الانفجار أودى بحياة 220 شخصا
الانفجار أودى بحياة 220 شخصا

وجه القاضي المكلف بالتحقيق في انفجار مرفأ بيروت، الثلاثاء، اتهامات للمدعي العام الأبرز في لبنان وثلاثة قضاة باتصالهم بالكارثة التي شهدتها العاصمة في عام 2020، وفقا لما نقلته رويترز عن مصدرين قضائيين. 

وأشارت المصادر للوكالة إلى أن القاضي، طارق بيطار، والذي واصل بشكل غير متوقع التحقيقات التي شلتها مقاومة سياسية، وجه اتهامات للنائب العام التمييزي، غسان عويدات، بسبب الانفجار الذي تسبب بمقتل 220 شخصا. 

ولم تحدد مصادر رويترز طبيعة الاتهامات. ولم تتمكن الوكالة من التوصل إلى عويدات للحصول على تعليق.

ونقلت السفارة الأميركية لدى بيروت تصريحات للمتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، نيد برايس، أكد فيها "أننا والمجتمع الدولي أوضحنا منذ وقوع الانفجار، أننا ندعم ونحث السلطات اللبنانية على إتمام تحقيق سريع وشفاف في الانفجار المروّع لمرفأ بيروت". 

وأضاف في مؤتمر صحفي، الاثنين أن "ضحايا هذا الانفجار في أغسطس من عام 2020 يستحقون العدالة، وأولئك المسؤولون تجب محاسبتهم". 

واستأنف المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت، الاثنين، وبرغم الضغوطات السياسية المتواصلة عليه، تحقيقاته بعد 13 شهرا على تعليقها جراء دعاوى رفعها ضدّه تباعا عدد من المدّعى عليهم، وفق ما أفاد مسؤول قضائي وكالة فرانس برس.

وعُلّق التحقيق في الانفجار، في ديسمبر من عام 2021، جراء دعاوى رفعها تباعا مُدّعى عليهم، بينهم نواب حاليون ووزراء سابقون، ضدّ المحقق العدلي، بيطار.

ويُندّد ذوو الضحايا ومنظمات حقوقية بمحاولات عرقلة الوصول إلى العدالة في انفجار اعتُبر أحد أكبر الانفجارات غير النووية في العالم وتسبّب بمقتل 215 شخصا على الأقلّ وإصابة 6500 آخرين.

وقال مسؤول قضائي لوكالة فرانس برس إن بيطار "استأنف تحقيقاته في ملف المرفأ" وقرر إخلاء سبيل خمسة موقوفين منذ الانفجار، ومنعهم من السفر، بينهم عامل سوري ومسؤولان سابقان في المرفأ هما مدير الجمارك السابق، شفيق مرعي، ومدير العمليات السابق، سامي حسين.

ولا يزال هناك 12 شخصا آخر موقوفين.

كما قرر بيطار، بحسب المسؤول القضائي، الادّعاء على ثمانية أشخاص جدد بينهم سياسيون وقضاة ومسؤولان أمنيان رفيعان هما المدير العام للأمن العام، عباس إبراهيم، ومدير جهاز أمن الدولة، طوني صليبا.

وتربط إبراهيم علاقة جيدة بالقوى السياسية وخصوصا حزب الله، الذي يقود الحملة المطالبة بتنحية بيطار، كما يُعد صليبا مقربا من الرئيس السابق، ميشال عون، وفقا لفرانس برس. 

ولم يقدّم المسؤول القضائي أيّ تفاصيل حول أسباب الادّعاء كما لم يكشف عن الشخصيات الستّ الأخرى.

وحدّد بيطار، وفق المصدر ذاته، "مواعيد لاستجواب المدّعى عليهم الجدد وأرسل مذكرات لتبليغهم مواعيد الجلسات".

ومنذ البداية عزت السلطات اللبنانية الانفجار إلى تخزين كميات ضخمة من نيترات الأمونيوم داخل المرفأ من دون إجراءات وقاية، واندلاع حريق لم تُعرف أسبابه.

وتبين لاحقا أن مسؤولين على مستويات عدة كانوا على دراية بمخاطر تخزين المادة ولم يحركوا ساكنا.

وأوضح المسؤول القضائي أن "بيطار أجرى دراسة قانونية أفضت إلى اتخاذ قرار استئناف التحقيقات برغم الدعاوى المرفوعة ضده".

وكان بيطار ادعى قبل أكثر من عام على رئيس الحكومة السابق، حسان دياب، ووزراء سابقين بينهم وزيرا الأشغال السابقان، يوسف فنيانوس وغازي زعيتر، ووزير المالية السابق، علي حسن خليل. كما كان طلب استجواب كل من إبراهيم وصليبا. 

وغرق بعد ذلك في فوضى قضائية بعدما حاصرت عمل المحقق العدلي عشرات الدعاوى مطالبة بكف يده عن الملف. 

واصطدم بتدخلات سياسية حالت دون إتمام بيطار عمله، مع اعتراض قوى سياسية عدّة أبرزها حزب الله، اللاعب السياسي والعسكري الأبرز في لبنان، على عمله واتهامه بـ"تسييس" الملف، وصولاً إلى المطالبة بتنحّيه.

"مواجهة صعبة"

وردا على سؤال حول استئناف التحقيقات، قال المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله، حسين الخليل، الاثنين، لصحفيين إن "هذا الثوب القضائي الذي يفترض أن يكون أبيض اللون، للأسف تعرض للكثير من النقاط السوداء، أحدها ما جرى قضائيا في ملف المرفأ".

وفي أكتوبر من عام 2021، تظاهر مناصرون لحزب الله وحليفته حركة أمل التي ينتمي إليها الوزيران زعيتر وخليل، تخللتها أعمال شغب وعنف ثم إطلاق نار أوقع سبعة قتلى.

وشاركت جهات عدة في عرقلة التحقيق، إذ امتنع البرلمان السابق عن رفع الحصانة عن نواب شغلوا مناصب وزارية، وامتنع مسؤولون عن منح بيطار الإذن لاستجواب مسؤولين أمنيين تحت سلطتهم، وامتنعت قوى الأمن عن تنفيذ مذكرات التوقيف.

ويعكس مسار التحقيق في انفجار مرفأ بيروت ثقافة "الإفلات من العقاب" التي لطالما طبعت المشهد العام في بلد يحفل تاريخه باغتيالات وانفجارات وملفات فساد، نادرا ما تمت محاسبة المتورطين فيها.

وقال المحامي نزار صاغية، المدير التنفيذي للمفكرة القانونية وهي منظمة غير قانونية تُعنى بشرح القوانين، لفرانس برس إن "ما يحصل الآن هو أن هناك قاضيا يتحدى سياسة الإفلات من العقوبات".

وأوضح أن بيطار "أجرى مراجعة قانونية تخوّله استئناف التحقيق، ما سيُحدث جدلا قانونيا واسعا من دون شك، وستكون هناك تدخلات وضغط سياسي بالطبع"، مضيفا "لا شك أنه ستُستخدم ضده الآن وسائل سياسية وقانونية كثيرة لوقف عمله".

واعتبر صاغية أن "المواجهة ستكون صعبة".

"يخافون من الحقيقة"

ويأتي قرار بيطار استئناف تحقيقاته بعد نحو أسبوع على لقائه وفدا قضائيا فرنسيا خلال زيارة هدفت للاستفسار عن معلومات طلبها القضاء الفرنسي الذي يجري تحقيقاً في باريس بشأن مقتل وإصابة فرنسيين في الانفجار.

ويؤجج تعليق التحقيق والتدخلات السياسية المتكررة غضب أهالي الضحايا ومنظمات حقوقية تطالب الأمم المتحدة بإرسال بعثة تقصي حقائق مستقلة، أمام تعثر التحقيق المحلي.

وقالت تاتيانا حصروتي، التي فقدت والدها الموظف في إهراءات المرفأ، "نعيش مع مافيا، وكل من ادعى عليهم بيطار ينتمون إلى هذه المافيا".

وأضافت "حان الوقت لأن يستأنف القاضي بيطار عمله.. جميعهم متورطون ويخافون من الحقيقة"، معتبرة أن "جميعهم محصنون ولا أعتقد أنهم سيحضرون جلسات الاستجواب".

وينفذ أهالي الضحايا بين الحين والآخر وقفات واعتصامات تطالب باستئناف التحقيق، آخرها الأسبوع الماضي. 

وأوقفت القوى الأمنية قبل أكثر من أسبوع، وليام نون، الذي فقد شقيقه في الانفجار وهو أحد أبرز المتحدّثين باسم عائلات الضحايا.

وأوقف نون بسبب تصريحات أدلى بها عبر شاشات التلفزة خلال اعتصام، قال فيها إنهم قد يُقدمون على "تكسير" أو "تفجير" قصر العدل. وأُطلق سراحه لاحقا بعد اعتصام مفتوح نفذه العشرات من أهالي الضحايا.

حزب الله

في أقصى الجنوب اللبناني، حيث لا يبدو أن إعادة الإعمار قادرة على إعادة عقارب الدمار إلى الوراء، يبرز السؤال مرة أخرى: من يملك القرار في لبنان فعلا؟ الدولة، أم ميليشيا تعمل بالوكالة داخل الدولة؟

عاد هذا السؤال المزمن إلى الواجهة بعد تأكيد نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في 3 مايو، مرة أخرى،  رفض الحزب التخلي عن سلاحه لصالح سيادة الدولة.

 "سلاح المقاومة باق ولن يُسلَّم مهما اشتدت الضغوط،" قال قماطي. 

العبارة مألوفة، لكنها تتردد اليوم في لبنان المنهار اقتصاديا، المتعثر سياسيا، والمثقل بتبعات حرب لم يكن حزب الله قادرا على خوضها.

بالنسبة لكثير من اللبنانيين، الجواب بات واضحا. فالحرب الأخيرة مع إسرائيل كشفت حدود قدرة حزب الله العسكرية، وفشله في حماية لبنان من التدمير الواسع النطاق، بل فشله حتى في حماية قياداته. 

ورغم قبوله باتفاق وقف إطلاق النار، الذي اعتبره مراقبون بمثابة "استسلام"، يواصل الحزب تأويل بنود الاتفاق، مصرا على حصر تسليم السلاح في جنوب نهر الليطاني، والاحتفاظ بترسانته في شماله.

الدولة في مواجهة الميليشيا

إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه يتناقض بشكل صارخ مع خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، وقرارات دولية أبرزها القرار 1701، والتي تؤكد جميعها حصر السلاح بيد الدولة. ومع ذلك، يصر حزب الله على أن سلاحه لا يزال ضروريا لـ"الحماية والدفاع" رغم أن هذا السلاح نفسه يغرق لبنان أكثر فأكثر في صراعات إقليمية لا طاقة له بها.

"سلاح حزب الله لم يكن يوما لحماية لبنان"، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، "الهدف الأساس كان حماية المصالح الإيرانية في المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن".

وفي رأيه، فإن مواجهة حزب الله لإسرائيلي في السابق، لم تكن إلا وسيلة للحفاظ على نفوذ طهران، لا على السيادة اللبنانية. "لبنان لم يكن أولوية، بل جاءت سيطرة هذا السلاح على لبنان لتضعف الدولة والاقتصاد وتساهم في الانهيار المالي والسياسي الذي يعاني منه لبنان حتى اليوم"، كما قال في حديثه لـ"الحرة".

سلاح بلا مهمة

يصف الأمين تصريح قماطي بأنه "نوع من المكابرة". ويضيف: "إذا كان المقصود بالسلاح مواجهة إسرائيل، فسلاح حزب الله فشل فشلا ذريعا في حماية لبنان، بل في حماية قيادته والبيئة الحاضنة ووفر فرصة لإسرائيل لتدمير وتهجير عشرات القرى والبلدات الحدودية".

التناقض جلي: كيف يمكن لحزب أن يشارك في المؤسسات الدستورية للدولة بينما يحتفظ بميليشيا مسلحة خارجة عن سلطتها؟

أداة بيد طهران

من جانبه، يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن تمسك حزب الله بسلاحه يعكس تطورات تتجاوز حدود لبنان.

"يتبدّل خطاب الحزب تبعا لمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، والوضع في اليمن، ومصير سلاح الحوثيين"، يشرح الزغبي، "حتى تصريح قماطي الأخير جاء، بعد ثلاثة أسابيع من الصمت، بطلب إيراني على الأرجح، في إطار لعبة التفاوض الأوسع".

ويشير الزغبي إلى أن طهران تسعى لضبط إيقاع أذرعها: إيقاف ضربات ضد الأميركيين، الاستمرار في الضغط على إسرائيل، والمحافظة على ورقة السلاح للتفاوض.

درع مُكلف

ينتقد كثير من اللبنانيين سلاح الحزب باعتباره درعا جلب الخراب بدلا من الحماية. المحلل السياسي خالد ممتاز كتب على منصة أكس "لو كان سلاح حزب الله رادعا، لما تجرأت إسرائيل على استهداف قياداته، ولما بلغت خسائر لبنان 14 مليار دولار، ولا تدمرت مئات القرى بالكامل".

ويضيف: "سلاح الحزب له قيمة فقط في الداخل، لذلك نطالب بتفكيك المنظومة الأمنية المرتبطة به، لأن كواتم الصوت والمتفجرات قتلت خيرة الناس وساهمت في دمار الدولة وإفلاس البنوك ووصول الفاسدين إلى السلطة".

بين البقاء والاندثار

يعتقد الأمين أن الحزب يتمسك بسلاحه لأنه لا يستطيع الاستمرار من دونه. "نزع السلاح يعني تحوّله إلى حزب سياسي عادي، ما يفقده جزءا كبيرا من النفوذ القائم على المال والسلاح والتبعية الكاملة لإيران".

لكن هذا النفوذ يأتي بثمن داخلي متزايد. "حين يتحول السلاح إلى أداة لتخويف المجتمع وفرض القرار، يُغذي الطائفية ويزيد الانقسام"، يحذر الأمين.

ويدعو الحكومة إلى الحزم إذ "لا يجوز للدولة أن تتعايش مع ميليشيا. إما أن يلتزم الحزب بشرعية الدولة، أو أن يخرج منها. لا وجود لمنطقة وسطى".

وهم المقاومة

بحسب الزغبي، فقدت ذريعة المقاومة صلاحيتها بعد الهزيمة أمام إسرائيل. ويقول: "لم يعد بإمكان الحزب الادعاء بأن سلاحه يحمي لبنان، إذليس باستطاعته حتى حماية معاقله".

ويرى أن تذرّع الحزب بخطر التكفيريين وسوريا هو محاولة جديدة لتبرير بقاء السلاح، لكنه يضيف: "الحماية الحقيقية لا تأتي إلا من الدولة وشرعيتها".

ورغم ذلك، لا يتردد حزب الله في مطالبة الدولة بالحماية من الغارات الإسرائيلية، وبالدعم في إعادة الإعمار، بينما يُصر على التفرد بالسلاح. هذا التناقض يعمّق أزمة الشرعية والحكم في لبنان.

البُعد الدولي

تتجاوز تداعيات احتفاظ حزب الله بسلاحه حدود لبنان. فالدعم الدولي مشروط بسيادة الدولة الكاملة. أما إسرائيل، فتحذر من أنها قد تتصرف بمفردها إذا عجزت الدولة اللبانية عن ضبط الميليشيات.

بالنسبة للأمين، لم تعد مسألة السلاح داخلية فقط. فالحزب وافق على اتفاق وقف إطلاق النار. "تصريحاته اليوم تهدف لإشعال أزمة داخلية، لكنها لن تغيّر الموقف الدولي".

ويحذر من أن المماطلة ستزيد من كلفة نزع السلاح على اللبنانيين.

ويذهب الزغبي في الاتجاه ذاته: "ما دام الحزب مسلحا، سيبقى لبنان غير مستقر. السلاح يمنع قيام الدولة، ويُبقي الطوائف في حالة ترقب وقلق دائم من مواجهات جديدة".

ضرورة وطنية

في الذكرى السنوية لأحداث 7 أيار، كتب العميد المتقاعد بعرب صخر، الباحث في شؤون الأمن القومي: "يوم عار كشف الستار عن الوجه القبيح لحزب إيران في لبنان، وبين أن سلاحه ليس من أجل لبنان، بل على لبنان".

وأضاف في منشور على أكس: "اليوم المجيد هو اليوم القريب الذي ننزع فيه هذا السلاح، سلاح الدمار والغدر والاغتيال، والعبثية والتبعية لأعداء لبنان".

ويخلص الزغبي إلى القول إن على الدولة اللبنانية "حصر السلاح في يدها" وذلك "كي تنجح في تحقيق وعودها بالاستقرار والسيادة والإصلاح. فنزع السلاح غير الشرعي سواء كانت هويته لبنانية أو غير لبنانية هو الشرط الأول لنجاح الإصلاح واستجرار أموال المساعدات العربية والدولية المخصصة لإعادة الإعمار، وكذلك لاستعادة ثقة العرب والعالم وتشجيع السياحة وأموال الاستثمارات" في لبنان.