من تظاهرة في لبنان منددة بالعنف ضد المرأة بكل أشكاله
من تظاهرة في لبنان منددة بالعنف ضد المرأة بكل أشكاله

ساعات تفصل اللبنانيات عن إغلاق فصل آخر من فصول كتاب انتزاع حقوقهن، الذي بدأن كتابته منذ سنوات بحبر النضال، حيث نجحن خلال مسيرتهن الطويلة في تحقيق بعض المكتسبات، لكن لا يزال الطريق أمامهن طويلا للوصول إلى كل الأهداف.  

ترجم نضال الجمعيات والمنظمات الحقوقية والنسوية هذا العام خلال العيد الـ77 للجيش اللبناني، فللمرة الأولى تساوى فيها عدد الضباط الذكور مع الضباط الإناث المتخرجين لصالح الجيش، لا بل طليعة الدورة لهذا العام كانت ضابطة أنثى. 

كما ارتفع عدد النساء اللواتي تمكّن من الوصول إلى قبة البرلمان في الانتخابات النيابية للعام 2022، من 6 إلى 8، وإن كان النضال في هذا المجال يصبو إلى إقرار اقتراح قانون للكوتا النسائية. 

وأُطلقت هذا العام حملات "قديمة متجددة" حملت عنوانين مختلفة من حماية المرأة من العنف الأسري إلى وضع حد لتشريع الاغتصاب، وإقرار قانون موحد للأحوال الشخصية يحول دون تزويج القاصرات كذلك إقرار قانون يعطي المرأة اللبنانية حق منح جنسيتها لأولادها، لكن انتهت السنة من دون أن يتم تحقيق أي انتصار في المعارك التي جرى خوضها. 

"الحلقة الأضعف" 

لا يمكن الحديث عن وضع المرأة اللبنانية في عام 2022 بمعزل عن الوضع العام في البلد، حيث يجب الربط كما تقول مديرة جمعيّة Fe-Male حياة مرشاد "بين الواقع الاجتماعي والاقتصادي وانعكاسه على النساء كونهن أكثر من يدفعن ثمن الأزمات، فإذا كانت هذه السنة ضاغطة على جميع اللبنانيين إلا أنها أكثر ضغطاً على النساء، لاسيما اللواتي يعشن في ظروف معيشية أسوأ من غيرهن، كعاملات المنازل الأجنبيات واللاجئات واللبنانيات المعيلات لأسرهن والمطلقات والأرامل". 

لم تنعكس الأزمة الاقتصادية على الوضع المعيشي للنساء فقط، بل كما تشدد مرشاد في حديث لموقع "الحرة" "انعكست كذلك على نسب العنف الممارس ضدهن، وهو ما كشفته التبليغات التي تلقتها المنظمات النسوية والقوى الأمنية، فالرصد الدائم أظهر مدى ارتفاع العنف سواء الإلكتروني أو الأسري أو الجنسي، رغم أن التبليغ عن هذه الجرائم صعب جدا لعدة أسباب، منها خشية النساء من الوصمة الاجتماعية وعدم ثقتهن بالحماية التي تؤمنها لهن المؤسسات الأمنية". 

كذلك أكدت رئيسة منظمة "كفى" زويا روحانا لموقع "الحرة"، أن الأوضاع السيئة في لبنان تنعكس على النساء أكثر من الرجال، "كونهن في وضع غير متكافئ، حيث تمارس عدة طبقات من التمييز ضدهن، وفي ظل الأزمات المعيشية أصبحت أولويتهن تأمين الحاجات الأساسية لأولادهن وليس العنف الذي يتعرضن له". 

انعكس الوضع السياسي والاجتماعي والأمني في البلد على تطبيق القوانين، و تشرح مرشاد "حقق الحراك النسوي خلال السنوات الماضية عدداً من المكتسبات، منها قانون حماية النساء من العنف الأسري والتعديلات عليه وقانون الحماية من التحرش الجنسي في أماكن العمل، لكن بسبب التدهور العام في البلد لم نر تطبيقاً جدياً لهذه القوانين، حيث ظهرت عقبات كثيرة أمام استفادة النساء من القوانين التي جرى إقرارها وبالتالي وصولهن إلى العدالة". 

وأشارت النائبة غادة أيوب في حديث لموقع "الحرة" إلى أن قانون حماية النساء من العنف الأسري نافذ "لكنه يجب توعية النساء حول حقوقهن والوسائل القانونية التي يمكنهن استخدامها، وهذا دور الإعلام والمجتمع المدني، فكما أن تشريع القانون مهم كذلك إيصال مضمونه إلى جميع اللواتي تعرضن أو قد يتعرضن لأي نوع من أنواع العنف". 

في 25 نوفمبر أطلقت الأمم المتحدة في لبنان والهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية ومنظمات حقوق المرأة والعاملون في الحماية حملة 16 يوم لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي للقضاء على العنف ضد النساء والفتيات والفئات المهمشة والحماية منه، فهذا العام لم يمر من دون أن يجبر عدد من النساء على تسجيل أسمائهن على لائحة ضحايا العنف الأسري، منهن اللبنانية هناء خضر التي أغمضت عينيها إلى الأبد بعد 11 يوماً من المعاناة والألم من حروق أصابت كامل جسدها، نتيجة إضرام زوجها النيران بها، بعد رفضها إجهاض جنينهما، لترحل ميتمة طفلين. 

كما طال مسلسل العنف الأسري اللبنانية منى عاقوري الوالدة لأربع فتيات، بعدما أطلق زوجها النار عليها في شهر أكتوبر أمام أعين بناتها في بلدة بلاط -جبيل، وذلك إثر خلافات عائلية وتعنيف جسدي ولفظي استمر لسنوات، وصل إلى رفع الضحية قضية حماية وابعاد، وحين صدر الحكم غادرت منزل الزوجية، ولحظة وقوع الجريمة كانت المغدورة عائدة بسيارتها مصطحبة بناتها من المدرسة، حيث انتظرها زوجها لارتكاب جريمته. 

خطوة نحو قانون "موّحد" 

حفّز تصديق لبنان على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" في عام 1997، "زيادة الوعي بحقوق المرأة داخل المجتمع اللبناني، وتلا ذلك إنشاء اللجنة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية التابعة لرئاسة مجلس الوزراء في عام 1998"، بحسب ما ذكرت الأمم المتحدة، لكن كما تضيف "هناك عدد من العقبات القانونية والمؤسسية والاجتماعية التي تحول دون تمتع المرأة الكامل بحقوقها". 

تحدّد "سيداو" التزامات الدول في القضاء على التمييز وتحقيق المساواة الفعلي، وأشارت المنظمة الأممية "لا تزال لدى لبنان تحفظات على المادة 9 (2) من اتفاقية سيداو فيما يتعلق بالجنسية؛ وعلى عدة فقرات فرعية من المادة 16 (1) تتعلق بقوانين الأحوال الشخصية؛ وعلى المادة 29 (1) بشأن تسوية المنازعات المتعلقة بتفسير الاتفاقية لدى محكمة العدل الدولية". 

ناضلت "كفى" من أجل إقرار قانون حماية النساء من العنف الأسري، إلا أن هذا القانون كما تشير روحانا "يمنحهن حماية مؤقتة إلى حين حل المشكلة الأساسية في المحاكم الدينية، حيث يعاني عدد كبير من النساء من قوانين الأحوال الشخصية لدى مختلف الطوائف، فيما يتعلق بسن الحضانة والتزويج المبكر والنفقة والولاية والوصاية على الأولاد وغيرها" وتشدد " لا يمكن التوصل إلى مساواة كاملة بين المرأة والرجل إلا من خلال إقرار قانون موحد مدني للأحوال الشخصية الذي يساهم في ترسيخ دولة مدنية". 

منذ عام 2018 عملت "كفى" على إعداد اقتراح قانون موحد للأحوال الشخصية، وحرصت على أن يتم تبنّيه من قبل عدد كبير من النواب من مختلف الاتجاهات، وقد تمكّنت الشهر الجاري من إدخاله الى المجلس النيابي من خلال توقيع تسعة نواب عليه، من بينهم النائبة بولا يعقوبيان التي قالت "شعب واحد يكون لديه قانون واحد، هذا الأمر أصبح مهماً جداً أكثر من أي وقت مضى، نحن نعرف أن هناك تنوعا مذهبيا وطائفيا في لبنان، هذا القانون لا يمنع بأي شكل من الأشكال العودة إلى المحاكم الروحية الموجودة، لكنه يلزم اللبنانيين جميعا بقانون واحد، ولذلك لم يكن اختياريا وإنما هو إلزامي".  

وتابعت يعقوبيان "نعرف كم هي الصعوبات وكم سيدخل هذا القانون إلى بازار في المجلس النيابي، وأعتقد أنه سيكون فجرا جديدا للبنان إذا تم إقراره"، كذلك أكدت روحانا أن "معركة إقرار هذا القانون لن تكون سهلة، بعض الكتل النيابية مقتنعة بضرورة أن يكون هناك قانون موحد مدني للأحوال الشخصية، وعلى هذا الأساس نحن نتأمل بتحقيق خطوة في هذا الاتجاه". 

"معركة" منح الجنسية 

للسنة الـ12 على التوالي حاولت حملة "جنسيتي كرامتي"، انتزاع حق المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي منح جنسيتها لأولادها، فرغم تقديم ما يزيد عن الخمسة مشاريع قوانين، لم يجر إلى الآن بحسب ما يقول رئيس الحملة مصطفى الشعار مناقشة أي منها. 

فقدان المرأة اللبنانية حق منحها جنسيتها لأبنائها، حوّل حياتها وحياتهم كما يقول الشعار في حديث لموقع "الحرة" "إلى جحيم، لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان، فمن يتمتع بحقوقه كاملة يصعب عليه العيش في ظل هذا الوضع فكيف بالمجرّدين من أي حقوق، فكل القرارات الخاصة بالأجانب تشملهم، وبالتالي يصعب عليهم الحصول على وظيفة أو الاستفادة من تغطية وزارة الصحة وغيره، كل ذلك شكل سببا للعديد من حالات الانفصال، وبالتالي تهديد الأمن الأسري". 

عائق وحيد يقف في طريق إقرار قانون منح المرأة اللبنانية جنسيتها إلى أبنائها كما يشدد الشعار وهو "عائق سياسي، أما الحجج التي يعلنها السياسيون فهي واهية، منها التوطين والتغيير الديموغرافي، والدليل على ذلك عدم قبولهم بالكوتا النسائية"، ويشدد "من المستحيل أن يستمر وضع شاذ، من هنا أملنا كبير بالوصول إلى الهدف الذي نصبو إليه". 

ليس فقط المرأة اللبنانية هي المظلومة كما يشير رئيس حملة "جنسيتي كرامتي"، "بل كل الشعب اللبناني، بسبب منظومة أثبتت فشلها، وقد حان الوقت لتغييرها وتعديل الدستور فهو ليس كتاباً إلهياً، حيث يشمل العديد من الأخطاء عدا عن أنه لم يواكب التطور منذ أن وضع قبل عشرات السنوات"، ويضيف "رغم كل ما يمر به لبنان من وضع معيشي مزر وفقدان للأدوية وحليب الأطفال وتزايد حالات الانتحار وانعدام أدنى مقومات حقوق الإنسان، لا يحرك المسؤولون ساكناً، وبالتالي أصبحت محاربة هذه المنظومة واجباً". 

حملة جنسيتي كرامتي مستمرة حتى تحقيق هدفها، وكما يؤكد الشعار "نفسنا طويل ولن نقبل بأي مفاوضات أو مباحثات بشأن حقوق المرأة إلا بإقرار وتطبيق القوانين التي من شأنها أن تؤمن العدالة والمساواة بين الجنسين". 

صمود "النظام الاستغلالي" 

سنة جديدة انتهت من دون أن تنجح مطالبات منظمات حقوقية لبنانية ودولية بإلغاء نظام الكفالة، الذي يقف خلف العديد من القصص المأساوية لعاملات المنازل، منها ما ظهر إلى العلن ومنها ما يزال محجوباً خلف جدران منازل تحول دون سماع أنين عاملات يعانين من الظلم والاضطهاد. 

أضاءت "هيومن رايتس ووتش" في يناير على نظام الكفالة اللبناني "الاستغلالي والذي يشمل قيوداً شديدة، يحاصر عشرات آلاف عاملات المنازل المهاجرات في ظروف تنطوي على انتهاكات خطيرة ترقى، في أسوأ الأحوال، إلى العبودية الحديثة. لا يحمي القانون العاملات، ولا نية لدى الدولة لتغيير النظام الحالي". 

أدى ارتفاع درجة السيطرة على حياة العاملات في ظل نظام الكفالة بحسب المنظمة الدولية إلى ظهور "حالات من الاتجار بالبشر، والعمل القسري، والاستغلال، وغيرها. توثق "هيومن رايتس ووتش" والمنظمات المحلية في كثير من الأحيان حالات عدم دفع الأجور، والحبس القسري، وحجز الوثائق الشخصية، وساعات العمل المفرطة، والاعتداء اللفظي، والبدني، والجنسي".  

وأضافت "في خضم الأزمة الاقتصادية في لبنان وتفشي فيروس كورونا، ازدادت حوادث الانتهاكات ضد عاملات المنازل المهاجرات". كما حذّرت "منظمة العمل الدولية" من أن العمال المهاجرين يواجهون الآن ظروفا "تزيد بشكل كبير من مخاطر دخولهم في العمل الجبري أو السخرة". 

 بعد 15 سنة من العذاب والعمل القسري لدى مشغليها اللبنانيين، تم وضع حد لمعاناة النيبالية منى غيري التي تعرضت للعنف الجسدي والنفسي والحرمان من راتبها، ففي أبريل 2022 تمكنت من العودة إلى وطنها، بعد نشر مقال عن حياتها في وسائل الإعلام النيبالية وتواصل ابنتها مع منظمة "ذيس إيز ليبانون" لإنقاذها. 

وافتتح العام 2022 بفيديو يوثق سحل رجل لبناني لعاملة منزلية أجنبية بطريقة وحشية، في بلدة جورة البلوط في المتن الشمالي، ما أثار الرأي العام وحرّك القوى الأمنية، وفي العاصمة اللبنانية، عكس مشهد آخر مدى القهر الذي تعيشه العاملات في الخدمة المنزلية، حيث افترش عدد ممن يحملن الجنسية الكينية الرصيف أمام مدخل مبنى قنصلية بلدهن، وذلك بعد تعرضهن لعنف متعدد الأنواع من أرباب عملهن. 

مستنقع البطالة 

من آثار الأزمة الاقتصادية على المرأة اللبنانية، ارتفاع نسبة البطالة بينهن كما تشير مرشاد "مع العلم أن مشاركتهن في سوق العمل اللبناني متدنية أكثر من الرجال"، وكانت إدارة الإحصاء المركزي ومنظمة العمل الدولية أصدرتا نتائج مسح جديد للقوى العاملة في لبنان في يناير قدّم بيانات محدثة تتعلق بالقوى العاملة في البلد. 

بيّن البحث أن معدل المشاركة في القوى العاملة الوطنية - أو النسبة المئوية للأشخاص الناشطين في سوق العمل، سواء كانوا موظفين أو عاطلين عن العمل - قد انخفض بأكثر من خمس نقاط مئوية من 48.8% في 2018-2019 إلى 43.4% في يناير2022. وقد بيّن البحث أن الرجال نشيطين في سوق العمل أكثر من النساء، حيث تبلغ نسبة الرجال في سوق العمل 66.2% مقابل 22.2% للنساء. 

ووفقًا لنتائج المسح، ارتفع معدل البطالة في لبنان من 11.4% في فترة 2018-2019 إلى 29.6% في يناير 2022، مما يشير إلى أن ما يقارب ثلث القوى العاملة الناشطة كانت عاطلة عن العمل في يناير2022. وقد كانت نسبة النساء العاطلات عن العمل أكثر من الرجال، حيث بلغ معدل بطالة النساء 32.7٪ مقارنة بمعدل الرجال 28.4%، في حين بلغ معدل الشباب 47.8% ضعف معدل البالغين 25.6%. 

كما تفاقمت هذا العام أزمات عدة، منها بحسب مرشاد "أزمة فقر الدورة الشهرية التي بدأت بعد انفجار مرفأ بيروت والأزمة الاقتصادية، ورغم أننا لم نجر دراسة جديدة إلا أنه من خلال عملنا على هذا الملف، ما زلنا نلمس مدى الحاجة الكبيرة لدى النساء إلى مستلزمات الدورة الشهرية التي هي حاجات أساسية، من دون أن تفعل السلطة السياسية شيئاً منذ بداية الأزمة إلى الآن لدعم هذه المنتوجات وحق النساء في الوصول إليها". 

مشاركة سياسية "محدودة" 

وصول ثماني نساء إلى مجلس نيابي مؤلف من 128 نائب، رقم متدني نسبياً بحسب ما تؤكد النائبة أيوب، خاصة أن "رقم المقترعات في الانتخابات النيابية حوالي الـ50%، ما يعني أن النساء يشاركن في الانتخابات اقتراعاً، لكن نسبة ترشحهن وانتخابهن ووصولهن إلى المجلس النيابي متدنية، وهذا الأمر يتطلب تمكين المرأة من خلال إعادة النظر ببعض القوانين لإعطائها الاستقلالية الاقتصادية والحرية بألا تكون خاضعة لقرارات الرجل، ومن ناحية أخرى تغيير وتوعية المجتمعات لانتخاب المرأة، مع العلم أنه منذ خمسينات القرن الماضي سمح لبنان للنساء بأن يكن في مواقع القيادة، لكن فعلياً لم يتمكّن من الوصول لعدة أسباب أهمها اقتصادية ومالية". 

قبيل الانتخابات التي عقدت في شهر مايو، كتبت هيومن رايتس ووتش إلى الأحزاب السياسية والمرشحين الرئيسيين في 11 أبريل تطلب منهم الرد بحلول 28 أبريل، وقد حددت المنظمة الدولية مجالات ذات أولوية منها: حقوق المرأة؛ وحقوق العاملات المنزليات المهاجرات؛ وحماية الحقوق المرتبطة بالتوجه الجنسي والهوية الجنسية؛ وحقوق اللاجئين؛ وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. 

ودعت المنظمة الدولية المجلس الجديد للعمل على سن قوانين في مجالات عدة منها: إنشاء قانون مدني اختيار للأحوال الشخصية لحماية حقوق المرأة؛ السماح للمرأة اللبنانية بنقل الجنسية إلى أطفالها؛ توسيع حماية العمل لتشمل عاملات المنازل المهاجرات؛ رفع سن الزواج إلى 18 عاما؛ لكن عدد قليل من المرشحين وحزب واحد هو( تقدُّم) تعهدوا بجميع المجالات الحقوقية ذات الأولوية. لكن مرّ حوالي ثمانية أشهر ولم يتم إقرار أي قانون جديد أشير إليه. 

والشهر الجاري أطلقت هيئة الأمم المتحدة للمرأة ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "الإسكوا" تقريراً مشتركاً حول المشاركة السياسية للمرأة بعنوان "المشاركة السياسية للمرأة: رؤى من واقع تجربة سياسيات لبنانيات".  

اشار التقرير الى انه "على الرغم من حصول النساء اللبنانيات على حق التصويت في عام 1952، وعلى الرغم من وجود حركة نسوية نابضة، لم تزل المرأة مُمَثَلَة تمثيلا ناقصا بشكلٍ كبير في الحياتين العامة والسياسية. منذ عام 1943، شُكلت في لبنان 88 حكومة، ضمت تسع حكومات منها، فقط، نساء، واليوم يمثل النساء 4% فقط من حكومة تصريف الأعمال الحالية من خلال وزيرة فحسب، من أصل 24 وزيراً".   

يحتل لبنان "المرتبة 110 من أصل 146 دولة في التمثيل السياسي بحسب ما جاء في تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2022 حول الفجوة بين الجنسين - إشارة إلى أن هذا الترتيب استند إلى نسبة 30% من النساء في مجلس الوزراء في مطلع عام 2021 - كما احتل لبنان المرتبة 183 من أصل 187 دولة من حيث مشاركة المرأة في البرلمان، بالمقارنة مع جيرانه في المنطقة العربية، يتخلف لبنان كثيرا عن الركب، إذ يحتل المرتبة 15 من بين 17 دولة عربية في نسبة البرلمانيات".   

ودعا التقرير، إلى "تطبيق تدابير خاصة مؤقتة على شكل كوتا نسائية في الانتخابات، وإلى تضمين الأحزاب السياسية النساء في لوائحها، وإلى إقامة شبكات وأنظمة دعم قوية للمرأة في السياسة، وإلى دعم تطوير بيئة داعمة للمرأة في السياسة مؤلفة من رجال ومن نساء"، كما قالت ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان راتشيل دور- ويكس "يتمتع لبنان بثروة من القياديات النسائية الماهرات والمتمكنات والمستعدات للمساهمة في تعافيه. لقد ثبت أن الوضع الراهن غير مستدام، حان وقت التغيير". 

صرخات متنوعة 

أطلقت في العام 2022 عدة حملات لدعم المرأة وتشريع وتعديل قوانين لحمايتها وتحصيل حقوقها، منها حملة تحت عنوان "#لا_عرض_ولا_عار" أطلقتها منظمة "أبعاد"، حيث طالبت بتشديد العقوبات على جرائم الاعتداء الجنسي، وفي دراسة إحصائية أعدتها المنظمة تبين أن العرض والشرف" هاجس يمنع 6 من أصل 10 نساء تعّرضن للاعتداء الجنسي في لبنان من التبليغ عن الجريمة، فيما 71% منهن يعتبرن أن المجتمع يرى بالدرجة الأولى في الجريمة، اعتداء على "عرض العائلة"، قبل أن يكون اعتداء جسدياً ونفسياً على المرأة.  

في التاسع من الشهر الجاري، أطلق برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (برنامج UN-Habitat) والهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، الحملة الوطنية حول "حقوق المرأة في السكن والأرض والملكية في لبنان"، وقالت مديرة برنامج الأمم المتحدة في لبنان، تاينا كريستيانسن، "إن تحسين حقوق المرأة في السكن والأرض والملكية في لبنان أمر ضروري جداً، ومن خلال ضمان هذه الحقوق، يمكن أن تتحسن فرص التنمية الاجتماعية والاقتصادية والرفاه للأسر والمجتمعات المحلية بشكل كبير، على مختلف مستويات الدخل، إذ تساهم حماية حقوق المرأة في السكن والأرض والملكية في تحقيق مجموعة واسعة من حقوق الإنسان والتمتع بها مثل الحق في مستوى معيشي لائق والسكن اللائق، والصحة، والعمل، والتعليم". 

كما أطلقت الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة حملة مع منظمة "مساواة الآن" الدولية، تحت عنوان "حلما أكبر من جازة" لالغاء وتعديل المواد 505 و518 و519 من قانون العقوبات التي تشكّل مدخلاً لتزويج القاصرات، حيث تعفي مغتصب الطفلات اللواتي يبلغن من العمر 15 إلى 18 سنة من العقاب في حال تزوج من ضحيته، وسبق أن أعدت الهيئة اللبنانية في عام 2020 مقترح قانون لحماية القاصرات من التزويج المبكر. 

تشير أيوب إلى أن تكتل "الجمهورية القوية"، كان من أوائل الكتل التي تقدمت باقتراح قانون لمنع زواج القاصرات، في حين أن بعض الكتل النيابية ترفضه لعلاقته بالدين والشرع، "فعندما يتداخل الدين بالتشريع يصبح اكمال المعركة أمراً مستحيلاً". 

لا تنسى مرشاد الإشارة إلى انعكاس الازمات التي يمر بها لبنان على الصحة النفسية للنساء وبالتالي حياتهن، لافتة إلى أنه "لو لم يكن هناك منظمات نسوية تعمل بجدية في لبنان لكان وضع النساء أسوأ بكثير، لا سيما وأن قضاياهن ليست أولوية في اجندة السلطة السياسية، لا بل أصبحت الأزمات حجة للسياسيين للقول بأن هناك أولويات أخرى، من هنا يقع على عاتق المنظمات النسوية عبء كبير، لكن ليس دورها ولا هو مطلوب منها أن تأخذ مكان السلطة السياسية، فما تقوم به هو تغطية فراغ وغياب المؤسسات الرسمية ولكن أياً يكن، ليس لديها المصادر ولا الموارد ولا السلطة ولا القدرة لتغطية كل الاحتياجات، من دون أن يعفي ما تقوم به، السلطة السياسية من مسؤولياتها". 

كلام مرشاد تؤكده روحانا بالقول "تتخذ السلطة السياسية من الوضع الذي يمر به لبنان حجة للقول بأن قضايا النساء ليست أولوية، لكن هذه القضايا هي من الأولويات كون النساء هن نصف المجتمع، ومع ذلك لا يتمكّن من المشاركة في الحياة العامة وحتى في حياتهن الأسرية، أي أن يتمتعن بموقع متكافئ مع الرجل، رغم ان اصلاح المجتمع يبدأ من المساواة داخل العائلة". 

ورداً على سؤال حول مشروع القانون الذي تعتبر إقراره ضرورة ملحة لتحسين وضع المرأة تجيب أيوب "كل القوانين التي تحسن وضع المرأة وتمنحها الأمان في عائلتها ومجتمعها ضرورية، لكن نحن في مرحلة لدينا أولويات، على رأسها انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة كي ينتظم العمل التشريعي في مجلس النواب". 

امرأة العام 

أحرزت مرشحة الحزب التقدمي الاشتراكي للانتخابات النيابية الأخيرة، عن دائرة الشوف-عاليه، الدكتورة حبوبة عون، لقب امرأة العام 2022 في لبنان، بتصويت أجرته "غوغل" على منصتها للمسابقة التي تعاونت باطلاقها مع جمعية support strong lebanon، والتي انقسمت إلى شقين، الأول خاص بالسيدات اللواتي يخضن مجال "الجمال والفنّ"، أمّا الشق الثاني فيُعنى بالسيدات اللواتي يخضن عالم "السياسة والإعلام"، حيث تنافست عون مع امرأة العالم للجمال رندلى قديح قبل الفوز عليها. 

تشغل عون مركز الأمينة العامة لمؤسسة الفرح الاجتماعية، ورئيسة حرم سوق الغرب في جامعة البلمند، ومديرة البرامج التنموية في كلية الصحة العامة، فهي مناضلة من أجل تطبيق أهداف التنمية المستدامة، كما أنها عُرفت بأنشطتها في مجال مكافحة الالغام والقنابل العنقودية مع الجيش اللبناني. 

يعني هذا اللقب لعون الكثير كما تقول وذلك "كوني أحرزته من تصويت المواطنين الذين كان لديهم حرية الاختيار وابداء الرأي من دون أي خلفية، كذلك كوني فزت به بعد منافسة قوية بين أسماء لامعة"، وتشدد "لم أكن أتوقع بعد 25 عاماً من عملي في مجال العمل التنموي، الترشح للانتخابات النيابية أو لهذه المسابقة التي تعلمت منها الكثير، من بينها أن الذي يعمل ويكافح في لبنان سيكافئ بطريقة ما، كما أيقنت من خلالها أن إرادة التغيير والاستمرار لا تزال موجودة عند عدد كبير من المواطنين". 

وعن وضع المرأة اللبنانية تقول عون لموقع "الحرة"، "مهما كثر الحديث عن مشاركتها في الحياة العامة والسياسية، إلا أنه للأسف لا يزال أمامنا الكثير من العمل للخروج من التقليد في التفكير الذكوري في مجتمعنا، للوصول إلى تقبل أكثر لرأيها ومواقفها، مع العلم أن المرأة اللبنانية برزت منذ أيام الحرب الأهلية حيث أثبتت قدرتها على العمل والنضال، ورغم ذلك لا زلنا نطالب بالكوتا النسائية التي هي وسيلة أثبتت فعاليتها في كل دول العالم من دون ان تكون الغاية أو الهدف". 

تستمر المرأة اللبنانية في دفع الفاتورة الأكبر للأزمات التي يمر بها لبنان حيث يقع على عاتقها كما تقول عون "استيعاب وامتصاص الآثار السلبية الناتجة عن الظروف الصعبة التي يمر بها محيطها، في وقت كل الحقوق غير متوفرة في لبنان، وأياً تكن الصعوبات فإن مسيرة نضال المرأة لا يجب أن تتوقف، حتى انتزاع حقها بالمساواة مع الرجل في الاستقلالية والمشاركة السياسية والاقتصادية، تطبيقاً لقاعدة أن الإنسان يتساوى مع أخيه الإنسان بغض النظر عن جنسه". 

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".