مأساة المودعين مستمرة في لبنان
مأساة المودعين مستمرة في لبنان

أعلن رجل الأعمال الإماراتي، خلف الحبتور، شن "حرب" قانونية على المصارف اللبنانية، من خلال تغريدتين عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، السبت الماضي.

ووصف الحبتور "استمرار احتجاز أموال المودعين في لبنان" بأنه "قرصنة مستباحة لأرزاق الناس من قبل مصرفيين فاسدين ومتواطئين معهم حللوا لأنفسهم هذا النهب"، متسائلا: "هل يُعقل في أيامنا هذه حيث تتحكم الحوكمة وقوانين الشفافية الدولية بكل التحركات المالية أن يستمر ذلك؟ إلى متى؟ أما من رادع لهذه الجريمة؟".  

وتحت عبارة "الساكت عن الحق شيطان أخرس"، كتب الحبتور "إن لم نتحرك كمودعين ومستثمرين لمقاضاة المسؤولين عن سرقة أموال اللبنانيين فلن يعتبروا"، مشيراً إلى "نقوم حالياً بتجهيز ملف دعوى جماعية مع مكاتب قانونية عالمية لمقاضاة كل المتورطين بهذه الجريمة. وإن لم يتحقق الحق من الداخل، سنسعى لتحقيقه بكل السبل القانونية المتاحة". 

تغريدة الحبتور عن أموال المودعين اللبنانيين ليست الأولى، اذ سبق أن أطل بمقاطع فيديو عبر "تويتر" معلّقاً على هذه القضية، منها عام 2020 عقب بيان لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة أعلن خلاله أن أموال المودعين ليست موجودة في المصرف المركزي، حيث اعتبر الحبتور في تغريدة أن "المودع يعيش حالة من الضياع" متسائلاً "من المسؤول عن حجز أمواله"، مطالباً مصرف لبنان بأن "يأمر البنوك اللبنانية بفك أسر أموال المودعين ويسمح لهم بالتصرف بأموالهم التي هي حقهم وحلالهم". 

وفي العام نفسه، نشر رجل الأعمال الإماراتي فيديو وجّه من خلاله سؤالاً إلى حاكم المصرف بشأن إمكانية تعرض الأموال التي استثمر بها رجال أعمال عرب وأجانب في البلاد بالدولار الأميركي لخطر ما، ليأتي رد سلامة عبر صفحة مصرف لبنان على "تويتر" بالتأكيد أنه "بإمكان المصارف اللبنانية أن تحوّل إلى خارج لبنان جميع الأموال التي تتلقاها من الخارج بعد 17 تشرين الثاني". 

ومنذ خريف 2019 تفرض المصارف اللبنانية "طوقاً حديدياً" على الودائع، محددة سقفاً للسحوبات المالية لاسيما بالدولار الأميركي وذلك نتيجة شح السيولة، وهو ما دفع بعدد من المودعين إلى محاولة تحصيل حقوقهم إما بالقوة عبر اقتحام المصارف أو من خلال سلك الطرق القانونية عبر رفع دعاوى أمام المحاكم المحلية والدولية، حيث نجح بعضهم باسترداد ودائعهم. 

خطوة جدّية 

جرى تواصل في الايام الماضية بين رجل الأعمال الإماراتي ورئيس جمعية المودعين حسن مغنية، من أجل تحريك الدعوى القضائية التي يزمع الحبتور رفعها في وجه المصارف اللبنانية، وهذه المرحلة يجري كما يؤكد مغنية لموقع "الحرة" "الإطلاع على حيثيات القضية لمعرفة ما هو المطلوب بالتحديد وكيفية التنسيق بين بعضنا". 

لرجل الأعمال الإماراتي، كما يقول مغنية، "عشرات ملايين الدولار عائدة لفندق الحبتور في مصرف لبناني، ولكي تأخذ القضية ضد المصارف اللبنانية حيزاً أكبر اختار اللجوء إلى الدعوى الجماعية، من هنا يقوم بالتواصل مع المودعين لينضموا إلى ملف الدعوى". 

وعن توقيت تحرك الحبتور، علّق رئيس جمعية المودعين "نحن على تواصل مستمر منذ أكثر من عام، سبق أن تحدثنا عن إمكانية اللجوء إلى القضاء لكنه فضّل التريث عسى وعلّ أن تصل المصارف والدولة اللبنانية إلى حلول، لكن مع استمرار حالة النكران وبعد إقدام رجل الأعمال طلال أبو غزالة على خطوة رفع دعوى جماعية، قرر الحبتور المضي قدماً بالدعوى، وما هو مؤكد أنه جدي في قراره، ولذلك كلّف مكتب محاماة أميركي لرفع الدعوى أمام محاكم نيويورك". 

وسبق رجل الاعمال الأردني، طلال أبو غزالة، الحبتور في اتخاذ قرار رفع دعوى جماعية ضد المصارف اللبنانية، وذلك بعد تكليفه من قبل جمعية "صرخة المودعين" و"الجبهة الموحدة للمودعين"، كما ذكرتا في بيان الشهر الماضي وذلك "لقيادة تحركات المودعين والعمل ضمن إطار قانوني بهدف المطالبة وتحصيل اموالهم المجمدة وفوائدها المتراكمة منذ عدة سنوات في البنوك اللبنانية". 

تكليف أبو غزالة جاء بعد أن "ضاقت السبل بأكثر من 500 ألف مودع لبناني لتحصيل أموالهم المحتجزة قسرا في البنوك"، وقد كلف رجل الاعمال الأردني "فريقا من المحامين في كل من لبنان، فرنسا والأردن على نفقته الكاملة لإجراء الدراسات اللاّزمة لوصف الجرائم المرتكبة في حق المودعين واتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة سواء في لبنان أو في أوروبا وأمام كافة المراجع القضائية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان". 

حال استكمال الوثائق اللازمة سيقوم الفريق برفع دعوى جماعية، بحسب ما ورد في البيان "في كل من لبنان وفرنسا والأمم المتحدة وأي دولة أخرى طرف في الدعوى بتهم جرائم الفساد وتبييض الأموال وتهريبها، إضافة إلى اعتبارها دوليا جريمة مالية ضد الإنسانية". 

"بروباغندا إعلامية" 

في الوقت الذي يرى فيه مغنية أن الدعوى التي سيتقدم بها الحبتور ستشكل عامل ضغط إضافيا على المصارف اللبنانية، آملا أن تعود الحقوق لأصحابها، يصف محامي "جمعية المودعين" ورئيس جمعية "الشعب يريد إصلاح النظام"، حسن بزي، قرار الحبتور بالـ "بروباغندا الإعلامية" غير الواقعية، كونه "لا يوجد عملياً ما يسمى دعوى جماعية تؤدي لاستعادة الحقوق إلا في الولايات المتحدة الأميركية، وهي تقدم ضد مصرف واحد أي مدين واحد لمجموعة دائنين، بالتالي الدعوى التي ينوي الحبتور رفعها لن تؤتي ثمارها ضد مجموعة المصارف والتحضير لها لن يقل عن سنة". 

ولا يعترف النظام القضائي الأوروبي بالدعاوى الجماعية، من هنا سيلجأ الحبتور كما يقول بزي "إلى أميركا، لكن أي حكم ستصدره محاكمها يجب تنفيذه في لبنان، فلماذا كل هذا الإرباك وقد قطعنا شوطا في الدعوى التي سبق أن تقدمت بها الدائرة القانونية لجمعية الشعب يريد إصلاح النظام، ضد كل المصارف اللبنانية أمام النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان". 

ويضيف "تحقق القاضية غادة عون مع 15 مصرفاً، وسبق لها أن أصدرت قراراً بمنع التصرف على أملاك 15 مصرفاً وأموال رؤساء وأعضاء مجالس إداراتها، ومنع سفر خمسة رؤساء منهم، بالتالي إذا كان رجلا الأعمال الحبتور وغزالة جدّييّن يمكنهما الانضمام إلى الدعوى التي رفعتها الدائرة القانونية لجمعيتنا". 

تتزامن التحضيرات لرفع الدعاوى الجماعية مع إضراب المصارف اللبنانية الذي دخل أسبوعه الثاني، حيث تقتصر خدماتها على ماكينات الصرف الآلي. قرار الإضراب أعلنت عنه جمعية المصارف وذلك بعد اجتماع عقدته لمناقشة "الاستدعاءات القضائية الأخيرة وتأثيرها على انتظام العمل المصرفي وحقوق المودعين"، مطالبة في بيان "السلطات اللبنانية باتخاذ إجراءات طال انتظارها لحل أزمة مالية خانقة في البلاد". 

إغلاق المصارف لأبوابها جاء رداً على الحكم "التاريخي لصالح المودعين"، كما وصفه تحالف "متحدون"، حيث أصدرت محكمة التمييز المدنية في الأول من الشهر الجاري، قرارين قضيا بقبول الطعنين التمييزيين المقدّمين من مؤسس التحالف، المحامي رامي علّيق، بوكالته عن المودعَين عياد إبراهيم من جمعية صرخة المودعين وحنان الحاج، ضد مصرف فرنسبنك، وإلزام المصرف بدفع الشيكين المصرفيين عداً ونقداً بعملة الإيداع أي الدولار الأميركي، مع الفوائد واللواحق المستحقة عليهما من قيمة الوديعة". 

وبناء على ذلك أصبح قرار رئيسة دائرة التنفيذ في بيروت بإنفاذ الحجز التنفيذي على جميع أسهم وعقارات وموجودات وأموال "فرنسبنك" وفروعه وشركاته في كل لبنان سارياً، تمهيداً لاستيفاء مبلغ الوديعتين وإلا لطرحها في المزاد العلني، بحال عدم رضوخ المصرف وتسديده لكامل المبلغ. 

وبعد قرار محكمة التمييز، يشدد علّيق في حديث لموقع "الحرة"، على أنه "لا بد من ان نتخذ موقفاً حاسماً إلى جانب القضاء اللبناني لاسيما بعد التقدم الكبير في مسار الدعاوى أمامه". 

إضراب المصارف وضعته رابطة المودعين في خانة محاولة ثني يد القضاء، حيث أشارت في بيان إلى أن "عصابة أصحاب المصارف اللبنانية، وبعد أن فشلت في شراء ضمائر بعض القضاة، تأخذ اللبنانيين رهائن، في إضراب يهدف إلى ثني يد القضاء، والدفع باتجاه إقرار قانون كابيتال كونترول مشوّه، من خارج سلّة قوانين متكاملة لإعادة هيكلة القطاع، والمحاسبة وتوزيع الخسائر بشكل يحمي المودعين ويحمّل الثمن للمصارف". 

وبعد أن أشارت الرابطة إلى مئات الدعاوى القضائية التي رفعتها بوجه المصارف والمصرفيين في لبنان والخارج، وتقديمها و"منظمة المحاسبة الآن أمام الاتحاد الأوروبي بطلب فرض عقوبات على مصرفيين وسياسيين"، حذّرت المصارف من الاستمرار بالإقفال "تحت طائلة ملاحقتها قضائياً بتهمة تعطيل مرفق عام، وتهديد ما تبقى من استقرار مالي وأمن اجتماعي، والتطاول على هيبة القضاء". 

دعوة لتوحيد الجهود 

فيما يخص الدعاوى التي يريد كل من أبو غزالة والحبتور التقدم بها علّق علّيق بالقول "نحن مع متابعة الدعاوى في الخارج وإن كان لدينا ملاحظات تقنية فيما يتعلق بسيرها، من دون أن يحول ذلك عن لحظ التطورات القضائية في الداخل، وأكرر نحن نقف إلى جانب القضاء اللبناني إذ لا قيامة لدولة من دون قضائها". 

ويشرح: "لجأ أبو غزالة والحبتور إلى القضاء الأجنبي كون النظام القضائي اللبناني لا يعترف بالدعاوى الجماعية، وسبق أن تقدمت وعدد من المحامين بوكالتنا عن جمعية "صرخة المودعين"، بما يشبه هذه الدعاوى، منها ضد شركة مكتّف للتحويلات المالية وهي تشمل 16 مدعى عليه من بينهم رياض سلامة ومصارف وصيارفة، ودعوى أخرى ضد رياض سلامة وشقيقه رجا وأعوانهما، ودعوى على أعضاء مجلس المصرف المركزي الذين شغلوا هذا المركز منذ سنة 1990 إلى الآن، إضافة إلى حاكم مصرف لبنان". 

كما تقدّم علّيق في سبتمبر الماضي بشكوى أمام اللجنة الدولية لحقوق الإنسان ضد المصارف اللبنانية وأصحابها ومديريها "لارتكابهم جرائم ضد الفرد والإنسان"، وكما يقول "حصلنا على رد رسمي ونتابع مسار هذه الشكوى"، داعياً الى توحيد الجهود والعمل كجبهة واحدة "فالتفرقة تضعفنا". 

من جانبه، يتساءل بزي عن توقيت قرار الحبتور رفع دعوى جماعية، بعد مرور حوالي أربع سنوات على حجز أموال المودعين، لاسيما كما يقول إن "دائرة التنفيذ في بيروت سبق أن أصدرت مجموعة قرارات بالحجز على أموال وممتلكات المصارف بناء على دعاوى رفعها أصحاب رؤوس الأموال من بينهم الحبتور وأبو غزالة، مما يعني أن باستطاعتهما تحصيل أموالهما على المستوى الشخصي". 

ويشير إلى أنه "بناء على دعوى طلال أبو غزالة أصدر رئيس دائرة التنفيذ فـي بيروت قراراً قضى بالحجز الاحتياطي على أموال مصرف سوسيتيه جنرال في لبنان وعلى أموال رئيس وأعضاء مجلس إدارته وذلك ضمانة للحقوق المتوجبة لأبو غزاله من جرّاء حجز المصرف للأموال العائدة له، فلماذا يريد تقديم دعوى في الخارج، من دون أن يعني ذلك أني لست مع كل دعوى ترفع ضد عصابة المصارف، لكن في الواقع الدعاوى في لبنان فعالة أكثر". 

"حركة من دون بركة"

تفاعل عدد من السياسيين مع تغريدة الحبتور، من بينهم النائب اللواء أشرف ريفي، الذي اعتبر أن قرار رجل الأعمال الاماراتي "أكبر إدانة للمنظومة السياسية والمالية في لبنان"، مشدداً في تغريدة على ضم صوته لجميع المطالبين باسترداد الودائع وجنى العمر سواء كانوا لبنانيين أو عرب، وقال "نعم، لا بد من المحاسبة كي لا يُسرق الناس بدمٍ بارد. إن لم نطبّق مبدأ المساءلة والمحاسبة لن يرتدع السارقون (..)".

لكن خبير المخاطر المصرفية الباحث الاقتصادي، محمد فحيلي، يعتبر أن حركة اللجوء إلى القضاء لحل قضية أموال المودعين "من دون بركة"، مشدداً على أن "هناك تجييشا من قبل بعض المحامين لحث المودعين على رفع دعاوى على المصارف سواء في الداخل أم الخارج، لكن اللجوء إلى القضاء لحل النزاع بين المودع والمصرف أمر لا بد منه في الظروف الطبيعية، في حين ما يجري بين المصارف والمودعين، لا يمكن وصفه بأنه ظروف طبيعية". 

ويضيف "لا أحد يمكنه إنكار أحقية ما يُطالب به المودعون، لكن محاولة إقناعهم من قبل نقابة المحامين بإمكانية استرداد أموالهم في حال اللجوء إلى القانون 2/67 المعروف بـ "قانون إنترا"، غير واقعية في هذا الزمن، كون المشكلة لا تكمن بالقانون، بل بكل ما يمر به البلد".  

"السلطة السياسية هي من تتحمل بالدرجة الأولى مسؤولية تبخر أموال المودعين" بحسب خبير المخاطر المصرفية "بالتالي الدعاوى القضائية يجب أن تشملها لا أن تقتصر على المصارف التي لا شك أنها أخطأت لكن في ذات الوقت لا يمكن وصف هذه الأخطاء بالجرائم".

وشدد على أن "تجييش القضاء، سواء اللبناني أو الأجنبي، ضد المصارف يعيق المساعي لإعادة الحياة إلى القطاع التي تتطلب ضخ رأسمال جديد، ولن يقدم أصحاب رؤوس الأموال على الاستثمار في مؤسسات تعاني من فائض من الدعاوى ضدها وضد القيمين عليها". 

وسبق أن أكد المقرر الخاص للأمم المتحدة، المعني بمسألة الفقر المدقع وحقوق الإنسان أوليفييه دي شوتر، بعد زيارته لبنان في نوفمبر 2021، أن السلطة اللبنانية والمصرف المركزي مسؤولان عن أزمة مالية غير مسبوقة أدت الى "إفقار غير ضروري" لغالبية السكان الذين يتخبطون لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم".  

كما سبق أن صنف البنك الدولي أزمة لبنان بأنها واحدة من أشد ثلاث أزمات في العالم منذ خمسينيات القرن التاسع عشر، وباتت تعرض الاستقرار والسلم الاجتماعي في البلاد للخطر على المدى الطويل، محملاً الطبقة الحاكمة مسؤولية "الكساد المتعمد". 

وفي إطار تنفيذ لبنان لالتزاماته في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والقوانين اللبنانية الداخلية، اختمم وفد قضائي أوروبي من ألمانيا وفرنسا ولوكسمبورغ أولى استجواباته الشهر الماضي، مع مصرفيين لبنانيين ومسؤولين حاليين وسابقين في المصرف المركزي، وذلك في إطار تحقيق بغسل أموال مرتبط بالحاكم رياض سلامة. 

وقبل أيام أشار سلامة إلى أنه "كان هناك خطة لتحميلي شخصياً ومنفرداً مسؤولية الأزمة" مشدداً في حديث تلفزيوني على أنه تحت تصرف القضاء اللبناني والأجنبي. 

وفي خضم حرب "الدعاوى" عليها، تحاول المصارف الحصول على "سلاح قانوني" فتاك لإعلان الانتصار، إلا وهو قانون الكابيتال كونترول، الذي إذا أقر ستتوقف كما يقول بزي "مقاضاة المصارف وتعطى براءة ذمة وسيُحمل المودعون الخسائر" وكانت جمعية المصارف طلبت من السلطات اللبنانية تمريره بحجة أنه "يضع الضوابط على السحوبات والتحويلات إلى الخارج". 

لو ربح المودعون كل الدعاوى التي رفعوها ضد المصارف، لن يعيد ذلك بحسب فحيلي "قطرة من الثقة المفقودة بين الطرفين"، من هنا يرى أن "على القطاع المصرفي إطلاق عجلة التفاوض بين مصارفه ومودعيها (الدائنين) لترميم الثقة وإعادة الحياة والحيوية إلى ربوع المؤسسات المصرفية، وعلى المودعين أن يكونوا على يقين بأن الحفاظ على أموالهم يكون بالحفاظ على القطاع المصرفي (وليس بالضرورة كل مصرف) وإعادة انتظامه، كونه الممر الإلزامي لإنقاذ الاقتصاد وتعافيه ونموه". 

حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا
حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا

في تطوّر لافت وغير مسبوق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول كبير في حزب الله قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في سياق استراتيجية دفاع وطني، وذلك بشرط انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس الحدودية في جنوب لبنان ووقف الغارات. الإعلان بحد ذاته شكّل كسراً لما يعتبر أحد أبرز "التابوهات" في قاموس حزب الله منذ تأسيسه.

مصادر سياسية كشفت للوكالة أن الرئيس عون يعتزم إطلاق حوار مع الحزب بشأن السلاح، في إطار ما وصفه بـ"استراتيجية الأمن الوطني"، التي أعلن عن نيّته العمل على صياغتها فور توليه المنصب، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة دون سواها.

هذا التطور يأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على الحزب، حيث أكدت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، موقف واشنطن القوي بضرورة نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، مشددة على أن هذا يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع قناة (إل.بي.سي.آي) اللبنانية في السادس من أبريل، قالت أورتاغوس "من الواضح أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن إسرائيل لن تقبل بإطلاق الإرهابيين النار عليها داخل أراضيها، وهذا موقف نتفهمه".

هذا الموقف فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل حزب الله مستعد فعلاً للدخول في مفاوضات جديّة تنهي الثنائية الأمنية التي أرساها منذ عقود؟ أم أن ما يطرح لا يعدو كونه مناورة سياسية لشراء مزيد من الوقت؟ وما مدى واقعية الرهان على استراتيجية دفاعية وطنية تشمل الحزب؟

لكن الحزب لم يترك التأويلات مفتوحة طويلاً، إذ سارع العضو في مجلسه السياسي غالب أبو زينب إلى توضيح الموقف خلال مقابلة مع قناة "الجديد"، أمس الأربعاء، قائلاً "لم نوافق على تسليم السلاح أو نزعه. نحاور حول كيف يمكن للبنان أن يمتلك أوراق قوة أساسية يستطيع من خلالها أن يحافظ على وجوده في ظل هذه المتغيرات الكبيرة. لن نكون إلا في موقع قوة للبنان، وهذا السلاح ليس معروضاً للتسليم".

واليوم الخميس، قال النائب عن حزب الله حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي في مجلس النواب، إن الحزب "أبدى كامل الاستعداد للحوار بهدف التوصل إلى استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة اللبنانية"، مؤكداً أن "من أولوياتنا الحفاظ على لبنان محرراً، محمياً وقوياً، وحماية إنجازات مقاومته".

أبعاد إقليمية

رغم مسارعة أبو زينب إلى نفي استعداد الحزب لتسليم سلاحه، إلا أن مجرد ربط هذا السلاح بشروط محددة، "يُفرغ أي حوار مرتقب من مضمونه محوّلاً إياه إلى مجرد فولكلور ووعد نظري"، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، "لأن نزع السلاح مشروط بتنفيذ تفاهمات وقف الأعمال العدائية أي وقف إطلاق النار ابتداء من 27 نوفمبر الفائت وبالقرارات الدولية واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري".

ويذهب الزغبي أبعد من ذلك في حديث مع موقع "الحرة"، معتبراً أن الحزب لا يربط سلاحه بشروطه، بل بمصير الحوار الإيراني–الأميركي، ويقول "على ضوء نتائج هذا الحوار يتلقى التوجيه الإيراني بالموقف المناسب، وحتى ذلك الحين يسعى إلى كسب الوقت والمماطلة".

من جانبه يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "المشهد الإقليمي يشهد تغييرات جذرية تنعكس بشكل مباشر على وضع حزب الله في لبنان"، معتبراً أن الحزب أصبح أمام معادلة جديدة تفرض عليه التخلي عن سلاحه.

ويقول جبور لموقع "الحرة" إن "المسألة لم تعد مرتبطة بما يقوله حزب الله أو لا يقوله، بل بالواقع الإقليمي المتبدل كلياً"، موضحاً أن "الحزب خرج من الحرب الأخيرة مهزوماً، ووقّع اتفاقاً لوقف إطلاق النار ينص بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية في كل لبنان، فيما انقطع طريق إمداده من إيران نتيجة سقوط نظام الأسد".

ويشير جبور إلى أن هذه التطورات تتزامن مع معطيات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها "الإعلان الرسمي عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عمان، وتخلي الفصائل المدعومة من إيران في العراق عن مشروع السلاح، بالإضافة إلى إعلان طهران عدم مسؤوليتها عن الحوثيين في اليمن". واعتبر أن "هذه المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت إرسال رسائل 'حسن نية' إلى واشنطن، تتماشى مع شروط الأخيرة الثلاثة: التخلي عن الأذرع العسكرية، الصواريخ الباليستية، والمشروع النووي".

والأربعاء، اعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن "ربط مسألة نزع السلاح بقضايا أخرى يُعدّ مخالفة واضحة لتعهدات لبنان، ونكون نُضيّع وقتنا إذا اعتقدنا أن الإصلاح ممكن من دون حصر السلاح بيد الدولة".

كما أضاف في مؤتمر صحافي من المجلس النيابي "سمعنا الوزير غسان سلامة يتحدث عن أن موضوع السلاح خارج الدولة يرتبط بمسألة إعادة الإعمار، ونقول لرئيس الحكومة نواف سلام إن المطلوب منه اليوم هو تدبير سريع بحق الوزير سلامة لأنه يخالف البيان الوزاري والقرارات الدولية، وإن لم يتم فنحن كتكتل الجمهورية القوية قد نطرح الثقة به".

حوار بلا جدوى؟

"نزع السلاح ليس في حاجة إلى الحوار الذي قرره رئيس الجمهورية جوزف عون مدعوماً من الرئيسين بري وسلام"، كما يرى الزغبي "لأن قرار تسليمه "نافذ على أصله" كما في الأحكام القضائية، ولا يتطلّب سوى تنفيذ الاتفاقات والتعهدات المكتوبة، لكن السلطة تبرر الحوار بتفادي الصدام واهتزاز السلم الأهلي كما تقول. وفي أي حال، على هذا الحوار ألّا يطرح مبدأ نزع السلاح، بل الآلية والجدول الزمني للتنفيذ لئلّا يغرق في متاهات تساعد الحزب في المماطلة إلى درجة التملّص من تسليم سلاحه".

ويضيف الزغبي "الواضح أن الرئاسة اللبنانية تطرح "إستراتيجية الأمن الوطني" الأشمل بحيث تكون "الاستراتيجية الدفاعية" جزءاً منها، خلافاً لما يريده حزب الله للاحتفاظ بسلاحه تحت حجة عجز الجيش اللبناني وضرورة بقاء "المقاومة" لمواجهة إسرائيل، كما أن هناك خلافاّ داخله بين فريق متشدد يريد الاستمرار في المواجهة العسكرية وفريق يطالب باستخلاص دروس الحرب والانضواء تحت لواء الدولة، الأمر الذي يضاعف تعقيد الحوار وإفشاله".

من جانبه يقول جبور، "حزب الله أصبح اليوم أمام واقع لا يمكن الانقلاب عليه، ويتوجب عليه أن يتأقلم مع المستجدات، ويتخلى عن مشروعه المسلح، ويسلّم سلاحه".

وفي هذا السياق، لفت جبور إلى أن "المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وصفت حزب الله بـ'السرطان الذي يجب استئصاله'، بعد زيارتها الأخيرة إلى بيروت، كما أن السفارة الأميركية أعلنت في أعقاب الزيارة أن المحادثات تركزت على شقين أساسيين: سلاح حزب الله والإصلاحات، وأكدت أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه للدولة".

وفي السياق، رد رئيس الحكومة نواف سلام، من بكركي أمس الأربعاء، على سؤال حول الجدول الزمني لسحب سلاح حزب الله مؤكداً أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ستكون قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقال "عندما طُرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، كان جوابي أننا سنطلب سريعاً من الوزراء المعنيين، ولا سيما وزير الدفاع، تزويدنا بتقرير حول ما التزمنا به في البيان الوزاري، وكيف يمكننا التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية".

فرصة مؤقتة

يعيش لبنان في مرحلة "وقت ضائع"، كما يصفها جبور، "حيث كان يفترض أن تشهد البلاد انطلاقة جديدة مع عودة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، وأن تستعاد الدورة الاقتصادية والمالية. لكن ذلك لم يتحقق، والسبب تمسّك حزب الله بسلاحه".

ويتابع جبور "لقد تبيّن أن هذا السلاح لم ينجح في حماية الحزب، لا خلال الحرب ولا بعدها. وحدها الدولة تمتلك القدرة على تأمين الحماية لجميع اللبنانيين، بما فيهم حزب الله".

ويختم جبور بالتأكيد على أن "موضوع سلاح حزب الله انتهى"، معتبراً أن "كلما تم تسريع احتكار الدولة للسلاح، كلما اقترب لبنان من استعادة عافيته، ومن قيام دولة فاعلة تستعيد سيادتها ودورتها الاقتصادية والمالية".

من جانبه يرى الزغبي أن لبنان "أمام فرصة محدودة في الزمن لتلبية رغبة المواطنين في الاستقرار وشروط المجتمع الدولي، ولا يملك ترف الوقت المفتوح لحوار تم تجربته سابقاً على الطاولات الجامعة وانتهى إلى الفشل".

ولذلك لا بد بحسب الزغبي "من برمجة الحوار ضمن مهلة محددة، وفي حال بلوغه طريقاً مسدوداً تستعيد الدولة مبادرة معالجة السلاح تنفيذاً لكل الوثائق التي تؤكد حصر السلاح في يد الدولة. وإذا تلكأت أو فشلت فإن خطر تجدد الحرب يصبح ماثلاً وتعود إسرائيل إلى تدمير ما تبقى من ترسانات "الحزب"، ويدفع لبنان أثماناً إضافية".