كهرباء لبنان
التعرفة الجديدة للكهرباء دفعت بعدد كبير من المواطنين إلى اتخاذ قرار تجميد العدادات والتخلّي عن هذه الخدمة | Source: edl.gov.lb

"مش دافعين".. هو عنوان الحملة التي أطلقها لبنانيون على مواقع التواصل الاجتماعي رفضاً للتعرفة الجديدة لكهرباء الدولة ولمقاطعة دفع الفواتير "المليونية" التي بدأت مؤسسة كهرباء لبنان بجبايتها.

انتظر اللبنانيون بفارغ الصبر إيجاد حل لأزمة كهرباء الدولة التي هجرت بيوتهم بشكل كلي، متوقعين أن ذلك سيخفف عن كاهلهم عبء فاتورة المولدات الخاصة التي تصل إلى 10 ملايين ليرة للـ 5 أمبير، إلا أنه لم يكادوا يفرحون بالحل الجزئي الذي أعلن عنه ويز الطاقة في حكومة تصريف الأعمال وليد فياض، وعودة التيار لساعات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة يومياً، حتى صدموا بقيمة الفاتورة الخيالية. 

في أغسطس الماضي، قرر مجلس إدارة شركة كهرباء لبنان، رفع تعرفة الكهرباء للمرة الأولى منذ تسعينيات القرن الماضي، ضمن إطار "خطة الطوارئ الوطنية لقطاع الكهرباء"، المعدّة بناءً على التوجيهات الحكومية وبالتنسيق وبموافقة وزارة الطاقة والمياه ووزارة المالية، والشهر الماضي حاولت مؤسسة كهرباء لبنان تحضير المواطنين نفسياً لما ينتظرهم عند جباية الفواتير من خلال بيان شرحت فيه كيفية احتساب التعرفة الجديدة، ومع ذلك لم يتوقع المواطنون أن يتجاوز رسما بدل التأهيل والعداد، قيمة الشطور التي صرفوها.

يبدأ تسعير الطاقة بـ 10 سنتات للكيلوواط ساعة لأول 100 كيلوواط، و27 سنتاً لكل كيلوواط ساعة للاستهلاك فوق ذلك، يضاف إلى ذلك تعرفة شهرية ثابتة قيمتها 21 سنتاً أميركياً لكل أمبير و4.3 دولارات بدل تأهيل، في حين أن كلفة الكيلوواط ساعة كانت في السابق 135 ليرة لبنانية، وبدل رسوم حوالي 25 ألف ليرة، أي أن قيمة الفواتير كانت تتراوح 50 و300 ألف ليرة.

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فالتسعيرة الجديدة ليست ثابتة، كونه سيتم احتسابها على سعر صرف منصة "صيرفة"، والذي يبلغ اليوم 70 ليرة للدولار الأميركي مضاف إليه نسبة 20 بالمئة.

"قمة الوقاحة"

وسيم واحد من اللبنانيين الذين قرروا المشاركة بحملة "مش دافعين"، وبحسب ما يقوله "الأمر لا يقتصر على فاتورة الكهرباء، بل لن أدفع أي من الفواتير، لأنها قمة الوقاحة أن تطلب السلطة السياسية من المواطنين الذين سرقت مدخراتهم، دفع بدل خدمات لا يحصلون عليها، فجنى عمري على مدى 35 عاماً محجوز في المصارف، فأي منطق هذا"؟!

لا يبالي ابن صيدا جنوب لبنان، فيما لو تمت مراكمة الفواتير عليه، وحتى تحرير ضبط بحقه لا بل وتوقيفه، ويقول ساخراً لموقع "الحرة" " لتؤمّن السلطة السياسية أولاً المحروقات للقوى الأمنية كي تتمكن من القيام بمهامها" ويضيف "في المرة الأخيرة التي قصد فيها جابي الكهرباء منزلي، أطلعته أني سأدفع له حين يحضر ويجد كهرباء الدولة متوفرة، فضحك كونه يعلم الواقع أكثر مني".

وطلب وسيم من مؤسسة كهرباء لبنان إبقاء الفواتير لديها "تماماً كما أبقت المصارف على أموالنا لديها بتواطؤ بينها وبين السلطة السياسية التي تركت الشعب لمصيره يتخبط لتأمين معيشته وبدل ايجار منزله وثمن المحروقات والفاتورة الاستشفائية وغيرها".

كذلك يرفض المحامي ريشار شمعون دفع فاتورة الكهرباء، ويقول "لو رفعت مؤسسة كهرباء لبنان التعرفة في مقابل تزويدنا بالتيار على مدى ساعات تسمح لنا بالتخلي عن اشتراك المولد حينها كان يمكن النظر إلى الموضوع من زاوية أخرى، لكن أن يفرض على المكلف دفع ثمن خدمة لا يحصل عليها فهذا امر غير مقبول ومخالفة صريحة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص على أن لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية... في حين لا تؤمن السلطة اللبنانية أياً من ذلك".

"ما يحصل ظلم كبير بحق الشعب"، بحسب ما يقول شمعون لموقع "الحرة" "بالتالي لا بد من العصيان المدني أي المقاومة السلمية الحضارية التي تندرج في إطار الممارسة الديموقراطية لواجبات المواطن وحقوقه، اذ بعد أن نجونا من نيترات المرفأ يريدون قتلنا بالضرائب والاستمرار بسرقتنا، فباسم مؤسسة كهرباء لبنان استهلك من المواطن 40 مليار دولار كحد أدنى سرقة وهدر وذلك بحسب ما يشير إليه البنك الدولي، وما زال القيمون على هذه المؤسسة يسرقون ويهدرون المال العام، وهذه جريمة علينا مكافحتها والعمل على رفع ضررها".

أزمة الكهرباء ليست حديثة إلا أنها تفاقمت في السنوات الأخيرة، وهي من الأسباب الرئيسية للانهيار الاقتصادي والمالي الذي وصل إليه لبنان، إذ بحسب البنك الدولي ما يقارب من نصف الدين العام اللبناني يعود إلى هذا قطاع. 

"تجميد" العدادات

التعرفة الجديدة دفعت بعدد كبير من المواطنين إلى اتخاذ قرار تجميد عدادات الكهرباء والتخلّي عن هذه الخدمة، منهم الناشط أحمد البستاني الذي قصد ومجموعة من أبناء بلدته السهل في شمال لبنان، مؤسسة الكهرباء في عكار لتقديم طلب بذلك، ويقول "هذا الحل أفضل من عدم دفع الفواتير وتحرير ضبط بحق المخالفين وتسجيله في سجلهم العدلي".

في حال عدم دفع الفواتير فإنه كما يقول شمعون "يحق لمؤسسة كهرباء لبنان وقف إمداد المتخلف بالتيار، كون العقد بين الطرفين يندرج في إطار عقود الإذعان، وبالنسبة لي أفضل أن يتم قطع التيار الكهربائي عن منزلي على أن يغتصب حقي أمام نظري".

منذ ستة أشهر وبلدة السهل، لم تنعم بحسب البستاني "بدقيقة تغذية واحدة من كهرباء الدولة بعدما تمت سرقة الكابلات وإلى حد الآن لم تكلف مؤسسة الكهرباء نفسها عناء تمديد كابلات جديدة، فكيف سنقبل اذاً بمراكمة رسوم الاشتراك في وقت يسمح القانون بتجميد العدادات لمدة سنتين".

ويشرح لموقع "الحرة" "على المكلف دفع ما يفوق الـ 500 ألف ليرة رسم ثابت بغض النظر عن عدد الكيلوواط التي يستهلكها، بالتالي فاتورته لن تقل عن المليون ليرة، وإذا اضفنا إليها فاتورتيّ الهاتف (إذا افترضنا أن لدى الأسرة هاتف واحد) والإنترنت، يعني أن رب العائلة ملزم بدفع حوالي المليونيّ ليرة شهرياً عدا عن مصروف الطعام والشراب والأقساط المدرسية وبدل التنقلات".

وتساءل "كيف يمكن لعامل البلدية الذي لا يتعدى راتبه الـ 800 ألف ليرة، والعسكري الذي وصل راتبه بعد الزيادة الأخيرة إلى خمسة ملايين ليرة، والأستاذ الذي بالكاد يقبض ستة ملايين ليرة، تحمل هذا العبء الإضافي من دون الاستفادة عملياً من التغذية الكهربائية"! ويشدد "تتألف الدولة من أرض وشعب وسلطة، لكن في لبنان لا يوجد سلطة، ما اجبر المواطن على الانسلاخ عن الوزارات والاستناد على بدائل تؤمن له الخدمات التي يحتاجها، من هنا باتت الطاقة الشمسية والمولدات الخاصة بديل اللبناني لتأمين الكهرباء التي يفترض أن توفرها السلطة السياسية".


وكان رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر شرح في نوفمبر الماضي "واقع الزيادة الطارئة على تعرفة الكهرباء وتداعياتها الكارثية على مختلف شرائح الشعب اللبناني، على الصناعة والزراعة والسياحة ولا سيما على العمال والفقراء وذوي الدخل المحدود".

وأشار الأسمر خلال مؤتمر صحفي إلى إن "الواقع المالي الذي وصلت إليه مؤسسة كهرباء لبنان فرض زيادة التعرفة الأمر الذي كان لا بد وأن يحصل لتحقيق التوازن المالي لها، ولكن ليس على حساب المواطن العامل وذوي الدخل المحدود"، لافتاً إلى أن عدد المشتركين على الشبكة "يبلغ حوالي مليون و250 ألف مشترك أي أنه يوجد فواتير تعادل هذا الرقم".

مخالفة قانونية

رفع تعرفة فاتورة الكهرباء مخالف للقانون بحسب ما يقوله شمعون، مشدداً على أن "فرض أي ضريبة أو رسم يحتاج إلى قانون، وحتى إن كان هذا القرار قانونياً فيما لو تم لحظه في الموازنة العامة إلا أن التعرفة بالتأكيد غير قانونية وغير عادلة، فمعيار وآلية التسعير التي يتم على أساسها احتساب الفواتير تعتمد على سعر منصة صيرفة، وهو سعر غير قانوني، إذ ماذا تعني هذه المنصة، لا بل فوق ذلك يفرضون على المواطن 20% زيادة على سعرها، يحاسبون المكلّف على كمية استهلاكه إضافة إلى إجباره على دفع مبلغ ثابت كرسم سواء استهلك أو لم يستهلك الكهرباء، وهي بدعة غير موجودة في أي من دول العالم".

إضافة إلى أن الهدر التقني وغير التقني يتجاوز بحسب شمعون "الـ 20% ما يعني ان كل فاتورة يدفعها المستهلك يذهب من قيمتها 20 % لصالح الهدر، فضلاً عن أن جباية الرسوم والكلفة تنشط في أماكن وتنعدم في أماكن أخرى، وهذا طعن بقاعدة دستورية اسمها المساواة أمام القانون".

وكان النائب رازي الحاج أعلن أن "مؤسسة كهرباء لبنان تقوم باحتساب فواتير استهلاك الطاقة الكهربائية وفقاً للتعرفة الجديدة بصورة تخالف القانون، لا بل بصورة ملتوية دون حتى الأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة والكارثية التي يعيشها لاسيما بسبب ملف الكهرباء".

وأشار في بيان، إلى أنّ "مخالفة القانون حصلت عند إصدار أول فاتورتين عن شهري نوفمبر وديسمبر 2022، فإضافة إلى أنها تكاد تتخطى تعرفة مولدات الكهرباء الخاصة غير الشرعية، وهي تخطتها نسبياً مع إعطاء الكهرباء ما بين ساعتين و4 ساعات خلال هذين الشهرين، خلافاً لما جرى الترويج له من قبل المؤسسة بأن التعرفة الجديدة ستكون وطأتها أخف على المواطن فماذا لو تأمنت الكهرباء 24/24 كم ستبلغ الفاتورة المخفضة".

جرى احتساب الرسم بحسب الحاج "بعد جمع فاتورتي شهري نوفمبر وديسمبر 2022 خلافاً لأبسط أصول وقواعد المحاسبية، عوض احتساب كل منهما شهرياً على حدة بحيث تكون المؤسسة وبعملية حسابية بسيطة، قد أثرت على حساب المواطن بحيث حرمته من الاستفادة في الفاتورة الثانية مما سمي بالتعرفة المخفضة ما دون الـ 100 كيلوواط".

ولفت الحاج إلى أنه "يحكى عن اعتماد صيرفة بلاس لفواتير الكهرباء الجديدة، ما يعني ان الفاتورة تحتسب وفق سعر اعلى من سعر السوق السوداء" مطالبا رئيس مؤسسة كهرباء لبنان "اعادة النظر بطريقة الاحتساب وتصحيح الخلل الكبير الذي يضرّ بالمواطنين، وهم يرددون اليوم "خلونا بلا كهربا أفضل"، في ظل التفاوت بالجبايات بين منطقة وأخرى".


فقدان الثقة

مطلع الشهر الحالي بدأت مؤسسة كهرباء لبنان بتنفيذ المرحلة الأولى من خطة الطوارئ الوطنية لنزع التعديات عن الشبكة الكهربائية، بالتنسيق مع القوى الأمنية، طالبة من المواطنين التعاون معها لإنجاح الخطة، و"التي تتماشى مع متطلبات الدول المانحة، ومن شأنها أن تؤمن التوازن المالي لهذا القطاع الرئيسي والحيوي، كما وأن تعيد توزيع التيار الكهربائي بشكل عادل وملحوظ على جميع المناطق اللبنانية".

وأكدت المؤسسة في بيان أنها "استناداً إلى قرار مجلس إدارتها رقم 484 تاريخ 20 ديسمبر2022، ستقوم بزيادة ساعات التغذية حصراً على المخارج التي سيتم تخفيض وإزالة المخالفات عنها، وذلك بالتنسيق والتعاون مع الجهات الوزارية المعنية بهذه الخطة".

وتعليقا على ما يتم تداوله عبر بعض مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي الإلكترونية من دعوات لمقاطعة دفع فواتير الكهرباء التي ستعتمد التسعيرة الجديدة، وضّحت مؤسسة كهرباء لبنان أن "الفواتير الحالية التي أصدرتها أو التي يتم إصدارها حالياً وتتم جبايتها راهناً تشمل استهلاك الكهرباء في شهرين معاً هما شهرا نوفمبر وديسمبر 2022 على أساس سعر الصرف على منصة صيرفة +20% بتاريخ طباعة الإصدار والبالغ 43600 ليرة للدولار (43600 ليرة + 20%=52320 ل.ل.) وليس بالتالي بحسب سعر منصة صيرفة اليوم أو بأي تاريخ آخر".

وأشارت إلى أن "اعتماد سعر الصرف على منصة صيرفة مضاف إليه نسبة 20 بالمئة جاء التزاماً بكتاب مصرف لبنان الوارد بهذا الخصوص، علماً أن مؤسسة كهرباء لبنان لا يسعها سوى الالتزام بقرارات الجهات المختصة التي هي صاحبة الصلاحية بهذا الشأن".

وطلبت مؤسسة الكهرباء من المواطنين "عدم الإذعان لمروّجي الأخبار غير الدقيقة"، لافتة إلى أن "هذه التعرفة الكهربائية الجديدة هي الأقل كلفة على المواطن مقارنة بسبل استمداد التيار الكهربائي الأخرى ولا سيما من المولدات الخاصة، كما أن نجاح خطة الطوارئ الوطنية لقطاع الكهرباء، ومن ضمنها تحسين الجباية على أساس التعرفة الجديدة ونزع التعديات على الشبكة الكهربائية، من شأنها تحقيق إحدى غايات هذه الخطة وهو تحسين وزيادة ساعات التغذية بالتيار الكهربائي تباعاً في مرحلة لاحقة في حال الحفاظ على تحقّق عوامل نجاح هذه الخطة".

توضيح المؤسسة لم يبدد مخاوف اللبنانيين، منهم البستاني الذي يشدد على أنه "بغض النظر عن التعرفة الجديدة، لا ضمانة لاستمرار خطة الطوارئ، التي إن توقفت سيبقى المواطن ملزماً على دفع رسم الاشتراك من دون أن ينعم بلحظة كهرباء"!

حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا
حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا

في تطوّر لافت وغير مسبوق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول كبير في حزب الله قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في سياق استراتيجية دفاع وطني، وذلك بشرط انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس الحدودية في جنوب لبنان ووقف الغارات. الإعلان بحد ذاته شكّل كسراً لما يعتبر أحد أبرز "التابوهات" في قاموس حزب الله منذ تأسيسه.

مصادر سياسية كشفت للوكالة أن الرئيس عون يعتزم إطلاق حوار مع الحزب بشأن السلاح، في إطار ما وصفه بـ"استراتيجية الأمن الوطني"، التي أعلن عن نيّته العمل على صياغتها فور توليه المنصب، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة دون سواها.

هذا التطور يأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على الحزب، حيث أكدت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، موقف واشنطن القوي بضرورة نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، مشددة على أن هذا يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع قناة (إل.بي.سي.آي) اللبنانية في السادس من أبريل، قالت أورتاغوس "من الواضح أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن إسرائيل لن تقبل بإطلاق الإرهابيين النار عليها داخل أراضيها، وهذا موقف نتفهمه".

هذا الموقف فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل حزب الله مستعد فعلاً للدخول في مفاوضات جديّة تنهي الثنائية الأمنية التي أرساها منذ عقود؟ أم أن ما يطرح لا يعدو كونه مناورة سياسية لشراء مزيد من الوقت؟ وما مدى واقعية الرهان على استراتيجية دفاعية وطنية تشمل الحزب؟

لكن الحزب لم يترك التأويلات مفتوحة طويلاً، إذ سارع العضو في مجلسه السياسي غالب أبو زينب إلى توضيح الموقف خلال مقابلة مع قناة "الجديد"، أمس الأربعاء، قائلاً "لم نوافق على تسليم السلاح أو نزعه. نحاور حول كيف يمكن للبنان أن يمتلك أوراق قوة أساسية يستطيع من خلالها أن يحافظ على وجوده في ظل هذه المتغيرات الكبيرة. لن نكون إلا في موقع قوة للبنان، وهذا السلاح ليس معروضاً للتسليم".

واليوم الخميس، قال النائب عن حزب الله حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي في مجلس النواب، إن الحزب "أبدى كامل الاستعداد للحوار بهدف التوصل إلى استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة اللبنانية"، مؤكداً أن "من أولوياتنا الحفاظ على لبنان محرراً، محمياً وقوياً، وحماية إنجازات مقاومته".

أبعاد إقليمية

رغم مسارعة أبو زينب إلى نفي استعداد الحزب لتسليم سلاحه، إلا أن مجرد ربط هذا السلاح بشروط محددة، "يُفرغ أي حوار مرتقب من مضمونه محوّلاً إياه إلى مجرد فولكلور ووعد نظري"، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، "لأن نزع السلاح مشروط بتنفيذ تفاهمات وقف الأعمال العدائية أي وقف إطلاق النار ابتداء من 27 نوفمبر الفائت وبالقرارات الدولية واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري".

ويذهب الزغبي أبعد من ذلك في حديث مع موقع "الحرة"، معتبراً أن الحزب لا يربط سلاحه بشروطه، بل بمصير الحوار الإيراني–الأميركي، ويقول "على ضوء نتائج هذا الحوار يتلقى التوجيه الإيراني بالموقف المناسب، وحتى ذلك الحين يسعى إلى كسب الوقت والمماطلة".

من جانبه يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "المشهد الإقليمي يشهد تغييرات جذرية تنعكس بشكل مباشر على وضع حزب الله في لبنان"، معتبراً أن الحزب أصبح أمام معادلة جديدة تفرض عليه التخلي عن سلاحه.

ويقول جبور لموقع "الحرة" إن "المسألة لم تعد مرتبطة بما يقوله حزب الله أو لا يقوله، بل بالواقع الإقليمي المتبدل كلياً"، موضحاً أن "الحزب خرج من الحرب الأخيرة مهزوماً، ووقّع اتفاقاً لوقف إطلاق النار ينص بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية في كل لبنان، فيما انقطع طريق إمداده من إيران نتيجة سقوط نظام الأسد".

ويشير جبور إلى أن هذه التطورات تتزامن مع معطيات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها "الإعلان الرسمي عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عمان، وتخلي الفصائل المدعومة من إيران في العراق عن مشروع السلاح، بالإضافة إلى إعلان طهران عدم مسؤوليتها عن الحوثيين في اليمن". واعتبر أن "هذه المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت إرسال رسائل 'حسن نية' إلى واشنطن، تتماشى مع شروط الأخيرة الثلاثة: التخلي عن الأذرع العسكرية، الصواريخ الباليستية، والمشروع النووي".

والأربعاء، اعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن "ربط مسألة نزع السلاح بقضايا أخرى يُعدّ مخالفة واضحة لتعهدات لبنان، ونكون نُضيّع وقتنا إذا اعتقدنا أن الإصلاح ممكن من دون حصر السلاح بيد الدولة".

كما أضاف في مؤتمر صحافي من المجلس النيابي "سمعنا الوزير غسان سلامة يتحدث عن أن موضوع السلاح خارج الدولة يرتبط بمسألة إعادة الإعمار، ونقول لرئيس الحكومة نواف سلام إن المطلوب منه اليوم هو تدبير سريع بحق الوزير سلامة لأنه يخالف البيان الوزاري والقرارات الدولية، وإن لم يتم فنحن كتكتل الجمهورية القوية قد نطرح الثقة به".

حوار بلا جدوى؟

"نزع السلاح ليس في حاجة إلى الحوار الذي قرره رئيس الجمهورية جوزف عون مدعوماً من الرئيسين بري وسلام"، كما يرى الزغبي "لأن قرار تسليمه "نافذ على أصله" كما في الأحكام القضائية، ولا يتطلّب سوى تنفيذ الاتفاقات والتعهدات المكتوبة، لكن السلطة تبرر الحوار بتفادي الصدام واهتزاز السلم الأهلي كما تقول. وفي أي حال، على هذا الحوار ألّا يطرح مبدأ نزع السلاح، بل الآلية والجدول الزمني للتنفيذ لئلّا يغرق في متاهات تساعد الحزب في المماطلة إلى درجة التملّص من تسليم سلاحه".

ويضيف الزغبي "الواضح أن الرئاسة اللبنانية تطرح "إستراتيجية الأمن الوطني" الأشمل بحيث تكون "الاستراتيجية الدفاعية" جزءاً منها، خلافاً لما يريده حزب الله للاحتفاظ بسلاحه تحت حجة عجز الجيش اللبناني وضرورة بقاء "المقاومة" لمواجهة إسرائيل، كما أن هناك خلافاّ داخله بين فريق متشدد يريد الاستمرار في المواجهة العسكرية وفريق يطالب باستخلاص دروس الحرب والانضواء تحت لواء الدولة، الأمر الذي يضاعف تعقيد الحوار وإفشاله".

من جانبه يقول جبور، "حزب الله أصبح اليوم أمام واقع لا يمكن الانقلاب عليه، ويتوجب عليه أن يتأقلم مع المستجدات، ويتخلى عن مشروعه المسلح، ويسلّم سلاحه".

وفي هذا السياق، لفت جبور إلى أن "المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وصفت حزب الله بـ'السرطان الذي يجب استئصاله'، بعد زيارتها الأخيرة إلى بيروت، كما أن السفارة الأميركية أعلنت في أعقاب الزيارة أن المحادثات تركزت على شقين أساسيين: سلاح حزب الله والإصلاحات، وأكدت أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه للدولة".

وفي السياق، رد رئيس الحكومة نواف سلام، من بكركي أمس الأربعاء، على سؤال حول الجدول الزمني لسحب سلاح حزب الله مؤكداً أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ستكون قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقال "عندما طُرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، كان جوابي أننا سنطلب سريعاً من الوزراء المعنيين، ولا سيما وزير الدفاع، تزويدنا بتقرير حول ما التزمنا به في البيان الوزاري، وكيف يمكننا التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية".

فرصة مؤقتة

يعيش لبنان في مرحلة "وقت ضائع"، كما يصفها جبور، "حيث كان يفترض أن تشهد البلاد انطلاقة جديدة مع عودة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، وأن تستعاد الدورة الاقتصادية والمالية. لكن ذلك لم يتحقق، والسبب تمسّك حزب الله بسلاحه".

ويتابع جبور "لقد تبيّن أن هذا السلاح لم ينجح في حماية الحزب، لا خلال الحرب ولا بعدها. وحدها الدولة تمتلك القدرة على تأمين الحماية لجميع اللبنانيين، بما فيهم حزب الله".

ويختم جبور بالتأكيد على أن "موضوع سلاح حزب الله انتهى"، معتبراً أن "كلما تم تسريع احتكار الدولة للسلاح، كلما اقترب لبنان من استعادة عافيته، ومن قيام دولة فاعلة تستعيد سيادتها ودورتها الاقتصادية والمالية".

من جانبه يرى الزغبي أن لبنان "أمام فرصة محدودة في الزمن لتلبية رغبة المواطنين في الاستقرار وشروط المجتمع الدولي، ولا يملك ترف الوقت المفتوح لحوار تم تجربته سابقاً على الطاولات الجامعة وانتهى إلى الفشل".

ولذلك لا بد بحسب الزغبي "من برمجة الحوار ضمن مهلة محددة، وفي حال بلوغه طريقاً مسدوداً تستعيد الدولة مبادرة معالجة السلاح تنفيذاً لكل الوثائق التي تؤكد حصر السلاح في يد الدولة. وإذا تلكأت أو فشلت فإن خطر تجدد الحرب يصبح ماثلاً وتعود إسرائيل إلى تدمير ما تبقى من ترسانات "الحزب"، ويدفع لبنان أثماناً إضافية".