غياب نص قانوني يرصد التعامل مع الخلافات بين القضاة في لبنان
غياب نص قانوني يرصد التعامل مع الخلافات بين القضاة في لبنان

في يوم واحد وفي المكان نفسه، قصر عدل بيروت، شهد اللبنانيون سلسلة تطورات غير معهودة، بعضها يحصل للمرة الأولى في تاريخ البلاد، وبعضها الآخر بلغ مراحل "سوريالية"، وفق وصف المراقبين، لم تكن واردة الحصول أصلا، تنذر جميعها بأن البلاد وسلطاتها بلغت مرحلة خطيرة من الانهيار المستمر منذ أكثر من 3 سنوات، وتهدد بالفوضى العارمة.  

المشهد الخميس كان كالتالي: انقسام قضائي حاد واشتباك قانوني وكلامي بين قضاة، وسط ادعاءات متبادلة باغتصاب السلطة وفقدان الشرعية. فتح سجون عشوائي وإخلاء سبيل مشتبه بهم دون انتهاء التحقيقات. تخط للنصوص القانونية والصلاحيات واستغلال مناصب لفرض أمر واقع. مرافق وزير يعتدي بالضرب على نواب لبنانيين في الداخل، وفي الخارج المبنى مطوق بالمحتجين الغاضبين الذين يحاولون اقتحام المكان، فيما القوى الأمنية تعتقل محام وتضرب ناشطين.  

المحتجون أمام قصر العدل في بيروت
لبنان.. احتجاجات غاضبة رفضا لمحاولات عرقلة التحقيق في انفجار مرفأ بيروت
اقتحم عدد من أهالي ضحايا تفجير مرفأ بيروت مبنى وزارة العدل، الخميس، في وقت قطع فيه عدد آخر الطريق أمام قصر العدل في بيروت، احتجاجا على محاولات عرقلة التحقيقات في ملف تفجير المرفأ، وفقا لما أفادت به مراسلة "الحرة".

في التفاصيل، فقد استفاق اللبنانيون على تصعيد في الاشتباك القضائي القائم بين مدعي عام التمييز القاضي غسان عويدات وقاضي التحقيق في قضية انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، وذلك على خلفية اجتهاد قانوني قام به البيطار يسمح له بمتابعة التحقيقات في القضية بعد توقفها لأكثر من عام بسبب عشرات دعاوى كف اليد التي تطالب بعزله عن الملف، أقامها عدد من المتهمين المحسوبين على جهات سياسية نافذة، تطالب بدورها بتنحية البيطار وتتهمه بـ "تسييس التحقيق"، على رأسها "حزب الله" وحلفاؤه.  

من بين الإجراءات التي استأنفها البيطار، كان قرار إخلاء سبيل 5 موقوفين على ذمة التحقيق في القضية والادعاء على 8 آخرين بينهم قادة أمنيين وقضاة، أبرزهم المدعي العام التمييزي، غسان عويدات، باعتبار أنه القاضي الذي تابع قضية تخزين نيترات الأمونيوم في مرفآ بيروت وأمر بإجراء عمليات التلحيم، التي قد تكون المسبب للانفجار.    

عويدات تابع اجراءاته التي كان قد بدأها قبل يومين، ردا على قرار البيطار، حيث رفض الاعتراف بها وأحاله إلى التفتيش القضائي، وأصدر قرارا طلب فيه "عدم تسلم أي قرار، أو تكليف أو تبليغ أو استنابة أو كتاب أو إحالة أو مذكرة مراسلة أو أي مستند من أي نوع صادر عن المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت القاضي، طارق البيطار، لكونه مكفوف اليد وغير ذي صفة".  

وكان عويدات قد ادعى قبل يومين على بيطار بتهمة "التمرد على القضاء واغتصاب السلطة"، وأصدر بحقه قرار منع سفر، كما منع الضابطة العدلية من تنفيذ إشاراته القضائية، وأخلى سبيل كافة الموقوفين على ذمة التحقيق في قضية انفجار مرفأ بيروت، الأمر الذي بات يهدد بتطيير ملف التحقيق برمته، وفق ما يحذر قانونيون. 

تنفيذ الأجهزة الأمنية لأوامر النائب العام التمييزي اعتبرها المحقق العدلي "بمثابة انقلاب على القانون"، مؤكدا أن "المحقق العدلي وحده من يملك حق إصدار قرارات إخلاء السبيل في القضية، وبالتالي لا قيمة قانونية لقرار المدعي العام التمييزي."

وأعلن البيطار في تصريحات صحفية أنه لن يمثل أمام عويدات، واصفا كل القرارات التي صدرت عنه بالـ "مخالفة للقانون". 

وشدد على استمراره بعمله في ملف انفجار المرفأ وسعيه لتطبيق القانون، مؤكداً أنه "ماضٍ في إجراءاته وبعقد جلسات التحقيق لاستجواب المدعى عليهم في المواعيد المحددة." 

انقلاب على القانون  

وأثار قرار عويدات بإخلاء سبيل كافة الموقوفين في القضية، صدمة وغضبا لدى أهالي الضحايا، الذين نظموا وقفة احتجاجية حاشدة أمام قصر عدل بيروت، مواكبة للتطورات، طالبوا خلالها عويدات بالاستقالة، ومجلس القضاء الأعلى بالتدخل لوقف ما يحصل وإنقاذ التحقيقات.  

واعتبر الأهالي في بيان لهم أن ما حصل هو انقلاب قامت به "السلطة بكافة أشكالها، على القانون وعلى التحقيق". مشددين على "دعم مسار التحقيق الذي استأنفه المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، قافزا فوق التعطيل السياسي التعسفي للتحقيق في إحدى أكبر الجرائم في حق الانسانية بالتاريخ الحديث." 

من جهته أصدر ائتلاف استقلال القضاء، الذي يضم مجموعة كبيرة من القانونيين والمحامين والناشطين الحقوقيين، ندد بقرارات عويدات، واعتبر ما حصل "انقلابا حقيقيا على الشرعية القانونية والقضائية، محذرا من أي مسّ بسلامة المحقق العدلي طارق بيطار أو كرامته، أو أي عبث في ملف التحقيق والأدلة المتوفرة فيه، داعيا إلى إقالة فورية للنائب العام التمييزي "بعدما بات يشكل تهديدا حقيقيا على النظام العام والسلامة العامة".  

وكان لافت أيضا، الموقف الصادر عن نادي قضاة لبنان في هذا الشأن، حيث أصدر بيانا قال فيه إن "دولة الحق والقانون طعنت في الصميم، وها هي تستنجد وتقول: من بيت أبي ضربت."

وأضاف البيان أن التحقيق في قضية انفجار المرفأ يفضح من جديد "تدخل السياسة في القضاء الأمر الذي بات يهدد كيان العدالة ويطعن في كرامة كل قاضٍ نزيه، من خلال تحميله وزر قرارات قضائية تفتقر لأدنى مقومات الشرعية." 

ودعا "كل مَن ارتضى أن لا يتصرف كقاضٍ ورهن نفسه لخدمة السلطة السياسية واللاعدالة أن يبادر إلى الاستقالة تمهيدا إلى المحاسبة والمساءلة، لأنه لم يعد يشبهنا وساهم في ضرب هيبة القضاء ودولة القانون والمؤسسات، وذلك من أجل تمكين باقي القضاة من النظر إلى المتقاضين بعين القانون والعدالة، كل في محكمته وضمن حدود اختصاصه."  

"لا مجال للمقارنة" 

نادي القضاة اعتبر أن قرار المحقق العدلي، "مهما كانت الملاحظات القانونية عليه والتي يمكن معالجتها وفق الأصول، لا يبرر ردة الفعل التي تبعته والتي جاءت للأسف خارجة عن الضوابط والأصول بشكل صارخ يهدم أساسات العدالة والقانون". 

في هذا الإطار ترى مسؤولة قسم التقاضي الاستراتيجي في "المفكرة القانونية"، المحامية غيدا فرنجية، أنه "لا يمكن بأي شكل من الأشكال، المساواة بين القرارات التي اتخذها القاضيان بيطار وعويدات." 

فالقاضي بيطار، بحسب فرنجية، قدم اجتهاد وتفسير جديد للقانون محكوما بحالة الضرورة، بكون التحقيق في انفجار مرفأ بيروت متوقف منذ نحو عام وكل الجهات المعنية التي يمكنها اتخاذ إجراءات من أجل استكمال التحقيق، تخلت عن مسؤولياتها، "فلا مجلس النواب عدل القانون ولا الحكومة عينت هيئة عامة لمحكمة التمييز، ولا النيابة العامة التميزية ولا وزير العدل ولا أي جهة اتخذت أي خطوة للمساهمة في عودة التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، وبالتالي المسؤولية باتت ملقاة كاملة على عاتق البيطار لضمان عودة التحقيق." 

هذا الاجتهاد، بالنسبة للمحامية اللبنانية، "خاضع للنقد والنقاش والأخذ والرد، لا مشكلة في ذلك بكونه قدم تفسيرا قانونيا ضمن الصلاحيات القانونية المعطاة له. ولكن ما قام به القاضي عويدات كليا مخالف للقانون، ولا يحتاج خبراء قانونيين أو شهادات في القانون لتبيان ذلك."

وتضيف "فهو بالأصل (عويدات) متنحٍ بإرادته عن الملف منذ العام 2020، وملزم بذلك وفق القانون، بسبب تضارب المصالح، بكون الوزير السابق غازي زعيتر، المتهم بدوره في القضية، على صلة قرابة (مصاهرة) مع القاضي عويدات."  

ثانيا، تذكر فرنجية أن عويدات نفسه أيضا متهم بالملف، "فالقاضي بيطار ادعى عليه بكون كان يحقق في قضية النيترات المخزنة في المرفأ وعلى علم بها قبل الانفجار، ولم يتخذ الإجراءات الكافية لضمان السلامة العامة، حتى أمر التلحيم الذي سبق الانفجار صدر عن عويدات، وبالتالي هو مشتبه به من الأساس في الملف."  

وتسأل في هذا السياق: بأي منطق يحق لهذا القاضي المشتبه به والمدعى عليه ولديه تضارب مصالح، إخلاء سبيل كافة المدعى عليهم في هذا الملف؟ حسب القانون هذه الصلاحية تعود للقاضي بيطار حصرا، ولا يملكها عويدات، وبالتالي فقد تجاوز صلاحياته كليا وتعدى على صلاحيات القاضي بيطار."  

من ناحيته، يتفق القاضي اللبناني السابق غسان رباح، مع تساؤلات فرنجية، إذ يسأل بدوره، كيف يخلي القاضي عويدات سبيل موقوفين، هو لم يحقق معهم ولم يستمع إليهم ولا هو مطلع على الملف من أصله؟ بأي حق وعلى أي أساس يخلي سبيل متهمين؟ لا مبرر أبدا لهذا التصرف، وإن كان الأمر تحركه الكيديات السياسية، فهذا غير مقبول أيضا في القانون الجزائي الذي يجب أن يطبق حتى بعلله، فالنص ملزم وهو لم يعط مدعي عام التمييز أيا كان هذه الصلاحية."  

يصف رباح ما قام به عويدات بـ "خطأ قانوني واضح لا لبس فيه، بكونه تنحى عن الملف سابقا وبالتالي تنازل عن التدخل، والقانون ليس وجهة خاصة في الأمور الجزائية، التي عملت في قضاياها لـ 30 عاما من أصل 40 في الخدمة القضائية، لا يمكن له أن يتنحى ساعة يريد ويعود عن تنحيه ساعة يريد، خاصة بوجود صلة قرابة مع أحد المتهمين، بغض النظر عن كونه أصبح مدعى عليه هو أيضا في الملف."   

تعود فرنجية في مقارنتها القانونية لخطوات القاضيين، لترى أن "ادعاء عويدات على المحقق العدلي بالتأكيد مخالف للأصول القانونية، إذ لا يستطيع الادعاء على القاضي المدعي عليه أصلا. أما بالنسبة إلى البيطار، فقد اعتبر بتفسيره القانوني الذي قدمه، أنه قادر على ملاحقة القضاة والعسكريين والأمنيين والسياسيين والموظفين، دون الحاجة للحصول على إذن بالملاحقة من أحد، وهذا تفسير أعطاه للنص القانوني من أجل تسيير التحقيق المعطل."  

يذكر أنه وعلى مدى عمر التحقيق، قامت جهات سياسية عدة بعرقلة مجرياته، ممتنعة عن تقديم أذونات ملاحقة للبيطار لمتابعة عمله، حيث امتنع مجلس النواب السابق عن رفع الحصانة عن نواب شغلوا مناصب وزارية ملاحقين في القضية، (غازي زعيتر، علي حسن خليل، يوسف فنيانوس ونهاد المشنوق)، كما امتنع مسؤولون عن منح البيطار الإذن لاستجواب أمنيين تحت سلطتهم، فيما امتنعت قوى الأمن والضابطة العدلية عن تنفيذ مذكرات التوقيف التي أصدرها بحق نافذين.  

استنسابية الضابطة العدلية 

واتسم أداء قوى الأمن والضابطة العدلية اللبنانية في الأيام الماضية بالاستنسابية، وفق وصف القانونيين، حيث عمدت إلى تنفيذ كافة إشارات النيابة العامة التمييزية، مقابل تجاهل كامل لقرارات قاضي التحقيق، الأمر الذي اعتبر انحيازاً لعويدات واصطفافا معه.  

وفي هذا السياق يؤكد رباح أنه "من الخطأ الكبير" أن يكون للضابطة العدلية موقف سياسي أو أن تصطف إلى جانب أحد الأطراف في هذا النزاع القضائي القائم، "وإنما عليها فقط تطبيق القانون بنصوصه، وبالتالي تتبلغ من النيابة العامة التمييزية قرار القاضي بيطار وتنفذه." 

ويشرح القاضي اللبناني أن القانون لا يسمح لعويدات أن يمنع الضابطة العدلية عن تنفيذ الإشارة القضائية للقاضي البيطار، فالبيطار بالقانون وحده سيد ملفه، هو من يتابعه وهو يقدر الإجراءات، وليس مدعي عام التمييز، لذلك الضابطة العدلية يجب أن تنفذ واجباتها من النص القانوني، وليس من الإجراءات، وبالتالي وفي حال قيام أي تحقيق ومحاسبة بكل ما جرى، ستكون الضابطة مسؤولة ومساءلة عن عدم تنفيذها للقانون."  

تشدد فرنجية في السياق نفسه على تحميل الضابطة العدلية مسؤولية تنفيذ قرار غير قانوني، وتلفت إلى أن القرار الذي وصل للقوي الأمنية من عويدات، بإخلاء سبيل جميع الموقوفين، "وصلهم عام جدا لا يحمل حتى أسماء الموقوفين المراد إخلاء سبيلهم، وهذا ما لم يسبق أن حصل إذ تخلي الضابطة العدلية سراح أحد دون أن يكون اسمه وارد في القرار، وعلى هذا الأمر اعتبرنا أن قوى الأمن من بين القوى المعادية للتحقيق في أدائها."  

في المقابل يعارض مدعي عام التمييز السابق، القاضي حاتم ماضي، تحميل الضابطة العدلية مسؤولية فيما يحصل، إذ يشير إلى أن مدعي عام التمييز هو في القانون رئيس الضابطة العدلية، التي تنفذ أوامره حتى ولو كانت خاطئة، فيتحمل هو مسؤوليتها وليس الضابطة العدلية التي عليها مهمة التنفيذ فقط."  

أخطاء من الطرفين 

وفي حديثه لموقع "الحرة" يعتبر ماضي أن كل من المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار ومدعي عام التمييز القاضي غسان عويدات "ارتكبا أخطاء في معالجة الملف." 

بالنسبة إلى القاضي عويدات، بحسب ماضي، فإنه متنح عن الدعوى وبالتالي "لا يحق له قانونه أن يعود ويفتح الملف، ثانيا لا يحق له إطلاق سراح موقوفين لم يكن هو الذي أوقفهم، إذ يحق فقط للقاضي بيطار إطلاق سراحهم. كذلك لا يحق له إصدار قرار منع سفر بحق القاضي بيطار."  

وأوضح ماضي، أن خطأ البيطار يتمثل بكونه اتخذ قرارات قضائية بطريقة مفاجئة، في حين أن يده مكفوفة عن التحقيق في الملف، بينما التفسير والاجتهاد القانوني الذي قدمه لهذه الناحية لا ينفع لتشريع خطواته، كذلك الأمر بالنسبة إلى ادعائه على القاضي عويدات، دون مراعاة للإجراءات والأصول القانونية المعتمدة في هذه الحالة، إذ يتطلب ذلك إذن من الحكومة اللبنانية وله آلية قانونية معقدة جدا، ولم يسبق أن حصلت في لبنان."  

وفي سياق تعليقه على خطوات البيطار، يسأل رباح عن مصدر الفتاوى القانونية التي اعتمدها المحقق العدلي، ويضيف: يمكن أن يكون على حق ويمكن أن يكون على خطأ، ولكن التساؤل الشرعي الذي يجب أن يطرح، هل الوفد القضائي الأوروبي الذي زار لبنان في الأيام الماضية، أعطاه هذه الفتوى؟ لاسيما وأنه منذ عامين يتلقى بصدره دعاوى رده والمواقف السياسية التي تطالب بتنحيته، لماذا حين توقف الملف لم يقل ذلك وانتظر عاما كاملا؟"  

من جانبها تشرح فرنجية أن القاضي بيطار باجتهاده يقول إن "المحقق العدلي يمثل مؤسسة خاصة، القانون لم يشرح سبل ردها"، وترى أنه وعلى مدى السنة الماضية، أعطى البيطار مجالا لحل المعضلة من أجل متابعة التحقيق، "ولكن حين وصلت الأمور إلى التعطيل دون وجود أي نية لإعادة التحقيق، عاد إلى القانون، واعتبر أنه ما من نص يتحدث عن كف يد المحقق العدلي وبالتالي اعتبر أن يده غير مكفوفة في الملف."  

وتلفت إلي أنه في النهاية "يجب النظر إلى الهدف النهائي من التفسيرات والاجتهادات، تفسيرات البيطار اليوم تهدف إلى العودة لتسيير التحقيق بدل عرقلة العدالة، وفي النهاية البيطار حين سيصدر قراره الاتهامي، سيذهب به إلى المجلس العدلي الذي يحسم ما إذا كان البيطار قد راعى الإجراءات القانونية أم لا، وبالتالي كان يجب انتظار القرار الاتهامي، وهذا ما لا تريده القوى السياسية المتضررة من التحقيق والتي لا تريد للبيطار إصدار قراره الاتهامي أصلا."  

"سوريالية" غير مسبوقة 

تصف فرنجية الواقع القضائي في لبنان اليوم بأنه "حالة خارجة عن المألوف"، وبالتالي لا يمكن لأحد توقع مسار الأمور أو تحليلها، "بكوننا أصبحنا خارج مفاهيم العدالة بعد ما فعله القاضي عويدات"، على حد تعبيرها.  

وتشير المحامية اللبنانية إلى عدم وجود أي نص قانوني يرصد التعامل مع هذا النوع من الخلافات بين القضاة في لبنان، معتبرة أن "الوضع الذي نعيشه اليوم سوريالي وإذا ما أردنا العودة للقوانين الدولية، ففي فرنسا مثلا، لا تتوقف التحقيقات في حال طلب رد القاضي، حيث عالجوا هذه المشكلة لمنع المدعى عليهم من التعسف في استخدام حقوق الدفاع، والقاضي بيطار ذكر ذلك في دراسته، حيث قال إنه لا يتحدث عن قاض عادي وقضية عادية وإنما عن محقق خاص يحقق في قضية خطيرة لا تنطبق عليه قواعد القضاة العاديين الذين ينظرون في القضايا العادية."  

وقد تجلت هذه "السوريالية" في قرار منع سفر البيطار، الذي اتخذه عويدات وهو مدعى عليه، وطلب تنفيذه من مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم، المدعى عليه بدوره من قبل القاضي بيطار في قضية انفجار المرفأ، حيث حدد له جلسة استجواب في فبراير المقبل، وعليه يكون متهمان في القضية يلاحقان قاضي التحقيق بها.  

يؤكد رباح أيضا على أنه لم يحصل في تاريخ القضاء اللبناني أن يواجه بعضه البعض بهذه الطريقة، "وبالتالي ليس هناك نصوص قانونية لحسم هذا النوع من الخلاف القضائي وليس هناك حتى اجتهادات على هذا الصعيد لا في بريطانيا ولا في فرنسا."  

كذلك من ناحية ماضي، الذي يلفت إلى أن هذه السابقة تحصل للمرة الأولى في القضاء اللبناني، "لذا فهي لا تزال معقدة بتفاصيلها وتحتاج دراسة قانونية معمقة لتبيان العمل القانوني في هذه الحالة، حيث أن المشرع نفسه، لم يكن يتصور أن تصل الأمور إلى هذا المكان، وإلا كان قد أوجد حلا لها بالقانون."  

انقسام في "القضاء الأعلى"  

بعد كل ما جرى تشخص أنظار اللبنانيين إلى مجلس القضاء الأعلى، والخطوات التي قد يتخذها في هذا السياق، بكونه السلطة المستقلة التي ترعى العمل القضائي في لبنان، إلا أن المجلس فشل بالاجتماع، الخميس، "بسبب الأوضاع الأمنية غير المناسبة" وفق ما نقل عنه، فيما ينتظر تحديد موعد آخر للاجتماع من أجل محاولة حل المعضلة القضائية القائمة.  

بالنسبة إلى ماضي، لا يملك مجلس القضاء الأعلى مفتاح الحل اليوم، فالمشكلة بالنسبة له سياسية وليست قضائية، ويعبر عن خشيته من أنه وبناء على ذلك، قد يطوى ملف التحقيق في انفجار المرفأ وتكون هذه نهايته.  

في المقابل تذكر فرنجية أن لمجلس القضاء الأعلى صلاحية إحالة قاض على التفتيش القضائي، وبإمكان مجلس الوزراء أيضا إقالة عويدات بمرسوم، "وبالتالي هناك إجراءات يجب اتخاذها بحق عويدات ولم تتخذ حتى الآن من أي جهة، بسبب التوافق السياسي على ما يجري، والذي ظهر بإطلاق عويدات لكافة الموقوفين المحسوبين على كافة الأطراف السياسية المعادية للتحقيق، والتي تظهر اليوم سعيدة جدا بما قام به رغم مخالفته للقانون."  

ولكن المشكلة الحقيقية، وفق رباح، أنه خلف الاشتباك الواضح للعيان بين عويدات والبيطار، اشتباك أكبر بين الجهات السياسية والقضائية التي تصطف خلف كل قاض وفق مصالحها.

وفي هذا السياق لا ينكر مصدر مسؤول في مجلس القضاء الأعلى هذا الواقع الذي يصفه بـ "الدقيق جدا"، حيث يلفت في حديثه لموقع "الحرة" إلى أن مجلس القضاء الأعلى "ليس لديه رأي واحد مما يجري، هناك انقسام بين أعضائه في مقاربتهم، ويجري نقاش قانوني حول كل ما يجري."  

ويضيف المصدر الذي فضل عدم الكشف عن هويته بكونه يحتاج لإذن رسمي بالتصريح، أن "هناك نية جدية لدى مجلس القضاء الأعلى بحسم هذه القضية وإنهاء هذا الصراع القضائي ولا أحد يتمنى في البلاد وخاصة في مجلس القضاء الأعلى أن تبقى الأمور على هذا النحو." 

ويكشف أنه "كان هناك محاولة الخميس، لحصول اجتماع حول هذا الموضوع إلا أنه لم يتم، ولكن نية الاجتماع للمعالجة موجودة".  

المصدر يلفت إلى أن دور مجلس القضاء الأعلى "توفيقي ومعنوي بكونه أب المؤسسة القضائية وعلى رأسها، ولكن ليس لديه دور قانوني لوقف ما يجري، هناك إجراءات يمكن أن يتخذها قد تساهم في حل المشكلة ضمن صلاحياته، ولكنه في النهاية بالقانون لا يستطيع أن يلزم أي من القاضيين بإجراء معين." 

ويختم المصدر مؤكدا أنه "لم يعد هناك جهة قانونية واحدة قادرة على حسم كل هذا الجدل القانوني القائم، هناك أمور اليوم تتخطى الوضع الطبيعي والأطر القانونية، وبالتالي هناك دور للتفتيش القضائي وهناك دور لمجلس الوزراء وهناك دور لمجلس القضاء الأعلى، وهناك دور لوزارة العدل، والحل يتم بالتعاون بين كل هذه الجهات."  

جنوب لبنان

عادت إلى الواجهة خلال الأيام القليلة الماضية، مشاهد اعتراض دوريات قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل"، إثر سلسلة حوادث في بلدات جنوبية عدة، حيث عرقل سكان مرور الدوريات، وأطلقوا هتافات رافضة لتحركاتها من دون مرافقة الجيش اللبناني.

"هل تعكس  تلك الأحداث احتجاجات عفوية أم تعبئة موجّهة؟"، سؤال تداوله كثيرون، لا سيما في ظل اتهامات متكررة لحزب الله بتحريض الأهالي ضد تحركات القوة الدولية.

وتداول ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة تظهر احتجاجات في بلدات، أبرزها، عند مفرق بلدة العباسية، وفي بلدات قانا، صديقين، بنت جبيل وطيردبا.

ورغم أن الاعتراضات ليست جديدة، فإن تصاعد وتيرتها في الآونة الأخيرة يثير مخاوف من فرض أمر واقع جديد، يُضعف قدرات  اليونيفيل على تنفيذ المهام الموكلة إليها بموجب التفويض الدولي.

تكتيك سياسي أم اعتراض شعبي؟

ما يشهده جنوب لبنان "لا يعكس رفضاً شعبياً حقيقياً"، بل يأتي، وفق الكاتب، المحلل السياسي الدكتور مكرم رباح، في سياق "تكتيكات تعتمدها مختلف الأحزاب المحلية، وفي مقدّمها حزب الله، في محاولة لفرض سلطتها على حساب الشرعية الدولية".

وتهدف هذه التحركات ضد "اليونيفيل"، يقول رباح لموقع "الحرة"، إلى إيصال رسالة "مفادها أن هذه القوات متآمرة على الجنوب، وهو خطاب يتقاطع بشكل لافت مع الرواية الإسرائيلية التي تتهم اليونيفيل بالتواطؤ مع حزب الله".

في المقابل، يشير الخبير الاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، إلى أن "القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عقب حرب يوليو 2006 ألزم قوات اليونيفيل بمنع أي نشاط عسكري لحزب الله أو غيره جنوب نهر الليطاني، إلا أن هذه القوات لم تقم بالدور المطلوب منها خلال ما يُعرف بـ'حرب الإسناد'، إذ وُجهت إليها انتقادات عديدة لغياب دورها في منع إطلاق النار من الأراضي اللبنانية، أو منع اجتياح الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان".

ويتابع ملاعب في حديث مع موقع "الحرة" قوله: "صحيح أن المهام القتالية تقع على عاتق الجيش اللبناني، لكن وجود اليونيفيل يستند إلى تفويض دولي يمنحها صفة قوات حفظ سلام، ما يفرض عليها مسؤوليات تتجاوز المراقبة وتسجيل الخروقات، لتشمل المساهمة الفعلية في حفظ الاستقرار ومنع التصعيد".

ويلفت ملاعب إلى أن "التساؤلات التي يطرحها أهالي الجنوب حول جدوى وجود اليونيفيل ليست جديدة، بل تعود إلى ما قبل التصعيد الأخير".

وأوضح أن "الاعتراض على تحرك دوريات اليونيفيل بشكل منفرد ومن دون تنسيق مع الجيش اللبناني ليس أمراً طارئاً، بل كان قائماً قبل الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، والتي أدت إلى سقوط ما لا يقل عن 50 قتيلا في كل بلدة جنوبية، فكيف الحال اليوم، بعد كل الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها الأهالي؟".

ويقول ملاعب إن "تحرك اليونيفيل خارج التنسيق مع الجيش اللبناني يُعد خرقاً للإطار الذي حدده لها القرار 1701".

خلفية تاريخية

يعود وجود قوات اليونيفيل في لبنان إلى عام 1978 وذلك بعد الاجتياح الإسرائيلي وسيطرته على جنوب البلاد، حين قدمت الحكومة اللبنانية احتجاجاً إلى مجلس الأمن ليتبنى بعدها القرارين 425 و426 اللذين يدعوان إسرائيل إلى وقف أعمالها العسكرية وسحب قواتها من جميع الأراضي اللبنانية.

وبعد انسحاب إسرائيل من لبنان في عام 2000. وفي غياب حدود متفق عليها، حددت الأمم المتحدة خط انسحاب بطول 120 كيلومترا يعرف باسم الخط الأزرق. تقوم اليونيفيل بمراقبته وتسيير دوريات على طوله.

وفي أعقاب حرب يوليو 2006، عزز مجلس الأمن بعثة اليونيفيل بالقرار 1701 الذي وسّع ولايتها الأصلية لتشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية. كما كلف حفظة السلام التابعين لليونيفيل بمرافقة ودعم القوات المسلحة اللبنانية أثناء انتشارها في جميع أنحاء جنوب لبنان.

وبحسب الأمم المتحدة "تؤدي قوات حفظ السلام، دوراً مهما في المساعدة على تجنب التصعيد غير المقصود وسوء التفاهم بين إسرائيل ولبنان من خلال آلية الاتصال التابعة للبعثة. وتقوم بدوريات في جنوب لبنان لمراقبة ما يحدث على الأرض بشكل محايد والإبلاغ عن انتهاكات القرار 1701".

كما "تدعم قوات حفظ السلام الجيش اللبناني من خلال التدريب، للمساعدة في تعزيز انتشاره في جنوب لبنان حتى يتمكن في نهاية المطاف من تولي المهام الأمنية التي تؤديها حاليا قوات حفظ السلام".

وفي أغسطس الماضي، وافق مجلس الأمن الدولي بالإجماع، على تجديد مهمة اليونيفيل لعام آخر، في خطوة اعتبرها رئيس الحكومة اللبنانية السابق، نجيب ميقاتي، ضرورية للحفاظ على الاستقرار في جنوب البلاد.

وأعرب ميقاتي، حينها في بيان، عن امتنان لبنان العميق لأعضاء مجلس الأمن على جهودهم الدؤوبة في تجديد ولاية اليونيفيل، وشكر الولايات المتحدة على " تفهمها الخصوصية اللبنانية التي لم تدخر جهداً في سبيل الحفاظ على مهام اليونيفيل، لا سيما في هذا الظرف الدقيق".

مستقبل على المحك؟

عقب اعتراض دورية تابعة لجنود حفظ السلام قرب بلدة طيردبا في قضاء صور، جنوبي لبنان، في 25 أبريل، أعلنت نائبة الناطق باسم قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، كانديس آرديل، أن جنود حفظ السلام كانوا ينفذون دورية دعماً لتطبيق القرار 1701، وقد اعترضهم أشخاص يرتدون ملابس مدنية مرتين.

وأضافت آرديل في بيان "سلك الجنود طريقاً بديلاً وتعرّضوا للملاحقة لبعض الوقت، لكنهم تمكنوا من مواصلة الدورية كما كان مخططاً لها. وقد أبلغنا الجيش اللبناني بالحادثة".

وشددت على أن "قوات حفظ السلام تعمل بالتنسيق الوثيق مع الجيش اللبناني، دعماً للحكومة اللبنانية في تنفيذ القرار 1701، لا سيما في هذه المرحلة الحساسة". وحذّرت من أن "أي محاولة للتدخل في مهام قوات حفظ السلام تعد انتهاكاً لالتزامات لبنان بموجب القرار 1701".

وجاء هذا الحادث بعد يوم واحد من لقاء جمع رئيس بعثة اليونيفيل وقائدها العام، الجنرال أرولدو لاثارو، برئيس الجمهورية اللبنانية، العماد جوزاف عون، في بيروت، وجرى البحث في الوضع جنوبي البلاد، وسبل توجيه جهود البعثة بما يتناسب مع التحديات والفرص الحالية لدعم تنفيذ القرار 1701.

ولا تقتصر التحديات التي تواجهها "اليونيفيل" على مناطق انتشارها في الجنوب. ففي فبراير الماضي، تعرضت قافلة تابعة لليونيفيل لهجوم عنيف خارج نطاق عملها الميداني أثناء توجهها إلى مطار رفيق الحريري الدولي. وبحسب بيان صادر عن البعثة، أضرمت النيران في إحدى مركبات القافلة خلال الاعتداء، ما أسفر عن إصابة نائب قائد القوة الذي كان في طريقه لمغادرة لبنان بعد انتهاء مهمته.

ويحذر رباح من أن "حزب الله يستخدم كل الوسائل الممكنة لتأليب الشارع ضد اليونيفيل، رغم استفادته من وجودها سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي في الجنوب". ويرى أن "هذه الحملات قد تمهد الطريق لعدم تجديد ولاية البعثة في الصيف المقبل، خصوصاً في ظل توفر مبررات واضحة للإدارة الأميركية وإسرائيل للمطالبة بإنهاء هذا الوجود الأممي".

من جهته، يشير ملاعب إلى أن "إسرائيل سعت، منذ ما قبل عام 2023، إلى تعديل تفويض اليونيفيل ليشمل مهام ذات طابع قتالي، إلا أن هذا التوجه قوبل برفض فرنسي مستمر، خشية تحول البعثة إلى طرف في النزاع، ما قد يهدد سلامة عناصرها ويقوّض دورها".

ويضيف ملاعب أنه "بعد السابع من أكتوبر، تحوّلت المواقف الإسرائيلية إلى دعوات صريحة لإنهاء مهمة اليونيفيل واستبدالها بقوة متعددة الجنسيات ذات طبيعة مختلفة"، ولفت إلى أن "التطورات الأخيرة تشير إلى أن تجديد مهمة البعثة هذه المرة لن يكون بالسهولة التي جرت بها في السنوات السابقة".