الوزارة لحظت نوعين من الغش في الألبان والأجبان
الوزارة لحظت نوعين من الغش في الألبان والأجبان | الصورة تعبيرية

عادت السلامة الغذائية لتتصدر اهتمامات اللبنانيين خلال اليومين الماضيين، رغم كل ما تمر به البلاد من انتكاسات وأزمات، وذلك بعد توالي تقارير تحذر وتوثق الغش السائد في الأسواق، لاسيما في القطاعات الغذائية، وقطاع الألبان والأجبان على وجه الخصوص.

جفصين، كلس، نشاء، زيوت نباتية مضرة، كلها مواد باتت تدخل في غش الألبان، التي تمثل وجبة رئيسية على سفرة اللبنانيين، لاسيما طبق اللبنة، حيث كان أبرز المستهدفين بتلك العمليات، بعد الارتفاع الكبير في سعرها، ما جعل الباحثين عن التوفير هدفا سهلاً لـ"تجار الأزمات" وفق ما يصفهم مدير عام وزارة الاقتصاد، محمد أبو حيدر.

أبو حيدر يؤكد، في حديثه لموقع "الحرة"، أن ما يجري اليوم في الأسواق اللبنانية "سببه التفلت لدى بعض تجار الأزمات، الذين يحاولون تحصيل أكبر حجم ممكن من الأرباح المادية، وإن كانت على حساب صحة المواطن اللبناني، وهذا ما لاحظناه مؤخراً خلال حملة المداهمات التي قمنا بها".

وعلى إثر هذه المداهمات، أعلن وزير الاقتصاد والتجارة في لبنان، أمين سلام، عن قرار قضى بـ"تعليق التداول وسحب وتلف 9 أصناف وعلامات تجارية من اللبن واللبنة لعدم مطابقتها المواصفات القياسية اللبنانية، وذلك في إطار عمل الوزارة الرقابي المتواصل لحماية المستهلك، وحفاظاً على الأمن الغذائي وصحة اللبنانيين والمقيمين".

وفرضت الوزارة على المعامل المصنّعة لهذه العلامات، سحب منتجاتها من الأسواق اللبنانية خلال 3 أيام تمهيداً لتلفها تحت طائلة الملاحقة القانونية. كما أرفق الوزير قراره بلائحة إسمية بالمصانع المخالفة وأماكن تواجدها وإنتاجها، وهو ما يهدف إلى تنبيه الناس، وفق أبو حيدر الذي يشدد على أن الوزارة ستستكمل جولتها في الفترة المقبلة، "بكون صحة الناس لا تقف عند أي اعتبار أو خط أحمر".

ويروي أبو حيدر أن الوزارة لحظت نوعين من الغش في الألبان والأجبان، "بهدف الربح المادي من خلال زيادة النشاء إلى اللبنة، وتقديمها بمسمى لبنة، وليس محضر غذائي، في حين أنه ممنوع أن يكون هناك نشاء في اللبنة، والهدف من ذلك مضاعفة الوزن فإذا ما كان في العلبة 200 غرام من اللبنة، يرتفع وزنها إلى نصف كيلو بعد إضافة النشاء والمياه".

أكثر من ذلك

جولة وزارة الاقتصاد لم تقتصر على قطاع الألبان والأجبان فقط، وإنما تنقلت بين قطاعات عدة ليتكشف حجم الغش السائد في معظمها. ويكشف أبو حيدر أن عدداً من الملاحم "تبيع لحوماً غير مستوفية للشروط، وبعضها يبيع لحوماً هندية مجلدة مطابقة للمواصفات والأصول، ولكن معروضة على أنها لحم بلدي طازج، وهذا غش أيضاً".

"الأمر نفسه حصل معنا في قطاع الدجاج، حيث قمنا بالتعاون مع الأجهزة الأمنية بمداهمات عدة وجرى تلف الدجاج غير المطابق وفق الأصول"، وفق مدير عام وزارة الاقتصاد، الذي يلفت أيضاً إلى أن الغش تجاوز القطاع الغذائي ووصل إلى مساحيق التنظيف والغسيل، التي "بات يضاف إليها نسب ملوحة عالية جداً لزيادة الرغوة خلال الاستعمال، بهدف الغش، فيما يؤثر ذلك على الغسالات في المنازل ويؤدي إلى تعطلها.

ويكشف أبو حيدر أيضاً أن الوزارة تجول اليوم أيضا على مراكز بيع زيوت السيارات، حيث تلقت في الفترة الماضية شكاوى عدة بشأن زيوت غير مطابقة.

موقع "الحرة" تواصل مع عدد من الميكانيكيين الذين أكدوا هذا الأمر، وأشار، حسين معين، وهو ميكانيكي في منطقة عين الرمانة إلى أنه عالج خلال الشهر الماضي 3 حالات من هذا النوع، حيث وصلته سيارات تمت تعبئتها بزيوت غير صالحة للاستخدام.

ويضيف حسين "كانت الرائحة التي تنبعث من الزيت كرائحة زيت القلي. حيث يقوم بعض التجار بشراء هذه الزيوت من المطاعم فإما يعيدون تدويرها وبيعها كزيت نباتي، أو يستفيدون من اللون القاتم والسماكة لخلطها بزيوت السيارات". كذلك يعمد بعض التجار إلى إعادة تكرير "الزيت المحروق" الذي يتم سحبه من السيارات عند تغيير الزيت، وطرحه في الأسواق بأسعار مغرية في وقت ترتفع فيه أسعار زيوت المحركات.

وأفادت تقارير خلال الأسابيع الماضية عن غش يشهده قطاع قوارير الغاز أيضاً، حيث تعمد بعض شركات تعبئة الغاز إلى غش المواطن، حيث يتم تعبئة القوارير سعة 10 كيلوغرامات، بأقل من حجمها الطبيعي، وبيعها بالسعر نفسه، ما دفع عدة مواطنين لتقديم شكاوى إلى مصلحة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد والتجارة.

كل القطاعات معرضة

من جانبه يعتبر رئيس جمعية حماية المستهلك، زهير برو، أنه "وفي ظل الانهيار الواقع في لبنان، كل القطاعات باتت معرضة اليوم للغش والتلاعب والتزوير".

ويضيف في حديثه لموقع "الحرة" أن "مرحلة الحرب الأهلية التي شهدها لبنان، خير مثال على ذلك، حيث اختفى القانون وساد كل ما هو خارج عنه، والمرحلة اليوم مشابهة، حيث تتفكك الدولة اللبنانية ومؤسساتها وتتحول إلى شكل فقط، وهذا الواقع يفتح المجال أمام كل من يستطيع الاستفادة من الأزمات لبناء ثروات، وهو أمر يحصل عادة في كل الحروب والأزمات حول العالم".

وبحسب برو فقد بقي لبنان 15 عاماً بعد الحرب الأهلية حتى تمكن من إصلاح وضع القطاع الغذائي ودخل مرحلة التعافي والتحسن التدريجي، "ولكن اليوم التدهور عاد ليكون واقعاً، ولا أعلم إلى أي مدى ستصمد الشركات والمصانع، وإلى أي مدى ستبقى جدية في عملها، فكلما غابت الدولة ومضى الوقت، كلما انهارت هذه القطاعات والشركات المشغلة والمنتجة فيها، وهذا ما يحصل اليوم فالانهيار بات يطال كافة القطاعات تقريباً".

وعن أداء وزارة الاقتصاد يؤكد رئيس جمعية حماية المستهلك أن الوزارة "تعمل بـ 5 في المئة فقط من طاقتها، ممكن أن تقوم ببعض الإجراءات المحدودة كالتي حصلت اليوم، ولكن المشكلة العامة أكبر بكثير من طاقتها وقدراتها، لاسيما وأن هذا العجز يمتد إلى ما قبل الأزمة والانهيار في لبنان، لاسيما لناحية السلامة الغذائية".

ويذكّر أنه حتى الساعة "لم تقر المراسيم التطبيقية لقانون سلامة الغذاء الموضوع منذ العام 2015، بكونه يضر بمصالح الفئات الحاكمة فعلياً في لبنان، والدولة العميقة وعلى رأسها المصارف والتجار والسياسيين، الذين يحققون أرباحا هائلة من الوضع القائم".

لكن ومن جهة أخرى يؤكد برو أن تطبيق قانون سلامة الغذاء في لبنان اليوم، وفي ظل الظروف التي يشهدها، "بات مستحيلاً، فحتى ولو أصدروا وشكلوا سيبقى الموظفون في منازلهم، أسوة بغيرهم من موظفي القطاع العام، حيث تعجز الحكومة عن دفعهم للعمل، في حين أن أهمية السلطات تكمن في قدرتها على المحاسبة والتحرك في وجه من يريد الإضرار بالمجتمع، وهو دور تخلت عنه السلطات اللبنانية منذ زمن، ما يضع لبنان اليوم أمام مأزق عميق بات الخروج منه الآن شبه مستحيل".

في هذا السياق يلفت أبو حيدر من جهته إلى أن وزارة الاقتصاد بدأت بالسعي "لتعديلات على قانون حماية المستهلك عبر مجلس النواب، والهدف منها أن تكون العقوبات رادعة أكثر، فالمتاجرة بصحة الناس لا يجوز التعامل معها كما يتم التعامل مع أي مخالفة أو ضبط عادي".

ويضيف أن واحدة من التحديات هي "قدرة وزارة الاقتصاد بعديدها المحدود من تغطية كافة التجاوزات على الأراضي اللبنانية، وأطلقنا صرخة للبلديات التي يجب أن تكون في حالة مواكبة لهذه الجهود التي تبذلها وزارة الاقتصاد، خاصة بوجود 1055 بلدية في لبنان، إن تحملت كل منها نطاقها الجغرافي تكون قد أمنت تغطية لكامل الأراضي اللبنانية".

الصناعة اللبنانية أبرز المتضررين

الغش هو العدو الأول للصناعة اللبنانية، وفق ما يعبر رئيس نقابة الصناعات الغذائية، منير بساط، فضرب سمعتها وإفقادها ثقة المستهلك بسبب التزوير والاحتيال "هو أسوأ ما يمكن أن يحصل، وعلى سبيل المثال إذا ما جرى إحصاء دقيق في الأيام المقبلة سنشهد تراجعاً ملحوظاً لاستهلاك الأجبان والألبان، فالمستهلك يواجه اهتزاز ثقة بالمنتج، حتى الجيد منه، وبالتالي من مصلحتنا اليوم تفعيل الرقابة وتشديدها على الصناعات المحلية".

ويضيف "اطلعنا اليوم جميعاً على أسماء العلامات التجارية التي أشار وزير الاقتصاد إلى عدم مطابقتها للمواصفات، ونلاحظ أنه لم يكن هناك علامات تجارية أو مصانع مشهورة وكبيرة، فيما الشركات والمعامل المضبوطة غير مسجلة في جمعية الصناعيين أو نقابة الصناعات الغذائية، ولا معلومات إذا ما كانت حائزة على التراخيص اللازمة من الوزارات المعنية، وهذا الأمر يجب أن يعزز ثقة المواطن بالصناعة المحلية الحقيقية، فعليه في هذا المكان واجب التأكد والحرص على اختيار الماركة الموثوقة.

يشدد بساط على ضرورة الرقابة الذاتية قبل أي شيء آخر، إن لناحية المصنع أو المستهلك، ويشرح أنه في لبنان أكثر من 2500 مشغل لصناعة الألبان والأجبان، تتراوح بين من يعمل بها في منزله، وصولاً إلى المصانع الكبيرة، "وبالتالي لو كانت الدولة اللبنانية بعز إمكاناتها لن تتمكن من ضبط هذا الحجم الكبير من الإنتاج الذي يضخ في الأسواق، ومن هنا أهمية التزام المنتج نفسه بالمواصفات والرقابة الذاتية، من بعدها يأتي الدور الرقابي للسلطات".

وسرت تحذيرات على مواقع التواصل الاجتماعي من شراء السلع الرخيصة، حيث بات انخفاض الأسعار يوحي بالغش، في حين يعاني اللبنانيون من ارتفاع هائل في أسعار السلع والماركات المعروفة، حيث تصدر لبنان قائمة دول العالم لناحية التضخم في أسعار السلع الغذائية.

في هذا السياق يوضح بساط أنه ليس بالضرورة أن يكون انخفاض الثمن مرادف للغش ويوجب الخوف، "المهم أن يكون مفهوما سبب انخفاض الثمن عن السلع المنافسة له في الأسواق، وهذه مسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق المستهلك، الذي يستخدم المنتج فحين يلاحظ أن ثمنه منخفض بأقل من 10 في المئة، وهي النسبة المعقولة، عليه أن يسأل عن السبب في هذا الانخفاض، أحياناً يمكن للمصانع أن تستبدل مواداً أولية فتوفر في كلفة الإنتاج ما ينعكس على السعر، ولكن في أحيان أخرى يكون انخفاض السعر إنذار بالغش".

يميز رئيس نقابة الصناعات الغذائية بين الغش الموصوف وبين عدم مطابقة المواصفات، "أحيانا يحصل مخالفات للمواصفات تكون ناتجة عن أخطاء صناعية وليس عمداً، وهنا يطلب سحب المنتج من الأسواق وإعادة إنتاجه بما يتلاءم مع المواصفات. بينما الغش المتعمد هو جريمة يجب عدم التساهل بها.

وتختلف العقوبة التي فرضها القانون اللبناني على فعل الغش، باختلاف الفعل الجرمي المرتكب، وتتراوح بين الحبس والغرامة المالية والمصادرة وإقفال المحل. إذ تتراوح عقوبة الحبس في القانون اللبناني بين عشرة أيام وثلاث سنوات. وتتراوح الغرامة المالية بين 20 ألف ليرة وعشرة ملايين ليرة. ويحكم بمصادرة البضاعة المغشوشة أو يفرض على المجرم غرامة إضافية تعادل قيمة تلك البضاعة إذا لم يكن بالإمكان مصادرتها.

وقد يفرض القانون إلزام المجرم بإقفال محله الذي ارتكب فيه فعل الغش الجرمي، وتتراوح مدة الإقفال بين ثمانية أيام وسنة. وتشدد العقوبة إذا أدى الغش في المواد الغذائية إلى وقوع حالة تسمم أو وفاة، حيث تصل العقوبة إلى الأشغال المؤبدة أو الإعدام.

من جهته ينصح برو اللبنانيين لتجنب الوقوع في الغش قدر الإمكان، بشراء الماركات المعروفة والتي تحمل إشارة iso 22000، وينبه إلى ضرورة عدم شراء "الأجبان التي يشار فيها بأنها محضر غذائي، لأنها كناية عن وجود أسوأ أنواع الزيوت فيها".

من ناحيته يدعو بساط المستهلك للالتزام بالأصناف التي يثق بها وسبق له أن جربها، "وإن أراد تبديلها بسبب ارتفاع ثمنها لا مشكلة ولكن مع الحذر من الذهاب نحو الأصناف منخفضة الثمن بشكل مريب، ولا تاريخ لها".

ويختم مذكراً بوجوب عدم التعميم على الصناعات اللبنانية، "فهناك منتجات لبنانية تحقق نجاحاً وتتمكن من أن تحل مكان الأصناف المستوردة بالجودة والأسعار، وما يجري اليوم ردة فعل طبيعية لعدم قدرة المواطن على تأمين حاجاته وتكلفتها فيبحث عن التوفير".

العمالة السورية في لبنان

في بيروت والمدن اللبنانية عموما، من المعتاد رؤية عمال سوريين يتسلقون السقالات، أو يدفعون عربات خضار، أو يدخلون بوابة مصنع أو مطعم، أو يحرثون الحقول. هؤلاء ليسوا مجرد لاجئين هاربين من ويلات الحرب، إذ أصبحوا خلال السنوات القليلة الماضية العمود الفقري لقطاعات لبنانية واسعة.

لكن الآن، ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، رفع العقوبات المفروضة على سوريا قد يتغير المشهد كليا. 

الحديث عن إعادة إعمار سوريا لم يعد حلما، بل ممكنا أقرب إلى التحقق، يفتح أبواب العودة أمام آلاف العمال السوريين الذين وجدوا في لبنان لسنوات ملاذا، وعملا لتوفير لقمة العيش.

هذا التحول لا يخص السوريين وحدهم. لبنان، الذي يواجه واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية، يقف على حافة تغير كبير في سوق العمل: كيف سيتعامل مع احتمال فقدان آلاف العمال؟

فراغ في الأفق؟

"رغم إعلان الرئيس الأميركي، سيستغرق تنفيذ القرار بعض الوقت"، يقول الدكتور بشارة الأسمر، رئيس الاتحاد العمالي العام في لبنان، في حديث إلى قناة "الحرة". "لكن هذا القرار يفتح الباب أمام تغييرات كبيرة في وضع العمال السوريين في لبنان".

ويشير الأسمر إلى أن وتيرة عودة السوريين إلى بلادهم قد تتسارع إذا تزامن رفع العقوبات مع بدء عملية إعادة الإعمار في سوريا لا سيما إذا شاركت دول الخليج والدول الغربية في العملية.

"العمال السوريون هم اليوم ركيزة أساسية في قطاعات البناء والزراعة، وإذا رحلوا، فإن الفجوة ستكون كبيرة".

وتكبد لبنان بسبب الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل خسائر فادحة، إذ قُدرت كلفة الأضرار في قطاع السكن وحده بنحو 3 مليارات دولار، وفقا للبنك الدولي، بعد تدمير قرابة 100 ألف وحدة سكنية، معظمها في مناطق نفوذ حزب الله.

ومع سريان اتفاق وقف إطلاق النار، تصدر ملف إعادة الإعمار في لبنان الواجهة، لكن المجتمع الدولي وضع شرطا أساسيا: لا مساعدات من دون تنفيذ القرارات التي تنص على نزع سلاح حزب الله. وكانت الرسالة من الدول الغربية والعربية واحدة: المساعدات مرهونة بفرض الدولة سلطتها الكاملة على السلاح.

تداعيات في قطاع البناء.. وأكثر

يقول جميل طالب، رئيس نقابة عمال البناء في شمال لبنان، إن العمال السوريين يهيمنون على وظائف "البيتون، والقصارة، والتركيب"، وهي أعمال لا يقبل بها كثير من اللبنانيين بسبب قلة الأجور وظروف العمل القاسية. 

"إذا غادروا جميعا، سيكون لذلك تأثير كبير على القطاع،" يضيف في حديثه مع موقع "الحرة".

المفارقة، بحسب طالب، أن إعادة الإعمار في سوريا قد تدفع بعض العمال اللبنانيين أنفسهم إلى الهجرة نحو سوريا بحثا عن فرص أفضل، ما سيُفاقم أزمة العمالة محليا.

يقول الأسمر، من جهته، إنه التقى قبل يومين وفدا من الاتحاد العام للعمال السوريين، بحضور عدد من رجال الأعمال اللبنانيين الذين يعتمدون على اليد العاملة السورية، وتطرق النقاش إلى إمكانية التعاون بين الشركات اللبنانية والسورية خلال المرحلة المقبلة.

ولكن "لا شيء ملموسا بعد، وعلينا الانتظار لمعرفة الاتجاهات،" يقول الأسمر، "لكن لا شك أن إعادة الاعمار في سوريا تسرّع عودة السوريين غير المرتبطين بأعمال دائمة وورش مستمرة في لبنان".

ويرى الخبير الاقتصادي، البروفيسور جاسم عجاقة، أن التحدي أكبر من قضية عمالة. "إذا انطلقت الاستثمارات في سوريا، لا سيما في قطاعات النفط والبنية التحتية والإسكان، فسوف تجذب رؤوس الأموال والعمال معا". 

ويضيف أن "تقديم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين مساعدات للسوريين في بلادهم قد يشجع مزيدا منهم على العودة".

ويحذر عجاقة من أن لبنان، المعتمد بشكل كبير على العمالة السورية في قطاعات الزراعة والبناء والصناعة، قد يواجه نقصا حادا إذا ما غادر السوريون فجأة.

شمع أحمر

خلال  السنوات الماضية، شنت السلطات اللبنانية حملات صارمة على العمال السوريين غير النظاميين، بهدف الحد من وجودهم في سوق العمل، ودفعهم إلى العودة. وشملت هذه الحملات مداهمات، وتوقيفات، وحتى إقفال مؤسسات بالشمع الأحمر.

وبحسب الوكالة الوطنية للإعلام حينها، فإن الإجراءات شملت "ملاحقة مخالفات الإقامة والعمل، من خلال الكشف على المحال التي يملكها أو يديرها سوريون للتحقق من أوضاعهم القانونية، والتأكد من وجود كفيل لبناني." كما تم التحقق من تسجيلهم في المفوضية، التي تحظر عليهم العمل قانونيا.

وأثارت هذه الحملات جدلا واسعا في لبنان. فبينما رأى فيها البعض خطوة ضرورية لحماية العمال اللبنانيين، اعتبرها آخرون قاسية ومجحفة بحق اللاجئين السوريين.

الأسمر أوضح أن تلك الإجراءات جاءت نتيجة الاحتكاك الكبير بين العمال اللبنانيين والسوريين. "في كثير من الحالات، حلّ السوريون محل اللبنانيين، وحتى أصبحوا يديرون بعض المؤسسات، ما خلق توترا واضحا".

ودعا طالب، من جانبه، إلى إنهاء ما سماه "منافسة اليد العاملة الأجنبية"، وطالب بإدراج عمال البناء في الضمان الاجتماعي وتطبيق قانون العمل عليهم.

هل يخسر لبنان دوره التاريخي؟

في العمق، هناك قلق يتجاوز العمالة: هل يفقد لبنان دوره الاستراتيجي كبوابة اقتصادية إلى الخليج؟ 

يجيب عجاقة بحذر: "رفع العقوبات عن سوريا قد يعود بفائدة على لبنان على المدى الطويل، لكن في المدى القريب، قد يتراجع دوره الاقتصادي والاستراتيجي إذا لم ينفذ الإصلاحات المطلوبة منه".

وأعرب الأسمر عن أمله في أن تثمر زيارات المسؤولين اللبنانيين إلى دول الخليج والدول الغربية في الحصول على دعم مالي للبنان، لكنه أشار إلى أن "التركيز يبدو حاليا على إعادة الإعمار في سوريا".

بين رحيل العمالة وغياب الإصلاحات، يقف لبنان عند مفترق طرق اقتصادي حاسم. والسؤال هو: هل سيتكيّف مع المتغيرات أم يترك زمام الأمور للأقدار؟