من سجن رومية.. أرشيفية
من سجن رومية.. أرشيفية

كسرت صرخة سجناء لبنان حاجز حدود الدولة اللبنانية، لتصل إلى الأمم المتحدة من خلال كتاب وجهته 11 منظمة محلية ودولية غير حكومية، أضاءت خلاله على المآسي التي يعانيها الآلاف خلف زنازين لا تراعي أدنى معايير الإنسانية.

الوصول إلى الغذاء والمياه النظيفة والحد الأدنى من الرعاية الصحية أصبح أمرا صعبا بشكل متزايد على نزلاء السجون اللبنانية، وبعد سنوات من اللامبالاة الحكومية بوضع السجون، وتأزم حال المساجين نتيجة الأزمة الاقتصادية، كان لا بد كما يقول مدير مركز حقوق السجين في نقابة المحامين في طرابلس والمدافع عن حقوق الانسان، المحامي محمد صبلوح من تدويل القضية، لا سيما وأن عددا كبيرا من السجناء فارقوا الحياة نتيجة الإهمال.

لفظ نحو 23 شخصا أنفاسهم الأخيرة خلف القضبان في أقل من سنة كما يؤكد صبلوح، آخرهم محمود الحسن الذي وضع حدا لمعاناته قبل أيام من خلال شنق نفسه وذلك بعد حوالي الثلاثة أشهر من نقله إلى سجن رومية وبالتحديد إلى المبنى (ج) المعروف بمبنى الخصوصية الأمنية، وبحسب ما يقول والده محمد "كان يعاني من مرض نفسي وقد حاول سابقاً الانتحار عدة مرات".

 اتهم محمود بإحراق سيارة تعود لزوجة صديقه، تم توقيفه بداية كما يشرح والده "في مبنى السجل العدلي في فرن الشباك، وبعد إدخاله إلى رومية زرناه عدة مرات، آخرها في اليوم الذي فقدناه فيه، حيث أطلعتنا إدارة السجن حينها بأن طبيبا سيحضر للكشف عليه".

"رفْض إدارة السجن تزويد محمود بدواء يخفف اضطراباته النفسية والمعاملة السيئة التي تلقاها من العناصر الأمنية دفعا ابن الإثنين والثلاثين ربيعا إلى شنق نفسه"، بحسب ما نقله بعض المساجين إلى نائبة رئيس جمعية لجان أهالي الموقوفين، رائدة الصلح، وتقول "استعان بغطاء السرير، ربطه في أعلى بوابة السجن، وذلك بعدما نام جميع من معه في الغرفة".

انضم محمود إلى قافلة طويلة من السجناء الذين كتب عليهم أن يخرجوا جثة هامدة من خلف القضبان، منهم صلاح حيدر الذي أنهكه المرض من دون أن يلقى العلاج كما سبق أن أكدت شقيقته يسر لموقع "الحرة" فأطبق عينيه إلى الأبد في شهر أغسطس الماضي، وفي ذات اليوم أعلنت وفاة السجين خليل طالب.. إلا أن قوى الأمن الداخلي نفت لموقع "الحرة" أي تقصير من قبلها تجاه السجناء مشددة "هذه مسؤوليتنا، ونحن نقوم بأكثر من الدور المطلوب منا في ظل الموارد المتوفرة لدينا".

التدويل.. ضرورة

حلول عدة طرحتها منظمات حقوقية ومحامون لتحسين وضع السجون منها كما يقول صبلوح "اتخذ صورة مشاريع قوانين، من بينها تخفيض السنة السجنية، لكن السلطتين السياسية والقضائية في لبنان لم تول موضوع السجون أي أهمية، لا بل على العكس لم يبال القضاة بإعلان اعتكافهم عن العمل، تاركين مئات السجناء من دون محاكمات وإخلاءات سبيل، وهذا أمر ليس بجديد عليهم فهم لا يطبقون القانون منذ سنين".

في ظل هذا الوضع المأساوي، كان لا بد بحسب صبلوح من البحث عن وسيلة جديدة لإنقاذ أرواح السجناء، وبعد البحث "توصلنا إلى ضرورة تدويل القضية، اعددنا الكتاب تحت عنوان (نقص الوسائل ليس عذرا لنقص الإرادة) وأرفقناه بالإثباتات والدلائل، ومن ثم أرسلناه إلى المقررين الخاصين لدى الأمم المتحدة، ليكون المجتمع الدولي على بينة مما يحصل في سجون لبنان من انتهاكات تصل إلى حدود الجرائم الإنسانية".

وضعت المنظمات ومن بينها (مركز حقوق السجين في طرابلس التابع لنقابة المحامين، مركز الوصول لحقوق الإنسان (ACHR)، منظمة الكرامة، مركز سيدار للدراسات القانونية، مؤسسة Helping Hands Foundation، المعهد اللبناني للديمقراطية وحقوق الإنسان (الحياة)، المفكرة القانونية، و زازا للاستشارات النرويجية)، إشكالية السجون اللبنانية أمام المجتمع الدولي، مركّزة بحسب صبلوح على قضية تعذيب السجناء، والاكتظاظ، وعدم وجود إرادة سياسية لتحسين وضع السجون.

ومما ورد في الكتاب أن "أحد الأسباب الرئيسية لهذا الوضع هو الاكتظاظ الشديد في مراكز الاحتجاز في جميع أنحاء البلاد، ويرجع ذلك إلى الإفراط في استخدام الاحتجاز السابق للمحاكمة".

وسبق أن كشف وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، خلال مؤتمر صحفي عن وجود أكثر من 8000 سجين، من ضمنهم 20.9 بالمئة فقط من المحكومين، أي أن هناك 79.1 بالمئة في السجون اللبنانية غير محكومين.

ترى الصلح أن "التقصير القضائي هو السبب الرئيسي لمشكلة الاكتظاظ التي استفحلت نتيجة اعتكاف القضاة لما يزيد عن الخمسة أشهر، حيث اتخذوا السجناء رهينة لابتزاز السلطة السياسية ماديا، وبعد أن حصلوا على متطلباتهم عادوا للروتين المتمثل بعدم إنجازهم الملفات، فحقوق السجين مهدورة في لبنان لاسيما وأن الكثيرين ممن هم في السلطة ينظرون إليه بأنه شخص لا يستحق الحياة"!

بعد زيارتهم لبنان عام 2013، في سياق تحقيق، حدد أعضاء لجنة مناهضة التعذيب (CAT) كما ورد في الكتاب "الاكتظاظ باعتباره مشكلة رئيسية، ووصفوا ظروف الاحتجاز في السجون اللبنانية بـ "المروعة"، ولا سيما في رومية.

وأعربت لجنة مناهضة التعذيب، في ملاحظاتها الختامية الأخيرة، عن قلقها "إزاء العدد الكبير من الأشخاص المحتجزين قبل المحاكمة، وكثير منهم رهن الاحتجاز المطول قبل المحاكمة".  

ومع ذلك، وحتى الآن، فشلت السلطات باستمرار، بحسب المنظمات الموّقعة على الكتاب "في اتخاذ أي خطوات ملموسة لمعالجة الاكتظاظ وتنفيذ توصيات لجنة مناهضة التعذيب".  

ولفتت إلى أن "المجتمع المدني وثّق تقاريرا منتظمة عن الوفاة في الحجز بسبب التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية والتغذية المناسبة، كما تم توثيق ثقافة راسخة من العنف والإذلال وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز، إذ لم تؤد أي من حالات الوفاة في الحجز إلى تحقيق نزيه وفعال وشامل، في انتهاك للالتزامات الدولية للبلاد بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، كما لم تتخذ السلطات أي خطوة مهمة للتصدي لهذه الانتهاكات".

بارقة أمل

وصل الحال كما تقول الصلح إلى أن "نسمع خبر وفاة سجين من دون أن تولي السلطة نفسها عناء إصدار بيان توضيحي حول الحادثة. سمعنا عن سجناء أمضوا ساعات أمام صيدلية السجن يصرخون ويتألمون حتى وافتهم المنية، لم ينقلوا إلى المستشفى لتلقي العلاج بحجة أن أهلهم لم يدفعوا مسبقا خمسة ملايين ليرة لطوارئ المستشفى، وغيرها الكثير من صور المعاناة والإهمال والتقصير في كافة الجوانب المعيشية والحقوقية، وكون لا خير يُرجى أن يتحقق لهم من سلطة سياسية تخلت عن كامل واجباتها، نحن نؤيد تدويل القضية وعلى أعلى المستويات، وهذه بارقة أمل لعلها تضع حداً للمأساة".

الظلم كبير، تشدد الصلح "وهو يفوق بكثير ما ينشر في الإعلام وما يكتب في الصحف، وحالياً يُعد الملف الطبي والمعاناة والتكاليف أبرز ظلم يعيشه السجين"، في حين يشير صبلوح إلى أن "اهمال السجون اللبنانية لا يقتصر على السلطة الحالية، بل يطال كل الحكومات المتعاقبة".

ويضيف " شددنا في الكتاب على ضرورة الضغط على المعنيين لإلزامهم بمكافحة جريمة التعذيب وتحسين الوضع الصحي والغذائي والاستشفائي للسجناء والسماح لنا كمنظمات حقوقية بزيارة السجون".

من الأمور التي أشارت إليها المنظمات في الكتاب "عدم وجود آليات مساءلة فعالة"، معتبرة أن "غياب المساءلة لا يمكن تفسيره أو تبريره بنقص الوسائل، بل إنه ناتج عن افتقار الحكومة المستمر إلى الاستعداد لمعالجة الأسباب المعروفة للوضع الكارثي".

ولفتت إلى أنه "بينما ينص القانون اللبناني على ضمان الرقابة على السجون من قبل إدارة السجون التابعة لوزارة العدل، تظل مراكز الاحتجاز تحت سلطة وسيطرة المديرية العامة لقوى الأمن، وهكذا، وفي غياب آلية وقائية وطنية فعالة، لا يبقى أمام المعتقلين خيار آخر سوى تقديم شكواهم بشأن التعذيب أو سوء المعاملة إلى نفس السلطات التي نفّذت هذه الأعمال أو سمحت بها".

حتى الآن، لم يتم تنفيذ التوصيات التي أصدرتها لجنة مناهضة التعذيب لنقل إدارة السجن إلى وزارة العدل، في هذا السياق، أصبح العلاج الفعال لضحايا سوء المعاملة والتعذيب مجرد وهم، بحسب ما ورد في الكتاب، الذي أضاف "من الناحية العملية، لا يوجد مكان احتجاز في لبنان يخضع فعلياً لرقابة قضائية مستقلة، كما أنه من المتوقع أن يواجه محامو حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني وضحايا التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز على حد سواء افتقاراً تامّاً إلى آليات الشفافية والمحاسبة من قبل سلطات السجون".

آخر صورة من صور النكران السياسي لمعاناة السجناء، بحسب الصلح هي "تطيير مشروع القانون الذي تقدّم به الوزير مولوي، حول تخفيض السنة السجنية" وتشدد "بعد كل الجهد الذي قام به لإيصال مشروع القانون إلى البرلمان، أُجهضت جهوده ورمي الملف في أدراج مجلس النواب كغيره من مشاريع قُدمت خلال فترة الانتخابات للتجارة والتسويق والاستغلال الرخيص لوجع الناس، من دون الالتفات لمصير آلاف السجناء الذين ينتظرون أن يُرفع عنهم الظلم ولو جزئياً".

تعرية السلطة

يتزامن إيصال صرخة السجناء إلى الأمم المتحدة مع انعقاد جلسات المراجعة الدورية الشاملة لمجلس حقوق الانسان، في جنيف، التي يشارك فيها لبنان، وذلك لكي تعلم الدول المشاركة بحسب صبلوح ان "السلطة اللبنانية كاذبة في كل ما تدّعيه من وضع وتنفيذ أي إصلاحات، بالتالي من المحتمل أن تتخذ الدول الداعمة للبنان قرار إيقاف مساعداتها لهذا البلد، عندها ستدرك السلطة اللبنانية أنها تحت المراقبة وستجبر على التحرك لتحسين وضع السجون التي لم تعد للإصلاح والتأهيل، بل لتخريج مجرمين وحاقدين على الدولة والمجتمع".

في كتابها، أعربت المنظمات، عن أسفها لرفض الحكومة اللبنانية نشر تقارير اللجنة الفرعية التي تم إنشاؤها بعد زياراتها البلاد في عامي 2010 و2022، "هذا الرفض لا يؤدي إلا إلى إعاقة المزيد من جهود المجتمع المدني لتعزيز الشفافية والمساءلة".

وأضافت "الأهم من ذلك بالنسبة للمجتمع المدني اللبناني أن أهليته للتقدم بطلب للحصول على منح في إطار الصندوق الخاص للبروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب - الذي أنشئ لدعم المشاريع المنفذة لتوصيات اللجنة الفرعية - مشروطة بنشر هذه التقارير عن طريق الولاية. وبالتالي، فإن رفض لبنان نشرها لا يعرقل المساءلة فحسب، بل يحرم منظمات المجتمع المدني اللبناني بشكل فعال من الموارد الضرورية للقيام بأنشطتها".

ودانت منظمات المجتمع المدني "فشل السلطات في إحداث أي تحسين، سواء على صعيد المنع أو القمع أو إعادة التأهيل، منذ انضمام لبنان إلى البروتوكول الإختياري عام 2008، وخلصت إلى أن هذا الإخفاق في التصرف قد وضع نزلاء السجون في لبنان في وضع لا يمكن وصفه إلا بأنه حالة طوارئ إنسانية أخرى، فالضمانات الأساسية الخاصة بهم أثناء الاحتجاز غير موجودة فعلياً".

"طوارئ إنسانية"

أدانت منظمات المجتمع المدني "فشل السلطات في إحداث أي تحسين، سواء على صعيد المنع أو القمع أو إعادة التأهيل، منذ انضمام لبنان إلى البروتوكول الاختياري عام 2008"، وخلصت إلى أن "هذا الإخفاق في التصرف وضع نزلاء السجون في لبنان في وضع لا يمكن وصفه إلا بأنه حالة طوارئ إنسانية أخرى، حيث تظل الضمانات الأساسية الخاصة بهم أثناء الاحتجاز غير موجودة فعليا".

مطالب عدة تقدّمت بها المنظمات إلى اللجنة الفرعية للأمم المتحدة، منها "جدولة زيارة متابعة في عام 2023 للزيارة التي تم إجراؤها في مايو 2022، وفقاً لما تسمح به المادة 13 (4) من البروتوكول الاختياري، ومعاقبة عدم امتثال لبنان لالتزاماته بموجب المادة 17 من البروتوكول الإختياري من خلال إدراجه في قائمته العامة للدول الأطراف التي تأخر امتثالها بهذه المادة".

كما طالبت بالمشاركة في مخاطبة السلطات اللبنانية حول القضايا المثارة، وعلى وجه الخصوص "عدم وجود أي تدبير لمنع التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز، بما يتعارض مع التزاماتها بموجب كل من اتفاقية مناهضة التعذيب والبروتوكول الإختياري الملحق بها، وغياب أي إجراءات أو آليات للمساءلة على الرغم من حالات الوفاة العديدة أثناء الاحتجاز بسبب التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الطبية والتغذية".

ودعت السلطات اللبنانية إلى "التنفيذ الكامل لتوصيات لجنة مناهضة التعذيب بموجب ملاحظاتها الختامية الأخيرة وتوصياتها المقدمة بموجب إجراء التحقيق بموجب المادة 20، ونشر تقرير اللجنة الفرعية لمنع التعذيب بعد زيارتها للبنان في عام 2022، إضافة إلى إجراء تحقيق فعال وشامل وحيادي في جميع حالات الوفاة أثناء الاحتجاز".

وفي ضوء الافتقار إلى آليات المساءلة المحلية، يجب كما جاء في الكتاب "تقديم التقرير الدوري الثاني المتأخر إلى لجنة مناهضة التعذيب المستحق منذ فبراير 2017 وقبول اختصاص اللجنة بموجب المادة 22 لتلقي البلاغات الفردية".

كذلك طلبت المنظمات من السلطات اللبنانية "اتخاذ إجراءات فورية لخفض عدد نزلاء السجون بالإفراج عن جميع الأفراد المحتجزين قبل المحاكمة المؤهلين لتدابير غير احتجازية، وتمكين المجتمع المدني من الوصول الشفاف إلى المعلومات وإلى الصندوق الخاص للبروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، كذلك منح آلية الوقاية الوطنية وسائل وسلطة فعالة للقيام بمهمتها دون قيود" كما طالبت بنقل إدارة جميع مراكز التوقيف من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل وفق أحكام القانون اللبناني".

لكن الحلول السريعة لمأساة السجناء، تبدأ بحسب الصلح من "إقرار العفو العام الشامل، الذي نعتبره الحل الأمثل، إلا أنه يحتاج إلى توافق سياسي وبالتالي خطواته الواقعية معقّدة، يليه تخفيض السنة السجنية إلى ستة أشهر على أن يشمل ذلك المحكومين مؤبد واعدام، وتحديد المؤبد بـ 25 سنة والإعدام بـ 30 سنة، ما يساهم في تخفيف الاكتظاظ والعبء عن السجناء، على أن تنجز لجان قضائية مُراقبة دولياً ملفات الموقوفين بعدل، وإلى حينه يحتاج السجناء إلى مساعدات عينية عبارة عن حصص غذائية ومواد تنظيف، بل ومبلغ مالي لتأمين الدواء والاستشفاء".

يتطلب وضع السجناء كما تقول الصلح "اهتماما دوليا وعملا متكاملا مع جمعيات حقوقية وإنسانية واجتماعية، لكي لا يبقوا منسيين ومتروكين لمواجهة مصير قاتم"، أما صبلوح فيشدد على ضرورة أن تتوقف الحكومة اللبنانية عن المكابرة وأن تعترف بالمشكلة "لكي نتساعد جميعنا على حلها، لكن ان يترك السجناء للموت والأهالي لفقدان أولادهم، أمر غير مقبول، وها نحن نسعى جاهدين للضغط بشتى الوسائل، لكي يُحترم الإنسان، ولو لم ندوّل قضية السجون اللبنانية لكنا سنبقى نصرخ من دون أن تسمعنا السلطة السياسية".

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".