لبنان في أسوأ أزمة اقتصادية عرفها تاريخه
لبنان في أسوأ أزمة اقتصادية عرفها تاريخه

أقدم نائب في البرلمان اللبناني على اقتحام مصرف في مدينة صيدا جنوبي البلاد، للمطالبة بتحرير وديعة مالية محتجزة في إطار القيود المشددة التي تفرضها المصارف اللبنانية، منذ عام 2019، على عمليات السحب من الودائع بعد وقوع لبنان في أسوأ أزمة اقتصادية عرفها تاريخه.  

وفي التفاصيل، دخل النائب شربل مسعد، المحسوب على قوى التغيير في مجلس النواب اللبناني، إلى البنك اللبناني للتجارة في مدينة صيدا، للمطالبة بتحصيل وديعة شقيقه المالية المحتجزة في المصرف، حيث اعتصم بداخله إلى جانب شقيقه، مطلقا سلسلة من الانتقادات ضد المصارف ومصرف لبنان وطريقة إدارة الأزمة المالية على حساب المودعين.  

وسرعان ما ضجت البلاد بخبر اقتحام النائب للمصرف، لما يحمله الأمر من مفارقة ودلالة على الواقع الذي بلغته الأمور في لبنان.

"يذلون المواطن ويستضيفون الصرافين" 

بالنسبة إلى سعادة ما جرى "ليس اقتحاما" وفق ما يؤكد في حديثه لموقع "الحرة"، وإنما دخول سلمي إلى المصرف بعد انتظار دام لنحو ثلاث ساعات لم يسمح خلالها للنائب بالدخول. ويضيف مسعد "كنا قد توجهنا منذ البداية إلى المصرف بكل محبة لحل خلاف حول وديعة، فتفاجأنا بأنهم لم يفتحوا الباب لنائب عن الأمة يمثل الناس، فيما يفتحون أبوابهم للصرافين غير الشرعيين على الطرقات الذين يتاجرون بالدولار".

ويتابع "وقفت ثلاث ساعات وأنا أرى الصرافين يدخلون ويخرجون بحقائب الأموال، ونحن نقف على قارعة الطريق العام ننتظر إذن الدخول، ولم يأت، فانتظرنا موعد خروج الموظفين ودخلنا إلى المصرف بشكل عادي جدا لا بالقوة ولا اقتحام ولا شيء من هذا القبيل".

وأضاف "في الداخل كان الصرافون يجلسون وتُقدم لهم القهوة والضيافة، ولدي صور تثبت ذلك سأضعها بتصرف أي تحقيق يطلبها، وآخر همهم الناس في الخارج، فإذا كان التعامل مع نائب عن الأمة بهذا الشكل المذل، فما بال المواطن والشعب المسكين؟".

وعلى الفور، حضر إلى المكان عناصر من مخابرات الجيش اللبناني وأمن الدولة وقوى الأمن الداخلي، فيما أصر مسعد على البقاء داخل المصرف وأجرى سلسلة اتصالات مع مسؤولين من داخله حيث اعتصم لنحو ثلاث ساعات.  

"بعد جهد جهيد تواصل معي أحد من إدارة المصرف، ووعدنا أن يوم الإثنين سوف يحل الموضوع وستتخذ الإدارة قرارا بشأنه"، يؤكد مسعد، "ولأننا لسنا هواة مشاكل غادرنا وسنعود الإثنين قبل الظهر إلى أمام المصرف، على أمل أن تحل المشكلة سلميا، وإلا فإنني أدعو جميع المواطنين والمودعين إلى التحرك وعدم السكوت أو القبول بالفتات الذي تسمح المصارف بسحبها شهريا".

طفح الكيل.. يكفي انتحاراً  

ويرى النائب اللبناني أن للمودعين حقوقا على المصارف، "لا نتحدث عن شيء مخالف للقانون في هذا الجانب، ما نطلبه إعطاء الناس حقوقها، الناس تذل يوميا وتنتحب على أبواب المصارف ولا تملك ثمن دواء فيما أموالهم محتجزة في الداخل".  

ويشدد على أن الشعب "كفر وجاع وتبهدل"، معتبرا أن واجب النائب الوقوف إلى جانب هذا الشعب، "للأسف أوصلونا إلى مرحلة بات المواطن مجبورا أن يتسول حقه، فليضع أي شخص نفسه مكان المواطن اللبناني الذي يعجز عن تأمين أدويته أو أدوية أهله وقوت أولاده، فيما أمواله في المصرف مصادرة دون وجه حق، ماذا يفعل الإنسان في هذه الحالة؟".  

وحمّل مسعد المصارف ومصرف لبنان مسؤولية حالات الانتحار التي باتت تسجل يوميا في لبنان لأسباب تتعلق بصعوبة الأحوال المعيشية،  ويتابع "طفح الكيل، كل يوم يحمل لنا حالة انتحار جديدة بسبب الوضع الاقتصادي، وكل ذلك بسبب المصارف ومصرف لبنان، الذين يتحكمون بالبلاد والعباد بدعم سياسي يغطيهم".

وشهد لبنان على مدى الأسابيع الماضية ارتفاعا ملحوظا بحالات الانتحار المرتبطة بتردي الأحوال المعيشية، حيث باتت تُسجل بوتيرة شبه يومية، كما وثقت السنوات الثلاث الماضية ارتفاعا في معدلات الانتحار ترافق مع الانهيار المالي الذي ضرب البلاد وأفقد العملة اللبنانية أكثر من 95 في المئة من قيمتها الشرائية.  

مسعد، الذي يزاول مهنة الطب إلى جانب النيابة، ينقل ما يراه يوميا في عيادته من معاناة للبنانيين نتيجة صعوبة الأوضاع المعيشية في البلاد، يقول: "أنا طبيب، كل يوم أقابل في عيادتي مواطنين غير قادرين على شراء الدواء، هناك مرضى أوقفوا دواء السكري وضغط الدم، ومهما جرى لهم لا يتوجهون إلى المستشفيات بسبب عدم قدرتهم على دفع التكاليف". 

لا ذنب للمواطن 

ويدعو النائب اللبناني المصارف إلى القيام بواجباتها تجاه المودعين، كما حث جميع المودعين على المطالبة بحقوقهم، "ولزملائي النواب أن يدعموا الناس في مطالبهم. فإما أن يحصل الناس على حقوقهم ولتنهار المصارف، ليست مسؤولية الناس".

وتحتجز المصارف اللبنانية أموال المودعين لديها، منذ خريف عام 2019، حيث تفرض قيودا مشددة على عمليات السحب، دون وجود مبررات قانونية لها، إثر الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد وما تبعها من تهريب أموال للخارج، وإقبال شعبي على سحب الودائع من المصارف التي أقفلت أبوابها، معلنة عجزها عن تسديد أموال الناس، متهمة مصرف لبنان بتبديد الأموال.  

وفي هذا السياق يرى مسعد أن "المصارف تحمل المسؤولية لحاكم مصرف لبنان، وحاكم مصرف لبنان يضع المسؤولية على المصارف والدولة اللبنانية، وبات كل اللبنانيون على علم بدوامة الاتهامات هذه، فيما لا ذنب للمودع بكل ذلك، المودع ائتمن المصرف على مبلغ مالي، علاقته تكون مع المصرف ولا علاقة له كيف استثمر المصرف أمواله ولمن اقرضها، هذه مشكلتهم وليست مشكلة المودع." 

ومنذ بدء الأزمة، شهدت المصارف اللبنانية عمليات اقتحام متكررة نفذها مودعون، اتخذ بعضها طابعا عنيفا في حين اقتصر بعضها الآخر على تحركات سلمية للمطالبة بتحرير الأموال، ولم تتخذ الدولة اللبنانية حتى اليوم أي إجراءات قانونية أو مالية من أجل إدارة الأزمة أو قوننة عملية سحب الودائع، ما يضع المواطنين والمصارف وجها لوجه.  

يذكر أن القضاء اللبناني أصدر سلسلة أحكام قضائية لصالح مودعين تلزم المصارف بدفع ودائعهم بالدولار الأميركي بكونها عملة الإيداع، ولا تقبل بالشيك المصرفي أو الليرة اللبنانية كطريقة إيفاء، وهو ما رفضته المصارف وأعلنت إضرابا اعتراضيا جاء بالتزامن مع انطلاق تحقيقات قضائية بشأن عمليات تبييض أموال وتهريبها إلى الخارج، ترى فيها المصارف استهدافا لها وتشويها لصورتها.  

وشهد، الشهر الماضي، سلسلة احتجاجات قام خلالها لبنانيون بإضرام النيران في عدد من المصارف في العاصمة اللبنانية، بيروت، كما قاموا بقطع طرقات احتجاجا على الوضع المعيشي واعتراضا على إضراب المصارف، الذي اعتبروه انقلابا على القضاء وتهربا من الالتزام بأحكامه.  

سلسلة احتجاجات تشهدها مدن لبنانية بسبب أزمة المصارف
حرق مصارف وقطع طرق.. غضب "خارج عن السيطرة" يجتاح المدن اللبنانية
يوم غضب عارم شهده لبنان منذ ساعات الصباح الأولى، بعدما استفاق أهله على ارتفاع قياسي جديد لسعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار، في سياق انهيار مالي يأخذ طابعاً أكثر حدة منذ مطلع العام الجديد. فبينما كان قد وصل سعر صرف الدولار إلى 40 ألف ليرة مطلع الشهر الأول من العام 2023، نتيجة 3 سنوات من عمر الأزمة الاقتصادية، تضاعف الرقم اليوم إلى 80 ألفاً وما فوق بفارق شهر واحد فقط، ما يشير إلى حجم التدهور الحاصل، والذي ينعكس آثاراً كارثية على معيشة اللبنانيين.

إضراب جديد  

وعادت جمعية المصارف لتعلن، الخميس، قرارها بالعودة إلى الإضراب من جديد بدءا من الثلاثاء المقبل، على خلفية صدور حكم مشابه بحق أحد المصارف اللبنانية يلزمه بدفع وديعة بالدولار، الأمر الذي ترى المصارف أنه يهددها بالإفلاس بكونها تتقاضى ديونها بالليرة اللبنانية على أسعار صرف قديمة.  

وأصدرت الجمعية، الخميس، بيانا فصلت فيه ما تراه من إجحاف بحقها في القرارات القضائية الصادرة، واعتبرت أن الوضع بلغ من الخطورة مرحلة "لم يعد يكفي معها لفت النظر والاعتراض والإنذار، بل أصبح من الضرورة الملحّة أن تتحمل السلطات الرسمية، من تنفيذية ونقدية وقضائية وتشريعية، مسؤوليتها بإيجاد حلّ شامل لأزمة نظامية عبر إصدار قواعد عامة ملزمة للجميع لا تقتصر على مصارف معيّنة ولا حتى على جميع المصارف، بل تطال كل القطاع المالي وتمسّ أيضا المودعين".

وقالت إنها "تجد نفسها مكرهة إلى العودة إلى الإضراب"، مطالبة باتخاذ التدابير القانونية السريعة "لوضع حدّ لهذا الخلل في اعتماد معايير متناقضة في إصدار بعض الأحكام التي تستنزف ما بقي من أموال تعود لجميع المودعين وليس لبعضهم على حساب الآخرين، ولمعالجة هذه الأزمة بشكل عقلاني وعادل ونهائي، تتحمّل فيه الدولة بصورة خاصة مسؤوليتها في هذا المجال".

وبعد سلسلة أحكام قضائية محلية ودولية تلزم المصارف بدفع أموال مودعين لديها، تسعى المصارف اللبنانية للضغط على مجلس النواب من أجل إقرار ما يسمى بقانون "الكابيتال كونترول" الذي من شأنه أن يبرر إجراءات المصارف ويضع سقوفا للسحوبات ويمنع تحويل الأموال إلى خارج لبنان، وهو مطلب جاء متأخرا ثلاث سنوات من عمر الأزمة.  

ويرى النائب مسعد في هذا الشأن أن المصارف تريد إقرار هذا القانون "لحماية أنفسهم، بعد ثلاث سنوات من تهريب الأموال إلى الخارج، يطالبون بالكابيتال كونترول اليوم لتجنب الدعاوى القضائية التي ترفع في وجههم من ناحية المودعين في لبنان وخارجه، فهم لا يريدون هيكلة المصارف ولا الالتزام بسلة إصلاحية كاملة، فقط يريدون الكابيتال كونترول ليحميهم ويشرع ما فعلوه"،  

يذكر أن مسعد ليس النائب اللبناني الأول الذي يقدم على دخول مصرف بهذه الطريقة للاستحصال على وديعة مالية، إذ سبق أن قامت النائبة اللبنانية، سينتيا زرازير، بالأمر ذاته، في أكتوبر الماضي، حيث اعتصمت في أحد المصارف إلى جانب محاميها مطالبة بمبلغ من المال لتسديد تكاليف عملية جراحية كان يُفترض أن تجريها في حينها.  

وتمكنت زرازير حينها من الحصول على جزء من وديعتها بعد مفاوضات استمرت ساعات.  

حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا
حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا

في تطوّر لافت وغير مسبوق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول كبير في حزب الله قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في سياق استراتيجية دفاع وطني، وذلك بشرط انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس الحدودية في جنوب لبنان ووقف الغارات. الإعلان بحد ذاته شكّل كسراً لما يعتبر أحد أبرز "التابوهات" في قاموس حزب الله منذ تأسيسه.

مصادر سياسية كشفت للوكالة أن الرئيس عون يعتزم إطلاق حوار مع الحزب بشأن السلاح، في إطار ما وصفه بـ"استراتيجية الأمن الوطني"، التي أعلن عن نيّته العمل على صياغتها فور توليه المنصب، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة دون سواها.

هذا التطور يأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على الحزب، حيث أكدت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، موقف واشنطن القوي بضرورة نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، مشددة على أن هذا يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع قناة (إل.بي.سي.آي) اللبنانية في السادس من أبريل، قالت أورتاغوس "من الواضح أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن إسرائيل لن تقبل بإطلاق الإرهابيين النار عليها داخل أراضيها، وهذا موقف نتفهمه".

هذا الموقف فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل حزب الله مستعد فعلاً للدخول في مفاوضات جديّة تنهي الثنائية الأمنية التي أرساها منذ عقود؟ أم أن ما يطرح لا يعدو كونه مناورة سياسية لشراء مزيد من الوقت؟ وما مدى واقعية الرهان على استراتيجية دفاعية وطنية تشمل الحزب؟

لكن الحزب لم يترك التأويلات مفتوحة طويلاً، إذ سارع العضو في مجلسه السياسي غالب أبو زينب إلى توضيح الموقف خلال مقابلة مع قناة "الجديد"، أمس الأربعاء، قائلاً "لم نوافق على تسليم السلاح أو نزعه. نحاور حول كيف يمكن للبنان أن يمتلك أوراق قوة أساسية يستطيع من خلالها أن يحافظ على وجوده في ظل هذه المتغيرات الكبيرة. لن نكون إلا في موقع قوة للبنان، وهذا السلاح ليس معروضاً للتسليم".

واليوم الخميس، قال النائب عن حزب الله حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي في مجلس النواب، إن الحزب "أبدى كامل الاستعداد للحوار بهدف التوصل إلى استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة اللبنانية"، مؤكداً أن "من أولوياتنا الحفاظ على لبنان محرراً، محمياً وقوياً، وحماية إنجازات مقاومته".

أبعاد إقليمية

رغم مسارعة أبو زينب إلى نفي استعداد الحزب لتسليم سلاحه، إلا أن مجرد ربط هذا السلاح بشروط محددة، "يُفرغ أي حوار مرتقب من مضمونه محوّلاً إياه إلى مجرد فولكلور ووعد نظري"، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، "لأن نزع السلاح مشروط بتنفيذ تفاهمات وقف الأعمال العدائية أي وقف إطلاق النار ابتداء من 27 نوفمبر الفائت وبالقرارات الدولية واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري".

ويذهب الزغبي أبعد من ذلك في حديث مع موقع "الحرة"، معتبراً أن الحزب لا يربط سلاحه بشروطه، بل بمصير الحوار الإيراني–الأميركي، ويقول "على ضوء نتائج هذا الحوار يتلقى التوجيه الإيراني بالموقف المناسب، وحتى ذلك الحين يسعى إلى كسب الوقت والمماطلة".

من جانبه يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "المشهد الإقليمي يشهد تغييرات جذرية تنعكس بشكل مباشر على وضع حزب الله في لبنان"، معتبراً أن الحزب أصبح أمام معادلة جديدة تفرض عليه التخلي عن سلاحه.

ويقول جبور لموقع "الحرة" إن "المسألة لم تعد مرتبطة بما يقوله حزب الله أو لا يقوله، بل بالواقع الإقليمي المتبدل كلياً"، موضحاً أن "الحزب خرج من الحرب الأخيرة مهزوماً، ووقّع اتفاقاً لوقف إطلاق النار ينص بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية في كل لبنان، فيما انقطع طريق إمداده من إيران نتيجة سقوط نظام الأسد".

ويشير جبور إلى أن هذه التطورات تتزامن مع معطيات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها "الإعلان الرسمي عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عمان، وتخلي الفصائل المدعومة من إيران في العراق عن مشروع السلاح، بالإضافة إلى إعلان طهران عدم مسؤوليتها عن الحوثيين في اليمن". واعتبر أن "هذه المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت إرسال رسائل 'حسن نية' إلى واشنطن، تتماشى مع شروط الأخيرة الثلاثة: التخلي عن الأذرع العسكرية، الصواريخ الباليستية، والمشروع النووي".

والأربعاء، اعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن "ربط مسألة نزع السلاح بقضايا أخرى يُعدّ مخالفة واضحة لتعهدات لبنان، ونكون نُضيّع وقتنا إذا اعتقدنا أن الإصلاح ممكن من دون حصر السلاح بيد الدولة".

كما أضاف في مؤتمر صحافي من المجلس النيابي "سمعنا الوزير غسان سلامة يتحدث عن أن موضوع السلاح خارج الدولة يرتبط بمسألة إعادة الإعمار، ونقول لرئيس الحكومة نواف سلام إن المطلوب منه اليوم هو تدبير سريع بحق الوزير سلامة لأنه يخالف البيان الوزاري والقرارات الدولية، وإن لم يتم فنحن كتكتل الجمهورية القوية قد نطرح الثقة به".

حوار بلا جدوى؟

"نزع السلاح ليس في حاجة إلى الحوار الذي قرره رئيس الجمهورية جوزف عون مدعوماً من الرئيسين بري وسلام"، كما يرى الزغبي "لأن قرار تسليمه "نافذ على أصله" كما في الأحكام القضائية، ولا يتطلّب سوى تنفيذ الاتفاقات والتعهدات المكتوبة، لكن السلطة تبرر الحوار بتفادي الصدام واهتزاز السلم الأهلي كما تقول. وفي أي حال، على هذا الحوار ألّا يطرح مبدأ نزع السلاح، بل الآلية والجدول الزمني للتنفيذ لئلّا يغرق في متاهات تساعد الحزب في المماطلة إلى درجة التملّص من تسليم سلاحه".

ويضيف الزغبي "الواضح أن الرئاسة اللبنانية تطرح "إستراتيجية الأمن الوطني" الأشمل بحيث تكون "الاستراتيجية الدفاعية" جزءاً منها، خلافاً لما يريده حزب الله للاحتفاظ بسلاحه تحت حجة عجز الجيش اللبناني وضرورة بقاء "المقاومة" لمواجهة إسرائيل، كما أن هناك خلافاّ داخله بين فريق متشدد يريد الاستمرار في المواجهة العسكرية وفريق يطالب باستخلاص دروس الحرب والانضواء تحت لواء الدولة، الأمر الذي يضاعف تعقيد الحوار وإفشاله".

من جانبه يقول جبور، "حزب الله أصبح اليوم أمام واقع لا يمكن الانقلاب عليه، ويتوجب عليه أن يتأقلم مع المستجدات، ويتخلى عن مشروعه المسلح، ويسلّم سلاحه".

وفي هذا السياق، لفت جبور إلى أن "المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وصفت حزب الله بـ'السرطان الذي يجب استئصاله'، بعد زيارتها الأخيرة إلى بيروت، كما أن السفارة الأميركية أعلنت في أعقاب الزيارة أن المحادثات تركزت على شقين أساسيين: سلاح حزب الله والإصلاحات، وأكدت أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه للدولة".

وفي السياق، رد رئيس الحكومة نواف سلام، من بكركي أمس الأربعاء، على سؤال حول الجدول الزمني لسحب سلاح حزب الله مؤكداً أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ستكون قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقال "عندما طُرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، كان جوابي أننا سنطلب سريعاً من الوزراء المعنيين، ولا سيما وزير الدفاع، تزويدنا بتقرير حول ما التزمنا به في البيان الوزاري، وكيف يمكننا التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية".

فرصة مؤقتة

يعيش لبنان في مرحلة "وقت ضائع"، كما يصفها جبور، "حيث كان يفترض أن تشهد البلاد انطلاقة جديدة مع عودة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، وأن تستعاد الدورة الاقتصادية والمالية. لكن ذلك لم يتحقق، والسبب تمسّك حزب الله بسلاحه".

ويتابع جبور "لقد تبيّن أن هذا السلاح لم ينجح في حماية الحزب، لا خلال الحرب ولا بعدها. وحدها الدولة تمتلك القدرة على تأمين الحماية لجميع اللبنانيين، بما فيهم حزب الله".

ويختم جبور بالتأكيد على أن "موضوع سلاح حزب الله انتهى"، معتبراً أن "كلما تم تسريع احتكار الدولة للسلاح، كلما اقترب لبنان من استعادة عافيته، ومن قيام دولة فاعلة تستعيد سيادتها ودورتها الاقتصادية والمالية".

من جانبه يرى الزغبي أن لبنان "أمام فرصة محدودة في الزمن لتلبية رغبة المواطنين في الاستقرار وشروط المجتمع الدولي، ولا يملك ترف الوقت المفتوح لحوار تم تجربته سابقاً على الطاولات الجامعة وانتهى إلى الفشل".

ولذلك لا بد بحسب الزغبي "من برمجة الحوار ضمن مهلة محددة، وفي حال بلوغه طريقاً مسدوداً تستعيد الدولة مبادرة معالجة السلاح تنفيذاً لكل الوثائق التي تؤكد حصر السلاح في يد الدولة. وإذا تلكأت أو فشلت فإن خطر تجدد الحرب يصبح ماثلاً وتعود إسرائيل إلى تدمير ما تبقى من ترسانات "الحزب"، ويدفع لبنان أثماناً إضافية".