عدد من السياسيين والنواب اللبنانيين تضامنوا مع نون
حملة تضامن مع وليام نون ومطلبة للسلطات اللبنانية بالإفراج عنه

أوقف جهاز أمن الدولة اللبناني الناشط في قضية انفجار مرفأ بيروت، ويليام نون، وهو شقيق أحد ضحايا الانفجار، جو نون، العنصر في فوج الإطفاء، الذي قضى خلال قيامه بواجبه في إخماد النيران التي اندلعت في مرفأ بيروت قبل الانفجار في 4 أغسطس 2020.  

توقيف نون على ذمة التحقيق جاء على خلفية إشارة قضائية صادرة عن القاضي، زاهر حمادة، وذلك بسبب تصريحات له بعد تحركات احتجاجية لأهالي ضحايا انفجار المرفأ، هدد فيها بتفجير قصر العدل في بيروت، بعد أن كان تم استدعاؤه مع عدد من الناشطين إلى التحقيق بسبب تحطيم زجاج في قصر عدل بيروت خلال تحرك للأهالي، الثلاثاء الماضي.  

وكان التحقيق قد بدأ مع نون منذ الساعة 1:30 ظهرا بتوقيت بيروت، قبل أن يتم توقيفه، حيث عاد جهاز أمن الدولة وداهم منزله عقب التوقيف، فيما تشير المعطيات إلى أنه سيتم إحالة نون، الاثنين المقبل، على المباحث الجنائية المركزية بناء على بلاغ بحث وتحر من مدعي عام التمييز القاضي، غسان عويدات. 

وقد تم نقل نون من مكتب أمن الدولة في منطقة "السوديكو" وسط بيروت، حيث كان يتم التحقيق معه إلى مكتب أمن الدولة في منطقة الرملة البيضاء، الذي بدأ يتوافد إليه عدد كبير من الناشطين وأهالي ضحايا انفجار المرفأ إضافة إلى عدد من النواب والشخصيات السياسية المتضامنة للمطالبة بالإفراج الفوري عن نون، حيث تم إقفال الطريق أمام مقر مديرية أمن الدولة بحسب ما أكدت الوكالة الوطنية للإعلام. 

كذلك وصل النقيب المحامين السابق النائب، ملحم خلف، مع مجموعة من المحامين إلى فرع أمن الدولة في الرملة البيضاء لمتابعة القضية، فيما تنشط دعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات الواتساب، للتحرك باتجاه مكان احتجاز نون والضغط للإفراج عنه.  

وقطع عدد من المتضامنين الطريق عند تقاطع "الصيفي" وسط بيروت، فيما يتوافد عدد من المحتجين إلى أوتوستراد مدينة جبيل لاقفاله أيضا تضامنا مع نون وقضية أهالي ضحايا انفجار المرفأ.

وتصدر اسم نون والوسوم المرتبطة بانفجار مرفأ بيروت العبارات الأكثر تداولا على مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان خلال ساعات قليلة على خبر توقيفه، الذي أثار غضبا شعبيا عارما على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث طالب اللبنانيون بمحاسبة وملاحقة المسؤولين والمتورطين في انفجار مرفأ بيروت بدلا من الاستقواء على أهالي الضحايا.  

وانتشرت مقاطع مصورة لوالدة نون التي اعتصمت بدورها أمام مركز احتجاز ولدها، تقول خلاله: "إبني مش أزعر.. والليلة بدو يطلع ويليام نون". 

كذلك انتشر مقطع مصور يظهر اعتداء عناصر أمنية على أحد المشاركين في الاعتصام التضامني مع نون أمام مكتب أمن الدولة، حيث جرى إسقاطه أرضا وركله وسط استهجان المعتصمين وفق ما تبين الفيديوهات المنتشرة.  

وأعاب عدد من المغردين على الجهاز الأمني (أمن الدولة) توقيف نون بكونه شقيق ضحية في الانفجار، فيما رئيس الجهاز الأمني نفسه اللواء، طوني صليبا، ملاحق في القضية نفسها. 

وفي السياق، تضامن عدد من السياسيين والنواب اللبنانيين مع نون، مستنكرين توقيفه، حيث غرد رئيس حزب الكتائب النائب، سامي الجميل، عبر حسابه على موقع "تويتر"، قائلا: "عندما تنقلب الأدوار فيحاولون تحويل أهالي الضحايا إلى مجرمين نكون في آخر فصول شريعة الغاب.

وأضاف أن "وليم نون موقوف قسرا لإسكات الأصوات الحرة وقمعها عن المجاهرة بالحقيقة، مؤكدا أن قضية المرفأ لن تنتهي حتى كشفها. أطلقوا سراح وليم نون فورا". 

كذلك تساءل النائب نديم الجميل عبر تويتر: "وين كان جهاز أمن الدولة لما زعران الحزب القومي هجموا على العدلية يوم إصدار الحكم بقضية اغتيال بشير وهددوا القضاة بالقتل؟ وين كان لما جربوا البلطجية يهجموا عالعدلية "لقبع القاضي بيطار؟" الشبيبة متأثرين كثير بالحرس الثوري الايراني.. مستقويين اليوم على ويليام نون واهالي الضحايا". 

من جهته أكد النائب من حزب القوات اللبنانية، جورج عقيص، أن "توقيف وليم نون من قبل جهاز أمني يجب أن يكون الشرارة لإطلاق ثورة 02" متهما النظام السياسي بأنه "بوليسي"، وأنه نظام "يخاف من المتطاولين على الدولة ويرهب الساعين إلى قيامها، وإلا فعلينا السلام شعبا ودولة. على النيابة العامة المختصة أن تأمر بإطلاق سراحه فورا". 

وغرد النائب، زياد الحواط، معتبرا أن "محاولة توقيف وليم نون صورة عن اللادولة واللاعدالة والفلتان. بدل توقيف المجرمين في تفجير المرفأ تتم ملاحقة المطالبين بالعدالة والحقيقة. المطلوب إطلاق وليم نون فورا". 

وشهد الثلاثاء الماضي، تحركا لأهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت، تخلله مواجهات بين الأهالي والقوى الأمنية على خلفية اقتحام عدد من الأهالي لباحة قصر العدل في بيروت، لمطالبة مجلس القضاء الأعلى باستكمال التحقيقات في الانفجار والتي لا تزال متوقفة منذ نحو عام. 

وبعدما جرى تحطيم زجاج في قصر العدل خلال الاحتجاج، استدعت القوى الأمنية مجموعة من المشاركين عددهم نحو 12، فيما كان قد أعلن، ويليام نون، أنهم لن يحضروا إلى التحقيق بناء على إشارة مدعي عام بيروت على خلفية أعمال شغب في قصر العدل، موضحا أنهم طالبوا بتأجيل الجلسة باعتبار أن المحامين غير قادرين على الحضور معهم لارتباطهم بمواعيد جلسات أخرى، إضافة إلى مواكبتهم لاجتماع مجلس القضاء الأعلى.  

وقال نون في تصريحات صحفية سابقة لتوقيفه "قاموا باتهامي بالتحريض إلى الشغب وبتحطيم مكاتب القضاة والتعدي على الأملاك العامة، أنا محرّك، ولست محرّضا ولن أكون". 

وأضاف أن " مشكلتنا ليست مع القضاة بل مع الذين يريدون طمس الحقيقة، لا نخشى شيئا، وأظن أن الزجاج ليس أغلى من ضحايانا، قضية 4 أب أكبر من أي كان، وسنواصل تحركاتنا حتى تحقيق العدالة، وأقول أن سنة 2023 ستشهد جدية كبر بالتعاطي في هذا الملف". 

الحدود اللبنانية الإسرائيلية

للوهلة الأولى، تبدو الحدود اللبنانية - الإسرائيلية وكأنها قد استسلمت تماما لحالة هدوء غريب، منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في نوفمبر الماضي. لا دوي انفجارات، ولا صواريخ متبادلة، ولا تصعيد علني يوحي بعودة وشيكة إلى المواجهة. 

لكن هذا الهدوء، يؤكد مسؤولون عسكريون ومحللون أمنيون، هو مجرد غطاء هش لواقع يوشك على الانفجار في أي لحظة.

خلف خطوط التماس، تنفذ إسرائيل ضربات جوية "استباقية"، تستهدف ما تعتبره تهديدات مصدرها حزب الله أو مجموعات متحالفة. في الوقت ذاته، يتحدث الجيش الإسرائيلي عن دروس وعبر استخلصها من هجوم 7 أكتوبر، ويعكف على إعادة تشكيل عقيدته الدفاعية على الجبهة الشمالية، حيث تتزايد المخاوف من الطائرات المسيّرة، والخلايا المسلحة، والقدرات العسكرية التي يسعى حزب الله لإعادة ترميمها.

ووفقا لمسؤول عسكري في قيادة المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، فإن إسرائيل تعتبر السيادة "خطا أحمر"، وتؤكد أن عملياتها العسكرية في الوقت الراهن تأتي ضمن استراتيجية أوسع لاحباط التهديدات قبل وقوعها.

لكن المسؤول، الذي رفض الكشف عن اسمه، أعرب في تصريحات لـ"الحرة" عن ارتياح بلاده لآلية المراقبة الدولية لاتفاق وقف إطلاق النار:

"تطور إيجابي ملحوظ يتمثل في نشاط متزايد للجيش اللبناني في متابعة الشكاوى بشأن خروقات من قبل حزب الله أو أي تنظيمات فلسطينية أخرى بحيث يتم التواصل من خلال آلية تنسيق مع ضباط أميركيين وشركاء آخرين، يتم بموجبها نقل المعلومات إلى الجانب اللبناني للتحقق منها أو معالجتها".

مقاتلات إسرائيلية

تعاون محسوب وضربات دقيقة

من أبرز التغيّرات التي طرأت خلال الأشهر الماضية، ازدياد تجاوب الجيش اللبناني مع التحذيرات الإسرائيلية، وذلك من خلال آلية تنسيق يقودها الجانب الأميركي.

وبيّن المصدر الإسرائيلي أن تجاوب الجيش اللبناني مع التحذيرات الإسرائيلية بات أكثر جدية، في تحول لافت مقارنة بالماضي، وأشار إلى أن الوضع على الأرض اليوم يختلف تماما عما كان عليه حين كان يُنظر إلى حزب الله كـ"دولة داخل دولة".

لكنه أشار، في المقابل، إلى وجود حالات تستدعي تحركا إسرائيليا مباشرا دون إبلاغ الشركاء، لا سيما عند رصد تهديدات آنية، مستشهدا باستهداف مسلحين لا يتبعون الجيش اللبناني.

ووصف ذلك بأنه رد مشروع على "خروقات اتفاق وقف إطلاق النار".

رقابة دولية وواقع ميداني معقد

من جهته، أوضح المحلل العسكري إيال عليما لـ"الحرة" أن هناك آلية تنسيق دولية تضم ممثلين عن قوات اليونيفيل، والولايات المتحدة، وفرنسا، ولبنان وإسرائيل. وتُعقد اجتماعات منتظمة في الناقورة، مع تواصل مباشر أحيانا بين إسرائيل وقوات اليونيفيل.

""هذه آلية لعبت دوررا ملموسا في بعض الحالات، مثلا عندما أبلغ الجيش الإسرائيلي بوجود قذائف موجهة ضد إسرائيل، نقلت هذه المعلومات وتم التعامل معها بصورة ناجعة، بينما لم يجرِ التعامل في حالات أخرى"، يقول عليما.

ويعتقد عليما أن السياسة الأمنية الإسرائيلية باتت أكثر حزما منذ فشل الجيش في منع هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023. وأشار إلى أن إسرائيل تستفيد من الدروس المستخلصة للحيلولة دون تكرار ذلك السيناريو على جبهات أخرى.

دبابة إسرائيلية في المنطقة

140 قتيلا منذ بدء الهدنة

منذ سريان وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، نفذت إسرائيل عشرات الضربات الجوية الدقيقة، استهدفت ما تعتبره عناصر مسلحة، خاصة في القطاع الغربي من الحدود.

وبحسب المصدر العسكري، فقد قُتل نحو 20 شخصا في هذا القطاع فقط، ليرتفع عدد القتلى إلى حوالي 140 عنصرا في عموم لبنان منذ توقيع الاتفاق.

وقد امتدت بعض العمليات إلى مناطق شمال نهر الليطاني، وهي منطقة تخضع لإشراف قيادة العمق الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي، المختصة بتنفيذ عمليات طويلة المدى في عمق أراضي الخصوم.

تهديد االمسيرات

من أبرز التحديات الجديدة التي تواجه إسرائيل بعد الهدنة هو تصاعد استخدام حزب الله للطائرات المسيّرة، "التي شكلت في السابق نقطة ضعف أمنية بالغة،" وفقا للمسؤول الإسرائيلي.

وقد بلغ التهديد ذروته في 1 فبراير 2024، عندما استهدفت طائرة مسيرة منزل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بلدة قيساريا، وتسببت بأضرار مادية جسيمة دون وقوع إصابات بشرية.

واخترقت طائرات مسيرة أخرى المجال الجوي الإسرائيلي، واستهدفت قواعد عسكرية، ما أسفر عن مقتل جنود إسرائيليين.

ودفعت هذه الهجمات قيادة الجيش إلى إعادة صياغة عقيدة الدفاع الجوي، وتوسيع نطاق التدريب على اعتراض هذا النوع من الطائرات.

وقد رفعت إسرائيل، وفقا للمسؤول العسكري، عدد قواتها المنتشرة على الحدود الشمالية مقارنة بالسابق. "إن عدد القوات المنتشرة هناك أكثر بنحو مرتين ونصف، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الاتفاق".

وأعاد الجيش الإسرائيلي تفعيل ثكنات عسكرية قديمة على الحدود مع لبنان، إضافة إلى المواقع الخمسة التي أنشأها داخل الأراضي اللبنانية.

ويشير المسؤول إلى بناء ثكنات عسكرية ومواقع أخرى بغية تعزيز الردع ومنع التسلل إلى البلدات الشمالية من إسرائيل.

تحركات حزب الله

تراقب إسرائيل عن كثب محاولات حزب الله إعادة التمركز وإعادة التسلّح، خصوصا بعد انهيار نظام الأسد في سوريا، والذي أدى إلى تقليص قدرة الحزب على تهريب الأسلحة عبر الأراضي السورية.

وشدد المسؤول الإسرائيلي على أن بلاده مصممة على منع الحزب من بناء بنية تحتية عسكرية جديدة.

مقاتلات إسرائيلية

ديناميكيات إقليمية

أدى الانهيار الفعلي للنظام السوري إلى فراغ إقليمي تتابعه إسرائيل عن كثب. ومع تراجع النفوذ الإيراني في سوريا، بدأت بعض الأصوات داخل إسرائيل من الأوساط السياسية والأمنية تطالب باستغلال هذا التحول لإطلاق ضربة استباقية ضد المنشآت النووية الإيرانية.

رغم تزايد الحديث عن احتمال تنفيذ الهجوم في عام 2025، يرى المحلل إيال عليما أن تنفيذ هذا السيناريو غير مرجّح في الوقت الراهن.

"الساحة السياسية الدولية شديدة التعقيد حاليا"، يقول عليما. "الولايات المتحدة منخرطة في مفاوضات نووية مباشرة مع طهران، وهناك معارضة قوية من الاتحاد الأوروبي وداخل الولايات المتحدة نفسها لأي تصعيد".

وأشار إلى تزايد الانتقادات الغربية للحكومة الإسرائيلية الحالية، والتي تُوصف بأنها الأكثر تطرفًا في تاريخ البلاد الحديث، ما قد يُضعف الدعم الدولي لأي تحرك عسكري كبير.

هدنة هشة

تعكس سلسلة العمليات الإسرائيلية الأخيرة، سواء تلك التي استهدفت مواقع لحزب الله في جنوب لبنان أو بنى تحتية لحلفائه الحوثيين، مدى هشاشة وقف إطلاق النار القائم حالييا.

وعلى الرغم من أن الطرفين، إسرائيل وحزب الله، لا يبدوان راغبين في الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لا يزال الوضع متقلبا. فكل طائرة مسيرة، وكل ضربة جوية، وكل تحرك عسكري يُعتبر رسالة استراتيجية موجهة إلى حزب الله، وإلى إيران.

وقف إطلاق النار ليس اتفاق سلام، كما هو معروف، ولكن في حالة حزب الله وإسرائيل، يبدو أقرب إلى هدنة متوترة، رغم استمرارها تبقى على حافة الانهيار.