو إلى الربح المادي، حيث لا تتمتع بأي مؤهلات، من الأساتذة الى التلاميذ فالمناهج الدراسية".

منذ طفولته، تابع فريق من الاختصاصيين حالة محمود في أحد المراكز الخاصة

انعكست الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان على الجمعيات والمراكز التي تعنى بحالات التوحد، حيث أقفل عدد منها، كما تقول رئيسة "جمعية الأهل لدعم التوحّد"، غادة مخول، وذلك نتيجة "تراجع قدرة وزارة الشؤون الاجتماعية على دعمها وعدم قدرة الأهالي على دفع المترتب عليهم لمراكز متابعة حالة ابنائهم، أما المراكز التي يدعمها الأهالي والمبادرات الفردية كما حال مركزنا فإنها لا تزال صامدة".

استقبل مركز مخول عند افتتاحه خمسة أطفال يعانون من التوحد، أما اليوم فيضم 20 ولداً، ويجري العمل على مضاعفة العدد، في يونيو القادم، بعد الانتهاء من توسعته، وذلك بسبب تزايد عدد الطلبات من قبل الأهالي لتسجيل أولادهم فيه.

وفي حديث مع موقع "الحرة" توجهت مخول إلى "الوزارات المعنية وكل من يستطيع المساعدة بألا يترددوا في ذلك، كون بقاء المتوحد في المنزل يؤدي إلى تراجع قدراته، وبالتالي صعوبة دمجه في المجتمع وتقبّله من قبل أفراده، لا سيما وأن غالبية المدارس اللبنانية غير مؤهلة لحالتهم بسبب التكلفة المرتفعة".

تخطي الأحلام

ترفض مخول اعتبار التوحد مرضا "كون لا يوجد فحص طبي يثبت الإصابة به ولعدم وجود علاج له"، لافتة إلى دراستين أجرتهما الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية خلصتا إلى أن لبنان يتبع الإحصاءات العالمية فيما يتعلق بعدد الذين يعانون من التوحد".

تركّز "جمعية الأهل لدعم التوحّد" على الدمج الاجتماعي، من خلال نشاطات متنوعة منها اصطحاب المتوحدين برفقة أهاليهم إلى المطاعم ودور السينما التي كان يتم تخصيصها ليوم في الشهر لحالتهم الخاصة، من خلال تخفيف الإضاءة والصوت، إضافة إلى استضافة متطوعين من طلاب الجامعات لتمضية بعض الوقت في المركز، لكن انتشار وباء كورونا كما تقول مخول "أجبرنا على التوقف، وها نحن نعاود نشاطنا الذي سيكون زاخرا في فترة الأعياد".

في رسالته بمناسبة اليوم العالمي للتوعية بمرض التوّحد، في 2 أبريل، كشف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش النقاب عن الطريقة التي أدّت بها جائحة كوفيد-19 إلى تفاقم عدم المساواة وتأثير ذلك على الأشخاص المصابين بهذه الحالة، مشدداً على كيفية دعم الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص المصابين بالتوحد في المشاركة الكاملة في المجتمع، بما يتماشى مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وخطة التنمية المستدامة لعام 2030، والتي تتعهد "بعدم ترك أحد يتخلف عن الركب".

الحياة كالبيانو فيها الأبيض والأسود، الفرح والحزن، وأسعد اللحظات التي عاشتها فاتن عندما عزف محمود على البيانو في مركز النخيل التجاري في دبي.

وتقول: "كان إنجازا تخطى أحلامي، وإحدى لحظات الفرح التي عشتها معه تضاف إلى لحظات كنت ولا زلت أعيشها مع كل تقدم يحققه، فكما تفرح كل أم بأول كلمة وأول خطوة وأي نجاح يحرزه ولدها، تفرح أمهات المصابين بالتوحد لكن بالتقسيط، فإلى اليوم أشعر أني أمتلك الكون حين أسمعه ينطق بكلمة جديدة أو يقوى على القيام بما عجز عنه طوال هذه السنوات" وعن أمنيتها أجابت "أن يجيبني عن سؤالي دون أن أضطر إلى تكراره عدة مرات وبطرق مختلفة".

تتباين قدرات الأشخاص المصابين بالتوحد واحتياجاتهم ويمكن أن تتطور مع مرور الوقت، كما تشير منظمة الصحة العالمية "فقد يتمكن بعض المصابين بالتوحد من التمتع بحياة مستقلة غير أن بعضهم الآخر يعاني من إعاقات وخيمة ويحتاج إلى الرعاية والدعم مدى الحياة".

وتؤكد أنه "غالبا ما يؤثر التوحد في التعليم وفرص العمل. وإضافة إلى ذلك، قد يزداد عبء تقديم الرعاية والدعم الملقى على الأسر. والسلوكيات المجتمعية ومستويات الدعم المقدم من الهيئات المحلية والوطنية هي عوامل مهمة تحدد جودة حياة المصابين بالتوحد".

وتشير إلى أنه "يمكن اكتشاف سمات التوحد في مرحلة الطفولة المبكرة، ولكنه لا يُشخص في الغالب إلا بعد هذه المرحلة بفترة طويلة، شارحة "غالبا ما يعاني المصابون بالتوحد من اعتلالات مصاحبة تشمل الصرع والاكتئاب والقلق واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط بالإضافة إلى سلوكيات مستعصية مثل صعوبة النوم وإلحاق الأذى بالنفس. ويتفاوت مستوى الأداء الذهني بين الأشخاص المصابين بالتوحد تفاوتا كبيرا يتراوح بين الاختلال الشديد والمهارات المعرفية العليا".

أما رئيسة "جمعية الأهل لدعم التوحد" فتؤكد أن "المتوحد شخص حساس جدا، يتأثر كثيرا بمحيطه، لذلك ينزعج بصورة كبيرة، فهو يفضّل الهدوء، وغالبية من يعانون من هذه الحالة يعشقون الطبيعة والبحر والموسيقى، مع العلم أن ما بين 50 إلى 60 في المئة من المتوحدين لا يتكلمون ومعظمهم لا يجيدون التعبير حتى لو كانوا يتحدثون، وهم بحاجة للدعم والاهتمام ما داموا على قيد الحياة".

رسالة دعم

عانت مخول كثيرا حتى تمكنت من اكتشاف ما يعانيه ابنها أنطوني، ٢٤ عاما، الذي ولد كأي طفل طبيعي، لا بل نطق أولى كلماته في عمر السبعة أشهر، مشى أولى خطواته في عمر السنة، لكن بعد شهرين توقف عن التكلم وعن التجاوب مع ما يدور حوله.

تذكُر كيف صدمت ذات يوم حين لم يبد أي ردة فعل لعواء كلب أرعب كل المتواجدين في المكان، ظنت حينها أنه يفتقد حاسة السمع، لكن الطبيب أكد لها أن سمعه ممتاز، كما أن جميع الأطباء الذين قصدتهم عجزوا عن تشخيص حالته، إلى أن تمكّن برنامج تلفزيوني كانت تشاهده من ذلك، بعدما خصص حلقة عن التوحد، فاكتشفت أن كل العوارض التي تم ذكرها تنطبق على طفلها.

ليس من السهل كما تشير مخول تشخيص التوحد "إذ تختلف أعراضه من طفل إلى آخر، الأمر يحتاج إلى طبيب اختصاصي أو فريق من الاختصاصيين الذين يتوجب عليهم إجراء مجموعة من اختبارات التطور للطفل بما فيها اختبارات اللغة والكلام والسلوك، كما أنه باستطاعة طبيب الأطفال اكتشاف بعض علامات التوحد المبكرة، مشددة على ضرورة "التشخيص المبكر، لكي يستجيب الطفل للعلاج بشكل أكبر".

وعن أسباب التوحد، ذكرت منظمة الصحة العالمية أن "البيّنات العلمية المتاحة تشير إلى وجود عدة عوامل تزيد على الأرجح احتمال إصابة الطفل به، وتشمل العوامل البيئية والوراثية".

وكما فاتن، صدمت مخول عندما علمت بإصابة ابنها بالتوحد، لم تتقبل الأمر بسهولة، حتى بدأت تتحدث عن حالته، فمن خلال ذلك استمدت قوتها لمواجهة المجتمع، أنشأت أول موقع إلكتروني عن التوحد، وفي عام 2015 أسست الجمعية بهدف مساعدة أهالي المصابين، لتفتح بعدها المركز، ويبقى هدفها وهاجسها الأكبر كيفية تأمين مستقبل آمن لهؤلاء كون لا نهاية لحاجتهم للدعم.

يمكن تحسين نمو المصابين بالتوحد وصحتهم وعافيتهم وجودة حياتهم على أمثل وجه من خلال حصولهم كما تشير منظمة الصحة العالمية "على مجموعة كبيرة من التدخلات من مرحلة الطفولة المبكرة وفي جميع مراحل العمر. وقد يؤدي حصول الأطفال المصابين بالتوحد في الوقت المناسب على التدخلات النفسية والاجتماعية المسندة بالبينات إلى تحسين قدرتهم على التواصل الفعال والتفاعل الاجتماعي".

ومن المهم كما تضيف "إتاحة المعلومات ذات الصلة والخدمات وفرص الإحالة والدعم العملي للأطفال والمراهقين والبالغين الذين شُخصت إصابتهم بالتوحد والقائمين على رعايتهم بما يتناسب مع احتياجاتهم وتفضيلاتهم الشخصية المتغيرة" مضيفة "يحتاج الأشخاص المصابون بالتوحد إلى رعاية صحية معقدة ومجموعة من الخدمات المتكاملة تشمل تعزيز الصحة والرعاية وإعادة التأهيل. ومن المهم أن يتعاون قطاع الصحة مع قطاعات أخرى ولا سيما قطاعات التعليم والعمل والرعاية الاجتماعية".

ويتعين كما تشدد المنظمة العالمية "تصميم التدخلات الموجهة إلى الأشخاص المصابين بالتوحد واضطرابات النمو الأخرى وتطبيقها بمشاركة هؤلاء الأشخاص. كما يتعين أن تكون الرعاية مصحوبة بإجراءات اجتماعية ومجتمعية لمزيد من التيسير والشمول والدعم".

رغم التقدم الذي تم إحرازه على صعيد توعية المجتمع اللبناني حول التوحد حيث ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي في ذلك، إلا أنه كما تشدد مخول "لا يزال يحتاج إلى الكثير لتفهّم وتقبّل هذه الحالات"، من هنا توجّهت إلى أهالي المتوحدين بالقول: "تقبلوا أبناءكم وأحبوهم، لا تبالوا بنظرة المجتمع، فهم نعمة من الله مطهرين من كل كذب وخبث وخداع، ربما يعيشون في عالم أفضل لم يتسن لنا اكتشافه".

أما فاتن فتوجهت لأهالي المصابين بالتوحد قائلة: "لا تجلدوا أنفسكم، اطلبوا المساعدة النفسية إن احتجتم لها، وابحثوا عن البيئة التي تريحكم والأشخاص الذين يتقبلونكم وأولادكم كما أنتم". 

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".