المجموعة تتكون من 120 عنصراً
المجموعة تتكون من 120 عنصراً

تزداد المخاوف في العاصمة اللبنانية من تنامي بوادر الأمن الذاتي الذي يهدد المدينة بشكل من أشكال التقسيم والانغلاق المناطقي، ويبدو هذا المزاج العام جليا على مواقع التواصل الاجتماعي وفي التداول الإعلامي المحلي الذي بدأ يحذر من هذه السيناريوهات في مناسبات وأحداث عدة.

فبيروت التي شطرتها الحرب الأهلية إلى نصفين (شرقي وغربي) خلال القرن الماضي (1975 -1990)، تهدد الأزمة الاقتصادية والمعيشية بتفتيتها إلى عشرات الأجزاء والمناطق والأحياء، إذا ما استمرت السلطات والمؤسسات الحكومية بمسار الانهيار والتحلل الذي تسلكه منذ نحو 3 سنوات، بفعل تداعيات واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخ العالم.

هاجس الأمن المناطقي والسلامة الشخصية، التي يفتقدها اللبنانيون، بات يقود المزاج العام في البلاد، ويتخذ مسارا ينذر بانقسام المدينة على نفسها أحياء وشوارع ومناطق، لكل منها أمنه الذاتي وحراسه المحليين، في ظل ارتفاع مستويات الجريمة والسرقات بفعل الأزمة المعيشية، والخوف الذي بدأ يحرك غريزة الانغلاق لدى السكان.

وفيما تشهد مدينة بيروت بالفعل واقع أمن ذاتي قائم في أماكن نفوذ "حزب الله" وسيطرته (الضاحية الجنوبية)، بحيث يسير دورياته الأمنية الخاصة، وينصب حواجز متنقلة ويدقق في هويات المارة، ويتدخل في تحركات الأجهزة الأمنية فيها، فيمنعها أو يوجهها، ويمنع الصحفيين من التحرك فيها دون إذن وتحقيق مسبق. فإن مشهداً جديداً خرج إلى العلن مؤخراً أثار مخاوف انضمام منطقة الأشرفية، ذات الأغلبية المسيحية، إلى تلك الظاهرة، وذلك بعد إطلاق مبادرة حراسة أهلية - أمنية للمنطقة، طرحت الكثير من الاستفهامات والالتباسات خلال الأيام الماضية.

"عيون الأشرفية"

"الملائكة الحراس"، هي التسمية التي أطلقتها جمعية "أشرفية 2020" التي تعود للنائب نديم الجميل، على مجموعة من 120 عنصراً، خلال إعلانها في السابع من نوفمبر الماضي، عن إطلاق مبادرة حراسة ليلية لأحياء وشوارع منطقة الأشرفية وذلك، بناء على ما وصفته بـ "طلبات المواطنين المتكررة" منها بضمان الهدوء والسكينة في أحياء المنطقة، في ظل انعدام الأمن، وانتشار السرقة والنشالين وعمليات السطو وغيرها.


على هذا الأساس، أعلنت الجمعية عن تعاقدها مع شركة الأمن A.M.N "لإدارة جميع الخدمات اللوجستية وضمان رفاهية السكان"، على حد قولها، حيث قامت بنشر شبان يلبسون سترات تحمل شعاري شركة الأمن والجمعية قالت إنهم سيعملون "كملائكة حراس" على السكان، من الساعة 18:00 حتى 06:00 صباحاً، بالتنسيق والتعاون الكامل مع الجيش، وقوى الأمن وبلدية بيروت.

لا يحملون السلاح، بل مصابيح ليلية وعصي للحراسة، وفق ما يؤكد أمين سر جمعية "أشرفية 2020" والمشرف على هذه المبادرة، أكرم نعمة، يجوبون الشوارع ليلا، ويتواصلون مع الأجهزة الأمنية من مخابرات جيش وقوى أمن داخلي، عند الاشتباه بأي تحرك غريب أو أي سرقة.

نشر شبان يلبسون سترات تحمل شعاري شركة الأمن والجمعية

المرحلة الأولى من هذا المشروع تشمل أحياء "السوديكو والتباريس وفرن الحايك والحيمري والحكمة" على أن يطلق على 3 مراحل ليغطي كامل منطقة الأشرفية في غضون مئة يوم. وفق ما يقول المعنيون بالمبادرة.

ويشرح نعمة "نحن في الأشرفية منذ سنة وحتى اليوم، يسجل بشكل يومي ومتكرر حوادث سرقة لكابلات كهربائية ومكيفات وسيارات ودراجات نارية وعمليات تشليح ونشل وتسول، ولم يعد هناك حديث لأبناء منطقة الأشرفية إلا ما يتعرضون له من سرقات واعتداءات، وفي الوقت نفسه كل العالم يعرف وضع السلطات اللبنانية وقدراتها، لا عتاد ولا عديد ولا أجهزة أمنية ولا قضاء ولا أي سلك أو جهاز فاعل، ماذا نفعل؟ كيف نحمي عائلاتنا وأهلنا؟".

أمن ذاتي؟

ترفض معظم فعاليات منطقة الأشرفية، ونوابها من أحزاب مختلفة، أن يصفوا ما يجري في منطقتهم على أنه أمن ذاتي، يشددون على ذلك أكثر من مرة في حديثهم، خاصة وأن الأحزاب المسيحية في لبنان عموماً، والأحزاب النافذة والأكثر تمثيلاً في الأشرفية (القوات اللبنانية وحزب الكتائب) على وجه الخصوص كانوا من أبرز المعارضين لمظاهر الأمن الذاتي التي شهدها لبنان في تاريخه السياسي الحديث، منذ العام 2005، لاسيما تلك التي كان يقيمها تنظيم "حزب الله" في مناطقه.

"نحن لا نسميها أمن ذاتي، بل هذا من أقل الواجبات التي نؤمنها"، يقول النائب نديم الجميل، ويضيف "غدا إن عجزت السلطات عن رفع النفايات من منطقة الأشرفية سنقوم نحن برفعها، وفي النهاية لسنا مستعدين للعيش بذل ولا بقهر ولا بخوف".

وعما إذا كانت الخطوة تسليم بغياب السلطات عن دورها يشير الجميل إلى أن المشكلة أن السلطات "فعلا غائبة ولا تستطيع تأمين الحد الأدنى من حاجات الناس، بدءاً من الكهرباء وصولاً إلى الأمن والسلامة. نحن بالتأكيد نطالب بالدولة وحضورها ولازلنا مع خيارها، ولكن في ظل عجزها الحقيقي نتحرك، ومعظم البلاد اليوم تعمل بالمبادرات الفردية".

من جهته يرى نعمة أن هذه المبادرة بحد ذاتها من يمنع الأمن الذاتي، ويتابع "بحضورنا ووجودنا اليوم بالدور الذي نقوم به بالفعل نمنع الأمن الذاتي، فعلى الأقل نحن أشخاص معروفين مكشوفي الوجوه عناويننا وأرقامنا معروفة نعمل عبر شركة أمن مرخصة، لا نعمل بالخفاء وليس لدينا أي أجندة".

ويؤكد في حديثه لموقع "الحرة" أنه لو لم تكن هذه المجموعة موجودة "سيضطر كل شخص إلى حراسة منزله ومؤسسته وكل الناس في لبنان اليوم يملكون سلاحاً وهذا أمر واقع، ماذا لو حصل هذا السيناريو وشهدنا أحداث إطلاق نار أو قتل على خلفية سرقات أو مظاهر مسلحة للسبب نفسه؟ هنا نكون وقعنا في الخطر ووصلنا إلى الأمن الذاتي".

وفيما اتُهمت القوات اللبنانية برعاية هذه المجموعة والاستفادة منها لإرساء واقع أمن ذاتي يشدد رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، على عدم وجود أي علاقة للقوات اللبنانية بهذا الأمر مشيراً إلى تضخيم كبير لهذه المسألة، "مرده إلى أن من يخطف قرار الشرعية في لبنان، وهو حزب الله، يمسك مناطقه عسكرياً ومن مختلف النواحي، من خلال المربعات الأمنية، ويخطف من خلفها البلد برمته، وبالتالي من مصلحته التركيز على أوضاع معينة في مناطق غيره لحرف الأنظار عن واقعه".

ويتابع "لا أحد في الأشرفية أو في مناطق أخرى في وارد الذهاب إلى أمن ذاتي في ظل الثقة المطلقة بالجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية، الأمن الذاتي الوحيد الموجود في لبنان هو الأمن الذاتي لحزب الله، وخلاف ذلك لا يوجد أي أمن ذاتي".

وفي حديثه لموقع "الحرة" يلفت جبور إلى أن "السلطات اللبنانية معنية بمحاسبة كل من يخالف القانون ويخل بالأمن في هذا المكان، وليس التركيز على ظواهر نتجت عن الواقع المرير الذي يعيشه البلد بسبب حزب الله وفريقه السياسي، وهنا مكان الخلل الذي يجب التصويب عليه، وكلما تفلتت الأمور أكثر ستزداد مظاهر الأمن الذاتي أكثر بشكل عام".

لماذا الآن؟

وعلى الرغم من أن المبادرة أتمت نحو شهر ونصف الشهر، إلا أن عودة الجدل حولها، ترافق مع إشكال شهدته منطقة الأشرفية، في ساحة ساسين، بين مجموعة شبان من خارج المنطقة كانوا في جولة دراجات نارية في شوارع بيروت احتفالاً بتأهل منتخب المغرب إلى الدور نصف النهائي من كأس العالم، حيث ما لبث أن تحول الاحتفال إلى إطلاق شعارات ذات طابع طائفي أثارت استفزازاً في الأشرفية ذات الأغلبية المسيحية ما أدى إلى إشكال كبير وتضارب قبل تدخل القوى الأمنية لفضه.

هذا الإشكال أعاد طرح قضية الأمن الذاتي في الأشرفية، لاسيما بعد تنامي نشاط مجموعة "جنود الرب"، المتشددة دينياً والتي تتخذ من الأشرفية مقراً ومنطلقاً، حيث جرى الربط أيضاً بين مبادرة الحراسة وهذه المجموعة، حيث وقع التباس بين الطرفين، وجرى اعتبار أنهم مجموعة واحدة، وهو ما ينفيه القيمون على المجموعتين، حيث كان لموقع "الحرة" تحقيق مفصل حول ظاهرة "جنود الرب".

وفي هذا السياق يتحدى نعمة إيجاد أي علاقة بين مجموعات الحراسة وبين مجموعة جنود الرب، ويعلن استعداده للاستقالة من دوره في حال إثبات وجود أي عنصر من جنود الرب ضمن مجموعات الحراسة، "كل يوم يسألونني 100 مرة عن علاقة جنود الرب بنا، وننفي ونوضح أن لا علاقة أبداً".

ويتابع "هناك توجيهات صارمة وواضحة للعناصر بأنه ممنوع حتى أن يسأل عن اسم أحد أو يوقف أحداً في الشارع، كل مهمته تقتصر على المراقبة والرصد والاتصال بالقوى الأمنية عند أي اشتباه أو طارئ، ولا علاقة لهم بأي بعد سياسي أو مواجهات سياسية. الخطأ الأول من قبل هؤلاء الشبان هو الأخير وأي مخالفة للتعليمات تعرض الشخص المخالف لخسارة العمل والخروج من المجموعة".

من ناحيته يرى الجميل أن اثارة الضجة حول هذا الأمر من جديد، بعدما مر أكثر من شهر على انطلاقة هذه المجموعة، "يهدف إلى التغطية على ما جرى جنوب لبنان قبل أيام، لناحية الاعتداء على دورية اليونيفيل الذي أودى بحياة جندي من الكتيبة الأيرلندية العاملة جنوب لبنان.

ويضيف "يريدون حرف الأنظار ويحاولون خلق بلبلة وتهويل وتهديد وتشويه لصورة المناطق المسيحية، في حين أن هذه المبادرة من أرقى وأنقى المبادرات، وهي حاجة أساسية وضرورية لأهالي الأشرفية، والبرهان على ذلك أنها تركت طمأنة كبيرة في نفوس السكان والتجار في المنطقة وتركت أثراً بالغاً".

من أين التمويل؟

ومن بين أبرز الاستفهامات التي طرحت، تمحورت حول الجهة الممولة وآلية تمويل هذه المجموعة التي ستكلف نحو 700 ألف دولار في السنة، وفق ما يؤكد نعمة، وسرت اتهامات لشخصيات وجهات حزبية، أبرزها أنطون الصحناوي، وهو متمول وصاحب مصرف وله نفوذ سياسي كبير في منطقة الأشرفية.

ويشرح نعمة أن تمويل المبادرة مؤمّن لمدة شهرين فقط، لافتا إلى أن الجمعيّة لا تدفع مباشرة للشباب، بل ندفع لشركة الأمن التي تتولى دفع الرواتب. أما مصادر التمويل فمؤمّنة من خلال المجتمع المحلي وأهل الأشرفية.

ويضيف " نعم نحن ندفع رواتب ولا يمكن لأحد أن يعمل اليوم دون مقابل وأجر، من جهة نحرص على الأمن، ومن جهة أخرى نؤمن بعض الوظائف للعاطلين عن العمل في المنطقة".

من ناحيته الجميل، يذكر أنه ومنذ اليوم الأول "قلنا إن هذه المبادرة مبنية على التبرعات من التجار وأصحاب المؤسسات التجارية والسياحية وبمساعدة الأهالي، وسنتمكن من الاستقرار والاستمرار إذا ما تبرع الأهالي والتجار لمساندتنا ودعم المبادرة، ويقف هذا المشروع في حال لم يحب الأهالي هذه المبادرة ولم يدعموها".

ولا ينكر الجميل أن آل الصحناوي جزء من داعمي هذه المبادرة، "وليس بالضرورة الدعم المادي فقط، هناك أنطون وهناك غيره من النيرين في المجتمع الذين فهموا أهمية هذه المبادرة، ومعهم كثير من رجال الأعمال والمغتربين الداعمين أيضا".

السلطات غائبة.. و"غير موافقة"

وعن اتهامهم باستخدام العنف أو السلاح، يرد نعمة "كل ما نحمله كشافات ضوئية وعصي، وهذا ما يفعله ويحمله أي ناطور مبنى، واتحدى أحد أن يوثق أو يثبت ظهور أي سلاح أو استخدام للعنف من قبل هؤلاء الشبان، الذين يستحقون نيشان تقدير من القوى الأمنية، بعدما باتوا نحو 200 مواطن يعملون مخبرين لديها في شوارع الأشرفية".

"تخيل أحيانا يلقى القبض على سارقين تقول لهم القوى الأمنية ليس لدينا مكان لاحتجازه أو أن المدعي العام معتكف عن العمل أو نائم، ماذا نفعل في هذه الحال، وصل الوضع الأمني إلى مراحل مزرية وفالتة"، بحسب نعمة.

وتحدثت تقارير إعلامية عن تعذر حصول المبادرة على التراخيص اللازمة وبالتالي فإن عملها يتم بالأمر الواقع وليس بإذن من السلطات اللبنانية، رغم التنسيق الذي يتحدث عنه القيمون على المبادرة، بين القوى الأمنية وشركة الأمن المرخصة.

إلا أن قوى الأمن أصدرت بياناً متعلقاً بآخر التطورات التي شهدتها منطقة الأشرفية، تطرق إلى ظاهرة الأمن الذاتي، معبراً عن رفض قوى الأمن بشكل قاطع، وأن أي مظهر من مظاهر الأمن الذاتي مهما كانت أسبابه، وكل ما هو أمن ذاتي بالمبدأ يتنافى مع عمل قوى الأمن نرفضه رفضاً تاماً ونتابعه أمنياً".

بدوره يوضح الجميل أنه ما من ترخيص لعمل هذه الشركة الأمنية على الأراضي اللبنانية، ويضيف "أظن أيضا أن هذا العمل ممنوع في القانون، ولكن في المقابل لدينا اليوم 45 نقطة ينتشر الشبان فيها، هناك ترخيص خاص للمباني والمنازل التي ينتشرون في محيطها، ولدينا عقود ممضية من أصحاب هذه المباني والمنازل تسمح لنا بتأمين الحماية لها".

ويلفت إلى وجود "علم ضمني لدى السلطات بعملنا، وإلا لما كنا استطعنا أن نقوم به دون أو يوقفنا أحد".

ويشدد "لسنا في وارد الحلول مكان الدولة، ولكن حين تقصر بقيامها بواجباتها من واجبنا أن نملأ هذا الفراغ، لسنا السبب اليوم بكون السلطات اللبنانية تفقد دورها وحضورها والثقة بها من قبل المواطنين. لأن الدولة لم تعد قادرة على إضاءة شوارعها نحن مضطرين لإضاءة شوارعنا، ولأنها عاجزة عن تأمين السلام والاستقرار لمواطنيها نحاول اليوم نحن تأمين هذا الاستقرار".

فيما يسأل نعمة في ظل عدم وجود موظف استعلامات يحضر في بلدية بيروت ليجيب على اتصالات الناس أصلا، بأي حق يسألون ويعترضون؟ كل يوم كانت تصل عشرات الشكاوى إلى البلدية ولا تتحرك بسبب نقص العديد وبسبب نقص الإمكانات، لا يريدون العمل ويمنعون غيرهم أيضاً عن العمل؟".

ويضيف "برأيك هل نحن نريد أن نجلس ليلاً في الشوارع أو في منازلنا مع أهلنا وعائلاتنا؟ ما عملنا على الطرقات، أفضل ألف مرة أن أنام في الليل مطمئن البال، بدلاً من السهر حتى الفجر، لكن هذا الدور الذي نقوم به بات حاجة ملحة".

من جهته يختم جبور بالتأكيد على أن المهم الآن "أن تبقى هذه المجموعات ضمن القانون ولا تقلص من دور السلطات الرسمية الذي يبقى هو الأساس، ولا يجب أن يصبح الاتكال على هذه المبادرات بشكل أساسي، لذلك يجب الإسراع اليوم باستعادة الدولة لحضورها وانتخاب رئيس جمهورية، لإعادة الانتظام إلى المؤسسات، ولكن لا يمكن القول للناس: لا تحموا أنفسكم وممتلكاتكم في ظل كل هذا الفلتان".

حزب الله

في أقصى الجنوب اللبناني، حيث لا يبدو أن إعادة الإعمار قادرة على إعادة عقارب الدمار إلى الوراء، يبرز السؤال مرة أخرى: من يملك القرار في لبنان فعلا؟ الدولة، أم ميليشيا تعمل بالوكالة داخل الدولة؟

عاد هذا السؤال المزمن إلى الواجهة بعد تأكيد نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في 3 مايو، مرة أخرى،  رفض الحزب التخلي عن سلاحه لصالح سيادة الدولة.

 "سلاح المقاومة باق ولن يُسلَّم مهما اشتدت الضغوط،" قال قماطي. 

العبارة مألوفة، لكنها تتردد اليوم في لبنان المنهار اقتصاديا، المتعثر سياسيا، والمثقل بتبعات حرب لم يكن حزب الله قادرا على خوضها.

بالنسبة لكثير من اللبنانيين، الجواب بات واضحا. فالحرب الأخيرة مع إسرائيل كشفت حدود قدرة حزب الله العسكرية، وفشله في حماية لبنان من التدمير الواسع النطاق، بل فشله حتى في حماية قياداته. 

ورغم قبوله باتفاق وقف إطلاق النار، الذي اعتبره مراقبون بمثابة "استسلام"، يواصل الحزب تأويل بنود الاتفاق، مصرا على حصر تسليم السلاح في جنوب نهر الليطاني، والاحتفاظ بترسانته في شماله.

الدولة في مواجهة الميليشيا

إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه يتناقض بشكل صارخ مع خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، وقرارات دولية أبرزها القرار 1701، والتي تؤكد جميعها حصر السلاح بيد الدولة. ومع ذلك، يصر حزب الله على أن سلاحه لا يزال ضروريا لـ"الحماية والدفاع" رغم أن هذا السلاح نفسه يغرق لبنان أكثر فأكثر في صراعات إقليمية لا طاقة له بها.

"سلاح حزب الله لم يكن يوما لحماية لبنان"، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، "الهدف الأساس كان حماية المصالح الإيرانية في المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن".

وفي رأيه، فإن مواجهة حزب الله لإسرائيلي في السابق، لم تكن إلا وسيلة للحفاظ على نفوذ طهران، لا على السيادة اللبنانية. "لبنان لم يكن أولوية، بل جاءت سيطرة هذا السلاح على لبنان لتضعف الدولة والاقتصاد وتساهم في الانهيار المالي والسياسي الذي يعاني منه لبنان حتى اليوم"، كما قال في حديثه لـ"الحرة".

سلاح بلا مهمة

يصف الأمين تصريح قماطي بأنه "نوع من المكابرة". ويضيف: "إذا كان المقصود بالسلاح مواجهة إسرائيل، فسلاح حزب الله فشل فشلا ذريعا في حماية لبنان، بل في حماية قيادته والبيئة الحاضنة ووفر فرصة لإسرائيل لتدمير وتهجير عشرات القرى والبلدات الحدودية".

التناقض جلي: كيف يمكن لحزب أن يشارك في المؤسسات الدستورية للدولة بينما يحتفظ بميليشيا مسلحة خارجة عن سلطتها؟

أداة بيد طهران

من جانبه، يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن تمسك حزب الله بسلاحه يعكس تطورات تتجاوز حدود لبنان.

"يتبدّل خطاب الحزب تبعا لمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، والوضع في اليمن، ومصير سلاح الحوثيين"، يشرح الزغبي، "حتى تصريح قماطي الأخير جاء، بعد ثلاثة أسابيع من الصمت، بطلب إيراني على الأرجح، في إطار لعبة التفاوض الأوسع".

ويشير الزغبي إلى أن طهران تسعى لضبط إيقاع أذرعها: إيقاف ضربات ضد الأميركيين، الاستمرار في الضغط على إسرائيل، والمحافظة على ورقة السلاح للتفاوض.

درع مُكلف

ينتقد كثير من اللبنانيين سلاح الحزب باعتباره درعا جلب الخراب بدلا من الحماية. المحلل السياسي خالد ممتاز كتب على منصة أكس "لو كان سلاح حزب الله رادعا، لما تجرأت إسرائيل على استهداف قياداته، ولما بلغت خسائر لبنان 14 مليار دولار، ولا تدمرت مئات القرى بالكامل".

ويضيف: "سلاح الحزب له قيمة فقط في الداخل، لذلك نطالب بتفكيك المنظومة الأمنية المرتبطة به، لأن كواتم الصوت والمتفجرات قتلت خيرة الناس وساهمت في دمار الدولة وإفلاس البنوك ووصول الفاسدين إلى السلطة".

بين البقاء والاندثار

يعتقد الأمين أن الحزب يتمسك بسلاحه لأنه لا يستطيع الاستمرار من دونه. "نزع السلاح يعني تحوّله إلى حزب سياسي عادي، ما يفقده جزءا كبيرا من النفوذ القائم على المال والسلاح والتبعية الكاملة لإيران".

لكن هذا النفوذ يأتي بثمن داخلي متزايد. "حين يتحول السلاح إلى أداة لتخويف المجتمع وفرض القرار، يُغذي الطائفية ويزيد الانقسام"، يحذر الأمين.

ويدعو الحكومة إلى الحزم إذ "لا يجوز للدولة أن تتعايش مع ميليشيا. إما أن يلتزم الحزب بشرعية الدولة، أو أن يخرج منها. لا وجود لمنطقة وسطى".

وهم المقاومة

بحسب الزغبي، فقدت ذريعة المقاومة صلاحيتها بعد الهزيمة أمام إسرائيل. ويقول: "لم يعد بإمكان الحزب الادعاء بأن سلاحه يحمي لبنان، إذليس باستطاعته حتى حماية معاقله".

ويرى أن تذرّع الحزب بخطر التكفيريين وسوريا هو محاولة جديدة لتبرير بقاء السلاح، لكنه يضيف: "الحماية الحقيقية لا تأتي إلا من الدولة وشرعيتها".

ورغم ذلك، لا يتردد حزب الله في مطالبة الدولة بالحماية من الغارات الإسرائيلية، وبالدعم في إعادة الإعمار، بينما يُصر على التفرد بالسلاح. هذا التناقض يعمّق أزمة الشرعية والحكم في لبنان.

البُعد الدولي

تتجاوز تداعيات احتفاظ حزب الله بسلاحه حدود لبنان. فالدعم الدولي مشروط بسيادة الدولة الكاملة. أما إسرائيل، فتحذر من أنها قد تتصرف بمفردها إذا عجزت الدولة اللبانية عن ضبط الميليشيات.

بالنسبة للأمين، لم تعد مسألة السلاح داخلية فقط. فالحزب وافق على اتفاق وقف إطلاق النار. "تصريحاته اليوم تهدف لإشعال أزمة داخلية، لكنها لن تغيّر الموقف الدولي".

ويحذر من أن المماطلة ستزيد من كلفة نزع السلاح على اللبنانيين.

ويذهب الزغبي في الاتجاه ذاته: "ما دام الحزب مسلحا، سيبقى لبنان غير مستقر. السلاح يمنع قيام الدولة، ويُبقي الطوائف في حالة ترقب وقلق دائم من مواجهات جديدة".

ضرورة وطنية

في الذكرى السنوية لأحداث 7 أيار، كتب العميد المتقاعد بعرب صخر، الباحث في شؤون الأمن القومي: "يوم عار كشف الستار عن الوجه القبيح لحزب إيران في لبنان، وبين أن سلاحه ليس من أجل لبنان، بل على لبنان".

وأضاف في منشور على أكس: "اليوم المجيد هو اليوم القريب الذي ننزع فيه هذا السلاح، سلاح الدمار والغدر والاغتيال، والعبثية والتبعية لأعداء لبنان".

ويخلص الزغبي إلى القول إن على الدولة اللبنانية "حصر السلاح في يدها" وذلك "كي تنجح في تحقيق وعودها بالاستقرار والسيادة والإصلاح. فنزع السلاح غير الشرعي سواء كانت هويته لبنانية أو غير لبنانية هو الشرط الأول لنجاح الإصلاح واستجرار أموال المساعدات العربية والدولية المخصصة لإعادة الإعمار، وكذلك لاستعادة ثقة العرب والعالم وتشجيع السياحة وأموال الاستثمارات" في لبنان.