الشاب قتل تحت التعذيب
أظهر تقرير الطب الشرعي وجود كدمات وعلامات حروق في عدة أجزاء من جسد عبد السعود | Source: MBN

"من دون رحمة قتلوه، يتّموا أطفاله الثلاثة، حرموني وإياهم من سندنا، أصبحنا ننام وأمعاؤنا خاوية. حتى الآن مرّت سبعة أشهر على الجريمة النكراء وها أنا انتظر عدالة الأرض والسماء، ولكي أضمن عدم إفلات الجناة من العقاب وضعت القضية بعهدة الأمم المتحدة"... بهذه الكلمات اختصرت حمدة السمير، زوجة اللاجئ السوري بشار عبد السعود، الذي قضى تحت التعذيب على يد جهاز أمن الدولة في لبنان، وجعها ومسار القضية التي هزّت الرأي العام.

تعود قضية عبد السعود إلى 30 أغسطس 2022، حين اعتقلته لجنة الأمن الداخلي لمخيم صبرا وشاتيلا للاجئين في مكان إقامته بأمرٍ من المديرية العامة لأمن الدولة اللبنانية لحيازته ورقة مزورة من فئة الخمسين دولاراً، لينُقل إلى قسم أمن الدولة في تبنين في جنوب لبنان حيث تعرض على أيدي أفرادها للتعذيب حتى فارق الحياة.

أظهر تقرير الطب الشرعي وجود كدمات وعلامات حروق في عدة أجزاء من جسد عبد السعود بالإضافة إلى علامات تشير إلى استخدام سوط أو سلك كهربائي، وخلص التقرير إلى أن وفاته نجمت عن تلف في الجهاز العصبي المركزي، بعد تعرضه لإصابات أدت إلى ألم شديد ومعاناة كبيرة.

في 2 سبتمبر 2022، أمر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية باحتجاز خمسة عناصر بينهم ضابط من فرع أمن الدولة في تبنين، وأحالهم إلى قاضية التحقيق العسكري نجاة أبو شقرا، التي وجهت في 29 نوفمبر تهمة التعذيب إليهم بموجب قانون مناهضة التعذيب لعام 2017، ورغم ذلك يعترض وكيل عائلة عبد السعود، مدير مركز حقوق السجين في نقابة المحامين في طرابلس والمدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، على متابعة القضاء العسكري للقضية بدلاً من القضاء العدلي تطبيقا لقانون أصول المحاكمات الجزائية، وذلك "مراعاة لمتطلبات الحياد والاستقلالية".

مخاوف صبلوح من تسويف وتمييع القضية وإفلات الجناة من العقاب، دفعته كما يقول لموقع "الحرة" إلى تقديم شكوى إلى الأمم المتحدة بالتعاون مع منظمة "مينا رايت"، هذه المخاوف لم تأت من فراغ كما يشدد "بل من تجارب عديدة تتعلق بـ 30 قضية تعذيب خلال السنوات الثلاث الأخيرة، جميعها تم حفظها لينجو المجرم من العقاب".

ويضيف "وصل الرد الأممي إلى الحكومة اللبنانية برسالة شديدة اللهجة نتمنى أن تحترمها قبل أن تظهر مفاعيلها خلال المراجعة الدولية الشاملة التي تعقد في مقر الأمم المتحدة في جنيف مرة كل أربعة سنوات، حيث ستطلع الدول المشاركة على الرسالة والتقارير الموثقة التي تثبت عدم إقدام السلطة اللبنانية على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة منها، وبالتالي سيتم تهديدها بقطع المساعدات عن الأجهزة الأمنية في حالة استمرارها بارتكاب مثل هذه الانتهاكات، نتأسف أنه لم يعد لدينا سوى هذه الوسيلة لمعاقبة مرتكبي جريمة التعذيب".

"بقعة" طمأنينة

تصف حمدة كيف أن ولديها يسارعان كلما سمعا الباب يُطرق ظناً منهما أن والدهما قد عاد، وكيف أن صغيرها ذات الشهور التسعة لن يعرف وجه والده عندما يكبر إلا من خلال الصور، وتقول "حتى زيارة قبر زوجي حرمت منها، إذ لا أعلم حتى الآن ماذا حلّ بجثته، فبعد أن انتظرنا الكشف عليها من قبل الطبيب الشرعي الذي أثبت أن بشار قتل تحت التعذيب، طالب والده بنقل جثمانه إلى سوريا لدفنه، لكن اطلع أنه جرى دفنه من دون تحديد المكان".

وتضيف "الوجع كبير جداً، حتى الآن لا يمكنني استيعاب كل هذا الحمل الذي ألقى على كتفي، فأنا معدمة مادياً، أعيش تحت خط الفقر، أفكر طوال الشهر في كيفية تأمين بدل إيجار الغرفة التي أسكنها في مخيم شاتيلا والبالغ مليوني ليرة وفاتورة المولد التي وصلت إلى مليون و700 ألف ليرة، وفيما إن كان الجيران سيقدمون لي ولأطفالي وجبة طعام أم أنه سيمر اليوم علينا من دون أن نسد جوعنا حتى برغيف خبز".

تعيش ابنة دير الزور رعباً من المستقبل وتقول "ما الذي ينتظرنا وأنا لا أملك المال لتعليم أولادي، فحتى تكلفة باص نقل الطلاب أعجز عن تأمينها، وفي ذات الوقت لا يمكنني العودة إلى بلدي ورمي مسؤوليتنا على أهلي، فوالدي ضرير ووالدتي امرأة عجوز، ولكل الوجع الذي أمرّ فيه آمل ألا يخيب ظني وأن يدفع المجرمون الثمن وأن يذيقهم الله من ذات الكأس المرّ الذي أجبروني على تجرّعه".

ما يطمئن حمدة كما تشدد رسالة المقرر الخاص للأمم المتحدة التي وجهها إلى الحكومة اللبنانية، قائلة "شاركني من خلالها هواجسي من تمييع القضية"، ومما جاء في رسالته "نُعرب عن قلقنا العميق إزاء غياب تحقيق فعال ونزيه ومستقل في الأسباب والظروف التي أدت إلى وفاة عبد السعود أثناء احتجازه، الذي يبدو احتجازاً تعسفياً، وغير قانوني من قبل عناصر أمن الدولة في تبنين، وبشكلٍ خاص في الشكوك القوية بتعرض الضحية للتعذيب في ضوء العلامات الكثيرة المرئية على جسده".
 
وأضاف "كانت أوجه القصور المماثلة التي أثارتها هذه القضية موضوع بلاغات سابقة موجهة إلى حكومة حضرتكم. يشير التعامل مع هذه القضايا - التي نؤكد على خطورتها الاستثنائية لأنها تتعلق بادعاءات خطيرة بشأن أعمال التعذيب ووفاة أشخاص في الحجز من قبل القضاء العسكري الذي ربما تكون كياناته متورطة في مثل هذه الأعمال - إلى غياب متطلبات الاستقلال وعدم الحياد الضرورية في مثل هذه التحقيقات والإجراءات القانونية".

يتعارض التعذيب كما جاء في الرسالة "مع مختلف الأحكام المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادق عليه لبنان في 3 نوفمبر 1972، وفي اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي صادق عليها لبنان في 5 أكتوبر 2000. يشكل الحق في الحياة قاعدة من القواعد الآمرة والقانون الدولي العرفي التي تنطبق في جميع الأوقات وتتطلب من الدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اتخاذ تدابير خاصة لحماية الأشخاص - بمن فيهم اللاجئون - في حالات الضعف الذين تعرّض حياتهم للخطر بسبب التهديدات أو أنماط العنف".

استجواب أممي 

طلب المقرر الأممي من الحكومة اللبنانية تقديم معلومات محددة عن أسباب "توقيف عبد السعود، والأساس القانوني لاعتقاله، وفيما إن تم تقديم مذكرة توقيف أثناء الاعتقال، وإذا كان الأمر كذلك، فمن هي الجهة التي وقّعت عليها، كما طلب تقديم معلومات محددة ومفصلة عن الأسباب والظروف التي أدت إلى وفاته في الحجز بعد ساعات من اعتقاله".

ومما طلبه كذلك "معلومات محددة عن تحقيقات الطب الشرعي التي أُجريت على جثة عبد السعود بعد وفاته في الحجز، والتقدُّم المُحرز في التحقيق ونتائج التحقيق التي تم إبلاغها لأسرته، وشرح أسباب نقل التحقيقات وإجراءات المحاكمة المتعلقة بوفاته إلى القضاء العسكري اللبناني وكيف تم احترام متطلبات الاستقلالية والحياد المنصوص عليها في المعايير الدولية، وتبيان الخطوات المتخذة أو المزمع اتخاذها لإحالة القضية إلى المحاكم المدنية العادية".

منح المقرر الأممي الحكومة اللبنانية ستين يوماً للإجابة عن تساؤلاته، لكن انتهت المهلة من دون أي إجابة، عن ذلك يعلّق صبلوح "سكوتها يشير إلى إرباكها، لا سيما وأن هناك محاولات لطمس الحقيقة، أولى هذه المحاولات كما ذكرت متابعة القضاء العسكري للملف، ثانيها ادعاء المتهمين بأن الضحية فارقت الحياة نتيجة جرعة زائدة من المخدرات، ثالثا عدم تسليم تقرير الأدلة الجنائية والمختبرات ولا حتى صور جثة بشار إلى رئيس المحكمة رغم مرور سبعة أشهر على الجريمة".

يشرح صبلوح أنه "في المحكمة العسكرية، يمنع المدعي الشخصي في القضية من المشاركة أو التعليق طوال مدة المحاكمة، حيث يحق له حضور الجلسات فقط من دون النطق بأي كلمة، وفوق هذا كان رئيس المحكمة يريد عقد جلسة سرية ما يعني عدم تمكننا من الاطلاع على مجرياتها، وبعد ان تراجع أطلعته أن بحوزتي قرص فيديو يثبت آثار الضرب والتعذيب على عبد السعود، فكلفني بإبرازه".

ومما يثير الهواجس كذلك بحسب صبلوح انه "بعد أربعة أيام من إحالة الملف إلى القضاء العسكري تم تحديد جلسة، وهذا أمر مستغرب، ففي القضايا الجنائية الأخرى تحدد أولى الجلسات بعد ثمانية أشهر، اما الجلسة الثانية لقضية عبد السعود فحددت في 5 يونيو، وهنا أخشى من أن يكون إطالة المدة من باب الرهان على نسيان الرأي العام للقضية".

في الجلسة القادمة سيطلب المحامي ضم رسالة المقرر الخاص للأمم المتحدة إلى الملف، "حتى لو لم يكن القانون يسمح لي بذلك، فهدفي أن يعلم رئيس المحكمة ان القضية قيد المتابعة الإعلامية والاممية وانه من غير المسموح له التسويف والمماطلة، مع العلم أنه لو لم أقدم على هذه الخطوة لكان أخلي سبيل كل المتهمين في القضية، وقبل ايام علمت بأنه أطلق سراح متهمَيْن ليبقى الضابط وعنصر واحد".

سلسلة تطول

بين الفترة والأخرى تطفو على السطح قصة تعذيب جديدة في لبنان، ففي شهر يونيو الماضي ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بفيديوهات صادمة تظهر ضرب وتعذيب عمال لبنانيين وسوريين، منهم قاصرون، على يد صاحب ارض زراعية في منطقة مجدل العاقورة (قضاء جبيل في محافظة جبل لبنان)، وذلك بحجة سرقتهم مبلغ مليون ليرة.

وفي شهر أغسطس الماضي ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بمقطع فيديو لـ"شاويش" في أحد الحقول الزراعية اللبنانية وهو يضرب ويجلد أطفالاً سوريين، وقبل أيام تم تداول صور اللاجئ السوري غ. ب البالغ من العمر 15 سنة والتي تظهر تعرضه للضرب المبرح علىِ يد شرطي بلدية بزبينا في عكار شمال لبنان.

المركز اللبناني لحقوق الانسان شرح أن الحادثة وقعت في 12 فبراير الحالي، "بحجة سرقة محفظة"، وذلك قبل أن يتضّح لاحقاً أن ذلك غير صحيح، مضيفاً في بيان "بحسب الادعاء الذي قدمه القاصر في مركز شرطة بينو في عكار، فقد اختطفه د.ش. خلال عمله في أحد المقاهي، ومن ثم اقتاده إلى منطقة منعزلة، وضربه، وهدده بالقتل، وأطلق النار بالقرب منه. بالإضافة إلى ذلك، قام بإجباره على الاعتراف بأنه سرق المحفظة في فيديو سجله شرطي البلدية".

واعتبر المركز اللبناني لحقوق الانسان ان "بلدية بزبينا فشلت في البداية في اتخاذ إجراءات ومواصلة التحقيق في جريمة د.ش، حيث لجأت إلى تغطيته والقول إن «الحادث شخصي» لم يحصل اثناء خدمة الشرطي، بالإضافة إلى ذلك، ادعت البلدية أن القاصر له تاريخ في السرقة، الامر الذي تم نفيه من قبل عائلته. ومع ذلك، قرر المجلس البلدي في وقت لاحق فصل د.ش. من مهامه كشرطي بلدي".  

وشدد على انه "لا يمكن لأي اتهام ان يكون مبرر لانتهاك حقوق الانسان" داعياً إلى المزيد من التحقيقات في هذا الهجوم لمحاسبة د.ش. على أفعاله استنادا الى القانون 65/2017 المتعلق بتجريم التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، معتبراً أنه "من الضروري التصدي للتحريض ولثقافة الإفلات من العقاب السائدة والتي تساهم باستمرار جرائم الكراهية والتهميش ضد اللاجئين السوريين في لبنان، خاصةً في ظل تنامي العنصرية والكراهية ضدهم".

وفي حديث مع موقع "الحرة" قال رئيس المركز وديع الأسمر، "للأسف معظم من لديهم سلطة في لبنان، يعتبرون أنفسهم محققون وقضاة، هؤلاء يجب أن يكون عقابهم مزدوجاً، أولا بسبب ممارستهم للتعذيب وثانيا لأنهم يتخطون صلاحياتهم الوظيفية"، وفيما يتعلق بقضية عبد السعود، اعتبر أن "القرار الذي اصدرته قاضية التحقيق العسكري، نجاة أبو شقرا، خطوة إيجابية بغض النظر عن اننا لا نعلم إلى أين ستصل القضية، إلا أنها من المرات النادرة التي يتم فيها توقيف من مارسوا التعذيب ومن اعطى الأمر لهم".

يشدد الأسمر على أن "التعذيب جريمة مزدوجة وليس أداة للتحقيق، أولا هو جريمة بحق الشخص الذي يمارس التعذيب ضده للاعتراف بارتكاب جنحة أو جناية، وثانياً هو جريمة بحق ضحايا الجنحة أو الجناية كونهم لا يعلمون فيما إن كان المتهم اعترف بما لم يرتكبه للخلاص من التعذيب" ويضيف "رغم تصديق مجلس النواب اللبناني على قانون مناهضة التعذيب، إلا أنه لا زلنا نلحظ استمرار اعتبار الأجهزة الأمنية هذه الجريمة بأنها جزء من التحقيق، وما زلنا نلمس تساهل القضاء مع هذه الانتهاكات".

متطلبات الردع

تكمن الاشكالية القانونية الكبرى بحسب الأسمر "في تحويل ملفات التعذيب إلى القضاء العسكري الذي لا يضمن محاكمة عادلة، كون المتهمون في هذه القضايا من الأجهزة الأمنية فيما الضحايا من المدنيين".

سبق ان ناشدت منظمة العفو الدولية السلطات اللبنانية بنقل قضية عبد السعود من المحكمة العسكرية "التي لا تتلاءم مع معايير المحاكمة العادلة إلى القضاء الجزائي العادي، بما يتماشى مع القانون اللبناني والمعايير القانونية الدولية التي تؤكد على أن المحاكمات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان يجب أن تتم في المحاكم الجزائية العادية لضمان تحقيق العدالة".

وشددت على أن "عشرات الشكاوى التي تستند إلى قانون مناهضة التعذيب لا تزال من دون تحقيق" وبأنها توثق بانتظام "استخدام التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة في مراكز الاحتجاز اللبنانية. وفي مارس 2021، أصدرت المنظمة تقريراً يوثق مجموعة من الانتهاكات، بما في ذلك التعذيب، ضد 26 لاجئاً سورياً، من بينهم أربعة أطفال، جرى احتجازهم بتهم تتعلق بالإرهاب بين عاميْ 2014 و2021".

إذا كان هدف صبلوح من الشكوى التي تقدم بها إلى الأمم المتحدة في قضية عبد السعود "الضغط على السلطة اللبنانية لكي يسلك الملف المسار الصحيح" فإن الأسمر يرى أنه "في اغلب الأحيان يكون الهدف من اللجوء إلى الأمم المتحدة إعطاء القاضي مساحة أكبر من الاستقلالية لممارسة مهامه من دون أي تدخلات ووساطات لتقويض العدالة".

من يملك قدرة الحد من ارتكاب جريمة التعذيب بحسب رئيس المركز اللبناني لحقوق الانسان "هو القضاء، فإيقاف ومعاقبة أي متورط من أي جهاز أمني كفيل بردع بقية زملائه، وذلك بالتوازي مع لعب الوزارات المسؤولة عن هذه الأجهزة دورها بممارسة رقابة جدّية على العناصر والضباط واغلاق غرف التعذيب".

حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا
حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا

في تطوّر لافت وغير مسبوق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول كبير في حزب الله قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في سياق استراتيجية دفاع وطني، وذلك بشرط انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس الحدودية في جنوب لبنان ووقف الغارات. الإعلان بحد ذاته شكّل كسراً لما يعتبر أحد أبرز "التابوهات" في قاموس حزب الله منذ تأسيسه.

مصادر سياسية كشفت للوكالة أن الرئيس عون يعتزم إطلاق حوار مع الحزب بشأن السلاح، في إطار ما وصفه بـ"استراتيجية الأمن الوطني"، التي أعلن عن نيّته العمل على صياغتها فور توليه المنصب، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة دون سواها.

هذا التطور يأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على الحزب، حيث أكدت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، موقف واشنطن القوي بضرورة نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، مشددة على أن هذا يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع قناة (إل.بي.سي.آي) اللبنانية في السادس من أبريل، قالت أورتاغوس "من الواضح أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن إسرائيل لن تقبل بإطلاق الإرهابيين النار عليها داخل أراضيها، وهذا موقف نتفهمه".

هذا الموقف فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل حزب الله مستعد فعلاً للدخول في مفاوضات جديّة تنهي الثنائية الأمنية التي أرساها منذ عقود؟ أم أن ما يطرح لا يعدو كونه مناورة سياسية لشراء مزيد من الوقت؟ وما مدى واقعية الرهان على استراتيجية دفاعية وطنية تشمل الحزب؟

لكن الحزب لم يترك التأويلات مفتوحة طويلاً، إذ سارع العضو في مجلسه السياسي غالب أبو زينب إلى توضيح الموقف خلال مقابلة مع قناة "الجديد"، أمس الأربعاء، قائلاً "لم نوافق على تسليم السلاح أو نزعه. نحاور حول كيف يمكن للبنان أن يمتلك أوراق قوة أساسية يستطيع من خلالها أن يحافظ على وجوده في ظل هذه المتغيرات الكبيرة. لن نكون إلا في موقع قوة للبنان، وهذا السلاح ليس معروضاً للتسليم".

واليوم الخميس، قال النائب عن حزب الله حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي في مجلس النواب، إن الحزب "أبدى كامل الاستعداد للحوار بهدف التوصل إلى استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة اللبنانية"، مؤكداً أن "من أولوياتنا الحفاظ على لبنان محرراً، محمياً وقوياً، وحماية إنجازات مقاومته".

أبعاد إقليمية

رغم مسارعة أبو زينب إلى نفي استعداد الحزب لتسليم سلاحه، إلا أن مجرد ربط هذا السلاح بشروط محددة، "يُفرغ أي حوار مرتقب من مضمونه محوّلاً إياه إلى مجرد فولكلور ووعد نظري"، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، "لأن نزع السلاح مشروط بتنفيذ تفاهمات وقف الأعمال العدائية أي وقف إطلاق النار ابتداء من 27 نوفمبر الفائت وبالقرارات الدولية واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري".

ويذهب الزغبي أبعد من ذلك في حديث مع موقع "الحرة"، معتبراً أن الحزب لا يربط سلاحه بشروطه، بل بمصير الحوار الإيراني–الأميركي، ويقول "على ضوء نتائج هذا الحوار يتلقى التوجيه الإيراني بالموقف المناسب، وحتى ذلك الحين يسعى إلى كسب الوقت والمماطلة".

من جانبه يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "المشهد الإقليمي يشهد تغييرات جذرية تنعكس بشكل مباشر على وضع حزب الله في لبنان"، معتبراً أن الحزب أصبح أمام معادلة جديدة تفرض عليه التخلي عن سلاحه.

ويقول جبور لموقع "الحرة" إن "المسألة لم تعد مرتبطة بما يقوله حزب الله أو لا يقوله، بل بالواقع الإقليمي المتبدل كلياً"، موضحاً أن "الحزب خرج من الحرب الأخيرة مهزوماً، ووقّع اتفاقاً لوقف إطلاق النار ينص بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية في كل لبنان، فيما انقطع طريق إمداده من إيران نتيجة سقوط نظام الأسد".

ويشير جبور إلى أن هذه التطورات تتزامن مع معطيات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها "الإعلان الرسمي عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عمان، وتخلي الفصائل المدعومة من إيران في العراق عن مشروع السلاح، بالإضافة إلى إعلان طهران عدم مسؤوليتها عن الحوثيين في اليمن". واعتبر أن "هذه المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت إرسال رسائل 'حسن نية' إلى واشنطن، تتماشى مع شروط الأخيرة الثلاثة: التخلي عن الأذرع العسكرية، الصواريخ الباليستية، والمشروع النووي".

والأربعاء، اعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن "ربط مسألة نزع السلاح بقضايا أخرى يُعدّ مخالفة واضحة لتعهدات لبنان، ونكون نُضيّع وقتنا إذا اعتقدنا أن الإصلاح ممكن من دون حصر السلاح بيد الدولة".

كما أضاف في مؤتمر صحافي من المجلس النيابي "سمعنا الوزير غسان سلامة يتحدث عن أن موضوع السلاح خارج الدولة يرتبط بمسألة إعادة الإعمار، ونقول لرئيس الحكومة نواف سلام إن المطلوب منه اليوم هو تدبير سريع بحق الوزير سلامة لأنه يخالف البيان الوزاري والقرارات الدولية، وإن لم يتم فنحن كتكتل الجمهورية القوية قد نطرح الثقة به".

حوار بلا جدوى؟

"نزع السلاح ليس في حاجة إلى الحوار الذي قرره رئيس الجمهورية جوزف عون مدعوماً من الرئيسين بري وسلام"، كما يرى الزغبي "لأن قرار تسليمه "نافذ على أصله" كما في الأحكام القضائية، ولا يتطلّب سوى تنفيذ الاتفاقات والتعهدات المكتوبة، لكن السلطة تبرر الحوار بتفادي الصدام واهتزاز السلم الأهلي كما تقول. وفي أي حال، على هذا الحوار ألّا يطرح مبدأ نزع السلاح، بل الآلية والجدول الزمني للتنفيذ لئلّا يغرق في متاهات تساعد الحزب في المماطلة إلى درجة التملّص من تسليم سلاحه".

ويضيف الزغبي "الواضح أن الرئاسة اللبنانية تطرح "إستراتيجية الأمن الوطني" الأشمل بحيث تكون "الاستراتيجية الدفاعية" جزءاً منها، خلافاً لما يريده حزب الله للاحتفاظ بسلاحه تحت حجة عجز الجيش اللبناني وضرورة بقاء "المقاومة" لمواجهة إسرائيل، كما أن هناك خلافاّ داخله بين فريق متشدد يريد الاستمرار في المواجهة العسكرية وفريق يطالب باستخلاص دروس الحرب والانضواء تحت لواء الدولة، الأمر الذي يضاعف تعقيد الحوار وإفشاله".

من جانبه يقول جبور، "حزب الله أصبح اليوم أمام واقع لا يمكن الانقلاب عليه، ويتوجب عليه أن يتأقلم مع المستجدات، ويتخلى عن مشروعه المسلح، ويسلّم سلاحه".

وفي هذا السياق، لفت جبور إلى أن "المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وصفت حزب الله بـ'السرطان الذي يجب استئصاله'، بعد زيارتها الأخيرة إلى بيروت، كما أن السفارة الأميركية أعلنت في أعقاب الزيارة أن المحادثات تركزت على شقين أساسيين: سلاح حزب الله والإصلاحات، وأكدت أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه للدولة".

وفي السياق، رد رئيس الحكومة نواف سلام، من بكركي أمس الأربعاء، على سؤال حول الجدول الزمني لسحب سلاح حزب الله مؤكداً أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ستكون قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقال "عندما طُرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، كان جوابي أننا سنطلب سريعاً من الوزراء المعنيين، ولا سيما وزير الدفاع، تزويدنا بتقرير حول ما التزمنا به في البيان الوزاري، وكيف يمكننا التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية".

فرصة مؤقتة

يعيش لبنان في مرحلة "وقت ضائع"، كما يصفها جبور، "حيث كان يفترض أن تشهد البلاد انطلاقة جديدة مع عودة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، وأن تستعاد الدورة الاقتصادية والمالية. لكن ذلك لم يتحقق، والسبب تمسّك حزب الله بسلاحه".

ويتابع جبور "لقد تبيّن أن هذا السلاح لم ينجح في حماية الحزب، لا خلال الحرب ولا بعدها. وحدها الدولة تمتلك القدرة على تأمين الحماية لجميع اللبنانيين، بما فيهم حزب الله".

ويختم جبور بالتأكيد على أن "موضوع سلاح حزب الله انتهى"، معتبراً أن "كلما تم تسريع احتكار الدولة للسلاح، كلما اقترب لبنان من استعادة عافيته، ومن قيام دولة فاعلة تستعيد سيادتها ودورتها الاقتصادية والمالية".

من جانبه يرى الزغبي أن لبنان "أمام فرصة محدودة في الزمن لتلبية رغبة المواطنين في الاستقرار وشروط المجتمع الدولي، ولا يملك ترف الوقت المفتوح لحوار تم تجربته سابقاً على الطاولات الجامعة وانتهى إلى الفشل".

ولذلك لا بد بحسب الزغبي "من برمجة الحوار ضمن مهلة محددة، وفي حال بلوغه طريقاً مسدوداً تستعيد الدولة مبادرة معالجة السلاح تنفيذاً لكل الوثائق التي تؤكد حصر السلاح في يد الدولة. وإذا تلكأت أو فشلت فإن خطر تجدد الحرب يصبح ماثلاً وتعود إسرائيل إلى تدمير ما تبقى من ترسانات "الحزب"، ويدفع لبنان أثماناً إضافية".