المجموعة تتكون من 120 عنصراً
المجموعة تتكون من 120 عنصراً

تزداد المخاوف في العاصمة اللبنانية من تنامي بوادر الأمن الذاتي الذي يهدد المدينة بشكل من أشكال التقسيم والانغلاق المناطقي، ويبدو هذا المزاج العام جليا على مواقع التواصل الاجتماعي وفي التداول الإعلامي المحلي الذي بدأ يحذر من هذه السيناريوهات في مناسبات وأحداث عدة.

فبيروت التي شطرتها الحرب الأهلية إلى نصفين (شرقي وغربي) خلال القرن الماضي (1975 -1990)، تهدد الأزمة الاقتصادية والمعيشية بتفتيتها إلى عشرات الأجزاء والمناطق والأحياء، إذا ما استمرت السلطات والمؤسسات الحكومية بمسار الانهيار والتحلل الذي تسلكه منذ نحو 3 سنوات، بفعل تداعيات واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخ العالم.

هاجس الأمن المناطقي والسلامة الشخصية، التي يفتقدها اللبنانيون، بات يقود المزاج العام في البلاد، ويتخذ مسارا ينذر بانقسام المدينة على نفسها أحياء وشوارع ومناطق، لكل منها أمنه الذاتي وحراسه المحليين، في ظل ارتفاع مستويات الجريمة والسرقات بفعل الأزمة المعيشية، والخوف الذي بدأ يحرك غريزة الانغلاق لدى السكان.

وفيما تشهد مدينة بيروت بالفعل واقع أمن ذاتي قائم في أماكن نفوذ "حزب الله" وسيطرته (الضاحية الجنوبية)، بحيث يسير دورياته الأمنية الخاصة، وينصب حواجز متنقلة ويدقق في هويات المارة، ويتدخل في تحركات الأجهزة الأمنية فيها، فيمنعها أو يوجهها، ويمنع الصحفيين من التحرك فيها دون إذن وتحقيق مسبق. فإن مشهداً جديداً خرج إلى العلن مؤخراً أثار مخاوف انضمام منطقة الأشرفية، ذات الأغلبية المسيحية، إلى تلك الظاهرة، وذلك بعد إطلاق مبادرة حراسة أهلية - أمنية للمنطقة، طرحت الكثير من الاستفهامات والالتباسات خلال الأيام الماضية.

"عيون الأشرفية"

"الملائكة الحراس"، هي التسمية التي أطلقتها جمعية "أشرفية 2020" التي تعود للنائب نديم الجميل، على مجموعة من 120 عنصراً، خلال إعلانها في السابع من نوفمبر الماضي، عن إطلاق مبادرة حراسة ليلية لأحياء وشوارع منطقة الأشرفية وذلك، بناء على ما وصفته بـ "طلبات المواطنين المتكررة" منها بضمان الهدوء والسكينة في أحياء المنطقة، في ظل انعدام الأمن، وانتشار السرقة والنشالين وعمليات السطو وغيرها.


على هذا الأساس، أعلنت الجمعية عن تعاقدها مع شركة الأمن A.M.N "لإدارة جميع الخدمات اللوجستية وضمان رفاهية السكان"، على حد قولها، حيث قامت بنشر شبان يلبسون سترات تحمل شعاري شركة الأمن والجمعية قالت إنهم سيعملون "كملائكة حراس" على السكان، من الساعة 18:00 حتى 06:00 صباحاً، بالتنسيق والتعاون الكامل مع الجيش، وقوى الأمن وبلدية بيروت.

لا يحملون السلاح، بل مصابيح ليلية وعصي للحراسة، وفق ما يؤكد أمين سر جمعية "أشرفية 2020" والمشرف على هذه المبادرة، أكرم نعمة، يجوبون الشوارع ليلا، ويتواصلون مع الأجهزة الأمنية من مخابرات جيش وقوى أمن داخلي، عند الاشتباه بأي تحرك غريب أو أي سرقة.

نشر شبان يلبسون سترات تحمل شعاري شركة الأمن والجمعية

المرحلة الأولى من هذا المشروع تشمل أحياء "السوديكو والتباريس وفرن الحايك والحيمري والحكمة" على أن يطلق على 3 مراحل ليغطي كامل منطقة الأشرفية في غضون مئة يوم. وفق ما يقول المعنيون بالمبادرة.

ويشرح نعمة "نحن في الأشرفية منذ سنة وحتى اليوم، يسجل بشكل يومي ومتكرر حوادث سرقة لكابلات كهربائية ومكيفات وسيارات ودراجات نارية وعمليات تشليح ونشل وتسول، ولم يعد هناك حديث لأبناء منطقة الأشرفية إلا ما يتعرضون له من سرقات واعتداءات، وفي الوقت نفسه كل العالم يعرف وضع السلطات اللبنانية وقدراتها، لا عتاد ولا عديد ولا أجهزة أمنية ولا قضاء ولا أي سلك أو جهاز فاعل، ماذا نفعل؟ كيف نحمي عائلاتنا وأهلنا؟".

أمن ذاتي؟

ترفض معظم فعاليات منطقة الأشرفية، ونوابها من أحزاب مختلفة، أن يصفوا ما يجري في منطقتهم على أنه أمن ذاتي، يشددون على ذلك أكثر من مرة في حديثهم، خاصة وأن الأحزاب المسيحية في لبنان عموماً، والأحزاب النافذة والأكثر تمثيلاً في الأشرفية (القوات اللبنانية وحزب الكتائب) على وجه الخصوص كانوا من أبرز المعارضين لمظاهر الأمن الذاتي التي شهدها لبنان في تاريخه السياسي الحديث، منذ العام 2005، لاسيما تلك التي كان يقيمها تنظيم "حزب الله" في مناطقه.

"نحن لا نسميها أمن ذاتي، بل هذا من أقل الواجبات التي نؤمنها"، يقول النائب نديم الجميل، ويضيف "غدا إن عجزت السلطات عن رفع النفايات من منطقة الأشرفية سنقوم نحن برفعها، وفي النهاية لسنا مستعدين للعيش بذل ولا بقهر ولا بخوف".

وعما إذا كانت الخطوة تسليم بغياب السلطات عن دورها يشير الجميل إلى أن المشكلة أن السلطات "فعلا غائبة ولا تستطيع تأمين الحد الأدنى من حاجات الناس، بدءاً من الكهرباء وصولاً إلى الأمن والسلامة. نحن بالتأكيد نطالب بالدولة وحضورها ولازلنا مع خيارها، ولكن في ظل عجزها الحقيقي نتحرك، ومعظم البلاد اليوم تعمل بالمبادرات الفردية".

من جهته يرى نعمة أن هذه المبادرة بحد ذاتها من يمنع الأمن الذاتي، ويتابع "بحضورنا ووجودنا اليوم بالدور الذي نقوم به بالفعل نمنع الأمن الذاتي، فعلى الأقل نحن أشخاص معروفين مكشوفي الوجوه عناويننا وأرقامنا معروفة نعمل عبر شركة أمن مرخصة، لا نعمل بالخفاء وليس لدينا أي أجندة".

ويؤكد في حديثه لموقع "الحرة" أنه لو لم تكن هذه المجموعة موجودة "سيضطر كل شخص إلى حراسة منزله ومؤسسته وكل الناس في لبنان اليوم يملكون سلاحاً وهذا أمر واقع، ماذا لو حصل هذا السيناريو وشهدنا أحداث إطلاق نار أو قتل على خلفية سرقات أو مظاهر مسلحة للسبب نفسه؟ هنا نكون وقعنا في الخطر ووصلنا إلى الأمن الذاتي".

وفيما اتُهمت القوات اللبنانية برعاية هذه المجموعة والاستفادة منها لإرساء واقع أمن ذاتي يشدد رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، على عدم وجود أي علاقة للقوات اللبنانية بهذا الأمر مشيراً إلى تضخيم كبير لهذه المسألة، "مرده إلى أن من يخطف قرار الشرعية في لبنان، وهو حزب الله، يمسك مناطقه عسكرياً ومن مختلف النواحي، من خلال المربعات الأمنية، ويخطف من خلفها البلد برمته، وبالتالي من مصلحته التركيز على أوضاع معينة في مناطق غيره لحرف الأنظار عن واقعه".

ويتابع "لا أحد في الأشرفية أو في مناطق أخرى في وارد الذهاب إلى أمن ذاتي في ظل الثقة المطلقة بالجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية، الأمن الذاتي الوحيد الموجود في لبنان هو الأمن الذاتي لحزب الله، وخلاف ذلك لا يوجد أي أمن ذاتي".

وفي حديثه لموقع "الحرة" يلفت جبور إلى أن "السلطات اللبنانية معنية بمحاسبة كل من يخالف القانون ويخل بالأمن في هذا المكان، وليس التركيز على ظواهر نتجت عن الواقع المرير الذي يعيشه البلد بسبب حزب الله وفريقه السياسي، وهنا مكان الخلل الذي يجب التصويب عليه، وكلما تفلتت الأمور أكثر ستزداد مظاهر الأمن الذاتي أكثر بشكل عام".

لماذا الآن؟

وعلى الرغم من أن المبادرة أتمت نحو شهر ونصف الشهر، إلا أن عودة الجدل حولها، ترافق مع إشكال شهدته منطقة الأشرفية، في ساحة ساسين، بين مجموعة شبان من خارج المنطقة كانوا في جولة دراجات نارية في شوارع بيروت احتفالاً بتأهل منتخب المغرب إلى الدور نصف النهائي من كأس العالم، حيث ما لبث أن تحول الاحتفال إلى إطلاق شعارات ذات طابع طائفي أثارت استفزازاً في الأشرفية ذات الأغلبية المسيحية ما أدى إلى إشكال كبير وتضارب قبل تدخل القوى الأمنية لفضه.

هذا الإشكال أعاد طرح قضية الأمن الذاتي في الأشرفية، لاسيما بعد تنامي نشاط مجموعة "جنود الرب"، المتشددة دينياً والتي تتخذ من الأشرفية مقراً ومنطلقاً، حيث جرى الربط أيضاً بين مبادرة الحراسة وهذه المجموعة، حيث وقع التباس بين الطرفين، وجرى اعتبار أنهم مجموعة واحدة، وهو ما ينفيه القيمون على المجموعتين، حيث كان لموقع "الحرة" تحقيق مفصل حول ظاهرة "جنود الرب".

وفي هذا السياق يتحدى نعمة إيجاد أي علاقة بين مجموعات الحراسة وبين مجموعة جنود الرب، ويعلن استعداده للاستقالة من دوره في حال إثبات وجود أي عنصر من جنود الرب ضمن مجموعات الحراسة، "كل يوم يسألونني 100 مرة عن علاقة جنود الرب بنا، وننفي ونوضح أن لا علاقة أبداً".

ويتابع "هناك توجيهات صارمة وواضحة للعناصر بأنه ممنوع حتى أن يسأل عن اسم أحد أو يوقف أحداً في الشارع، كل مهمته تقتصر على المراقبة والرصد والاتصال بالقوى الأمنية عند أي اشتباه أو طارئ، ولا علاقة لهم بأي بعد سياسي أو مواجهات سياسية. الخطأ الأول من قبل هؤلاء الشبان هو الأخير وأي مخالفة للتعليمات تعرض الشخص المخالف لخسارة العمل والخروج من المجموعة".

من ناحيته يرى الجميل أن اثارة الضجة حول هذا الأمر من جديد، بعدما مر أكثر من شهر على انطلاقة هذه المجموعة، "يهدف إلى التغطية على ما جرى جنوب لبنان قبل أيام، لناحية الاعتداء على دورية اليونيفيل الذي أودى بحياة جندي من الكتيبة الأيرلندية العاملة جنوب لبنان.

ويضيف "يريدون حرف الأنظار ويحاولون خلق بلبلة وتهويل وتهديد وتشويه لصورة المناطق المسيحية، في حين أن هذه المبادرة من أرقى وأنقى المبادرات، وهي حاجة أساسية وضرورية لأهالي الأشرفية، والبرهان على ذلك أنها تركت طمأنة كبيرة في نفوس السكان والتجار في المنطقة وتركت أثراً بالغاً".

من أين التمويل؟

ومن بين أبرز الاستفهامات التي طرحت، تمحورت حول الجهة الممولة وآلية تمويل هذه المجموعة التي ستكلف نحو 700 ألف دولار في السنة، وفق ما يؤكد نعمة، وسرت اتهامات لشخصيات وجهات حزبية، أبرزها أنطون الصحناوي، وهو متمول وصاحب مصرف وله نفوذ سياسي كبير في منطقة الأشرفية.

ويشرح نعمة أن تمويل المبادرة مؤمّن لمدة شهرين فقط، لافتا إلى أن الجمعيّة لا تدفع مباشرة للشباب، بل ندفع لشركة الأمن التي تتولى دفع الرواتب. أما مصادر التمويل فمؤمّنة من خلال المجتمع المحلي وأهل الأشرفية.

ويضيف " نعم نحن ندفع رواتب ولا يمكن لأحد أن يعمل اليوم دون مقابل وأجر، من جهة نحرص على الأمن، ومن جهة أخرى نؤمن بعض الوظائف للعاطلين عن العمل في المنطقة".

من ناحيته الجميل، يذكر أنه ومنذ اليوم الأول "قلنا إن هذه المبادرة مبنية على التبرعات من التجار وأصحاب المؤسسات التجارية والسياحية وبمساعدة الأهالي، وسنتمكن من الاستقرار والاستمرار إذا ما تبرع الأهالي والتجار لمساندتنا ودعم المبادرة، ويقف هذا المشروع في حال لم يحب الأهالي هذه المبادرة ولم يدعموها".

ولا ينكر الجميل أن آل الصحناوي جزء من داعمي هذه المبادرة، "وليس بالضرورة الدعم المادي فقط، هناك أنطون وهناك غيره من النيرين في المجتمع الذين فهموا أهمية هذه المبادرة، ومعهم كثير من رجال الأعمال والمغتربين الداعمين أيضا".

السلطات غائبة.. و"غير موافقة"

وعن اتهامهم باستخدام العنف أو السلاح، يرد نعمة "كل ما نحمله كشافات ضوئية وعصي، وهذا ما يفعله ويحمله أي ناطور مبنى، واتحدى أحد أن يوثق أو يثبت ظهور أي سلاح أو استخدام للعنف من قبل هؤلاء الشبان، الذين يستحقون نيشان تقدير من القوى الأمنية، بعدما باتوا نحو 200 مواطن يعملون مخبرين لديها في شوارع الأشرفية".

"تخيل أحيانا يلقى القبض على سارقين تقول لهم القوى الأمنية ليس لدينا مكان لاحتجازه أو أن المدعي العام معتكف عن العمل أو نائم، ماذا نفعل في هذه الحال، وصل الوضع الأمني إلى مراحل مزرية وفالتة"، بحسب نعمة.

وتحدثت تقارير إعلامية عن تعذر حصول المبادرة على التراخيص اللازمة وبالتالي فإن عملها يتم بالأمر الواقع وليس بإذن من السلطات اللبنانية، رغم التنسيق الذي يتحدث عنه القيمون على المبادرة، بين القوى الأمنية وشركة الأمن المرخصة.

إلا أن قوى الأمن أصدرت بياناً متعلقاً بآخر التطورات التي شهدتها منطقة الأشرفية، تطرق إلى ظاهرة الأمن الذاتي، معبراً عن رفض قوى الأمن بشكل قاطع، وأن أي مظهر من مظاهر الأمن الذاتي مهما كانت أسبابه، وكل ما هو أمن ذاتي بالمبدأ يتنافى مع عمل قوى الأمن نرفضه رفضاً تاماً ونتابعه أمنياً".

بدوره يوضح الجميل أنه ما من ترخيص لعمل هذه الشركة الأمنية على الأراضي اللبنانية، ويضيف "أظن أيضا أن هذا العمل ممنوع في القانون، ولكن في المقابل لدينا اليوم 45 نقطة ينتشر الشبان فيها، هناك ترخيص خاص للمباني والمنازل التي ينتشرون في محيطها، ولدينا عقود ممضية من أصحاب هذه المباني والمنازل تسمح لنا بتأمين الحماية لها".

ويلفت إلى وجود "علم ضمني لدى السلطات بعملنا، وإلا لما كنا استطعنا أن نقوم به دون أو يوقفنا أحد".

ويشدد "لسنا في وارد الحلول مكان الدولة، ولكن حين تقصر بقيامها بواجباتها من واجبنا أن نملأ هذا الفراغ، لسنا السبب اليوم بكون السلطات اللبنانية تفقد دورها وحضورها والثقة بها من قبل المواطنين. لأن الدولة لم تعد قادرة على إضاءة شوارعها نحن مضطرين لإضاءة شوارعنا، ولأنها عاجزة عن تأمين السلام والاستقرار لمواطنيها نحاول اليوم نحن تأمين هذا الاستقرار".

فيما يسأل نعمة في ظل عدم وجود موظف استعلامات يحضر في بلدية بيروت ليجيب على اتصالات الناس أصلا، بأي حق يسألون ويعترضون؟ كل يوم كانت تصل عشرات الشكاوى إلى البلدية ولا تتحرك بسبب نقص العديد وبسبب نقص الإمكانات، لا يريدون العمل ويمنعون غيرهم أيضاً عن العمل؟".

ويضيف "برأيك هل نحن نريد أن نجلس ليلاً في الشوارع أو في منازلنا مع أهلنا وعائلاتنا؟ ما عملنا على الطرقات، أفضل ألف مرة أن أنام في الليل مطمئن البال، بدلاً من السهر حتى الفجر، لكن هذا الدور الذي نقوم به بات حاجة ملحة".

من جهته يختم جبور بالتأكيد على أن المهم الآن "أن تبقى هذه المجموعات ضمن القانون ولا تقلص من دور السلطات الرسمية الذي يبقى هو الأساس، ولا يجب أن يصبح الاتكال على هذه المبادرات بشكل أساسي، لذلك يجب الإسراع اليوم باستعادة الدولة لحضورها وانتخاب رئيس جمهورية، لإعادة الانتظام إلى المؤسسات، ولكن لا يمكن القول للناس: لا تحموا أنفسكم وممتلكاتكم في ظل كل هذا الفلتان".

الحدود اللبنانية الإسرائيلية

للوهلة الأولى، تبدو الحدود اللبنانية - الإسرائيلية وكأنها قد استسلمت تماما لحالة هدوء غريب، منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في نوفمبر الماضي. لا دوي انفجارات، ولا صواريخ متبادلة، ولا تصعيد علني يوحي بعودة وشيكة إلى المواجهة. 

لكن هذا الهدوء، يؤكد مسؤولون عسكريون ومحللون أمنيون، هو مجرد غطاء هش لواقع يوشك على الانفجار في أي لحظة.

خلف خطوط التماس، تنفذ إسرائيل ضربات جوية "استباقية"، تستهدف ما تعتبره تهديدات مصدرها حزب الله أو مجموعات متحالفة. في الوقت ذاته، يتحدث الجيش الإسرائيلي عن دروس وعبر استخلصها من هجوم 7 أكتوبر، ويعكف على إعادة تشكيل عقيدته الدفاعية على الجبهة الشمالية، حيث تتزايد المخاوف من الطائرات المسيّرة، والخلايا المسلحة، والقدرات العسكرية التي يسعى حزب الله لإعادة ترميمها.

ووفقا لمسؤول عسكري في قيادة المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، فإن إسرائيل تعتبر السيادة "خطا أحمر"، وتؤكد أن عملياتها العسكرية في الوقت الراهن تأتي ضمن استراتيجية أوسع لاحباط التهديدات قبل وقوعها.

لكن المسؤول، الذي رفض الكشف عن اسمه، أعرب في تصريحات لـ"الحرة" عن ارتياح بلاده لآلية المراقبة الدولية لاتفاق وقف إطلاق النار:

"تطور إيجابي ملحوظ يتمثل في نشاط متزايد للجيش اللبناني في متابعة الشكاوى بشأن خروقات من قبل حزب الله أو أي تنظيمات فلسطينية أخرى بحيث يتم التواصل من خلال آلية تنسيق مع ضباط أميركيين وشركاء آخرين، يتم بموجبها نقل المعلومات إلى الجانب اللبناني للتحقق منها أو معالجتها".

مقاتلات إسرائيلية

تعاون محسوب وضربات دقيقة

من أبرز التغيّرات التي طرأت خلال الأشهر الماضية، ازدياد تجاوب الجيش اللبناني مع التحذيرات الإسرائيلية، وذلك من خلال آلية تنسيق يقودها الجانب الأميركي.

وبيّن المصدر الإسرائيلي أن تجاوب الجيش اللبناني مع التحذيرات الإسرائيلية بات أكثر جدية، في تحول لافت مقارنة بالماضي، وأشار إلى أن الوضع على الأرض اليوم يختلف تماما عما كان عليه حين كان يُنظر إلى حزب الله كـ"دولة داخل دولة".

لكنه أشار، في المقابل، إلى وجود حالات تستدعي تحركا إسرائيليا مباشرا دون إبلاغ الشركاء، لا سيما عند رصد تهديدات آنية، مستشهدا باستهداف مسلحين لا يتبعون الجيش اللبناني.

ووصف ذلك بأنه رد مشروع على "خروقات اتفاق وقف إطلاق النار".

رقابة دولية وواقع ميداني معقد

من جهته، أوضح المحلل العسكري إيال عليما لـ"الحرة" أن هناك آلية تنسيق دولية تضم ممثلين عن قوات اليونيفيل، والولايات المتحدة، وفرنسا، ولبنان وإسرائيل. وتُعقد اجتماعات منتظمة في الناقورة، مع تواصل مباشر أحيانا بين إسرائيل وقوات اليونيفيل.

""هذه آلية لعبت دوررا ملموسا في بعض الحالات، مثلا عندما أبلغ الجيش الإسرائيلي بوجود قذائف موجهة ضد إسرائيل، نقلت هذه المعلومات وتم التعامل معها بصورة ناجعة، بينما لم يجرِ التعامل في حالات أخرى"، يقول عليما.

ويعتقد عليما أن السياسة الأمنية الإسرائيلية باتت أكثر حزما منذ فشل الجيش في منع هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023. وأشار إلى أن إسرائيل تستفيد من الدروس المستخلصة للحيلولة دون تكرار ذلك السيناريو على جبهات أخرى.

دبابة إسرائيلية في المنطقة

140 قتيلا منذ بدء الهدنة

منذ سريان وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، نفذت إسرائيل عشرات الضربات الجوية الدقيقة، استهدفت ما تعتبره عناصر مسلحة، خاصة في القطاع الغربي من الحدود.

وبحسب المصدر العسكري، فقد قُتل نحو 20 شخصا في هذا القطاع فقط، ليرتفع عدد القتلى إلى حوالي 140 عنصرا في عموم لبنان منذ توقيع الاتفاق.

وقد امتدت بعض العمليات إلى مناطق شمال نهر الليطاني، وهي منطقة تخضع لإشراف قيادة العمق الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي، المختصة بتنفيذ عمليات طويلة المدى في عمق أراضي الخصوم.

تهديد االمسيرات

من أبرز التحديات الجديدة التي تواجه إسرائيل بعد الهدنة هو تصاعد استخدام حزب الله للطائرات المسيّرة، "التي شكلت في السابق نقطة ضعف أمنية بالغة،" وفقا للمسؤول الإسرائيلي.

وقد بلغ التهديد ذروته في 1 فبراير 2024، عندما استهدفت طائرة مسيرة منزل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بلدة قيساريا، وتسببت بأضرار مادية جسيمة دون وقوع إصابات بشرية.

واخترقت طائرات مسيرة أخرى المجال الجوي الإسرائيلي، واستهدفت قواعد عسكرية، ما أسفر عن مقتل جنود إسرائيليين.

ودفعت هذه الهجمات قيادة الجيش إلى إعادة صياغة عقيدة الدفاع الجوي، وتوسيع نطاق التدريب على اعتراض هذا النوع من الطائرات.

وقد رفعت إسرائيل، وفقا للمسؤول العسكري، عدد قواتها المنتشرة على الحدود الشمالية مقارنة بالسابق. "إن عدد القوات المنتشرة هناك أكثر بنحو مرتين ونصف، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الاتفاق".

وأعاد الجيش الإسرائيلي تفعيل ثكنات عسكرية قديمة على الحدود مع لبنان، إضافة إلى المواقع الخمسة التي أنشأها داخل الأراضي اللبنانية.

ويشير المسؤول إلى بناء ثكنات عسكرية ومواقع أخرى بغية تعزيز الردع ومنع التسلل إلى البلدات الشمالية من إسرائيل.

تحركات حزب الله

تراقب إسرائيل عن كثب محاولات حزب الله إعادة التمركز وإعادة التسلّح، خصوصا بعد انهيار نظام الأسد في سوريا، والذي أدى إلى تقليص قدرة الحزب على تهريب الأسلحة عبر الأراضي السورية.

وشدد المسؤول الإسرائيلي على أن بلاده مصممة على منع الحزب من بناء بنية تحتية عسكرية جديدة.

مقاتلات إسرائيلية

ديناميكيات إقليمية

أدى الانهيار الفعلي للنظام السوري إلى فراغ إقليمي تتابعه إسرائيل عن كثب. ومع تراجع النفوذ الإيراني في سوريا، بدأت بعض الأصوات داخل إسرائيل من الأوساط السياسية والأمنية تطالب باستغلال هذا التحول لإطلاق ضربة استباقية ضد المنشآت النووية الإيرانية.

رغم تزايد الحديث عن احتمال تنفيذ الهجوم في عام 2025، يرى المحلل إيال عليما أن تنفيذ هذا السيناريو غير مرجّح في الوقت الراهن.

"الساحة السياسية الدولية شديدة التعقيد حاليا"، يقول عليما. "الولايات المتحدة منخرطة في مفاوضات نووية مباشرة مع طهران، وهناك معارضة قوية من الاتحاد الأوروبي وداخل الولايات المتحدة نفسها لأي تصعيد".

وأشار إلى تزايد الانتقادات الغربية للحكومة الإسرائيلية الحالية، والتي تُوصف بأنها الأكثر تطرفًا في تاريخ البلاد الحديث، ما قد يُضعف الدعم الدولي لأي تحرك عسكري كبير.

هدنة هشة

تعكس سلسلة العمليات الإسرائيلية الأخيرة، سواء تلك التي استهدفت مواقع لحزب الله في جنوب لبنان أو بنى تحتية لحلفائه الحوثيين، مدى هشاشة وقف إطلاق النار القائم حالييا.

وعلى الرغم من أن الطرفين، إسرائيل وحزب الله، لا يبدوان راغبين في الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لا يزال الوضع متقلبا. فكل طائرة مسيرة، وكل ضربة جوية، وكل تحرك عسكري يُعتبر رسالة استراتيجية موجهة إلى حزب الله، وإلى إيران.

وقف إطلاق النار ليس اتفاق سلام، كما هو معروف، ولكن في حالة حزب الله وإسرائيل، يبدو أقرب إلى هدنة متوترة، رغم استمرارها تبقى على حافة الانهيار.