من سجن رومية.. أرشيفية
من سجن رومية.. أرشيفية

كسرت صرخة سجناء لبنان حاجز حدود الدولة اللبنانية، لتصل إلى الأمم المتحدة من خلال كتاب وجهته 11 منظمة محلية ودولية غير حكومية، أضاءت خلاله على المآسي التي يعانيها الآلاف خلف زنازين لا تراعي أدنى معايير الإنسانية.

الوصول إلى الغذاء والمياه النظيفة والحد الأدنى من الرعاية الصحية أصبح أمرا صعبا بشكل متزايد على نزلاء السجون اللبنانية، وبعد سنوات من اللامبالاة الحكومية بوضع السجون، وتأزم حال المساجين نتيجة الأزمة الاقتصادية، كان لا بد كما يقول مدير مركز حقوق السجين في نقابة المحامين في طرابلس والمدافع عن حقوق الانسان، المحامي محمد صبلوح من تدويل القضية، لا سيما وأن عددا كبيرا من السجناء فارقوا الحياة نتيجة الإهمال.

لفظ نحو 23 شخصا أنفاسهم الأخيرة خلف القضبان في أقل من سنة كما يؤكد صبلوح، آخرهم محمود الحسن الذي وضع حدا لمعاناته قبل أيام من خلال شنق نفسه وذلك بعد حوالي الثلاثة أشهر من نقله إلى سجن رومية وبالتحديد إلى المبنى (ج) المعروف بمبنى الخصوصية الأمنية، وبحسب ما يقول والده محمد "كان يعاني من مرض نفسي وقد حاول سابقاً الانتحار عدة مرات".

 اتهم محمود بإحراق سيارة تعود لزوجة صديقه، تم توقيفه بداية كما يشرح والده "في مبنى السجل العدلي في فرن الشباك، وبعد إدخاله إلى رومية زرناه عدة مرات، آخرها في اليوم الذي فقدناه فيه، حيث أطلعتنا إدارة السجن حينها بأن طبيبا سيحضر للكشف عليه".

"رفْض إدارة السجن تزويد محمود بدواء يخفف اضطراباته النفسية والمعاملة السيئة التي تلقاها من العناصر الأمنية دفعا ابن الإثنين والثلاثين ربيعا إلى شنق نفسه"، بحسب ما نقله بعض المساجين إلى نائبة رئيس جمعية لجان أهالي الموقوفين، رائدة الصلح، وتقول "استعان بغطاء السرير، ربطه في أعلى بوابة السجن، وذلك بعدما نام جميع من معه في الغرفة".

انضم محمود إلى قافلة طويلة من السجناء الذين كتب عليهم أن يخرجوا جثة هامدة من خلف القضبان، منهم صلاح حيدر الذي أنهكه المرض من دون أن يلقى العلاج كما سبق أن أكدت شقيقته يسر لموقع "الحرة" فأطبق عينيه إلى الأبد في شهر أغسطس الماضي، وفي ذات اليوم أعلنت وفاة السجين خليل طالب.. إلا أن قوى الأمن الداخلي نفت لموقع "الحرة" أي تقصير من قبلها تجاه السجناء مشددة "هذه مسؤوليتنا، ونحن نقوم بأكثر من الدور المطلوب منا في ظل الموارد المتوفرة لدينا".

التدويل.. ضرورة

حلول عدة طرحتها منظمات حقوقية ومحامون لتحسين وضع السجون منها كما يقول صبلوح "اتخذ صورة مشاريع قوانين، من بينها تخفيض السنة السجنية، لكن السلطتين السياسية والقضائية في لبنان لم تول موضوع السجون أي أهمية، لا بل على العكس لم يبال القضاة بإعلان اعتكافهم عن العمل، تاركين مئات السجناء من دون محاكمات وإخلاءات سبيل، وهذا أمر ليس بجديد عليهم فهم لا يطبقون القانون منذ سنين".

في ظل هذا الوضع المأساوي، كان لا بد بحسب صبلوح من البحث عن وسيلة جديدة لإنقاذ أرواح السجناء، وبعد البحث "توصلنا إلى ضرورة تدويل القضية، اعددنا الكتاب تحت عنوان (نقص الوسائل ليس عذرا لنقص الإرادة) وأرفقناه بالإثباتات والدلائل، ومن ثم أرسلناه إلى المقررين الخاصين لدى الأمم المتحدة، ليكون المجتمع الدولي على بينة مما يحصل في سجون لبنان من انتهاكات تصل إلى حدود الجرائم الإنسانية".

وضعت المنظمات ومن بينها (مركز حقوق السجين في طرابلس التابع لنقابة المحامين، مركز الوصول لحقوق الإنسان (ACHR)، منظمة الكرامة، مركز سيدار للدراسات القانونية، مؤسسة Helping Hands Foundation، المعهد اللبناني للديمقراطية وحقوق الإنسان (الحياة)، المفكرة القانونية، و زازا للاستشارات النرويجية)، إشكالية السجون اللبنانية أمام المجتمع الدولي، مركّزة بحسب صبلوح على قضية تعذيب السجناء، والاكتظاظ، وعدم وجود إرادة سياسية لتحسين وضع السجون.

ومما ورد في الكتاب أن "أحد الأسباب الرئيسية لهذا الوضع هو الاكتظاظ الشديد في مراكز الاحتجاز في جميع أنحاء البلاد، ويرجع ذلك إلى الإفراط في استخدام الاحتجاز السابق للمحاكمة".

وسبق أن كشف وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، خلال مؤتمر صحفي عن وجود أكثر من 8000 سجين، من ضمنهم 20.9 بالمئة فقط من المحكومين، أي أن هناك 79.1 بالمئة في السجون اللبنانية غير محكومين.

ترى الصلح أن "التقصير القضائي هو السبب الرئيسي لمشكلة الاكتظاظ التي استفحلت نتيجة اعتكاف القضاة لما يزيد عن الخمسة أشهر، حيث اتخذوا السجناء رهينة لابتزاز السلطة السياسية ماديا، وبعد أن حصلوا على متطلباتهم عادوا للروتين المتمثل بعدم إنجازهم الملفات، فحقوق السجين مهدورة في لبنان لاسيما وأن الكثيرين ممن هم في السلطة ينظرون إليه بأنه شخص لا يستحق الحياة"!

بعد زيارتهم لبنان عام 2013، في سياق تحقيق، حدد أعضاء لجنة مناهضة التعذيب (CAT) كما ورد في الكتاب "الاكتظاظ باعتباره مشكلة رئيسية، ووصفوا ظروف الاحتجاز في السجون اللبنانية بـ "المروعة"، ولا سيما في رومية.

وأعربت لجنة مناهضة التعذيب، في ملاحظاتها الختامية الأخيرة، عن قلقها "إزاء العدد الكبير من الأشخاص المحتجزين قبل المحاكمة، وكثير منهم رهن الاحتجاز المطول قبل المحاكمة".  

ومع ذلك، وحتى الآن، فشلت السلطات باستمرار، بحسب المنظمات الموّقعة على الكتاب "في اتخاذ أي خطوات ملموسة لمعالجة الاكتظاظ وتنفيذ توصيات لجنة مناهضة التعذيب".  

ولفتت إلى أن "المجتمع المدني وثّق تقاريرا منتظمة عن الوفاة في الحجز بسبب التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية والتغذية المناسبة، كما تم توثيق ثقافة راسخة من العنف والإذلال وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز، إذ لم تؤد أي من حالات الوفاة في الحجز إلى تحقيق نزيه وفعال وشامل، في انتهاك للالتزامات الدولية للبلاد بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، كما لم تتخذ السلطات أي خطوة مهمة للتصدي لهذه الانتهاكات".

بارقة أمل

وصل الحال كما تقول الصلح إلى أن "نسمع خبر وفاة سجين من دون أن تولي السلطة نفسها عناء إصدار بيان توضيحي حول الحادثة. سمعنا عن سجناء أمضوا ساعات أمام صيدلية السجن يصرخون ويتألمون حتى وافتهم المنية، لم ينقلوا إلى المستشفى لتلقي العلاج بحجة أن أهلهم لم يدفعوا مسبقا خمسة ملايين ليرة لطوارئ المستشفى، وغيرها الكثير من صور المعاناة والإهمال والتقصير في كافة الجوانب المعيشية والحقوقية، وكون لا خير يُرجى أن يتحقق لهم من سلطة سياسية تخلت عن كامل واجباتها، نحن نؤيد تدويل القضية وعلى أعلى المستويات، وهذه بارقة أمل لعلها تضع حداً للمأساة".

الظلم كبير، تشدد الصلح "وهو يفوق بكثير ما ينشر في الإعلام وما يكتب في الصحف، وحالياً يُعد الملف الطبي والمعاناة والتكاليف أبرز ظلم يعيشه السجين"، في حين يشير صبلوح إلى أن "اهمال السجون اللبنانية لا يقتصر على السلطة الحالية، بل يطال كل الحكومات المتعاقبة".

ويضيف " شددنا في الكتاب على ضرورة الضغط على المعنيين لإلزامهم بمكافحة جريمة التعذيب وتحسين الوضع الصحي والغذائي والاستشفائي للسجناء والسماح لنا كمنظمات حقوقية بزيارة السجون".

من الأمور التي أشارت إليها المنظمات في الكتاب "عدم وجود آليات مساءلة فعالة"، معتبرة أن "غياب المساءلة لا يمكن تفسيره أو تبريره بنقص الوسائل، بل إنه ناتج عن افتقار الحكومة المستمر إلى الاستعداد لمعالجة الأسباب المعروفة للوضع الكارثي".

ولفتت إلى أنه "بينما ينص القانون اللبناني على ضمان الرقابة على السجون من قبل إدارة السجون التابعة لوزارة العدل، تظل مراكز الاحتجاز تحت سلطة وسيطرة المديرية العامة لقوى الأمن، وهكذا، وفي غياب آلية وقائية وطنية فعالة، لا يبقى أمام المعتقلين خيار آخر سوى تقديم شكواهم بشأن التعذيب أو سوء المعاملة إلى نفس السلطات التي نفّذت هذه الأعمال أو سمحت بها".

حتى الآن، لم يتم تنفيذ التوصيات التي أصدرتها لجنة مناهضة التعذيب لنقل إدارة السجن إلى وزارة العدل، في هذا السياق، أصبح العلاج الفعال لضحايا سوء المعاملة والتعذيب مجرد وهم، بحسب ما ورد في الكتاب، الذي أضاف "من الناحية العملية، لا يوجد مكان احتجاز في لبنان يخضع فعلياً لرقابة قضائية مستقلة، كما أنه من المتوقع أن يواجه محامو حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني وضحايا التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز على حد سواء افتقاراً تامّاً إلى آليات الشفافية والمحاسبة من قبل سلطات السجون".

آخر صورة من صور النكران السياسي لمعاناة السجناء، بحسب الصلح هي "تطيير مشروع القانون الذي تقدّم به الوزير مولوي، حول تخفيض السنة السجنية" وتشدد "بعد كل الجهد الذي قام به لإيصال مشروع القانون إلى البرلمان، أُجهضت جهوده ورمي الملف في أدراج مجلس النواب كغيره من مشاريع قُدمت خلال فترة الانتخابات للتجارة والتسويق والاستغلال الرخيص لوجع الناس، من دون الالتفات لمصير آلاف السجناء الذين ينتظرون أن يُرفع عنهم الظلم ولو جزئياً".

تعرية السلطة

يتزامن إيصال صرخة السجناء إلى الأمم المتحدة مع انعقاد جلسات المراجعة الدورية الشاملة لمجلس حقوق الانسان، في جنيف، التي يشارك فيها لبنان، وذلك لكي تعلم الدول المشاركة بحسب صبلوح ان "السلطة اللبنانية كاذبة في كل ما تدّعيه من وضع وتنفيذ أي إصلاحات، بالتالي من المحتمل أن تتخذ الدول الداعمة للبنان قرار إيقاف مساعداتها لهذا البلد، عندها ستدرك السلطة اللبنانية أنها تحت المراقبة وستجبر على التحرك لتحسين وضع السجون التي لم تعد للإصلاح والتأهيل، بل لتخريج مجرمين وحاقدين على الدولة والمجتمع".

في كتابها، أعربت المنظمات، عن أسفها لرفض الحكومة اللبنانية نشر تقارير اللجنة الفرعية التي تم إنشاؤها بعد زياراتها البلاد في عامي 2010 و2022، "هذا الرفض لا يؤدي إلا إلى إعاقة المزيد من جهود المجتمع المدني لتعزيز الشفافية والمساءلة".

وأضافت "الأهم من ذلك بالنسبة للمجتمع المدني اللبناني أن أهليته للتقدم بطلب للحصول على منح في إطار الصندوق الخاص للبروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب - الذي أنشئ لدعم المشاريع المنفذة لتوصيات اللجنة الفرعية - مشروطة بنشر هذه التقارير عن طريق الولاية. وبالتالي، فإن رفض لبنان نشرها لا يعرقل المساءلة فحسب، بل يحرم منظمات المجتمع المدني اللبناني بشكل فعال من الموارد الضرورية للقيام بأنشطتها".

ودانت منظمات المجتمع المدني "فشل السلطات في إحداث أي تحسين، سواء على صعيد المنع أو القمع أو إعادة التأهيل، منذ انضمام لبنان إلى البروتوكول الإختياري عام 2008، وخلصت إلى أن هذا الإخفاق في التصرف قد وضع نزلاء السجون في لبنان في وضع لا يمكن وصفه إلا بأنه حالة طوارئ إنسانية أخرى، فالضمانات الأساسية الخاصة بهم أثناء الاحتجاز غير موجودة فعلياً".

"طوارئ إنسانية"

أدانت منظمات المجتمع المدني "فشل السلطات في إحداث أي تحسين، سواء على صعيد المنع أو القمع أو إعادة التأهيل، منذ انضمام لبنان إلى البروتوكول الاختياري عام 2008"، وخلصت إلى أن "هذا الإخفاق في التصرف وضع نزلاء السجون في لبنان في وضع لا يمكن وصفه إلا بأنه حالة طوارئ إنسانية أخرى، حيث تظل الضمانات الأساسية الخاصة بهم أثناء الاحتجاز غير موجودة فعليا".

مطالب عدة تقدّمت بها المنظمات إلى اللجنة الفرعية للأمم المتحدة، منها "جدولة زيارة متابعة في عام 2023 للزيارة التي تم إجراؤها في مايو 2022، وفقاً لما تسمح به المادة 13 (4) من البروتوكول الاختياري، ومعاقبة عدم امتثال لبنان لالتزاماته بموجب المادة 17 من البروتوكول الإختياري من خلال إدراجه في قائمته العامة للدول الأطراف التي تأخر امتثالها بهذه المادة".

كما طالبت بالمشاركة في مخاطبة السلطات اللبنانية حول القضايا المثارة، وعلى وجه الخصوص "عدم وجود أي تدبير لمنع التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز، بما يتعارض مع التزاماتها بموجب كل من اتفاقية مناهضة التعذيب والبروتوكول الإختياري الملحق بها، وغياب أي إجراءات أو آليات للمساءلة على الرغم من حالات الوفاة العديدة أثناء الاحتجاز بسبب التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الطبية والتغذية".

ودعت السلطات اللبنانية إلى "التنفيذ الكامل لتوصيات لجنة مناهضة التعذيب بموجب ملاحظاتها الختامية الأخيرة وتوصياتها المقدمة بموجب إجراء التحقيق بموجب المادة 20، ونشر تقرير اللجنة الفرعية لمنع التعذيب بعد زيارتها للبنان في عام 2022، إضافة إلى إجراء تحقيق فعال وشامل وحيادي في جميع حالات الوفاة أثناء الاحتجاز".

وفي ضوء الافتقار إلى آليات المساءلة المحلية، يجب كما جاء في الكتاب "تقديم التقرير الدوري الثاني المتأخر إلى لجنة مناهضة التعذيب المستحق منذ فبراير 2017 وقبول اختصاص اللجنة بموجب المادة 22 لتلقي البلاغات الفردية".

كذلك طلبت المنظمات من السلطات اللبنانية "اتخاذ إجراءات فورية لخفض عدد نزلاء السجون بالإفراج عن جميع الأفراد المحتجزين قبل المحاكمة المؤهلين لتدابير غير احتجازية، وتمكين المجتمع المدني من الوصول الشفاف إلى المعلومات وإلى الصندوق الخاص للبروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، كذلك منح آلية الوقاية الوطنية وسائل وسلطة فعالة للقيام بمهمتها دون قيود" كما طالبت بنقل إدارة جميع مراكز التوقيف من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل وفق أحكام القانون اللبناني".

لكن الحلول السريعة لمأساة السجناء، تبدأ بحسب الصلح من "إقرار العفو العام الشامل، الذي نعتبره الحل الأمثل، إلا أنه يحتاج إلى توافق سياسي وبالتالي خطواته الواقعية معقّدة، يليه تخفيض السنة السجنية إلى ستة أشهر على أن يشمل ذلك المحكومين مؤبد واعدام، وتحديد المؤبد بـ 25 سنة والإعدام بـ 30 سنة، ما يساهم في تخفيف الاكتظاظ والعبء عن السجناء، على أن تنجز لجان قضائية مُراقبة دولياً ملفات الموقوفين بعدل، وإلى حينه يحتاج السجناء إلى مساعدات عينية عبارة عن حصص غذائية ومواد تنظيف، بل ومبلغ مالي لتأمين الدواء والاستشفاء".

يتطلب وضع السجناء كما تقول الصلح "اهتماما دوليا وعملا متكاملا مع جمعيات حقوقية وإنسانية واجتماعية، لكي لا يبقوا منسيين ومتروكين لمواجهة مصير قاتم"، أما صبلوح فيشدد على ضرورة أن تتوقف الحكومة اللبنانية عن المكابرة وأن تعترف بالمشكلة "لكي نتساعد جميعنا على حلها، لكن ان يترك السجناء للموت والأهالي لفقدان أولادهم، أمر غير مقبول، وها نحن نسعى جاهدين للضغط بشتى الوسائل، لكي يُحترم الإنسان، ولو لم ندوّل قضية السجون اللبنانية لكنا سنبقى نصرخ من دون أن تسمعنا السلطة السياسية".

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".