الإضراب في لبنان يؤثر على التلاميذ
الإضراب في لبنان يؤثر على التلاميذ

لأنهم الحلقة الأضعف، و"كبش محرقة" في الخلاف القائم بين أساتذة التعليم الرسمي ووزارة التربية اللبنانية، قررت ثلاث معلمات من مدرسة زوطر الغربية الرسمية، في جنوب لبنان، إحداث خرق بسيط في "جدار" الإضراب الذي ينفذّه زملاؤهن منذ حوالي شهرين، فحولن منازلهم إلى صفوف مجانية لتدريس  المنهج التعليمي.

هي مبادرة إنسانية هدفها الأساسي، حسبما قالت معلمة اللغة الإنكليزية، سوسن دياب "رفع الظلم عن التلاميذ الذين يدفعون ثمن عدم تلبية السلطة اللبنانية لمطالب الأساتذة المحقة، وكذلك عدم قدرة أهلهم على تسجيلهم في مدارس خاصة لارتفاع أقساطها وبدلات النقل، من هنا كان لابد من الوقوف إلى جانبهم وإضاءة شمعة في طريق مستقبلهم المظلم".

وأعلن المتعاقدون في التعليم الرسمي الإضراب ومقاطعة التعليم الشهر الماضي ردا على "إهانة" وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال، عباس الحلبي، بإعلانه "دعم إنتاج المعلمين بـ 5 دولارات يومياً"، وذلك "حتى الحصول على مستحقاتهم المتأخرة كاملة وعلى قرار رسمي واضح عن كيفية احتساب الحوافز وبدل النقل عن هذا العام وتحديد آلية مضمونة لقبض المستحقات المقبلة".

ومنذ إعلان الإضراب، ودياب على تواصل دائم مع تلاميذها عبر مجموعة على "واتساب" للإجابة عن أسئلتهم، إلى أن قررت دعوتهم جميعا إلى منزلها لإكمال صفوف التعليم. وعن ذلك تشرح لموقع "الحرة"، "بدأت الفكرة بعدما زارتني تلميذة لأشرح لها درسا، عندها وجدت أنه من الأفضل لي وللتلاميذ أن نجتمع في منزلي بدلا من أن أمضي طوال الوقت على الهاتف للإجابة عن استفساراتهم، لاسيما وأنهم جميعا من ذات البلدة، وبالتالي لن يتكلف أهلهم بدل تنقلاتهم".

طرحت معلمة اللغة الإنكليزية على تلاميذها وأهلهم الفكرة، فلاقت ترحيبا كبيرا، وبعد أسبوعين من الإضراب، بدأت بتخصيص ساعتين في الأسبوع للصف السابع ومثلها للصف الثامن، وتقول: "كنت أشعر بالحزن حين يذهب ولديّ إلى المدرسة الخاصة التي نقلتهما إليها قبل عامين بسبب الإضرابات، في حين يتابع ابني البكر تعليمه في الجامعة، أما تلاميذي فعاجزون عن ذلك، يمضون وقتهم بين المنزل والشارع محرومين من التعليم من دون أي ذنب".

ضوء في النفق المظلم

حوّلت دياب غرفة الطعام إلى مقاعد دراسية، وتستقبل التلاميذ وتتابع المنهاج معهم كأنهم في المدرسة، فلم يختلف شيئ سوى المكان، وتشرح: "استقبل نحو 20 تلميذا، فأحيانا يصطحب بعضهم أشقاءهم للاستفادة من الدروس في ظل تراجع مستوى تلاميذ المدارس الرسمية سواء بسبب جائحة كورونا التي فرضت التعليم عن بعد لمدة سنتين أو بسبب إضراب الأستاذة في السنة الماضية والحالية، وإذا أردنا مقارنة مستواهم التعليمي مع تلاميذ المدارس الخاصة فسيظهر أن الفرق شاسع جدا وهذا ما ستكشفه الامتحانات الرسمية".

وكذلك فضّلت معلمة الرياضيات هيفاء علّوه الوقوف إلى جانب تلاميذها، ومنذ الأسبوع الأول للإضراب، عرضت على أهلهم متابعة الدروس في منزلها، وبحسب ما تقوله :"أن تضيء شمعة خير من أن تلعن الظلام، ومن المؤكد أنني لست سعيدة بهذا الوضع غير الطبيعي، قلبي يؤلمني على تلاميذ المدارس الرسمية ومن بينهم ولديّ، اللذان نقلْتهما من مدرسة خاصة إلى المدرسة الرسمية التي أعمل بها كوني مطمئنة للمستوى الجيد للأساتذة فيها، من دون أن أتوقع أن يصل الأمر إلى إغلاق أبوابها كل هذه المدة، في وقت تحول الظروف الاقتصادية دون إمكانية تسجيلهما من جديد في مدرسة خاصة مع شقيقهما الأصغر".

تخصص علّوه ثلاث ساعات في الأسبوع لتلاميذها، في محاولة كما تقول لموقع "الحرة" "لتعويض ما فاتهم من الدروس قدر المستطاع، وهم سعداء جدا بإكمال تعليمهم، لكن ما يُفطر القلب، تلاميذ الشهادات الرسمية المنقطعون عن الدراسة، إذ كيف يمكن أن ينجح هؤلاء في الامتحانات، وفي حال رسوبهم يعني أنهم يخسرون سنة من حياتهم، ربما ذلك سيدفع بعضهم إلى عدم الرغبة لإكمال تعليمهم، وسيسيرون في طريق معبد بالأشواك فُرض عليهم".

من جانبها، وضعت معلمة اللغة العربية، خديجة الحاج، نفسها مكان كل أم حُرِم ابنها من متابعة تعليمه بسبب الإضراب، وبالنسبة لها كل مطالب الأساتذة لا تساوي شيئّاً أمام تدمير مستقبل جيل كامل، مشددة على أنه "لا يعني ذلك أني ضد الإضراب أو أن مطالبنا غير محقة، لكن في الوقت ذاته لا أريد أن يلسع التلاميذ بالنار التي تكوي الشعب اللبناني وتكوينا، وتمتد ألسنتها لتحرق سنة دراسية أخرى، تطال أيضا ولديّ اللذين يتعلمان في المدرسة الرسمية، حيث أن الكبير في الصف الثانوي الثاني، والآخر في الصف السابع، لذلك أفضل الاستمرار بأداء مهمتي سواء من منزلي حضوريّاً أو من المدرسة، إذ إن الضيعة ليست كبيرة، ونستطيع الوصول إليها سيراً على الأقدام إن اضطر الأمر".

ولا يخفى على أحد أن سنوات التعليم الأربع الأخيرة في المدارس الرسمية تكاد لا تساوي سنة تعليمية واحدة من السنوات التعليمية الطبيعية، وفق الحاج "وقد زاد الطين بلة إدمان التلاميذ على مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن أصبح لديهم هواتف منذ خضوعهم للتعليم أونلاين في فترة تفشي وباء كورونا، ما أدى إلى تراجع مستواهم في اللغة العربية، لذلك كان لابد من فتح كوة في النفق المظلم لمستقبلهم، من هنا حملت هذه المسؤولية وقررت الوقوف إلى جانبهم".

عدوى إيجابية

ولم ينعكس الإضراب سلباً على نفسية التلاميذ فقط، بل كذلك على أهلهم، بحسب ما تؤكد إيمان عز الدين، والدة أحدهم، معبرة عن حزنها الشديد لحرمانهم من حقهم في التعليم بشكل طبيعي، وتقول: "ابني في الصف السابع أي أنه في مرحلة تأسيسية تحتاج إلى متابعة عن قرب، نعم خطوة الأساتذة مشكورة جدا لكنها لا يمكن أن تحل مكان المدرسة، لذلك أتمنى أن يفك الأضراب في القريب العاجل، لأن من يدفع الثمن من مستقبلهم هم التلاميذ".

لجأت عز الدين إلى المدرسة الرسمية كونها تثق بكفاءة أساتذتها، لكن إذا استمر الوضع على ما هو عليه لن يكون أمامها سوى التفكير بمصلحة ابنها أي نقله إلى مدرسة خاصة، وإن كان خياراً كما تقول لا تتمنى أن تجبر عليه.

وإلى حين فك الإضراب، تأمل دياب أن تتوسع المبادرة التي أقدمت وزميلتاها عليها، وأن تصبح عدوى إيجابية تطال عدداً أكبر من الأساتذة، وتقول: "ننسق مع بعضنا في تحديد الأيام الدراسية لتلاميذنا، بانتظار أن ينصفنا المعنيون في الشأن التربوي ونعود إلى الوضع الطبيعي، فكل يوم اضراب يمر خسارة على الأساتذة المتعاقدين كون راتبهم ليس ثابتا، بل يتوقف على عدد الساعات التي يعملونها، وقد وصلنا إلى المرحلة أصبح فيها راتب الأستاذ من أدنى الرواتب في الدولة، ومن المعيب أن تعادل ساعة التعليم دولارا واحدا، فهذا استهتار بحقوقنا وبالرسالة التي نقدمها وبمستقبل تلاميذنا".

وعن إقرار الحكومة خمسة ليترات بنزين عن كل يوم عمل فعلي، علّقت: "هذا يتعلق ببدل النقل لكن ماذا عن عملنا هل يتوجب علينا أن نشرح الدروس مجانا".

وتتهم علّوه السلطات السياسية بمحاولة تدمير المدارس الرسمية بعدم اتخاذ أي خطوة جدية لإنهاء الأزمة". وتشرح علّوه: "هذا لا ينفي أني واقعية وأعلم عدم قدرة الحكومة على تلبية كل مطالبنا نتيجة إفلاس خزينة الدولة، لكن بالحد الأدنى عليها تأمين بدل النقل وإعطائنا الحوافز المحددة بالدولار الأميركي، وإذا كان التعليم رسالة، كيف يتمكن الأساتذة من إيصالها في ظل كل الظروف الخانقة التي يعيشونها، فلا راتب يكفي ولا تأمين صحي، في وقت وصل فيه سعر صرف الدولار إلى أرقام خيالية".

ولا تعلم معلمة الرياضيات ما إن كانت ستستفيد من إقرار الحكومة خمس ليترات بنزين بدل نقل عن كل يوم عمل فعلي، كونها من المستعان بهم، أي من الأساتذة الذين تدفع الدول المانحة رواتبهم، وتشرح "يفترض بالمستعان بهم تعليم اللاجئين السوريين في فترة ما بعد الظهر، لكن وزارة التربية تستفيد منهم كذلك في تعليم التلاميذ اللبنانيين في الفترة الصباحية، ورغم أن الدول المانحة تدفع للوزارة بالدولار إلا أن الأخيرة تدفع رواتبنا بالليرة اللبنانية وبتكلفة أقل".

مبادرة الأساتذة وصفتها رئيسة اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي، نسرين شاهين بـ"الفردية والجيدة"، قائلة: "يأخذ المعلم على عاتقه مسؤولية تعليم الأجيال لكن في ذات الوقت لا يمكنه تأدية واجبه من دون تأمين معيشة لائقة له" لافتة في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "الأزمة التي يمر بها قطاع التعليم الرسمي أدت إلى ظهور فيدرالية تربوية، حيث إن بعض أصحاب النفوذ السياسي في بعض المناطق يمولون المدارس على أساس حزبي ومذهبي لفتح أبوابها، وذلك بدلاً من الضغط على السلطتين التشريعية والتنفيذية لإيجاد حلول للأزمة والوصول إلى تطبيق قاعدة ان التعليم حق للجميع".

مستقبل ضبابي

ويوم الاثنين طمأن وزير التربية بأن لديه خطة لإكمال العام الدراسي في المدارس الرسمية، و"الامتحانات لن تلغى وبإمكاننا أن نعوض"، إلا أن شاهين تمنت لو كان لديه خطة قبل انطلاق العام الدراسي "لكان جنبنا ما نحن عليه اليوم".

وعن موقف الأساتذة المتعاقدين بعد إقرار الحكومة إعطاء خمسة ليترات بنزين كبدل نقل عن كل يوم حضور، قالت شاهين: "هو أحد مطالبنا إلا إنه جاء منقوصا، كونه لا يشمل بدل نقل عن العام الماضي، والفصل الأول من هذا العام، وفي ظل الدعوة إلى تكثيف أيام التعليم أسبوعياً يعني أن هناك أياماً لن يحصل فيها الأساتذة على بدل نقل كونه محددا لثلاثة أيام في الأسبوع فقط".

وأضافت: "حق الاساتذة 390 دولاراً حوافز عن أول فصل (130 دولاراً شهريا)، استبدلت الحكومة كلمة حوافز ببدل إنتاجية وأخذت من كل أستاذ 90 دولاراً، ومرّ شهران على الإضراب لم يحوّل منها دولار، وهي حق مكتسب للأساتذة وخارج أي تسويات".

والأمر لا يقتصر على ذلك فقيمة أجر الساعة "100 ألف ليرة للمتعاقد الأساسي المجاز و80 ألف ليرة للمتعاقد الأساسي غير المجاز و180 ألف ليرة للمتعاقد الثانوي يعني بالدولار ساعة المتعاقدين في التعليم الأساسي تتراوح اليوم بين دولار ودولار وبضعة سنتات".

ويقبض الأساتذة المتعاقدين وفق شاهين "مرة كل عدة شهور، ومع ارتفاع الدولار ودون تحديد سعر صيرفة ستضمحل قيمة الساعة إلى نصف دولار، وللزملاء الملاك رواتب ثلاثة أضعاف مع ارتفاع سعر الدولار دون تثبيت سعر الصرف، ستعود القيمة الحقيقية لرواتبهم لا تساوي شيئا، وسنعود جميعا لنركض خلف حسبة الليرة والدولار".

وتحمّل رئيسة اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي، مسؤولية إضراب القطاع التعليمي الرسمي في لبنان وضياع مستقبل الطلاب للحكومة وبشكل خاص وزير التربية، طالبة منه إما القيام بمهامه أو الاعتكاف، مشددة على أن "العودة إلى التعليم رهينة تنفيذه للتعاميم والمراسيم والقوانين الموجودة في أدراجه، ودفعه المستحقات الشهرية لبدلات النقل والحوافز عن العام الماضي والفصل الأول من هذا العام وتحديد آلية الدفع للأشهر القادمة".

حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا
حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا

في تطوّر لافت وغير مسبوق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول كبير في حزب الله قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في سياق استراتيجية دفاع وطني، وذلك بشرط انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس الحدودية في جنوب لبنان ووقف الغارات. الإعلان بحد ذاته شكّل كسراً لما يعتبر أحد أبرز "التابوهات" في قاموس حزب الله منذ تأسيسه.

مصادر سياسية كشفت للوكالة أن الرئيس عون يعتزم إطلاق حوار مع الحزب بشأن السلاح، في إطار ما وصفه بـ"استراتيجية الأمن الوطني"، التي أعلن عن نيّته العمل على صياغتها فور توليه المنصب، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة دون سواها.

هذا التطور يأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على الحزب، حيث أكدت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، موقف واشنطن القوي بضرورة نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، مشددة على أن هذا يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع قناة (إل.بي.سي.آي) اللبنانية في السادس من أبريل، قالت أورتاغوس "من الواضح أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن إسرائيل لن تقبل بإطلاق الإرهابيين النار عليها داخل أراضيها، وهذا موقف نتفهمه".

هذا الموقف فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل حزب الله مستعد فعلاً للدخول في مفاوضات جديّة تنهي الثنائية الأمنية التي أرساها منذ عقود؟ أم أن ما يطرح لا يعدو كونه مناورة سياسية لشراء مزيد من الوقت؟ وما مدى واقعية الرهان على استراتيجية دفاعية وطنية تشمل الحزب؟

لكن الحزب لم يترك التأويلات مفتوحة طويلاً، إذ سارع العضو في مجلسه السياسي غالب أبو زينب إلى توضيح الموقف خلال مقابلة مع قناة "الجديد"، أمس الأربعاء، قائلاً "لم نوافق على تسليم السلاح أو نزعه. نحاور حول كيف يمكن للبنان أن يمتلك أوراق قوة أساسية يستطيع من خلالها أن يحافظ على وجوده في ظل هذه المتغيرات الكبيرة. لن نكون إلا في موقع قوة للبنان، وهذا السلاح ليس معروضاً للتسليم".

واليوم الخميس، قال النائب عن حزب الله حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي في مجلس النواب، إن الحزب "أبدى كامل الاستعداد للحوار بهدف التوصل إلى استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة اللبنانية"، مؤكداً أن "من أولوياتنا الحفاظ على لبنان محرراً، محمياً وقوياً، وحماية إنجازات مقاومته".

أبعاد إقليمية

رغم مسارعة أبو زينب إلى نفي استعداد الحزب لتسليم سلاحه، إلا أن مجرد ربط هذا السلاح بشروط محددة، "يُفرغ أي حوار مرتقب من مضمونه محوّلاً إياه إلى مجرد فولكلور ووعد نظري"، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، "لأن نزع السلاح مشروط بتنفيذ تفاهمات وقف الأعمال العدائية أي وقف إطلاق النار ابتداء من 27 نوفمبر الفائت وبالقرارات الدولية واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري".

ويذهب الزغبي أبعد من ذلك في حديث مع موقع "الحرة"، معتبراً أن الحزب لا يربط سلاحه بشروطه، بل بمصير الحوار الإيراني–الأميركي، ويقول "على ضوء نتائج هذا الحوار يتلقى التوجيه الإيراني بالموقف المناسب، وحتى ذلك الحين يسعى إلى كسب الوقت والمماطلة".

من جانبه يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "المشهد الإقليمي يشهد تغييرات جذرية تنعكس بشكل مباشر على وضع حزب الله في لبنان"، معتبراً أن الحزب أصبح أمام معادلة جديدة تفرض عليه التخلي عن سلاحه.

ويقول جبور لموقع "الحرة" إن "المسألة لم تعد مرتبطة بما يقوله حزب الله أو لا يقوله، بل بالواقع الإقليمي المتبدل كلياً"، موضحاً أن "الحزب خرج من الحرب الأخيرة مهزوماً، ووقّع اتفاقاً لوقف إطلاق النار ينص بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية في كل لبنان، فيما انقطع طريق إمداده من إيران نتيجة سقوط نظام الأسد".

ويشير جبور إلى أن هذه التطورات تتزامن مع معطيات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها "الإعلان الرسمي عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عمان، وتخلي الفصائل المدعومة من إيران في العراق عن مشروع السلاح، بالإضافة إلى إعلان طهران عدم مسؤوليتها عن الحوثيين في اليمن". واعتبر أن "هذه المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت إرسال رسائل 'حسن نية' إلى واشنطن، تتماشى مع شروط الأخيرة الثلاثة: التخلي عن الأذرع العسكرية، الصواريخ الباليستية، والمشروع النووي".

والأربعاء، اعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن "ربط مسألة نزع السلاح بقضايا أخرى يُعدّ مخالفة واضحة لتعهدات لبنان، ونكون نُضيّع وقتنا إذا اعتقدنا أن الإصلاح ممكن من دون حصر السلاح بيد الدولة".

كما أضاف في مؤتمر صحافي من المجلس النيابي "سمعنا الوزير غسان سلامة يتحدث عن أن موضوع السلاح خارج الدولة يرتبط بمسألة إعادة الإعمار، ونقول لرئيس الحكومة نواف سلام إن المطلوب منه اليوم هو تدبير سريع بحق الوزير سلامة لأنه يخالف البيان الوزاري والقرارات الدولية، وإن لم يتم فنحن كتكتل الجمهورية القوية قد نطرح الثقة به".

حوار بلا جدوى؟

"نزع السلاح ليس في حاجة إلى الحوار الذي قرره رئيس الجمهورية جوزف عون مدعوماً من الرئيسين بري وسلام"، كما يرى الزغبي "لأن قرار تسليمه "نافذ على أصله" كما في الأحكام القضائية، ولا يتطلّب سوى تنفيذ الاتفاقات والتعهدات المكتوبة، لكن السلطة تبرر الحوار بتفادي الصدام واهتزاز السلم الأهلي كما تقول. وفي أي حال، على هذا الحوار ألّا يطرح مبدأ نزع السلاح، بل الآلية والجدول الزمني للتنفيذ لئلّا يغرق في متاهات تساعد الحزب في المماطلة إلى درجة التملّص من تسليم سلاحه".

ويضيف الزغبي "الواضح أن الرئاسة اللبنانية تطرح "إستراتيجية الأمن الوطني" الأشمل بحيث تكون "الاستراتيجية الدفاعية" جزءاً منها، خلافاً لما يريده حزب الله للاحتفاظ بسلاحه تحت حجة عجز الجيش اللبناني وضرورة بقاء "المقاومة" لمواجهة إسرائيل، كما أن هناك خلافاّ داخله بين فريق متشدد يريد الاستمرار في المواجهة العسكرية وفريق يطالب باستخلاص دروس الحرب والانضواء تحت لواء الدولة، الأمر الذي يضاعف تعقيد الحوار وإفشاله".

من جانبه يقول جبور، "حزب الله أصبح اليوم أمام واقع لا يمكن الانقلاب عليه، ويتوجب عليه أن يتأقلم مع المستجدات، ويتخلى عن مشروعه المسلح، ويسلّم سلاحه".

وفي هذا السياق، لفت جبور إلى أن "المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وصفت حزب الله بـ'السرطان الذي يجب استئصاله'، بعد زيارتها الأخيرة إلى بيروت، كما أن السفارة الأميركية أعلنت في أعقاب الزيارة أن المحادثات تركزت على شقين أساسيين: سلاح حزب الله والإصلاحات، وأكدت أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه للدولة".

وفي السياق، رد رئيس الحكومة نواف سلام، من بكركي أمس الأربعاء، على سؤال حول الجدول الزمني لسحب سلاح حزب الله مؤكداً أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ستكون قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقال "عندما طُرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، كان جوابي أننا سنطلب سريعاً من الوزراء المعنيين، ولا سيما وزير الدفاع، تزويدنا بتقرير حول ما التزمنا به في البيان الوزاري، وكيف يمكننا التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية".

فرصة مؤقتة

يعيش لبنان في مرحلة "وقت ضائع"، كما يصفها جبور، "حيث كان يفترض أن تشهد البلاد انطلاقة جديدة مع عودة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، وأن تستعاد الدورة الاقتصادية والمالية. لكن ذلك لم يتحقق، والسبب تمسّك حزب الله بسلاحه".

ويتابع جبور "لقد تبيّن أن هذا السلاح لم ينجح في حماية الحزب، لا خلال الحرب ولا بعدها. وحدها الدولة تمتلك القدرة على تأمين الحماية لجميع اللبنانيين، بما فيهم حزب الله".

ويختم جبور بالتأكيد على أن "موضوع سلاح حزب الله انتهى"، معتبراً أن "كلما تم تسريع احتكار الدولة للسلاح، كلما اقترب لبنان من استعادة عافيته، ومن قيام دولة فاعلة تستعيد سيادتها ودورتها الاقتصادية والمالية".

من جانبه يرى الزغبي أن لبنان "أمام فرصة محدودة في الزمن لتلبية رغبة المواطنين في الاستقرار وشروط المجتمع الدولي، ولا يملك ترف الوقت المفتوح لحوار تم تجربته سابقاً على الطاولات الجامعة وانتهى إلى الفشل".

ولذلك لا بد بحسب الزغبي "من برمجة الحوار ضمن مهلة محددة، وفي حال بلوغه طريقاً مسدوداً تستعيد الدولة مبادرة معالجة السلاح تنفيذاً لكل الوثائق التي تؤكد حصر السلاح في يد الدولة. وإذا تلكأت أو فشلت فإن خطر تجدد الحرب يصبح ماثلاً وتعود إسرائيل إلى تدمير ما تبقى من ترسانات "الحزب"، ويدفع لبنان أثماناً إضافية".