سجن لبناني.. لقطة أرشيفية
يرى متابعون بأن الحكومات المتعاقبة على لبنان "أثبتت فشلها بإدارة السجون" (تعبيرية)

حرمت الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان فدوى عبيد من زيارة ابنها القاصر عمر الباي، الموقوف في جناح الأحداث في سجن رومية بتهمة سرقة محل للهواتف الخلوية.

مرّ شهران وفدوى عاجزة عن تأمين كلفة انتقالها من طرابلس شمال لبنان إلى السجن الواقع في قضاء المتن شرق العاصمة بيروت، للاطمئنان على عمر.

وتقول فدوى لموقع "الحرة": "زوجي قتل قبل ثماني سنوات بعملية ثأرية، وأنا الوالدة لأربعة أبناء، نعيش من دون مدخول، ليال عدة أنام وأولادي الثلاثة من دون طعام، أفكر بعمر والظروف القاسية التي يمر بها، أتمنى رؤيته منتظرة اليوم الذي يعود فيه إلى حضني، لكي يهمد البركان الثائر في قلبي منذ أن ابتعد عني".

قبل حوالي السنتين تم إيقاف عمر، وذلك بعدما سلّمه النظام السوري كما تقول فدوى لموقع "الحرة" إلى القوى الأمنية اللبنانية، "حينها كان يبلغ السادسة عشر من عمره، أراد السفر إلى تركيا بطريقة غير شرعية، لكن المهربين سرقوا ما بحوزته وتركوه في منتصف الطريق". 

وتضيف "جرى التحقيق معه في لبنان وايقافه بعدما تبين وجود دعوى سرقة تعود لسنوات طويلة بحقه، رغم إنكاره مشاركته في العملية التي نفذها أصدقاء له كان برفقتهم حينها".

في المرة الأخيرة التي زارت بها فدوى ابنها كان في وضع نفسي صعب "أطلعني عن مدى معاناته من كل شيء، فمن يملك المال داخل السجن لا يمكنه تقبل العيش فيه، فكيف لقاصر معدم، ليس بحوزته ليرة واحدة لشراء أبسط ما يحتاجه، يعيش بعيداً عن عائلته، من دون أن يعلم مصيره والحكم الذي سيصدر بحقه، وأنا عاجزة عن إنقاذه من براثن الألم والقهر".

عمر واحد من 132 نزيلاً يقبعون، كما تقول نائبة رئيس جمعية لجان أهالي الموقوفين، رائدة الصلح "في جناح الأحداث في سجن رومية، وهو السجن الوحيد المخصص للقاصرين في لبنان، أما القاصرات المخالفات للقانون الجزائي، فيتم نقلهن إلى مركز مبادرة التأديبي الذي يضم تسع قاصرات، سبعة منهن لازلن من دون أحكام، عدا عن القاصرين الموقوفين في المخافر والثكنات".

تشير الصلح، في حديث لموقع "الحرة"، إلى الظروف المأسوية في جناح الأحداث ومركز "مبادرة"، والمعاناة التي يعيشها القاصرون والقاصرات على الصعيدين النفسي والجسدي، بالقول "قبل الأزمة الاقتصادية كان الوضع مزر، فكيف الآن! والأخطر من ذلك ما يتعرض له بعض السجناء من ضرب وتعذيب واعتداءات جنسية من قبل غيرهم من النزلاء بحسب ما أطلعني أحدهم، وذلك في ظل تقاعس القوى الأمنية غير المؤهلة أصلاً للتعاطي مع الأحداث".

سلسلة انتهاكات

جناح الأحداث غير مؤهل كما تشدد الصلح "لاستقبال القاصرين، وفوق هذا يقع في مبنى يضم سجناء راشدين محكومين بمختلف الجرائم" وتضيف "يفتقد القاصرون في هذا الجناح لمختلف أنواع الرعاية، كما أن الطعام المقدم لهم مقزز، في وقت ليس بمقدور عدد كبير من الأهالي زيارة أبنائهم لتزويدهم بالمأكولات أو اعطائهم المال لشراء ما يحتاجونه من حانوت السجن".

وفيما يتعلق بالطبابة تشرح "في أدنى مستوياتها، إذ يقتصر الأمر على طبيب واحد لا يزال مستمرا في أداء مهامه بعد اعتكاف بقية الأطباء نتيجة تآكل قيمة رواتبهم، حيث يقع على عاتقه معاينة كل المرضى في مباني السجن الخمسة، أما طبيب الأسنان فإن حضر فإنه يقتصر الأمر على خلع الأضراس، اذ لا يتعب نفسه في علاج أحد، أما من يحتاج إلى دخول المستشفى فعلى أهله تأمين 4 ملايين ليرة للحصول على موافقة لاستقباله".

ما يزيد الطين بلة كما تقول الصلح "اعتكاف القضاة وبالتالي تعطيل العدالة، حيث يوجد 120 موقوفاً في جناح الأحداث ينتظرون محاكمتهم، كل ذلك يزيد من نقمة من هم خلف القضبان على المجتمع والسلطة السياسية، وبدلاً من أن يكون السجن لإصلاحهم وتأهيلهم أصبح مركزاً لتعليمهم مختلف أنواع الجريمة".

منذ أغسطس الماضي وقضاة لبنان معتكفين عن العمل، احتجاجا على الظروف المادية والمعنوية التي يمرون بها، محمّلين الطبقة الحاكمة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في بلدهم، ليدفع الموقوفون والسجناء الثمن ومن ضمنهم الاحداث.

لا تحترم السلطات اللبنانية، كما يشدد مدير مركز حقوق السجين في نقابة المحامين في طرابلس والمدافع عن حقوق الانسان، المحامي محمد صبلوح، "قواعد نيلسون مانديلا التي تمثل الشروط النموذجية الدنيا لإدارة السجون، والتي تعترف بصلاحها الأمم المتحدة، فأول انتهاك لهذه القواعد ولنظام السجون اللبناني كذلك، هو عدم الفصل بين السجناء الراشدين والقاصرين سواء في النظارات أو في جناح الأحداث وذلك نتيجة الاكتظاظ".

أما الانتهاك الثاني والخطير، بحسب ما يقوله صبلوح لموقع "الحرة"، "فيتمثل بعدم إحالة القاصر إلى قاضي الأحداث في حال ورود اسمه في ملف يضم راشدين، وذلك إلى حين بت المحكمة بالحكم عليهم، ما يعني أن الأمر يستغرق سنوات لتحويل قضيته إلى المرجع المختص، الذي يتمتع بصلاحيات كبرى في الأحكام التي يصدرها ومنها الاستعاضة عن الحكم بسجن القاصر بعقوبة تأهيلية كإلزامه التطوع في عمل معين لمدة محددة".

ومن الانتهاكات كذلك "معاملة القاصرين كالراشدين من حيث الغذاء والطبابة والاستشفاء والتعاطي معهم من دون ايلاء أي أهمية إلى كون القاصر يحتاج إلى عناية خاصة كونه في مراحل تكوين شخصيته، فإما تزرع فيه بذور الإجرام أو بذور شجرة مثمرة تفيد المجتمع".

إعداد مجرمين

قبل أربعة أشهر أوقف القاصر عبد الهادي مرعب بتهمة التواصل مع "داعش"، وبعد التحقيق معه من قبل عدة فروع أمنية، تم نقله كما تقول والدته منى المصري إلى المبنى جيم في سجن رومية ومن ثم إلى مبنى الأحداث، شارحة " في ذلك اليوم المشؤوم كان في عمله المؤقت لحين بدء العام الدراسي وذلك في محل لبيع السجاد، ستة أيام من دون أن أعلم عنه شيئاً، إلى أن تلقيت اتصالاً منه أطلعني خلاله عن مكان توقيفه، وبعد وساطات عدة سمح لي بزيارته، من دون أن أتمكن من الاستفسار منه عما فعله بسبب وجود المحقق وكاميرات مراقبة في الغرفة".

علمت منى أن ابنها البكر تعرض للتعذيب حين قابلته في سجن رومية، نافياً أن يكون قد تجاوب عندما عرض عليه عبر فايسبوك مبلغ 3000 دولار مقابل القيام بتفجيرات، وتشرح لموقع "الحرة" أنه "جرى الإيقاع به بعد توقيف صديق له في فايسبوك متهم بالانضمام إلى داعش، مع العلم أن عبد الهادي ليس لديه ميول لجماعات دينية".

المرة الوحيدة التي زارت فيها منى ابنها في مبنى الأحداث أطلعها خلالها أنه متعب نفسياً وصحياً " فبعد أن كان طالباً في صف البكالوريا يحلم بالحصول على شهادة جامعية ومستقبل زاهر وجد نفسهم سجيناً، كما أنه يعاني من الربو، في وقت غرفة السجن مكتظة بالنزلاء وفوق هذا جميعهم مدخنون، من دون أن أعلم مزيداً من التفاصيل حول ما يعانيه" مشددة على أنها لا تملك المال لمعاودة زيارته " فبدل التنقل مرتفع جداً، عدا عن أن الزيارة تقتصر على حديث عبر الهاتف خلف نافذة حديدية".

يشدد صبلوح على أنه "عندما يتم وضع القاصر مع الراشدين من القتلى وتجار المخدرات والمتهمين بالإرهاب، وعندما يحرم من التعليم والتأهيل والإصلاح الحقيقي، يعني أنه يجري تدميره واعداد مجرم خطير، كذلك الحال عندما يجري الإيقاع به بقضية إرهاب كما يحصل في العديد من الملفات بحجة الأمن الاستباقي، حيث تتواصل فروع أمنية مع قاصرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، منتحلة صفة عناصر من داعش لمعرفة مدى تجاوبهم مع الأمر، فقد تابعت العديد من هذه الملفات وتمكنت من اثبات ذلك مرات عدة بعد الحصول على داتا الاتصالات".

معاناة بلا حدود

كتبت على نسرين (اسم مستعار) أن تمكث سنة وثمانية أشهر في مركز "مبادرة" وبحسب ما تقوله والدتها "كانت تبلغ من العمر 13 سنة حين أصدر قاضي الاحداث قراره، لتواجه مختلف أنواع التعذيب، ليال عدة أمضتها في زنزانة انفرادية، كان يتم رميها بالماء البارد وإهانتها من قبل العناصر الأمنية".

أطلعت نسرين والدتها كيف تتحرش الفتيات جنسياً ببعضهن البعض، وتقول لموقع "الحرة"، "كن ستة في غرفة واحدة، مشاهد لا أخلاقية فرض على ابنتي رؤيتها، عدا عن الأمراض الجلدية التي عانت منها، لم اعرف النوم طوال فترة غيابها، وقبل شهر خرجت إلى الحرية، لكنها في وضع نفسي صعب جداً".

منذ أزمة كورونا، خفضت الجمعيات التي تعنى بالأحداث زياراتها وتقديماتها لهم، بالكاد جمعية أو إثنين كما تقول الصلح "لا زالتا مستمرتان في مهامهما، ومع تخفيض الأهالي زيارتهم لأبنائهم، وافتقاد نحو 20% من الأحداث لأشخاص يسألون عنهم ويتابعون وضعهم، يجد هؤلاء أنفسهم وحيدين في مواجهة وحشة السجن وبشاعته، رغم أنهم يحتاجون إلى عناية خاصة واحتضان من مختلف الجهات".

كلام الصلح تؤكده رئيسة اتحاد حماية الأحداث في لبنان أميرة سكر بالقول "أدت الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان إلى أزمة عديد القوى الأمنية نتيجة حالات الفرار التي شهدتها، الأمر الذي انعكس على السجون وبالتحديد على دخول ناشطي المجتمع المدني وعدد الساعات التي يسمح لهم بالتواجد مع الأحداث لمتابعة وضعهم، كون لا يوجد عدد كاف من العناصر لحماية السجن".

يقوم "اتحاد حماية الأحداث" بنشاطات للقاصرين في رومية مرتين في الأسبوع، ويومياً في مركز "مبادرة"، إلا أن الأهم من ذلك كما تشدد سكر "الطبابة النفسية التي يحتاجها القاصرون والقاصرات"، مشددة في حديث لموقع "الحرة" على أن "اعتكاف القضاة هو أكثر ما يؤثر حالياً على وضعهم النفسي كون ملفاتهم مجمّدة، وفي ظل استمرار التوقيفات فإن الاكتظاظ في السجون يزداد وبالتالي المصاريف التي تقع على عاتق خزينة الدولة من طعام وبطانيات ومساحيق نظافة وغيرها".

تشويه "مضخّم"

يستقبل معهد الأب مروان غانم لإصلاح الأحداث التابع لجمعية " نسروتو-أخوية السجون في لبنان"، في زحلة، المحكومين الذين صدر بحقهم قرارات حماية أو إصلاح، وهو بحسب رئيسه الأب مروان غانم "المعهد الوحيد في لبنان المتعاقد مع وزارة العدل لشؤون إصلاح الأحداث" ويشرح في حديث لموقع "الحرة" "من يتم تحويلهم إلى المركز هم الذين ارتكبوا جنحاً وليس جرائم، أعمارهم تتراوح بين 12 و16 سنة، حيث يوجد في المعهد حالياً 16 قاصراً".

يخضع الأحداث في المعهد إلى برامج إصلاحية، ويجري متابعتهم نفسياً، اجتماعياً، مهنياً، تربوياً، صحياً وقانونياً من قبل فريق متخصص بإدارة ساميلاب المعلوف، وفيما يتعلق بجناح الأحداث في رومية علّق الأب غانم بالقول " كل السجون في لبنان وضعها مزر، وإن كان الوضع في هذا الجناح مقبول نوعا ما، نتيجة وجود جمعيات تولي نزلاءه الأهمية المطلوبة، كما أن إدارة سجن تهتم بهم أكثر من بقية السجناء، لكن ذلك لا ينفي أن زيارة الأطباء للسجن خجولة إضافة إلى عدم توفر جميع الأدوية، أما الطعام المقدم لهم فيجري اعداده في مطبخ السجن والخبز في فرنه، والاهم من كل ذلك أن يعاود القضاة عملهم للبت بطلبات إخلاء السبيل، ما يساهم في خفض الاكتظاظ في السجون".

كما يرى رئيس جمعية عدل ورحمة الأب الدكتور نجيب بعقليني أن "وضع جناح الأحداث لابأس به، أي أفضل من بقية مباني السجن من حيث العدد والنظافة والتهوئة والمعاملة التي يمكن اعتبارها جيدة بشكل عام، فهناك تفهّم ومتابعة لأوضاع الاحداث من قبل المرشدة الاجتماعية واخصائية علم النفس، كما أن هيئات ومنظمات محلية ودولية عدة تكشف على الجناح بين الفترة والأخرى، منها مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان ومن ضمنها لجنة مناهضة التعذيب، وكذلك الصليب الأحمر الدولي، ما يعني أن إدارة السجن تحت الأنظار، كذلك الحال بالنسبة إلى مركز مبادرة، وكجمعيات نطمح أن يكون الوضع أرقى وأفضل".

ويضيف "تضم كل غرفة في جناح الأحداث بين ثلاثة وستة سجناء، وهو يحتوي على مشاغل لتعليم الحلاقة والحدادة والنجارة وغيرها من المهن لتسهيل عملية دمجهم في المجتمع والتخفيف من وصمة العار التي تلاحقهم بعد خروجهم الى الحرية، وهو ما تسعى اليونيسف والاتحاد الأوروبي لتحقيقه، مع العلم أن أسباباً عدة تؤدي بالقاصرين إلى خلف القضبان، منها اقتصادية كالفقر والعوز، واجتماعية كالعائلة والبيئة والجهل".

وسبق أن أعلنت اليونيسف في عام 2020 أنها تقود "مشروعا ممولا من برنامج العدالة من أجل الأطفال من الاتحاد الأوروبي، وتعمل بشكل وثيق مع وزارة العدل والمنظمات غير الحكومية الوطنية لضمان الحماية المستمرة للأحداث، من خلال تدابير الدعم التي تركّز على سلامتهم ورفاههم، وعلى تقديم الدعم لمقدمي الرعاية، كما تدعم الجهات الفاعلة ذات الصلة لتقييم الأطفال المحتجزين في مراكز احتجاز مختلفة في أنحاء البلاد، وتزويدهم بالدعم اللازم للإفراج عنهم، والخدمات اللازمة ومتابعة إعادة إدماجهم في المجتمع".

كذلك أكدت القوى الأمنية أن وضع الأحداث أفضل من بقية السجناء، "فعددهم قليل والجمعيات تهتم بهم بشكل كبير، وهم يخضعون للتأهيل والتربية والتدريب، وتجري زيارتهم من قبل اساتذة في وزارة التربية والتعليم المهني والتقني وموظفي وزارة الشؤون الاجتماعية" مشددة في حديث لموقع "الحرة" على أنها تدير الجناح بأفضل ما يمكن وفق الموارد المتاحة والظروف.

فشل ذريع

في العام 2018، أطلق وزير الداخلية الأسبق نهاد المشنوق العمل في بناء إصلاحية نموذجية للأحداث، ضمن المبنى التابع للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي في الوروار، حيث كان من المقرر أن ينتهي العمل خلال 18 شهراً، لينقل إليه الأحداث من رومية، وفي نوفمبر الماضي كشف وزير الداخلية في حكومة تصريف الاعمال بسام مولوي عن العمل على تجهيز المركز "منذ أكثر من سنة" والذي "سيكون مبنى نموذجيّاً لإصلاح الأحداث بالتعاون مع الأمم المتحدة" مشدداً على أنّه "عندما يتمّ تجهيزه، سيضمّ جميع الأحداث".

وبعد ان طالب الأب بعقليني الحكومة الإسراع بتجهيز المركز الجديد وافتتاحه، "لإفساح المجال أمام الاحداث لمتابعة تعليمهم، وتمكين الجمعيات من القيام بدورها بشكل أكبر"، لفت إلى أن القانون اللبناني ميّز بينهم وبين الراشدين من حيث العقاب، "فالهدف من الحكم على صغار السن تأهيلي، ونحن نشدد على ضرورة أن تكون الإصلاحية مساحة للشعور بالندامة والتأهيل وتعويض أهل الضحية من خلال عمل القاصر داخل السجن، تكفيراً عن فعله المشين ولإثبات أنه على طريق الصلاح والإصلاح".

دمّر اعتكاف القضاة كما يصف صبلوح "الأحداث، من دون أن تحرك السلطة السياسية ساكناً وتتخذ موقفاً من ذلك، رغم انعكاساته المأسوية على الموقوفين والسجناء وعائلاتهم، فأي بلد في العالم غير لبنان تجمّد فيه العدالة ولا يبالي من قسموا يمين صونها بما يقترفونه بحق الآلاف، كل ذلك في ظل غياب رؤية وخطة حقيقية لإصلاح وتأهيل الأحداث، الذين منحهم القانون فرصة ثانية للاندماج بالمجتمع من خلال عدم ذكر الحكم الذي صدر بحقهم على سجلهم العدلي".

في نوفمبر الماضي، شددت رئيسة لجنة المرأة والطفل النيابية النائب الدكتورة عناية عز الدين على "ضرورة اتخاذ الاجراءات اللازمة وبشكل سريع لوضع قضية الاحداث في سجن رومية على سكة الحل"، مناشدة "القضاة البت في القضايا الخاصة بالأحداث والتعاطي معها بشكل استثنائي بما يجعلها غير مشمولة بقرار الاعتكاف المتخذ من قبل القضاة معتبرة ان هذه المسألة تعتبر مسألة اخلاقية وانسانية ووطنية".

كما لفتت الى "ضرورة ايجاد حل لوضع القاصرات في مركز ضهر الباشق ووضع حد للجمع القائم بين القاصرات المعرضات للخطر وبين المرتكبات للجنح والجرائم".

وفي ذات الشهر، أعلن وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال هنري خوري، بعد اجتماع ترأّسه رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، خُصّص للبحث في كيفيّة حماية الأطفال، انه "عرض انخراط لبنان وتوقيعه على اتفاقية حقوق الطفل المنظَّمة من قبل الأمم المتحدة سنة 1990، والتي جرى على أساسها تشريع القانون 422/2022 الذي ركّز على مبادئ عامة توجيهيّة للقضاة لدى التعامل مع الأحداث، سواء كانوا معرّضين للخطر أو مخالفين للقانون"، مشيراً إلى أن "من أهم المبادئ التي نصّ عليها القانون واحترمها جميع القضاة، هي مراعاة مصلحة الطفل الفضلى في أي إجراء أو قرار قضائي".

تابع صبلوح مع ما يزيد عن 12 منظمة محلية ودولية وضع السجون في لبنان قبل رفع كتاب إلى المقررين الخاصين في الأمم المتحدة، يتضمن الانتهاكات بحق السجناء من التعذيب إلى الاستهتار بحياتهم غذائياً وصحياً واستشفائياً نتيجة عدم قيام الحكومة بواجبها تجاههم، ويشدد "أثبتت الحكومات المتعاقبة فشلها بإدارة سجون لبنان، والمطلوب في المرحلة المقبلة إعادة النظر بقانون الأحداث وآلية التعامل معهم".

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".