الوزارة لحظت نوعين من الغش في الألبان والأجبان
الوزارة لحظت نوعين من الغش في الألبان والأجبان | الصورة تعبيرية

عادت السلامة الغذائية لتتصدر اهتمامات اللبنانيين خلال اليومين الماضيين، رغم كل ما تمر به البلاد من انتكاسات وأزمات، وذلك بعد توالي تقارير تحذر وتوثق الغش السائد في الأسواق، لاسيما في القطاعات الغذائية، وقطاع الألبان والأجبان على وجه الخصوص.

جفصين، كلس، نشاء، زيوت نباتية مضرة، كلها مواد باتت تدخل في غش الألبان، التي تمثل وجبة رئيسية على سفرة اللبنانيين، لاسيما طبق اللبنة، حيث كان أبرز المستهدفين بتلك العمليات، بعد الارتفاع الكبير في سعرها، ما جعل الباحثين عن التوفير هدفا سهلاً لـ"تجار الأزمات" وفق ما يصفهم مدير عام وزارة الاقتصاد، محمد أبو حيدر.

أبو حيدر يؤكد، في حديثه لموقع "الحرة"، أن ما يجري اليوم في الأسواق اللبنانية "سببه التفلت لدى بعض تجار الأزمات، الذين يحاولون تحصيل أكبر حجم ممكن من الأرباح المادية، وإن كانت على حساب صحة المواطن اللبناني، وهذا ما لاحظناه مؤخراً خلال حملة المداهمات التي قمنا بها".

وعلى إثر هذه المداهمات، أعلن وزير الاقتصاد والتجارة في لبنان، أمين سلام، عن قرار قضى بـ"تعليق التداول وسحب وتلف 9 أصناف وعلامات تجارية من اللبن واللبنة لعدم مطابقتها المواصفات القياسية اللبنانية، وذلك في إطار عمل الوزارة الرقابي المتواصل لحماية المستهلك، وحفاظاً على الأمن الغذائي وصحة اللبنانيين والمقيمين".

وفرضت الوزارة على المعامل المصنّعة لهذه العلامات، سحب منتجاتها من الأسواق اللبنانية خلال 3 أيام تمهيداً لتلفها تحت طائلة الملاحقة القانونية. كما أرفق الوزير قراره بلائحة إسمية بالمصانع المخالفة وأماكن تواجدها وإنتاجها، وهو ما يهدف إلى تنبيه الناس، وفق أبو حيدر الذي يشدد على أن الوزارة ستستكمل جولتها في الفترة المقبلة، "بكون صحة الناس لا تقف عند أي اعتبار أو خط أحمر".

ويروي أبو حيدر أن الوزارة لحظت نوعين من الغش في الألبان والأجبان، "بهدف الربح المادي من خلال زيادة النشاء إلى اللبنة، وتقديمها بمسمى لبنة، وليس محضر غذائي، في حين أنه ممنوع أن يكون هناك نشاء في اللبنة، والهدف من ذلك مضاعفة الوزن فإذا ما كان في العلبة 200 غرام من اللبنة، يرتفع وزنها إلى نصف كيلو بعد إضافة النشاء والمياه".

أكثر من ذلك

جولة وزارة الاقتصاد لم تقتصر على قطاع الألبان والأجبان فقط، وإنما تنقلت بين قطاعات عدة ليتكشف حجم الغش السائد في معظمها. ويكشف أبو حيدر أن عدداً من الملاحم "تبيع لحوماً غير مستوفية للشروط، وبعضها يبيع لحوماً هندية مجلدة مطابقة للمواصفات والأصول، ولكن معروضة على أنها لحم بلدي طازج، وهذا غش أيضاً".

"الأمر نفسه حصل معنا في قطاع الدجاج، حيث قمنا بالتعاون مع الأجهزة الأمنية بمداهمات عدة وجرى تلف الدجاج غير المطابق وفق الأصول"، وفق مدير عام وزارة الاقتصاد، الذي يلفت أيضاً إلى أن الغش تجاوز القطاع الغذائي ووصل إلى مساحيق التنظيف والغسيل، التي "بات يضاف إليها نسب ملوحة عالية جداً لزيادة الرغوة خلال الاستعمال، بهدف الغش، فيما يؤثر ذلك على الغسالات في المنازل ويؤدي إلى تعطلها.

ويكشف أبو حيدر أيضاً أن الوزارة تجول اليوم أيضا على مراكز بيع زيوت السيارات، حيث تلقت في الفترة الماضية شكاوى عدة بشأن زيوت غير مطابقة.

موقع "الحرة" تواصل مع عدد من الميكانيكيين الذين أكدوا هذا الأمر، وأشار، حسين معين، وهو ميكانيكي في منطقة عين الرمانة إلى أنه عالج خلال الشهر الماضي 3 حالات من هذا النوع، حيث وصلته سيارات تمت تعبئتها بزيوت غير صالحة للاستخدام.

ويضيف حسين "كانت الرائحة التي تنبعث من الزيت كرائحة زيت القلي. حيث يقوم بعض التجار بشراء هذه الزيوت من المطاعم فإما يعيدون تدويرها وبيعها كزيت نباتي، أو يستفيدون من اللون القاتم والسماكة لخلطها بزيوت السيارات". كذلك يعمد بعض التجار إلى إعادة تكرير "الزيت المحروق" الذي يتم سحبه من السيارات عند تغيير الزيت، وطرحه في الأسواق بأسعار مغرية في وقت ترتفع فيه أسعار زيوت المحركات.

وأفادت تقارير خلال الأسابيع الماضية عن غش يشهده قطاع قوارير الغاز أيضاً، حيث تعمد بعض شركات تعبئة الغاز إلى غش المواطن، حيث يتم تعبئة القوارير سعة 10 كيلوغرامات، بأقل من حجمها الطبيعي، وبيعها بالسعر نفسه، ما دفع عدة مواطنين لتقديم شكاوى إلى مصلحة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد والتجارة.

كل القطاعات معرضة

من جانبه يعتبر رئيس جمعية حماية المستهلك، زهير برو، أنه "وفي ظل الانهيار الواقع في لبنان، كل القطاعات باتت معرضة اليوم للغش والتلاعب والتزوير".

ويضيف في حديثه لموقع "الحرة" أن "مرحلة الحرب الأهلية التي شهدها لبنان، خير مثال على ذلك، حيث اختفى القانون وساد كل ما هو خارج عنه، والمرحلة اليوم مشابهة، حيث تتفكك الدولة اللبنانية ومؤسساتها وتتحول إلى شكل فقط، وهذا الواقع يفتح المجال أمام كل من يستطيع الاستفادة من الأزمات لبناء ثروات، وهو أمر يحصل عادة في كل الحروب والأزمات حول العالم".

وبحسب برو فقد بقي لبنان 15 عاماً بعد الحرب الأهلية حتى تمكن من إصلاح وضع القطاع الغذائي ودخل مرحلة التعافي والتحسن التدريجي، "ولكن اليوم التدهور عاد ليكون واقعاً، ولا أعلم إلى أي مدى ستصمد الشركات والمصانع، وإلى أي مدى ستبقى جدية في عملها، فكلما غابت الدولة ومضى الوقت، كلما انهارت هذه القطاعات والشركات المشغلة والمنتجة فيها، وهذا ما يحصل اليوم فالانهيار بات يطال كافة القطاعات تقريباً".

وعن أداء وزارة الاقتصاد يؤكد رئيس جمعية حماية المستهلك أن الوزارة "تعمل بـ 5 في المئة فقط من طاقتها، ممكن أن تقوم ببعض الإجراءات المحدودة كالتي حصلت اليوم، ولكن المشكلة العامة أكبر بكثير من طاقتها وقدراتها، لاسيما وأن هذا العجز يمتد إلى ما قبل الأزمة والانهيار في لبنان، لاسيما لناحية السلامة الغذائية".

ويذكّر أنه حتى الساعة "لم تقر المراسيم التطبيقية لقانون سلامة الغذاء الموضوع منذ العام 2015، بكونه يضر بمصالح الفئات الحاكمة فعلياً في لبنان، والدولة العميقة وعلى رأسها المصارف والتجار والسياسيين، الذين يحققون أرباحا هائلة من الوضع القائم".

لكن ومن جهة أخرى يؤكد برو أن تطبيق قانون سلامة الغذاء في لبنان اليوم، وفي ظل الظروف التي يشهدها، "بات مستحيلاً، فحتى ولو أصدروا وشكلوا سيبقى الموظفون في منازلهم، أسوة بغيرهم من موظفي القطاع العام، حيث تعجز الحكومة عن دفعهم للعمل، في حين أن أهمية السلطات تكمن في قدرتها على المحاسبة والتحرك في وجه من يريد الإضرار بالمجتمع، وهو دور تخلت عنه السلطات اللبنانية منذ زمن، ما يضع لبنان اليوم أمام مأزق عميق بات الخروج منه الآن شبه مستحيل".

في هذا السياق يلفت أبو حيدر من جهته إلى أن وزارة الاقتصاد بدأت بالسعي "لتعديلات على قانون حماية المستهلك عبر مجلس النواب، والهدف منها أن تكون العقوبات رادعة أكثر، فالمتاجرة بصحة الناس لا يجوز التعامل معها كما يتم التعامل مع أي مخالفة أو ضبط عادي".

ويضيف أن واحدة من التحديات هي "قدرة وزارة الاقتصاد بعديدها المحدود من تغطية كافة التجاوزات على الأراضي اللبنانية، وأطلقنا صرخة للبلديات التي يجب أن تكون في حالة مواكبة لهذه الجهود التي تبذلها وزارة الاقتصاد، خاصة بوجود 1055 بلدية في لبنان، إن تحملت كل منها نطاقها الجغرافي تكون قد أمنت تغطية لكامل الأراضي اللبنانية".

الصناعة اللبنانية أبرز المتضررين

الغش هو العدو الأول للصناعة اللبنانية، وفق ما يعبر رئيس نقابة الصناعات الغذائية، منير بساط، فضرب سمعتها وإفقادها ثقة المستهلك بسبب التزوير والاحتيال "هو أسوأ ما يمكن أن يحصل، وعلى سبيل المثال إذا ما جرى إحصاء دقيق في الأيام المقبلة سنشهد تراجعاً ملحوظاً لاستهلاك الأجبان والألبان، فالمستهلك يواجه اهتزاز ثقة بالمنتج، حتى الجيد منه، وبالتالي من مصلحتنا اليوم تفعيل الرقابة وتشديدها على الصناعات المحلية".

ويضيف "اطلعنا اليوم جميعاً على أسماء العلامات التجارية التي أشار وزير الاقتصاد إلى عدم مطابقتها للمواصفات، ونلاحظ أنه لم يكن هناك علامات تجارية أو مصانع مشهورة وكبيرة، فيما الشركات والمعامل المضبوطة غير مسجلة في جمعية الصناعيين أو نقابة الصناعات الغذائية، ولا معلومات إذا ما كانت حائزة على التراخيص اللازمة من الوزارات المعنية، وهذا الأمر يجب أن يعزز ثقة المواطن بالصناعة المحلية الحقيقية، فعليه في هذا المكان واجب التأكد والحرص على اختيار الماركة الموثوقة.

يشدد بساط على ضرورة الرقابة الذاتية قبل أي شيء آخر، إن لناحية المصنع أو المستهلك، ويشرح أنه في لبنان أكثر من 2500 مشغل لصناعة الألبان والأجبان، تتراوح بين من يعمل بها في منزله، وصولاً إلى المصانع الكبيرة، "وبالتالي لو كانت الدولة اللبنانية بعز إمكاناتها لن تتمكن من ضبط هذا الحجم الكبير من الإنتاج الذي يضخ في الأسواق، ومن هنا أهمية التزام المنتج نفسه بالمواصفات والرقابة الذاتية، من بعدها يأتي الدور الرقابي للسلطات".

وسرت تحذيرات على مواقع التواصل الاجتماعي من شراء السلع الرخيصة، حيث بات انخفاض الأسعار يوحي بالغش، في حين يعاني اللبنانيون من ارتفاع هائل في أسعار السلع والماركات المعروفة، حيث تصدر لبنان قائمة دول العالم لناحية التضخم في أسعار السلع الغذائية.

في هذا السياق يوضح بساط أنه ليس بالضرورة أن يكون انخفاض الثمن مرادف للغش ويوجب الخوف، "المهم أن يكون مفهوما سبب انخفاض الثمن عن السلع المنافسة له في الأسواق، وهذه مسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق المستهلك، الذي يستخدم المنتج فحين يلاحظ أن ثمنه منخفض بأقل من 10 في المئة، وهي النسبة المعقولة، عليه أن يسأل عن السبب في هذا الانخفاض، أحياناً يمكن للمصانع أن تستبدل مواداً أولية فتوفر في كلفة الإنتاج ما ينعكس على السعر، ولكن في أحيان أخرى يكون انخفاض السعر إنذار بالغش".

يميز رئيس نقابة الصناعات الغذائية بين الغش الموصوف وبين عدم مطابقة المواصفات، "أحيانا يحصل مخالفات للمواصفات تكون ناتجة عن أخطاء صناعية وليس عمداً، وهنا يطلب سحب المنتج من الأسواق وإعادة إنتاجه بما يتلاءم مع المواصفات. بينما الغش المتعمد هو جريمة يجب عدم التساهل بها.

وتختلف العقوبة التي فرضها القانون اللبناني على فعل الغش، باختلاف الفعل الجرمي المرتكب، وتتراوح بين الحبس والغرامة المالية والمصادرة وإقفال المحل. إذ تتراوح عقوبة الحبس في القانون اللبناني بين عشرة أيام وثلاث سنوات. وتتراوح الغرامة المالية بين 20 ألف ليرة وعشرة ملايين ليرة. ويحكم بمصادرة البضاعة المغشوشة أو يفرض على المجرم غرامة إضافية تعادل قيمة تلك البضاعة إذا لم يكن بالإمكان مصادرتها.

وقد يفرض القانون إلزام المجرم بإقفال محله الذي ارتكب فيه فعل الغش الجرمي، وتتراوح مدة الإقفال بين ثمانية أيام وسنة. وتشدد العقوبة إذا أدى الغش في المواد الغذائية إلى وقوع حالة تسمم أو وفاة، حيث تصل العقوبة إلى الأشغال المؤبدة أو الإعدام.

من جهته ينصح برو اللبنانيين لتجنب الوقوع في الغش قدر الإمكان، بشراء الماركات المعروفة والتي تحمل إشارة iso 22000، وينبه إلى ضرورة عدم شراء "الأجبان التي يشار فيها بأنها محضر غذائي، لأنها كناية عن وجود أسوأ أنواع الزيوت فيها".

من ناحيته يدعو بساط المستهلك للالتزام بالأصناف التي يثق بها وسبق له أن جربها، "وإن أراد تبديلها بسبب ارتفاع ثمنها لا مشكلة ولكن مع الحذر من الذهاب نحو الأصناف منخفضة الثمن بشكل مريب، ولا تاريخ لها".

ويختم مذكراً بوجوب عدم التعميم على الصناعات اللبنانية، "فهناك منتجات لبنانية تحقق نجاحاً وتتمكن من أن تحل مكان الأصناف المستوردة بالجودة والأسعار، وما يجري اليوم ردة فعل طبيعية لعدم قدرة المواطن على تأمين حاجاته وتكلفتها فيبحث عن التوفير".

جنوب لبنان

عادت إلى الواجهة خلال الأيام القليلة الماضية، مشاهد اعتراض دوريات قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل"، إثر سلسلة حوادث في بلدات جنوبية عدة، حيث عرقل سكان مرور الدوريات، وأطلقوا هتافات رافضة لتحركاتها من دون مرافقة الجيش اللبناني.

"هل تعكس  تلك الأحداث احتجاجات عفوية أم تعبئة موجّهة؟"، سؤال تداوله كثيرون، لا سيما في ظل اتهامات متكررة لحزب الله بتحريض الأهالي ضد تحركات القوة الدولية.

وتداول ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة تظهر احتجاجات في بلدات، أبرزها، عند مفرق بلدة العباسية، وفي بلدات قانا، صديقين، بنت جبيل وطيردبا.

ورغم أن الاعتراضات ليست جديدة، فإن تصاعد وتيرتها في الآونة الأخيرة يثير مخاوف من فرض أمر واقع جديد، يُضعف قدرات  اليونيفيل على تنفيذ المهام الموكلة إليها بموجب التفويض الدولي.

تكتيك سياسي أم اعتراض شعبي؟

ما يشهده جنوب لبنان "لا يعكس رفضاً شعبياً حقيقياً"، بل يأتي، وفق الكاتب، المحلل السياسي الدكتور مكرم رباح، في سياق "تكتيكات تعتمدها مختلف الأحزاب المحلية، وفي مقدّمها حزب الله، في محاولة لفرض سلطتها على حساب الشرعية الدولية".

وتهدف هذه التحركات ضد "اليونيفيل"، يقول رباح لموقع "الحرة"، إلى إيصال رسالة "مفادها أن هذه القوات متآمرة على الجنوب، وهو خطاب يتقاطع بشكل لافت مع الرواية الإسرائيلية التي تتهم اليونيفيل بالتواطؤ مع حزب الله".

في المقابل، يشير الخبير الاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، إلى أن "القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عقب حرب يوليو 2006 ألزم قوات اليونيفيل بمنع أي نشاط عسكري لحزب الله أو غيره جنوب نهر الليطاني، إلا أن هذه القوات لم تقم بالدور المطلوب منها خلال ما يُعرف بـ'حرب الإسناد'، إذ وُجهت إليها انتقادات عديدة لغياب دورها في منع إطلاق النار من الأراضي اللبنانية، أو منع اجتياح الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان".

ويتابع ملاعب في حديث مع موقع "الحرة" قوله: "صحيح أن المهام القتالية تقع على عاتق الجيش اللبناني، لكن وجود اليونيفيل يستند إلى تفويض دولي يمنحها صفة قوات حفظ سلام، ما يفرض عليها مسؤوليات تتجاوز المراقبة وتسجيل الخروقات، لتشمل المساهمة الفعلية في حفظ الاستقرار ومنع التصعيد".

ويلفت ملاعب إلى أن "التساؤلات التي يطرحها أهالي الجنوب حول جدوى وجود اليونيفيل ليست جديدة، بل تعود إلى ما قبل التصعيد الأخير".

وأوضح أن "الاعتراض على تحرك دوريات اليونيفيل بشكل منفرد ومن دون تنسيق مع الجيش اللبناني ليس أمراً طارئاً، بل كان قائماً قبل الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، والتي أدت إلى سقوط ما لا يقل عن 50 قتيلا في كل بلدة جنوبية، فكيف الحال اليوم، بعد كل الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها الأهالي؟".

ويقول ملاعب إن "تحرك اليونيفيل خارج التنسيق مع الجيش اللبناني يُعد خرقاً للإطار الذي حدده لها القرار 1701".

خلفية تاريخية

يعود وجود قوات اليونيفيل في لبنان إلى عام 1978 وذلك بعد الاجتياح الإسرائيلي وسيطرته على جنوب البلاد، حين قدمت الحكومة اللبنانية احتجاجاً إلى مجلس الأمن ليتبنى بعدها القرارين 425 و426 اللذين يدعوان إسرائيل إلى وقف أعمالها العسكرية وسحب قواتها من جميع الأراضي اللبنانية.

وبعد انسحاب إسرائيل من لبنان في عام 2000. وفي غياب حدود متفق عليها، حددت الأمم المتحدة خط انسحاب بطول 120 كيلومترا يعرف باسم الخط الأزرق. تقوم اليونيفيل بمراقبته وتسيير دوريات على طوله.

وفي أعقاب حرب يوليو 2006، عزز مجلس الأمن بعثة اليونيفيل بالقرار 1701 الذي وسّع ولايتها الأصلية لتشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية. كما كلف حفظة السلام التابعين لليونيفيل بمرافقة ودعم القوات المسلحة اللبنانية أثناء انتشارها في جميع أنحاء جنوب لبنان.

وبحسب الأمم المتحدة "تؤدي قوات حفظ السلام، دوراً مهما في المساعدة على تجنب التصعيد غير المقصود وسوء التفاهم بين إسرائيل ولبنان من خلال آلية الاتصال التابعة للبعثة. وتقوم بدوريات في جنوب لبنان لمراقبة ما يحدث على الأرض بشكل محايد والإبلاغ عن انتهاكات القرار 1701".

كما "تدعم قوات حفظ السلام الجيش اللبناني من خلال التدريب، للمساعدة في تعزيز انتشاره في جنوب لبنان حتى يتمكن في نهاية المطاف من تولي المهام الأمنية التي تؤديها حاليا قوات حفظ السلام".

وفي أغسطس الماضي، وافق مجلس الأمن الدولي بالإجماع، على تجديد مهمة اليونيفيل لعام آخر، في خطوة اعتبرها رئيس الحكومة اللبنانية السابق، نجيب ميقاتي، ضرورية للحفاظ على الاستقرار في جنوب البلاد.

وأعرب ميقاتي، حينها في بيان، عن امتنان لبنان العميق لأعضاء مجلس الأمن على جهودهم الدؤوبة في تجديد ولاية اليونيفيل، وشكر الولايات المتحدة على " تفهمها الخصوصية اللبنانية التي لم تدخر جهداً في سبيل الحفاظ على مهام اليونيفيل، لا سيما في هذا الظرف الدقيق".

مستقبل على المحك؟

عقب اعتراض دورية تابعة لجنود حفظ السلام قرب بلدة طيردبا في قضاء صور، جنوبي لبنان، في 25 أبريل، أعلنت نائبة الناطق باسم قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، كانديس آرديل، أن جنود حفظ السلام كانوا ينفذون دورية دعماً لتطبيق القرار 1701، وقد اعترضهم أشخاص يرتدون ملابس مدنية مرتين.

وأضافت آرديل في بيان "سلك الجنود طريقاً بديلاً وتعرّضوا للملاحقة لبعض الوقت، لكنهم تمكنوا من مواصلة الدورية كما كان مخططاً لها. وقد أبلغنا الجيش اللبناني بالحادثة".

وشددت على أن "قوات حفظ السلام تعمل بالتنسيق الوثيق مع الجيش اللبناني، دعماً للحكومة اللبنانية في تنفيذ القرار 1701، لا سيما في هذه المرحلة الحساسة". وحذّرت من أن "أي محاولة للتدخل في مهام قوات حفظ السلام تعد انتهاكاً لالتزامات لبنان بموجب القرار 1701".

وجاء هذا الحادث بعد يوم واحد من لقاء جمع رئيس بعثة اليونيفيل وقائدها العام، الجنرال أرولدو لاثارو، برئيس الجمهورية اللبنانية، العماد جوزاف عون، في بيروت، وجرى البحث في الوضع جنوبي البلاد، وسبل توجيه جهود البعثة بما يتناسب مع التحديات والفرص الحالية لدعم تنفيذ القرار 1701.

ولا تقتصر التحديات التي تواجهها "اليونيفيل" على مناطق انتشارها في الجنوب. ففي فبراير الماضي، تعرضت قافلة تابعة لليونيفيل لهجوم عنيف خارج نطاق عملها الميداني أثناء توجهها إلى مطار رفيق الحريري الدولي. وبحسب بيان صادر عن البعثة، أضرمت النيران في إحدى مركبات القافلة خلال الاعتداء، ما أسفر عن إصابة نائب قائد القوة الذي كان في طريقه لمغادرة لبنان بعد انتهاء مهمته.

ويحذر رباح من أن "حزب الله يستخدم كل الوسائل الممكنة لتأليب الشارع ضد اليونيفيل، رغم استفادته من وجودها سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي في الجنوب". ويرى أن "هذه الحملات قد تمهد الطريق لعدم تجديد ولاية البعثة في الصيف المقبل، خصوصاً في ظل توفر مبررات واضحة للإدارة الأميركية وإسرائيل للمطالبة بإنهاء هذا الوجود الأممي".

من جهته، يشير ملاعب إلى أن "إسرائيل سعت، منذ ما قبل عام 2023، إلى تعديل تفويض اليونيفيل ليشمل مهام ذات طابع قتالي، إلا أن هذا التوجه قوبل برفض فرنسي مستمر، خشية تحول البعثة إلى طرف في النزاع، ما قد يهدد سلامة عناصرها ويقوّض دورها".

ويضيف ملاعب أنه "بعد السابع من أكتوبر، تحوّلت المواقف الإسرائيلية إلى دعوات صريحة لإنهاء مهمة اليونيفيل واستبدالها بقوة متعددة الجنسيات ذات طبيعة مختلفة"، ولفت إلى أن "التطورات الأخيرة تشير إلى أن تجديد مهمة البعثة هذه المرة لن يكون بالسهولة التي جرت بها في السنوات السابقة".