مظاهرة مؤيدة لصدام حسين في بيروت
بلاغ ضد ميشال عون بالاستيلاء على أموال موجهة للجيش اللبناني

عادت قضية "أموال صدام حسين" لتأخذ حيزا كبيرا من التداول العام في لبنان وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بعد إخبار قدم إلى النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، في وجه الرئيس اللبناني السابق ميشال عون وزوجته ناديا الشامي وشقيقها، حول جرائم "اختلاس مال عام وتهريب وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع وسرقة أموال للجيش اللبناني" كانت قد وصلته كدعم من نظام صدام حسين في العراق، بين منتصف ثمانينيات القرن الماضي ومطلع تسعينياته.  

هذا الإخبار الذي تقدم به رئيس "جمعية العمل اللبنانية لمكافحة الفساد"، المحامي لؤي غندور، بصفته الشخصية إلى النيابة العامة، جاء على خلفية بيان توضيحي صادر عن نائب رئيس حكومة عون العسكرية (عام 1988)، اللواء عصام أبو جمرا، الذي كان من أكثر المقربين لعون في تلك المرحلة، وما بعدها، ولجأ معه إلى العاصمة الفرنسية بعد خسارة عون لحربه مع الجيش السوري (1990).  

وتحدث البيان عن استلام عون لمبلغ 30 مليون دولار أميركي من الرئيس العراقي السابق، لدعم رواتب الجيش اللبناني، وقيامه بتحويل 15 مليون منها إلى حساب زوجته وشقيقها في الخارج، ثم قيامه بسحب 12 مليون أخرى لغايات شخصية ".

بيان أبو جمرا جاء على خلفية تصريحات أدلى بها رئيس صحيفة الديار اللبنانية، شارل أيوب، وهو ضابط سابق في الجيش اللبناني أيضا، اتهمه فيها بالتآمر مع عون على تحويل الأموال، وهو ما نفاه أبو جمرا في بيانه الذي نشرته الوكالة الوطنية للإعلام، وقال فيه" في الحقيقة أنا لم أحول أموالا لشخص العماد عون بتاتا إلى الخارج، أنا نبهته واختلفت معه لتفرده بتحويل 15 مليون دولار إلى الخارج باسم زوجته وشقيقها، من حساب فتحه باسمه للحكومة، بقيمة 30 مليون دولار، قدمها صدام حسين بناء لطلبي إليه لدعم رواتب الجيش، إذ تم قطع الأموال عنه من الحكومة الأخرى... ثم عاد وقبض عام 2016 من وزارة المالية ال 12 مليون المتبقية من ال 30 مليونا. وافق على فك حجزها وتسليمه إياها وزير المالية في حينه محمد الصفدي وما زالت معه يتصرف بها بقرار يصدر عنه، وكأنها مال خاص به. فاقتضى التوضيح ".

ونصح أبو جمرا في بيانه" بتقديم هذا المبلغ كهبة، توزع لعائلات العسكريين الشهداء من الجيش وقوى الأمن الذين سقطوا منذ توليه رئاسة الجمهورية حتى الآن، بدل صرفها على بناء القصور الفارغة ".  

ما قصة هذه الأموال؟  

تعود قصة هذه الأموال إلى الفترة الممتدة بين العامين 1988 و1990، وفق ما يؤكد المحامي لؤي غندور في حديثه لموقع" الحرة ". وهي المرحلة التي تولى فيها عون قيادة حكومة عسكرية انتقالية تشكلت في الدقائق الأخيرة من ولاية الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل، وذلك في وجه حكومة أخرى يرأسها سليم الحص، موالية للرئيس اللبناني السابق إلياس الهراوي.  

الانقسام السياسي في إدارة البلاد انعكس انقساما في الجيش اللبناني في وقتها، حيث انقل قسم منه بولائه للرئيس الهراوي المتحالف مع سوريا، فيما بقي قسم آخر من الجيش تحت قيادة ميشال عون الذي أطلق حربا على الجيش السوري المنتشر في لبنان، تحت مسمى حرب التحرير.  

انقسام الجيش في حينها، جعل من القسم الذي بقي تحت قيادة عون" خارج عن الشرعية "بالنسبة إلى الحكومة الثانية التي رأسها سليم الحص، وفق غندور، وهو ما أدى إلى قطع الرواتب والتمويل عنهم، الأمر الذي دفع عون في حينها إلى جمع تبرعات من اللبنانيين، وطلب مساعدات خارجية من دول كانت في موقف معادي لنظام الرئيس السوري حافظ الأسد، وأبرزهم نظام حزب البعث العراقي بقيادة صدام حسين.  

ووفقا للمعطيات التاريخية، فإن النظام العراقي في حينها كان من أبرز داعمي ميشال عون لشن" حرب التحرير "على الجيش السوري في لبنان، لا سيما بعد احتلال صدام حسين للكويت وما تبعها في حرب الخليج الثانية، حيث شارك الجيش السوري في معارك تحرير الكويت من غزو صدام، لتزداد العلاقات سوءا بين النظامين البعثيين، وهو ما انعكس تصفية حسابات على الساحة اللبنانية.  

لم يكن مبلغ ال 30 مليونا الوحيد الذي وصل إلى حكومة عون، وذلك وفق ما تؤكد مصادر عدة من بينها مذكرات موفد ميشال عون إلى صدام حسين، فؤاد عون، الذي كان يشغل في حينها منصب رئيس الأركان لشؤون التجهيز في الجيش اللبناني، حيث يؤكد في كتب عدة صادرة له، على وقائع التمويل العراقي، والذي لم يكن مقتصرا في حينها على حكومة عون وقواته، بل أيضا لميليشيات أخرى منخرطة في الحرب الأهلية، كالقوات اللبنانية.
إلا أن هذا المبلغ بالتحديد دارت حوله شبهات عدة، لاسيما وأنه كان من الدفعات الأخيرة التي وصلت لعون من العراق، قبل خسارته للحرب مع الجيش السوري ولجوئه إلى فرنسا عام 1990، وهو الحدث الذي انتهت معه الحرب الأهلية اللبنانية.  

الرئيس اللبناني السابق إلياس الهراوي، وهو الخصم الرئيسي لعون في تلك المرحلة، كان قد أشار إلى هذه القضية في كتاب مذكرات صادر له بعنوان" عودة الجمهورية من الدويلات إلى الدولة "، تحدث فيه عن استغلال عون لأموال عامة كانت قد جمعت عبر مؤسسات رسمية، لتحقيق مصلحته الشخصية، من بينها قصة الـ 30 مليون دولار التي قال إنها حولت من مصرف لبناني إلى حساب زوجة عون في فرنسا.  

لا دليل

يلفت غندور إلى أن 12 مليون دولار من أصل المبلغ لم تحول إلى فرنسا في حينها، وحجزت عليها الدولة اللبنانية بعد لجوء عون إلى فرنسا،" لكن وزارة المالية عادت في العام 2016، في عهد وزير المالية السابق محمد الصفدي، وسمحت لعون بسحب هذا المبلغ باعتبار أن الحساب الذي أودع فيه المبلغ هو حساب شخصي لعون وفق ما أكد حينها، في ظل غياب داتا لدى الدولة اللبنانية تؤكد أن هذه الأموال وصلت للجيش اللبناني من صدام حسين. "
ويضيف" يمثل المبلغ جزءا من التمويل الذي وصل لعون إبان حربه حيث استفاد منها شخصيا بدلا من منحها للجيش، وهذا ما فضحه نائبه عصام أبو جمرا في تصريحه الذي بنيت عليه الاخبار، هناك من يقول اليوم إن هذا ليس مالا عاما، ومناصريه يقولون "صفحتين على قلبه"، ولكن في الواقع هذه الأموال وصلت على اسم الجيش اللبناني وباتت بمثابة المال العام".

يؤكد غندور أن لا دليل بحوزته حول تلك الاتهامات، "لو كان لدي دليل لقدمته في شكوى وليس إخبارا، ولكن بما أن القاضية غادة عون سبق أن طلبت تقديم إخبارات حول شبهات الفساد المالي للتحقيق فيها، مهما علا شأن الأشخاص، وكما سبق لها أن حققت بقضايا متعلقة بحاكم مصرف لبنان وشركة مكتف والرئيس ميقاتي وغيرها، وإيمانا منا بدور القضاء تقدمنا بهذا الإخبار بحق ميشال عون المبني على تصريحات نائبه في حينها، فلتستدعي عصام أبو جمر لسؤاله حول الأمر خاصة وأن هناك شبهات أن قسما من هذه الأموال النقدية محفوظة في منزل أو مكتب ميشال عون، فلتداهمها كما سبق أن فعلت مع غيره."  

وطلب غندور من "النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان القاضية غادة عون إجراء المداهمات والتحقيقات اللازمة من أجل إعادة الأموال إلى الخزينة، في إطار الحملة التي تشنها  على المتطاولين على المال العام".

وسرعان ما أعطي الإخبار المقدم طابعا سياسيا، حيث اعتبره أنصار عون استهداف مقصود لشخص ميشال عون من جهة، ولجهود القاضية غادة عون من جهة أخرى، التي تتولى أيضا التحقيق في قضايا مالية تتعلق بتهريب أموال من لبنان عقب الانهيار الاقتصادي، وتلاحق في هذا السياق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وعددا من المصارف اللبنانية وأصحابها، فيما تدور حولها في المقابل اتهامات عدة بالانحياز السياسي وتوفيق عملها القضائي مع الأجندة السياسية لفريق عون السياسي بكونها محسوبة عليهم، وهو ما يجعل هذا الإخبار بنظر مناصري عون بمثابة "محاولة إحراج".

القضية منتهية؟

من ناحيتها تستغرب المسؤولة الإعلامية في "التيار الوطني الحر" وندلي جبور، استعادة هذا الموضوع في هذا التوقيت بالذات، وتضعه في إطار "استكمال العمل على شيطانة الرئيس عون، وهو هدف يعمل عليه منذ 17 أكتوبر 2019، (اندلاع الاحتجاجات في لبنان)، وأيضا لحرف الأنظار عن الجرائم المالية الحقيقية الحاصلة اليوم والتي بدأ القضاء اللبناني بالتحرك باتجاهها ولا سيما ملف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي فتحه ويتابعه القضاء اللبناني والأوروبي."
وترى في حديثها لموقع "الحرة" أن الكلام في هذه القضية يأتي تزامنا مع تقدم القضاء الأوروبي بملف رياض سلامة والحراك القضائي الذي تقوده القاضية غادة عون، "وهنا السؤال ما هذه الصدفة التي فتحت الموضوع بالتزامن مع قضية سلامة، خاصة وأنها ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها شارل أيوب عن هذه القضية، فقد سبق وفتحها في عدة أوقات سابقة، وبالتالي بالنسبة لنا التوقيت مشبوه."  

تصف جبور القضية ب "الملف الوهمي، تم فتحه منتصف التسعينيات تقريبا في عهد الرئيس الهراوي، يتهم فيه عون بقضايا مالية عدة من بينها  استحواذ عون على أموال المتبرعين المناصرين للعماد عون التي قدموها للمؤسسة العسكرية، وتحويلها إلى فرنسا مع الأموال الخارجية التي وصلت عبر علاقات العماد عون السياسية في الخارج."
وتذكر جبور أن تلك القضية انتهت في حينها بحكم البراءة لصالح عون، "حيث لم يثبت أي إدانة، لا بل على العكس القضاء أنصف الرئيس عون حتى قبل عودته من المنفى.  

وسبق لعون أن رفع دعوى قضائية على الهراوي، يتهمه فيها بالقدح والذم، على خلفية ما ورد في كتاب مذكراته حول عون وتهريب الأموال إلى فرنسا.  وصدر حكما عام 2003، اعتبر أن الأموال التي صادرتها الدولة اللبنانية من زوجة عون لدى سفرها هي أموال شخصية لها ولزوجها وليست لخزينة الدولة اللبنانية، كما قضى حكم لاحق عام 2012 بتغريم ورثة الهراوي تعويضا ماليا لعون بقيمة 20 ألف دولار.  

وفي هذا الإطار، ترى جبور أن كل من تابع الملف وجمهور التيار الوطني الحر" يعرف تماما أن الأموال التي وصلت للرئيس عون من الشعب اللبناني، صرفت جميعها في تغطية نفقات المؤسسة العسكرية، والأموال التي كانت تصل من الخارج دخلت كلها وفق الأصول، وذهبت إلى دعم المؤسسة العسكرية أيضا في تلك المرحلة وتغطية نفقات الحرب. "

وتتابع" نحن اليوم كتيار لسنا ضد الإخبار بحد ذاته ونحن مع أن يأخذ القضاء مجراه، ولكن الفرق أن القضاء في هذا الموضوع أخذ مجراه بالفعل من قبل، وحسمها وحكم بالبراءة للعماد عون، فلتقدم إخبارات أخرى بقضايا أخرى وليأخذ القضاء مجراه لا مشكلة في ذلك. "

وفيما ترى جبور أن الحملة على عون مصدرها المتضررين من التحقيقات المالية ولاسيما من جهة حاكم مصرف لبنان، يذكر المحامي غندور أنه في صف المواجهة أيضا مع حاكم المصرف المركزي، لافتا إلى أنه متقدم بدعوى قضائية ضده، مشددا على أنه في مواجهة" مع كل المافيا المالية في لبنان ".  
وفي هذا السياق ترى جبور أن" هناك مشكلة في محاولة وضع الجميع في سلة الاتهامات نفسها، ولكن بالتأكيد لا يمكن السير بمبدأ كلهم يعني كلهم ".

أما لناحية كون الإخبار مقدم بناء على كلام لأحد أبرز المقربين من عون ونائبه في الحكومة العسكرية سابقا، تقول جبور" أبو جمرا شعر بأنه فقد جميع الأدوار التي كان يلعبها، ويحاول اليوم القول بأي طريقة ممكنة "أنا موجود" ولو كان بالهجوم على من أعطاه اسم على الساحة اللبنانية".

من جهته يلفت غندور إلى أن الإخبار إذا ما سلك مساره القانوني، سيضع عون أمام حلول عدة،" فإما أن يلجأ إلى دفوع شكلية بحكم مرور الزمن بكون القضية تعود إلى أكثر من 30 عاما، أو أن يحتمي بحصانته كرئيس سابق للجمهورية، رغم أنه ليس رئيسا اليوم ولم يكن رئيسا حينها، أو أن يقول إن هذه القضايا مشمولة بقانون العفو، أو أن يقول هذه أموال خاصة. " 

ويختم" في الحالات الأربع سيكون هدفنا تحقق، بأن رافع لواء الإصلاح والتغيير لم ينكر أخذ هذه الأموال وتحويلها إلى الخارج، لاسيما وان مؤديه وتياره صوره كفقير خرج من قصر بعبدا ليعود إلى منزل متواضع لم يغير حتى أثاثه، فإن كان كذلك ماذا عن هذه الأموال؟ هذا هدفنا اليوم من الإخبار . "

حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا
حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا

في تطوّر لافت وغير مسبوق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول كبير في حزب الله قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في سياق استراتيجية دفاع وطني، وذلك بشرط انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس الحدودية في جنوب لبنان ووقف الغارات. الإعلان بحد ذاته شكّل كسراً لما يعتبر أحد أبرز "التابوهات" في قاموس حزب الله منذ تأسيسه.

مصادر سياسية كشفت للوكالة أن الرئيس عون يعتزم إطلاق حوار مع الحزب بشأن السلاح، في إطار ما وصفه بـ"استراتيجية الأمن الوطني"، التي أعلن عن نيّته العمل على صياغتها فور توليه المنصب، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة دون سواها.

هذا التطور يأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على الحزب، حيث أكدت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، موقف واشنطن القوي بضرورة نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، مشددة على أن هذا يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع قناة (إل.بي.سي.آي) اللبنانية في السادس من أبريل، قالت أورتاغوس "من الواضح أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن إسرائيل لن تقبل بإطلاق الإرهابيين النار عليها داخل أراضيها، وهذا موقف نتفهمه".

هذا الموقف فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل حزب الله مستعد فعلاً للدخول في مفاوضات جديّة تنهي الثنائية الأمنية التي أرساها منذ عقود؟ أم أن ما يطرح لا يعدو كونه مناورة سياسية لشراء مزيد من الوقت؟ وما مدى واقعية الرهان على استراتيجية دفاعية وطنية تشمل الحزب؟

لكن الحزب لم يترك التأويلات مفتوحة طويلاً، إذ سارع العضو في مجلسه السياسي غالب أبو زينب إلى توضيح الموقف خلال مقابلة مع قناة "الجديد"، أمس الأربعاء، قائلاً "لم نوافق على تسليم السلاح أو نزعه. نحاور حول كيف يمكن للبنان أن يمتلك أوراق قوة أساسية يستطيع من خلالها أن يحافظ على وجوده في ظل هذه المتغيرات الكبيرة. لن نكون إلا في موقع قوة للبنان، وهذا السلاح ليس معروضاً للتسليم".

واليوم الخميس، قال النائب عن حزب الله حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي في مجلس النواب، إن الحزب "أبدى كامل الاستعداد للحوار بهدف التوصل إلى استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة اللبنانية"، مؤكداً أن "من أولوياتنا الحفاظ على لبنان محرراً، محمياً وقوياً، وحماية إنجازات مقاومته".

أبعاد إقليمية

رغم مسارعة أبو زينب إلى نفي استعداد الحزب لتسليم سلاحه، إلا أن مجرد ربط هذا السلاح بشروط محددة، "يُفرغ أي حوار مرتقب من مضمونه محوّلاً إياه إلى مجرد فولكلور ووعد نظري"، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، "لأن نزع السلاح مشروط بتنفيذ تفاهمات وقف الأعمال العدائية أي وقف إطلاق النار ابتداء من 27 نوفمبر الفائت وبالقرارات الدولية واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري".

ويذهب الزغبي أبعد من ذلك في حديث مع موقع "الحرة"، معتبراً أن الحزب لا يربط سلاحه بشروطه، بل بمصير الحوار الإيراني–الأميركي، ويقول "على ضوء نتائج هذا الحوار يتلقى التوجيه الإيراني بالموقف المناسب، وحتى ذلك الحين يسعى إلى كسب الوقت والمماطلة".

من جانبه يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "المشهد الإقليمي يشهد تغييرات جذرية تنعكس بشكل مباشر على وضع حزب الله في لبنان"، معتبراً أن الحزب أصبح أمام معادلة جديدة تفرض عليه التخلي عن سلاحه.

ويقول جبور لموقع "الحرة" إن "المسألة لم تعد مرتبطة بما يقوله حزب الله أو لا يقوله، بل بالواقع الإقليمي المتبدل كلياً"، موضحاً أن "الحزب خرج من الحرب الأخيرة مهزوماً، ووقّع اتفاقاً لوقف إطلاق النار ينص بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية في كل لبنان، فيما انقطع طريق إمداده من إيران نتيجة سقوط نظام الأسد".

ويشير جبور إلى أن هذه التطورات تتزامن مع معطيات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها "الإعلان الرسمي عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عمان، وتخلي الفصائل المدعومة من إيران في العراق عن مشروع السلاح، بالإضافة إلى إعلان طهران عدم مسؤوليتها عن الحوثيين في اليمن". واعتبر أن "هذه المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت إرسال رسائل 'حسن نية' إلى واشنطن، تتماشى مع شروط الأخيرة الثلاثة: التخلي عن الأذرع العسكرية، الصواريخ الباليستية، والمشروع النووي".

والأربعاء، اعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن "ربط مسألة نزع السلاح بقضايا أخرى يُعدّ مخالفة واضحة لتعهدات لبنان، ونكون نُضيّع وقتنا إذا اعتقدنا أن الإصلاح ممكن من دون حصر السلاح بيد الدولة".

كما أضاف في مؤتمر صحافي من المجلس النيابي "سمعنا الوزير غسان سلامة يتحدث عن أن موضوع السلاح خارج الدولة يرتبط بمسألة إعادة الإعمار، ونقول لرئيس الحكومة نواف سلام إن المطلوب منه اليوم هو تدبير سريع بحق الوزير سلامة لأنه يخالف البيان الوزاري والقرارات الدولية، وإن لم يتم فنحن كتكتل الجمهورية القوية قد نطرح الثقة به".

حوار بلا جدوى؟

"نزع السلاح ليس في حاجة إلى الحوار الذي قرره رئيس الجمهورية جوزف عون مدعوماً من الرئيسين بري وسلام"، كما يرى الزغبي "لأن قرار تسليمه "نافذ على أصله" كما في الأحكام القضائية، ولا يتطلّب سوى تنفيذ الاتفاقات والتعهدات المكتوبة، لكن السلطة تبرر الحوار بتفادي الصدام واهتزاز السلم الأهلي كما تقول. وفي أي حال، على هذا الحوار ألّا يطرح مبدأ نزع السلاح، بل الآلية والجدول الزمني للتنفيذ لئلّا يغرق في متاهات تساعد الحزب في المماطلة إلى درجة التملّص من تسليم سلاحه".

ويضيف الزغبي "الواضح أن الرئاسة اللبنانية تطرح "إستراتيجية الأمن الوطني" الأشمل بحيث تكون "الاستراتيجية الدفاعية" جزءاً منها، خلافاً لما يريده حزب الله للاحتفاظ بسلاحه تحت حجة عجز الجيش اللبناني وضرورة بقاء "المقاومة" لمواجهة إسرائيل، كما أن هناك خلافاّ داخله بين فريق متشدد يريد الاستمرار في المواجهة العسكرية وفريق يطالب باستخلاص دروس الحرب والانضواء تحت لواء الدولة، الأمر الذي يضاعف تعقيد الحوار وإفشاله".

من جانبه يقول جبور، "حزب الله أصبح اليوم أمام واقع لا يمكن الانقلاب عليه، ويتوجب عليه أن يتأقلم مع المستجدات، ويتخلى عن مشروعه المسلح، ويسلّم سلاحه".

وفي هذا السياق، لفت جبور إلى أن "المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وصفت حزب الله بـ'السرطان الذي يجب استئصاله'، بعد زيارتها الأخيرة إلى بيروت، كما أن السفارة الأميركية أعلنت في أعقاب الزيارة أن المحادثات تركزت على شقين أساسيين: سلاح حزب الله والإصلاحات، وأكدت أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه للدولة".

وفي السياق، رد رئيس الحكومة نواف سلام، من بكركي أمس الأربعاء، على سؤال حول الجدول الزمني لسحب سلاح حزب الله مؤكداً أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ستكون قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقال "عندما طُرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، كان جوابي أننا سنطلب سريعاً من الوزراء المعنيين، ولا سيما وزير الدفاع، تزويدنا بتقرير حول ما التزمنا به في البيان الوزاري، وكيف يمكننا التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية".

فرصة مؤقتة

يعيش لبنان في مرحلة "وقت ضائع"، كما يصفها جبور، "حيث كان يفترض أن تشهد البلاد انطلاقة جديدة مع عودة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، وأن تستعاد الدورة الاقتصادية والمالية. لكن ذلك لم يتحقق، والسبب تمسّك حزب الله بسلاحه".

ويتابع جبور "لقد تبيّن أن هذا السلاح لم ينجح في حماية الحزب، لا خلال الحرب ولا بعدها. وحدها الدولة تمتلك القدرة على تأمين الحماية لجميع اللبنانيين، بما فيهم حزب الله".

ويختم جبور بالتأكيد على أن "موضوع سلاح حزب الله انتهى"، معتبراً أن "كلما تم تسريع احتكار الدولة للسلاح، كلما اقترب لبنان من استعادة عافيته، ومن قيام دولة فاعلة تستعيد سيادتها ودورتها الاقتصادية والمالية".

من جانبه يرى الزغبي أن لبنان "أمام فرصة محدودة في الزمن لتلبية رغبة المواطنين في الاستقرار وشروط المجتمع الدولي، ولا يملك ترف الوقت المفتوح لحوار تم تجربته سابقاً على الطاولات الجامعة وانتهى إلى الفشل".

ولذلك لا بد بحسب الزغبي "من برمجة الحوار ضمن مهلة محددة، وفي حال بلوغه طريقاً مسدوداً تستعيد الدولة مبادرة معالجة السلاح تنفيذاً لكل الوثائق التي تؤكد حصر السلاح في يد الدولة. وإذا تلكأت أو فشلت فإن خطر تجدد الحرب يصبح ماثلاً وتعود إسرائيل إلى تدمير ما تبقى من ترسانات "الحزب"، ويدفع لبنان أثماناً إضافية".