ليست هذه المرة الأولى التي يطال فيها الرصاص الطائش منشآت في حرم مطار بيروت
أسراب الطيور تهدد سلامة الطيران في محيط مطر بيروت الدولي

"كنت على متن الطائرة حين وقع الاصطدام، راحت الناس تصرخ ولم يعلم أحد ما الذي جرى، اضطرت الطائرة للعودة إلى مطار بيروت، ولو كانت على ارتفاع أعلى لكان اضطر لمتابعة إقلاعه وواجه المشكلة في الجو كما حصل في قصة "كابتن سولي" الشهيرة، حين اضطر للهبوط في نهر هدسون، ولكان الهبوط أخطر بكثير فوق بحر لبنان." 

يروي مستشار أمن وسلامة الطيران في شركة طيران الشرق الأوسط (MEA) الكابتن، محمد عزيز، تجربته التي عاشها قبل نحو شهر ونصف حين كان على متن رحلة جوية مغادرة للأراضي اللبنانية، حين وقعت حادثة اصطدام بسرب من الطيور كادت أن تتسبب بكارثة وأجبرت الطائرة المصرية للعودة عن إقلاعها.

"في مطار بيروت اكتشفنا ما جرى، كان الزجاج مليئا بالدم، وأضرار كثيرة لحقت بالطائرة، تأخرت لمدة خمس ساعات في مطار بيروت ريثما تم إصلاحها، بسبب سرب حمام مؤلف من نحو 12 طيرا، لو دخل في محركات الطائرة لكانت المشكلة أكبر بكثير"، بحسب ما يؤكد عزيز لموقع "الحرة".

وتتسبب الطيور بكثير من المشاكل التقنية والأضرار للطائرات ومحركاتها وهياكلها، حيث أن اصطدام الطائرات بها خلال الإقلاع أو الهبوط بسرعات كبيرة، يجعل من هذه الطيور قنابل موقوتة ويضاعف من الأضرار التي تسببها، ومن شأن دخولها في فتحات المحركات أن يؤدي إلى تحطيمها وإيقافها عن العمل.

وتعاني مطارات عدة حول العالم من مشكلة الطيور في محيطها، بحيث يسجل أكثر من 16 ألف اصطدام بين الطيور والطائرات سنوياً، وفق تقارير منظمة الطيران المدني الدولي، وتتسبب طيور النورس بنحو 22 في المئة من تلك الحوادث. 

خلال الفترة الماضية، تكررت هذه الحوادث بوتيرة أعلى في مطار بيروت، الذي يعاني من أزمة انتشار كبير للطيور في محيطه وعلى مدارجه، مما بات يهدد سلامة الطيران والملاحة الجوية، ودفع برئيس مجلس إدارة شركة طيران الشرق الأوسط، محمد الحوت، مؤخراً إلى التلويح بالاستعانة بصيادين من أجل القضاء على تلك الطيور. 

الطلب الذي وجهه الحوت إلى وزارة الداخلية اللبنانية مطلع الشهر الحالي، قابله موجة اعتراض وانتقادات عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان، من قبل المدافعين عن البيئة والحيوانات، لاسيما وأن هذه الخطوة سبق واتخذتها شركة الطيران عام 2017 وأدت إلى مجزرة بيئية بحق طيور النورس المهاجرة على وجه التحديد، وغيرها من الطيور البحرية النادرة والمحمية، من دون أن يؤدي ذلك إلى التخلص من المشكلة.

تصريحات رئيس مجلس إدارة طيران "الميدل إيست" جاءت في معرض تعليقه على إصابة طائرتين تابعتين للشركة برصاص طائش ناتج عن إطلاق النار الذي شهدته العاصمة اللبنانية ليلة رأس السنة، وهي مشكلة أخرى تهدد بدورها سلامة الطيران في مطار بيروت، ولكن تبقى مشكلة الطيور أكبر وأخطر، وفق تأكيدات الحوت. 

 ورداً على ذلك، أصدرت الحركة البيئيّة اللبنانية بياناً، استنكرت فيه الاستعانة بعدد من صيّادي الطيور لقتل طيور النورس التي قد تؤذي الطائرات خلال إقلاعها أو هبوطها في مطار بيروت الدولي، معتبرةً أنّ "هذا الأمر يتناقض مع المواثيق الدولية"، مطالبة "الوزارة المعنية ممارسة أعلى معايير الشفافية في إدارة هذا الملف، ووضع حلول تراعي فيها المعايير البيئية والعلمية."

النفايات أصل الخطر

الحركة البيئية طالبت في بيانها السلطات اللبنانية المعنية برفع النفايات عند مصب نهر الغدير الملوث، والملاصق للمطار، وإجراء المعالجة المطلوبة للمياه المبتذلة، من أجل وضع حد لوجود طيور النورس"، وذلك بكون هذه النفايات تمثل عنصر الجذب الأكبر للطيور ولاسيما النورس الذي يقتات على مخلفات وفضلات الانسان من خضار وطعام ومواد عضوية، فضلا عن الأسماك. 

لكن المشكلة لا تنحصر بنهر الغدير الملوث فقط، فإلى جانبه، وبشكل شبه ملاصق أيضاً لحرم المطار، يقبع أصل المشكلة، وفق ما يصفه الخبراء، الذي بدأت منه القصة بأكملها، مطمر "الكوستا برافا"، حيث كان واحداً من بين 3 مطامر مؤقتة أقيمت ضمن خطة حكومية عام 2016 لمعالجة أزمة النفايات التي ضربت البلاد حينها، لكنه تحول بوجوده قرب البحر، وفي ظل سوء إدارة وطمر للنفايات، إلى واحدة من أكبر نقاط جذب الطيور على الساحل اللبناني. 

بحسب البروفسور في علم الطيور البرية وبيئتها غسان جرادي، يأكل النورس بالإضافة إلى الأسماك الضعيفة، القاذورات التي تحملها الأنهار، "ولهذا السبب نجده على نهر الغدير أو المكبات، فالمكبات تولد الحشرات والذباب والبعوض وهو الغذاء الأمثل للطيور فتجتذبها وتعيش عليها."

ويوضح جرادي في حديثه لموقع "الحرة" أن الطيور البحرية كذلك لا تشرب عادة من مياه البحر المالحة، (مع بعض الاستثناءات) وبالتالي تحتاج إلى مياه عذبة، لذا تتجمع على مصبات الأنهار، "وبحسب علمي حصلت حفريات قرب المدارج، وحين جاء الشتاء امتلأت هذه الحفر بالمياه وباتت أشبه ببحيرات مياه حلوة بالنسبة للطيور، خاصة أن هذه الحفر على مقربة من البحر وبالتالي بات مصدر مياهه قرب مصدر صيده فاستوطنت المنطقة، وليس كل الطيور البحرية تفرخ في البحر، هناك عدد منها يتجه نحو اليابسة والمزارع، وفي حالة لبنان هناك المطار الذي يرتاحون في محيطه وداخله."

في العام 2017، وبعدما استفحلت المشكلة ووصلت إلى تهديد متكرر وخطير لسلامة الطيران، أمر القضاء اللبناني بإغلاق مؤقت لمطمر الكوستا برافا، في سياق خطة حكومية لمعالجة أزمة الطيور، كان ضمنها وضع ماكينات صوتية لتهريب الطيور، ومعالجة أمر تكدس النفايات عشوائياً وعلى ارتفاعات عالية في المطمر دون عزل.

 إلا أن الخطوة التي أثارت الضجة الكبيرة في حينها كان استقدام شركة طيران الشرق الأوسط لصيادين، ودفع رواتب لهم من أجل قتل طيور النورس التي تحلق حول المطار وفوق مكب النفايات، وهو ما خرج عنه لاحقاً مشاهد دامية لمئات الطيور التي جرى قتلها بشكل عشوائي، ما أثار غضبا عارما في البلاد لاسيما في أوساط البيئيين والمناصرين لحقوق الحيوان. 

وبات طائر النورس وقضيته فيما بعد مضرب مثل عن طريقة إدارة السلطات اللبنانية للمشاكل والأزمات الطارئة في البلاد، فبعدما خلقت المشكلة بسبب خطة النفايات غير المدروسة بأثرها البيئي وتداعياتها، جاء الحل على شكل مجزرة بيئية أخرى بحق طيور لا ناقة لها ولا جمل بما جرى، سوى أنها اجتُذبت بالطعام والمياه العذبة إلى تلك المنطقة.

غموض حول المسؤوليات

المشكلة بالنسبة إلى الناشط البيئي اللبناني بول أبي راشد أن كل الذين عرضوا المشكلة وتحدثوا عنها من مسؤولين ومعنيين، لم يوضحوا سببها بشكل جلي ولم يكشفوا للناس حقيقة ما يجري فعلاً، كما لم تتم محاسبة أي جهة مسؤولة عن التسبب بهذه الأزمة. 

يمثل تجمع الطيور في ذلك المكان دلالة على المشكلة وليس المشكلة بحد ذاتها، فالطيور دليل على الأزمة البيئية التي يمثلها كل من المطمر والنهر الملوث، وبحسب تقديراته، يرى أبي راشد أن المتعهد لمطمر الكوستا برافا في العام 2017 كان يقوم بطمر النفايات التي تصله بطريقة عشوائية، دون المعالجة اللازمة من عزل وطمر وفق المعايير اللازمة، ما جعل نسبة كبيرة منها مكشوفة أمام الطيور. 

ويضيف "وهذا هو سبب غياب المشكلة في الأعوام اللاحقة 2018 2019 وصولاً إلى العام 2020، وفق معطياتي هذه المشكلة عادت اليوم لأن النفايات عادت لتكون مكشوفة أمام الطيور بلا فرز ولا طمر، وعادت لتصل بطرق عشوائية إلى المكان."

ويسأل الناشط البيئي في هذا السياق "من سمح للنورس بالتجمع في هذا المكان حول المطار ووفر له الظروف الطبيعية الأكثر ملاءمة ليعيش هناك؟ من وافق على مكان إقامة المطمر وقام بهذا المشروع وأداره بطرق غير سليمة، يجب ان يدخل الى السجن."

"حذرناهم في حينها وقلنا لهم أن المطمر سيكون مشكلة بقرب المطار"، يؤكد عزيز، ويضيف " في حينها طلبنا على الأقل أن لا يضعوا نفايات عضوية في المكب، ولكن المشكلة كانت أكبر حيث يحتاج ذلك إلى استراتيجية فرز من المصدر من أجل تلافي وضع النفايات العضوية، وهذا ما لم يكن مقدورا عليه في حينها." 

ويتابع مستشار الأمن والسلامة في شركة "الميدل إيست" أن الحل المطلوب والأمثل كان في عدم رمي نفايات عضوية في محيط المطار، لاسيما وأن الدراسات العلمية العالمية بشأن سلامة المطارات تحذر من وضع أي مكب نفايات بمحيط 15 كلم بالحد الأدنى حول المطارات، بينما في لبنان المكب ملاصق للمطار، وبالتالي مهما اتخذنا من إجراءات سيبقى المكب عنصر جذب كبير للطيور، وبالتالي هناك حاجة لحل جذري."

يصف عزيز أن صيد الطيور في محيط المطار بأنه أشبه بالعملية الجراحية أو الكيّ، الذي يذهب إليه الطبيب مجبراً كآخر الحلول، "فإما أن نزيل مصدر جذب الطيور، وهذا ما لا يستطيع أحد حالياً عليه، وإما العلاجات الموضعية والمؤقتة كالصيد، تفاديا لوقوع مأساة." 

مخالفة للمعاهدات الدولية

لكن في المقابل، وبينما تتعامل السلطات اللبنانية مع هذه الطيور وكأنها مباحة أمامها لقتلها أو التخلص منها، تظهر المواثيق والمعاهدات الدولية أن هذه الطيور محمية في القانون الدولي، بحيث لا يحق للبنان التصرف بها بهذا الشكل. 

وفي هذا السياق يشرح أبي راشد أن قتل طيور النورس "يعتبر جريمة بيئية عالمية، هذه ليست طيور محلية تعيش في لبنان كعصافير الدوري، هذه الطيور ملك أوروبا، وحتى الدول الأوروبية لا يحق لها أن تسمح بقتل هذه الطيور على افتراض انها وافقت على ما يفعله لبنان."

ويحذر من أنه وفقا للحسابات البيئية، "توقيف المطار عن العمل بحد ذاته أسهل من قتل النورس بهذه الطريقة، إلى هذا الحد الأمر حساس بيئياً."

من ناحيته يشرح جرادي أن هناك أنواعا عدة من النورس الموجود في لبنان، أبرزها النورس ذو الأرجل الصفراء وهناك النورس القزويني والنورس الأرمني، والنورس اسود الرأس الشائع أو "النورس الضاحك" وهو الذي استهدف بعمليات الصيد بشكل خاص عام 2017، بكونه يصل بأعداد كبيرة إلى لبنان. 

ويضيف البروفيسور المتخصص بالطيور البرية، أن هذا الطير يتكاثر في شمال أوروبا، ثم يهاجر مع وصول البرد جنوبا ليصل الى منطقة المتوسط حيث يمضي الشتاء، وفي لبنان يصل نحو 10 آلاف فرد من نوع النورس الضاحك تحديداً، فيمضي الشهر الأول والثاني من العام، وصولاً إلى مطلع الشهر الثالث حيث يبدأ من اول أسبوع فيه بمغادرة لبنان نحو أوروبا من جديد حيث يكتمل لديه الرأس الأسود كدلالة على جهوزيته للتزاوج والتكاثر."

ويروي جرادي قصة هذا الطير الذي يواجه خلال صغره وفيما بعد، مخاطر شديدة تتعلق اما بالمناخ او بالافتراس والصيد، وتتناقص اعدادها طبيعيا بشكل كبير، وهو ما وضع هذا الطير ضمن لوائح معاهدات واتفاقات دولية لحمايته، ولبنان مصادق على العديد منها، خاصة اتفاقية الأنواع المهاجرة، التي تشمل الطيور والحيوانات. 

هذه الاتفاقية انبثق عنها، بحسب جرادي، اتفاقية أخرى اسمها اتفاقية الطيور المائية المهاجرة بين أوراسيا (أوروبا واسيا) من جهة وأفريقيا من جهة أخرى. فضلا عن اتفاقية برشلونا التي تخص دول حوض البحر المتوسط وتشمل ٢٥ نوعاً من الأنواع البحرية ضمنها النوارس وعدد من الطيور كـ "خطف البحر". 

وكان لبنان قد انضم عام 2002 إلى "اتّفاقية الطيور المائيّة المهاجرة الأورو ـ آسيوية والأفريقيّة"  AEWA، بموجب القانون الرقم 212/2002، والتي تهدف إلى المحافظة على الأنواع المُهاجرة من الحيوانات والطيور المائيّة، باعتبارها تشكّل جزءاً مهماً من التنوّع البيولوجي. وتشمل الاتفاقيّة حماية 254 نوعاً من الطيور المائيّة، من ضمنها النورس، الأمر الذي من شأنه أن يرتب مسؤوليات على السلطات اللبنانية في حال سمحت مجدداً بقتل هذه الطيور. 

الحمام أخطر

واقعة الاصطدام الأخيرة التي تحدث عنها عزيز لموقع "الحرة"، لم يكن لطائر النورس علاقة بها، حيث أن الطائرة اصطدمت بسرب من طيور الحمام، التي يبدو وبحسب شركة طيران الشرق الأوسط باتت تمثل الخطر الأكبر على سلامة الملاحة الجوية. 

وكان لرئيس مجلس إدارة الشركة، محمد الحوت، تصريحات عدة في هذا السياق، أكد فيها على أن مشكلة المطار مع الطيور لا تنحصر أبدا بطائر النورس، وإنما بتربية الطيور وتجمعها على أنواعها في محيط المطار. 

بحسب عزيز الطيور المهاجرة تمثل 5 في المئة من المشكلة، "مشكلتنا ليست محصورة بطائر النورس وموسمه الذي لا يتعدى الشهر من السنة، ولكن مشكلتنا تستمر طيلة العام مع الطيور المستوطنة التي إما تربى عن قصد في محيط المطار كالحمام، وإما تصل دون قصد نتيجة المطمر ومصب النهر وتبقى في محيط المطار، وهذه المشكلة نواجهها منذ نحو 10 سنوات، راسلنا خلالها كافة الوزارات المعنية من خلال وزارة الأشغال والنقل، وخصوصا وزارة الداخلية، وأبلغناها مرات عدة بشأن تربية الطيور في محيط المطار من أجل وقف هذه المخالفات، لكن حتى الآن ما من حل جذري، والحال نفسه مع مشكلة الرصاص الطائش الذي يتساقط على المطار والطائرات فيه، ولكن يبدو انه ما من قدرة على الحل." 

الصيد لن ينفع

حتى الآن لم تستحصل شركة طيران الشرق الأوسط على إذن من وزارة الداخلية اللبنانية من أجل التدخل واحضار صيادين إلى محيط المطار لمعالجة مشكلة الطيور، وفق ما يؤكد عزيز، ولكن أيضاً لم يصل إلى الشركة أي حل مقابل أو اقتراح من ناحية السلطات الرسمية اللبنانية، لاعتماده كحل، ما يعني أن المخاطر على سلامة الطيران لا زالت قائمة حتى الآن.

ورغم أن الشركة تعول على خطوة الصيد كحل موضعي وسريع، بناء على تجربة العام 2017، يرى الخبراء أن عملية قتل الطيور لن تعود بالفائدة المرجوة منها، حيث أن الحجم الأكبر من الطيور سيبتعد في الأيام الأولى عن المنطقة التي يحصل فيها إطلاق النار، ليعود بعد أيام، أو بعد توقف الصيد، في حين أن التعويل على التقليل من عدد هذه الطيور عبر قتلها أيضاً غير مجد، لكونها قادرة على ملء الفراغ والتكاثر مجدداً، بحسب ما يشرح جرادي. 

ويضيف الخبير في الطيور البرية وبيئتها أن الحل بقتل هذه الطيور هو "أمر مخز ومخجل ونلام عليه من الدول، ويقدم صورة سيئة عن البلاد وسمعتها." 

ويحذر جرادي من تكرار ما حصل عام 2017 لناحية الصيد العشوائي الذي شهده محيط مطار بيروت وأودى بطيور نادرة ومحمية وبعضها مهدد بالانقراض، فضلاً عن طيور أخرى مهمة جداً للبيئة والطبيعة ومن شأن قتلها أن يؤدي الى اختلالات في النظم البيئية لاسيما بالنسبة إلى المزارعين، المستفيد الأكبر من هذه الطيور. 

ويضيف قوله: "الصيادون ليسوا قادرين على تمييز الطيور من بعضها البعض قبل قتلها، أنا متخصص في هذا المجال منذ 50 عاماً، ولا زلت أجد صعوبة في التمييز بين طير وآخر في السماء، بينما الصياد يطلق النار على كل ما يطير، خاصة النوارس التي تمر بنحو 10 مراحل من النمو والتغير في ريشها، إلى حين النضوج جنسياً، وبالتالي لا يمكن للصيد أن يكون الحل، حيث أن هامش الصيد العشوائي مرتفع."

من جهته يعبر عزيز عن عدم حماسة شركة الطيران بالمطلق لانتهاج حل الصيد، "لا نحبذ أبدا الذهاب نحو خيار قتل الطيور، فعلياً نحن لا نريد هذا الحل ولشركة "الميدل ايست" تاريخ طويل من مناصرة البيئة ولدينا وعي بيئي قديم في تاريخ الشركة، والدليل ان ابنيتنا الجديدة التي تقوم الشركة بإنشائها كلها صديقة للبيئة بتقنية "غرين بيلدينغ"، ولكن احياناً تصل إلى مرحلة لا حل فيها، فأصبحنا في معضلة إما الطيور وإما سلامة الطيران والمسافرين."

وعن مخالفة الصيد للمواثيق والمعاهدات الدولية، يجيب عزيز "وجود مكب نفايات بهذا القرب من المطار أيضاً مخالف للقوانين الدولية ولمعايير السلامة الدولية للطيران وبالتالي هذا الأمر أشد وطأة." 

حلول ممكنة؟ 

يصر جرادي على وجود العديد من الحلول الممكنة لهذه المشكلة، قبل الوصول إلى الصيد والقتل، "هناك أفكار مطبقة وناجحة في هذا المجال في مطارات عدة حول العالم، فضلاً عن أن عدم نجاح التجارب السابقة التي اعتمدت عام 2017 سببها سوء التطبيق والتنفيذ وليس المقترح نفسه. 

كان لجرادي في ذلك الحين دراسة أعدها حول هذه القضية، كشفت فيها عن الصيد العشوائي الذي حصل من جهة وأثره، فضلاً عن أن طرق المعالجة "لم تكن علمية ودقيقة"، بداية من الأصوات المستخدمة في ماكينات الصوت التي استحضرت حينها لإخافة الطيور، حيث كان الصوت مخصص لطائر نورس آخر، وكأنه كان لغة أخرى، وبالتالي لم تفهم الطيور أصوات التحذيرات التي كانت تطلق لها لكي تغادر المنطقة، بحسب جرادي، "قلنا لهم هذا الأمر، وأوضحنا لهم الأمر لا يحتاج أكثر من بحث عبر الإنترنت للحصول على الأصوات المناسبة."

ويضيف جرادي مقدما اقتراحات عدة يمكن استخدامها بعد دراسة الأثر البيئي، أبرزها استخدام الطائرات المسيرة الصغيرة التي من شأنها أن تساعد لاسيما إذا تم تمويهها على شكل طائر جارح، أو استخدام طيور جارحة مدربة لهذا الهدف ما يبعد الطيور تلقائيا عن المنطقة. 

يمكن ايضاً وفق جرادي "استخدام مدافع غاز صوتية من شأن دويها أيضا أن يهرب الطيور من تلك المنطقة إذا ما تم استخدامه واطلاقه بوتيرة معينة لتهريب الطيور، كما يجب يكون لدينا رادارات تكشف الطيور تستخدم في مطارات عدة حول العالم، ولكن تكلفته كانت مرتفعة حين عرضنا فكرته، وذلك قبل الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي فكيف الحال اليوم." 

يقترح جرادي أيضاً تربية الحشائش والاعشاب التي تنمو لارتفاع أعلى من 40 سم، أي أعلى من حجم الطائر، في محيط المطار والمدارج وذلك لكون هذا الارتفاع يمنع الطيور من النزول في تلك الأرض خشية من الافتراس حيث لا يمكنها أن تؤمن مراقبة بين هذا العشب وتفضل الأماكن المكشوفة. وهذا حل صديق للبيئة وللمشهد العام." 

ويوصي المتخصص بالطيور البرية وبيئاتها بردم كافة الحفر في محيط المطار التي تحتوي على برك ماء في المدرجات ومحيطها، ويذكر أن "الطير قادر على التدرب والتكيف وبالتالي يمكنه ان يحفظ ويترك منطقة معينة ويتجنبها إذا ما اعتمدت الوسائل اللازمة لتعويدها." 

من ناحيته يعبر عزيز عن صعوبة اعتماد بعض الحلول المقترحة فيما جرى تجربة حلول أخرى لم تعد بالفائدة المرجوة، مذكرا بأن الحل في نهاية الأمر يجب أن يأتي عبر السلطات اللبنانية والوزارات المعنية، التي لم تقدم أي شيء حتى اللحظة. 

ويضيف "على سبيل المثال حل الأصوات والمعدات المخصصة لتهريب الطيور الذي اعتمد عام 2017، ساهم في تخفيف المشكلة لنحو عامين ولكن الطيور عادت بعدما اعتادت، فضلاً عن تكلفة هذه المعدات وصيانتها وتغييرها وتبديل مواقعها وأصواتها، إضافة إلى حاجتها لتغذية كهربائية طيلة الوقت، ومن المعلوم مشكلة الكهرباء القائمة في البلاد، وبالتالي لم يكن حلاً عملياً."

ويختم "المشكلة أننا نضع حلولاً لنتائج وليس للأسباب، لماذا نريد السماح لأحد بتربية الحمام حول المطار ثم نضطر لتهريب الحمام، فلتقمع تربية الحمام بشكل فعلي في محيط المطار. يقولون لا يوجد دولة في العالم تطبق الصيد لحل مشكلة الطيور، ولكن في المقابل هل هناك دولة في العالم تضع عنصر جذب بهذا الحجم، كمطمر الكوستا برافا، بشكل ملاصق للمطار؟"

العمالة السورية في لبنان

في بيروت والمدن اللبنانية عموما، من المعتاد رؤية عمال سوريين يتسلقون السقالات، أو يدفعون عربات خضار، أو يدخلون بوابة مصنع أو مطعم، أو يحرثون الحقول. هؤلاء ليسوا مجرد لاجئين هاربين من ويلات الحرب، إذ أصبحوا خلال السنوات القليلة الماضية العمود الفقري لقطاعات لبنانية واسعة.

لكن الآن، ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، رفع العقوبات المفروضة على سوريا قد يتغير المشهد كليا. 

الحديث عن إعادة إعمار سوريا لم يعد حلما، بل ممكنا أقرب إلى التحقق، يفتح أبواب العودة أمام آلاف العمال السوريين الذين وجدوا في لبنان لسنوات ملاذا، وعملا لتوفير لقمة العيش.

هذا التحول لا يخص السوريين وحدهم. لبنان، الذي يواجه واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية، يقف على حافة تغير كبير في سوق العمل: كيف سيتعامل مع احتمال فقدان آلاف العمال؟

فراغ في الأفق؟

"رغم إعلان الرئيس الأميركي، سيستغرق تنفيذ القرار بعض الوقت"، يقول الدكتور بشارة الأسمر، رئيس الاتحاد العمالي العام في لبنان، في حديث إلى قناة "الحرة". "لكن هذا القرار يفتح الباب أمام تغييرات كبيرة في وضع العمال السوريين في لبنان".

ويشير الأسمر إلى أن وتيرة عودة السوريين إلى بلادهم قد تتسارع إذا تزامن رفع العقوبات مع بدء عملية إعادة الإعمار في سوريا لا سيما إذا شاركت دول الخليج والدول الغربية في العملية.

"العمال السوريون هم اليوم ركيزة أساسية في قطاعات البناء والزراعة، وإذا رحلوا، فإن الفجوة ستكون كبيرة".

وتكبد لبنان بسبب الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل خسائر فادحة، إذ قُدرت كلفة الأضرار في قطاع السكن وحده بنحو 3 مليارات دولار، وفقا للبنك الدولي، بعد تدمير قرابة 100 ألف وحدة سكنية، معظمها في مناطق نفوذ حزب الله.

ومع سريان اتفاق وقف إطلاق النار، تصدر ملف إعادة الإعمار في لبنان الواجهة، لكن المجتمع الدولي وضع شرطا أساسيا: لا مساعدات من دون تنفيذ القرارات التي تنص على نزع سلاح حزب الله. وكانت الرسالة من الدول الغربية والعربية واحدة: المساعدات مرهونة بفرض الدولة سلطتها الكاملة على السلاح.

تداعيات في قطاع البناء.. وأكثر

يقول جميل طالب، رئيس نقابة عمال البناء في شمال لبنان، إن العمال السوريين يهيمنون على وظائف "البيتون، والقصارة، والتركيب"، وهي أعمال لا يقبل بها كثير من اللبنانيين بسبب قلة الأجور وظروف العمل القاسية. 

"إذا غادروا جميعا، سيكون لذلك تأثير كبير على القطاع،" يضيف في حديثه مع موقع "الحرة".

المفارقة، بحسب طالب، أن إعادة الإعمار في سوريا قد تدفع بعض العمال اللبنانيين أنفسهم إلى الهجرة نحو سوريا بحثا عن فرص أفضل، ما سيُفاقم أزمة العمالة محليا.

يقول الأسمر، من جهته، إنه التقى قبل يومين وفدا من الاتحاد العام للعمال السوريين، بحضور عدد من رجال الأعمال اللبنانيين الذين يعتمدون على اليد العاملة السورية، وتطرق النقاش إلى إمكانية التعاون بين الشركات اللبنانية والسورية خلال المرحلة المقبلة.

ولكن "لا شيء ملموسا بعد، وعلينا الانتظار لمعرفة الاتجاهات،" يقول الأسمر، "لكن لا شك أن إعادة الاعمار في سوريا تسرّع عودة السوريين غير المرتبطين بأعمال دائمة وورش مستمرة في لبنان".

ويرى الخبير الاقتصادي، البروفيسور جاسم عجاقة، أن التحدي أكبر من قضية عمالة. "إذا انطلقت الاستثمارات في سوريا، لا سيما في قطاعات النفط والبنية التحتية والإسكان، فسوف تجذب رؤوس الأموال والعمال معا". 

ويضيف أن "تقديم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين مساعدات للسوريين في بلادهم قد يشجع مزيدا منهم على العودة".

ويحذر عجاقة من أن لبنان، المعتمد بشكل كبير على العمالة السورية في قطاعات الزراعة والبناء والصناعة، قد يواجه نقصا حادا إذا ما غادر السوريون فجأة.

شمع أحمر

خلال  السنوات الماضية، شنت السلطات اللبنانية حملات صارمة على العمال السوريين غير النظاميين، بهدف الحد من وجودهم في سوق العمل، ودفعهم إلى العودة. وشملت هذه الحملات مداهمات، وتوقيفات، وحتى إقفال مؤسسات بالشمع الأحمر.

وبحسب الوكالة الوطنية للإعلام حينها، فإن الإجراءات شملت "ملاحقة مخالفات الإقامة والعمل، من خلال الكشف على المحال التي يملكها أو يديرها سوريون للتحقق من أوضاعهم القانونية، والتأكد من وجود كفيل لبناني." كما تم التحقق من تسجيلهم في المفوضية، التي تحظر عليهم العمل قانونيا.

وأثارت هذه الحملات جدلا واسعا في لبنان. فبينما رأى فيها البعض خطوة ضرورية لحماية العمال اللبنانيين، اعتبرها آخرون قاسية ومجحفة بحق اللاجئين السوريين.

الأسمر أوضح أن تلك الإجراءات جاءت نتيجة الاحتكاك الكبير بين العمال اللبنانيين والسوريين. "في كثير من الحالات، حلّ السوريون محل اللبنانيين، وحتى أصبحوا يديرون بعض المؤسسات، ما خلق توترا واضحا".

ودعا طالب، من جانبه، إلى إنهاء ما سماه "منافسة اليد العاملة الأجنبية"، وطالب بإدراج عمال البناء في الضمان الاجتماعي وتطبيق قانون العمل عليهم.

هل يخسر لبنان دوره التاريخي؟

في العمق، هناك قلق يتجاوز العمالة: هل يفقد لبنان دوره الاستراتيجي كبوابة اقتصادية إلى الخليج؟ 

يجيب عجاقة بحذر: "رفع العقوبات عن سوريا قد يعود بفائدة على لبنان على المدى الطويل، لكن في المدى القريب، قد يتراجع دوره الاقتصادي والاستراتيجي إذا لم ينفذ الإصلاحات المطلوبة منه".

وأعرب الأسمر عن أمله في أن تثمر زيارات المسؤولين اللبنانيين إلى دول الخليج والدول الغربية في الحصول على دعم مالي للبنان، لكنه أشار إلى أن "التركيز يبدو حاليا على إعادة الإعمار في سوريا".

بين رحيل العمالة وغياب الإصلاحات، يقف لبنان عند مفترق طرق اقتصادي حاسم. والسؤال هو: هل سيتكيّف مع المتغيرات أم يترك زمام الأمور للأقدار؟