كرسي الرئاسة في قصر بعبدا شاغرا
كرسي الرئاسة اللبنانية شاغر وسط خلافات سياسية وأزمة اقتصادية خانقة

شكل إعلان السعودية وإيران، الجمعة، استئناف علاقاتهما الدبلوماسية، وتفعيل اتفاقية التعاون الأمني لعام 2001، وتطوير علاقات حسن الجوار، بوساطة صينية، مفاجأة لدول تعتبر ساحة للمنافسة والصراع بين البلدين، منها لبنان.

وألقى الخلاف السعودي الإيراني بثقله على لبنان الواقع تحت سيطرة النفوذ الإقليمي للبلدين، تُرجم ذلك من خلال الانقسام الحاد بين الفرقاء السياسيين، وما نتج عنه من تعطيل كل استحقاق رئيسي، وصولا إلى انزلاق البلد نحو الانهيار الكبير على مختلف الأصعدة منذ العام 2019، لاسيما بعد رفع المملكة مظلتها عنه، والتوقف عن مساعدته نتيجة مواقف حزب الله المناهضة لها.

وما أن أعلن انتهاء مرحلة الخلاف بين السعودية وإيران، حتى عبر محللون سياسيون لبنانيون عن تفاؤلهم بأن يساهم هذا التقارب في لجم الانهيار الاقتصادي، بدء من وضع حد للفراغ الرئاسي وتشكيل حكومة.

لكن في المقابل يرى آخرون أن ملف بلدهم لم يعد ضمن اهتمامات الدول الإقليمية والدولية، وبالتالي أصبح بعيدا عن أي طاولة مفاوضات. وبين المتفائلين والمتشائمين هناك من يفضّل الترقب تاركا للأيام كشف انعكاسات هذه الانعطافة التاريخية المهمة. 

على الصعيد الرسمي، رحّب وزير الخارجية والمغتربين اللبناني، عبد الله بوحبيب، بالبيان الثلاثي الصيني ـ السعودي ـ الإيراني، مثمنا "الجهود والمساعي الحميدة" التي قامت بها عدة دول لرأب الصدع وتخفيف التوتر وعلى رأسها الجمهورية العراقية وسلطنة عمان، وصولا إلى وساطة الصين مؤخرا "التي تكللت بهذا الاتفاق المهم".

وأشار بو حبيب إلى أن لبنان "لطالما دفع في تاريخه وحاضره أثمان الخلافات الإقليمية، وعليه، ينعقد الأمل بأن تساهم هذه الخطوة في تعزيز ركائز الأمن والاستقرار في المنطقة، وتوطيد التعاون الإيجابي البناء الذي سيعود حتما على دول المنطقة وشعوبها والعالم بالمنفعة".

السفارة السعودية في بيروت

إيجابية غير مباشرة

وعلق الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، على استئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بالقول إن "التحول المتعلق بالتقارب السعودي الإيراني جيد، ولن يكون على حساب شعوب المنطقة، وإنّما لمصلحتها"، لافتاً إلى أنه "في حال سار التقارب السعودي الإيراني في المسار الطبيعي، فيمكن أن يفتح آفاقا في المنطقة وفي لبنان أيضاً". 

نصر الله شدد على أن "حزب الله لا يريد أن يفرض رئيساً للجمهورية على أحد، ويريد أن يفتح الأبواب لإتمام هذا الاستحقاق"، وتوجه إلى اللبنانيين بالقول "لا تنتظروا الخارج، ولا يحق لأي دولة خارجية أن تفرض أي فيتو فيما يتعلق بالاستحقاق الرئاسي"، وسبق أن كشف نصر الله أن المرشح الذي يدعمه حزب الله في الانتخابات الرئاسية ويعتبر أنّ المواصفات تنطبق عليه هو الوزير سليمان فرنجية.

ويشهد لبنان أزمة شغور رئاسي بعد انتهاء ولاية الرئيس السابق، العماد ميشال عون، في 31 أكتوبر الماضي، ولم يتمكن المجلس النيابي من انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد عقد عدة جلسة نيابية مخصصة لذلك، كما يشهد أزمة حكومية في ظل عدم تشكيل حكومة واستمرار حكومة تصريف الأعمال محدودة الصلاحيات في تسيير شؤون البلاد. 

وتشكّل السعودية وإيران كما يقول المحلل السياسي، فيصل عبد الساتر، "قطبين أساسيين على المستوى الإسلامي وعلى مستوى النفوذ، لذلك كان للتوتر والتصعيد بينهما انعكاسات سلبية في أكثر من بلد ومكان، كما كان ينعكس على الصراع والخلاف السني الشيعي، بالتالي لا بد أن يكون لاتفاقهما انعكاسات إيجابية على الكثير من الملفات، سيما في إطار ما يشهده العالم من جنون على كل المستويات، لا بل تجفيف المشكلات بينهما في أكثر من ساحة وبلد، قد يشكل عاملاً إيجابياً أيضاً فيما يتعلق بالأزمة العالمية وموضوع الطاقة".

يعيش لبنان أزمات سياسية واقتصادية انعكست على معيشة المواطن

وبشأن انعكاس الاتفاق على لبنان يرى عبد الساتر في حديث لموقع "الحرة" أن "ما قاله وزير الخارجية السعودي بأن لبنان يحتاج إلى تقارب لبناني لبناني، دقيق بالمبدأ من حيث الدبلوماسية، حيث اعتبر أنه ليس بالضرورة أن يكون للاتفاق تبعات على الملف اللبناني، وإن كان سيترك أثراً إيجابياً بطبيعة الحال"، لافتاً إلى أن "المشكلة في لبنان لها جذور فيما بين الأطراف اللبنانية، بالتالي هي أكبر بكثير من أن تتأثر بشكل آلي فيما يحصل في الخارج، فالحل في هذا البلد يحتاج إلى تلاق بين اللبنانيين قبل أي تلاق بين دول إقليمية نافذة".

وكان السفير الإيراني في لبنان، مجتبى أماني، أكد في تغريدة عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" على ما قاله بن فرحان، حيث كتب "هذه هي رؤية الجمهورية الإسلامية الإيرانية: وزير الخارجية السعودي تعقيبا على استئناف العلاقات الإيرانية السعودية: لبنان يحتاج إلى تقارب لبناني، وليس لتقارب إيراني سعودي، مشيراً إلى أنه على لبنان أن ينظر إلى مصلحته، وعلى السياسيين فيه أن يقدموا المصلحة اللبنانية على أي مصلحة أخرى".

يرى عبد الساتر أن أزمة لبنان أعمق من انتخاب رئيس جمهورية "إذ لم يعد هناك من مؤسسات في هذه الدولة الآيلة إلى الانحلال وهذا أخطر بكثير من الوضع الاقتصادي، لذلك علينا أن نجد المخارج في الداخل، وإن كان الخارج يشكّل عاملاً مساعداً".

كذلك يرى الكاتب والمحلل السياسي قاسم قصير أن "الاتفاق حدث تاريخي خاصة أنه وقّع في الصين التي للمرة الأولى ترعى اتفاقاً بين دولتين إقليميتين، وهو خطوة مهمة على صعيد العلاقات بين إيران والسعودية، وسيكون له أبعاد ودلالات على مستوى المنطقة حيث قد يجنبها التصعيد العسكري الذي يخشاه الكثيرون، فهو يحيّد السعودية عن أي حرب ضد إيران، ويساعد في تحسين العلاقات في المنطقة كلها، وهذا ما يمكن ملاحظته من حجم ردود الفعل المرحبة به في الخليج والدول العربية وعلى المستوى الدولي".

 بالنسبة إلى لبنان قد لا يكون هناك انعكاس مباشر آني بحسب ما يقوله قصير لموقع "الحرة"، "لكن تأزم العلاقات الإيرانية السعودية في السنوات الماضية، انعكس سلباً على الوضع اللبناني، حيث انقسم اللبنانيون بين محورين، أحدهما مؤيد للسعودية والآخر مؤيد لإيران، بالتالي عودة العلاقات بين الطرفين يريح الوضع اللبناني ويفتح الباب أمام تسوية ليس بالضرورة أن تكون سريعة، لكن على الأقل لم يعد هناك حجة إلى انقسام اللبنانيين بين محورين بشكل عام،  واعتقد ان الأجواء الإيجابية بين الدولتين وحل أزمة اليمن سيدفعان السعودية إلى بذل جهد أكبر لمعالجة الوضع اللبناني وستلاقيها إيران في المنطقة الوسط". 

العلاقات اللبنانية السعودية مرت في مراحل توتر أثرت على المساعدات السعودية المقدمة لبيروت

تفاؤل "مفرط"

من الملفت بحسب المحلل السياسي نضال السبع أن "المفاوضات السرية بين الإيرانيين والسعوديين تزامنت مع تواصل أمني بين الجانبين السوري والسعودي، حيث زار رئيس المخابرات السورية اللواء حسام لوقا الرياض أكثر من مرة، آخرها كانت عبر الأراضي اللبنانية، ويظهر أن خطوط التواصل الأمنية ستفضي في نهاية المطاف إلى تواصل سياسي بين السوريين والسعوديين، وأتوقع أن يزور بن فرحان دمشق قريباً سيما وأنه على ما يبدو تباحث مع الجانب الروسي في ذلك خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو".

ويضيف في حيث لموقع "الحرة" أنه "بالنسبة إلى لبنان انقسم اللبنانيون حول الاتفاق، طرف لم يستطع أن يتكيّف معه كون خطابه السياسي ذهب بعيداً في معاداة إيران، وطرف سياسي على رأسه سليمان فرنجية وجد في هذا الاتفاق طريقاً لوصوله الى رئاسة الجمهورية، وبحكم المؤكد سيفضي التواصل السعودي السوري من جهة والسعودي الإيراني من جهة أخرى إلى وصول فرنجية إلى قصر بعبدا في نهاية المطاف، خاصة أن فرنجية يحتفظ بعلاقات تاريخية أباً عن جد مع المملكة".

المرحلة القادمة كما يقول السبع "هي مرحلة البحث عن رئيس يستطيع أن يرسّم الحدود الشمالية البحرية وأن يعيد اللاجئين إلى سوريا خاصة أن هذا البند إشكالي بين الجانبين السوري والسعودي، فالسعودية تصر على ثلاثة أمور للانفتاح على دمشق، أولاً أن يتم إعادة اللاجئين، ثانياً أن يكون هناك مسار سياسي، وثالثاً أن يكون هناك انفكاكاً عن إيران، البند الثالث حل بعد الانفتاح السعودي الإيراني، يبقى أمام سوريا انجاز الحل السياسي واستكمال عودة اللاجئين".

يشدد السبع على أن "المرحلة القادمة ستكون إيجابية على لبنان كونه يقع ضمن نفوذين سعودي من جهة وإيراني من جهة أخرى، وهذان البلدان يمتلكان مفاتيح اللعبة الرئاسية وتوافقهما سيسفر عن انتخاب فرنجية"، لافتاً إلى أن "ما يريده السعوديون في لبنان، رئيساً يلتزم بالعهود ويتمكّن من ضبط إيقاع حزب الله لبنانياً، وأنا باعتقادي أن فرنجية كان واضحاً حين أعلن من بكركي أنه الأقدر على مخاطبة حزب الله، وما يستطيع أن يجلبه من الحزب وسوريا لن يستطيع أي مرشح رئاسي جلبه".

وفيما إن كنا سنشهد دعما سعوديا اقتصاديا للبنان أجاب السبع  بأن "كل الموانع التي حالت دون تقديم المساعدات السعودية سابقاً انتفت، وفي ظل التفاهم السعودي الإيراني ستفتح الأبواب ولن تمتنع السعودية عن مساعدة لبنان".

كما عبّر المحلل السياسي السعودي الدكتور خالد باطرفي عن تفاؤله بالمرحلة القادمة، قائلاً "سيكون لهذا الاتفاق انعكاسات وارتدادات إيجابية على المنطقة ككل وخاصة على لبنان واليمن وسوريا والعراق وغزة". 

بالنسبة للبنان قد يكون أحد الانعكاسات الإيجابية بحسب باطرفي "حل مشكلة الفراغ الرئاسي وتشكيل الحكومة، والدفع باتجاه التجاوب مع مطالب المجتمع الدولي والمؤسسات النقدية والبنكية العالمية والاتحاد الأوروبي ودول الخليج حول ضرورة تنفيذ لبنان الإصلاحات المطلوبة في نظامه المالي وانظمته الاقتصادية والحكومية ومحاربة الفساد وتوفير الشفافية وغيرها من المطالب، وإذا تحقق هذا الأمر فسيكون من السهل بعد ذلك تقديم الدعم المالي المباشر من الدول الراعية والداعمة للبنان، خاصة الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية والإمارات والكويت وقطر".

وتوقع باطرفي في حديث مع موقع "الحرة" ان يسهم الاتفاق في "تراجع التصعيد من جانب حزب الله تجاه دول الخليج وتصديره المخدرات ودعمه الحوثيين وغيرها من الاستهدافات التي عانت منها السعودية لفترة طويلة" مشدداً على أن "تخفيض هذه العمليات والسياسات سيسهم في عودة العلاقات التجارية بين السعودية ودول الخليج من ناحية ولبنان من ناحية أخرى، إضافة إلى عودة السياحة والاستثمارات الخليجية الى لبنان وما يعنيه ذلك من تحريك للاقتصاد اللبناني".

شهد لبنان احتجاجات وتظاهرات بسبب السياسات المصرفية والفساد في البلاد

"رهان خاسر"

بعيداً عن التفاؤل الحذر والمفرط، يرى البعض ومنهم الكاتب والباحث السياسي الدكتور مكرم رباح أن "الرهان على أن الاتفاق السعودي الايراني سينهي الأزمة اللبنانية خاسر"، شارحاً "أولاً لبنان ليس مهماً بالنسبة لدول العالم وبالتالي غير موجود على أي طاولة مفاوضات، ثانياً بحسب الأجواء السعودية، لن يترجم الاتفاق في الداخل اللبناني بإطلاق يد حزب الله، فدول الخليج متفقة على أنه لا يمكن تسليم لبنان للحزب، والموقف السعودي كان واضحاً خلال مناقشات اللجنة الخماسية التي اجتمعت في فرنسا قبل حوالي الشهر، حيث أعلنت المملكة أنها لن تقدم أي تنازل لحزب الله فيما يتعلق برئاسة الجمهورية". 

إضافة إلى ذلك يرى رباح في حديث مع موقع "الحرة" أن "متابعي الشأن اللبنانيين لا ينتبهون إلى المأزق الذي وضع حزب الله نفسه فيه، حيث احتفظ بلبنان رهينة في محاولة للتفاوض عليه، وبعد أن وصل هذا البلد إلى مرحلة الخمول والموت لم يعد باستطاعة الحزب أن يحصل على شيء مقابلاً له".

وعلى عكس ما قد يظن البعض، انتهى كما يقول رباح "زمن المساعدات المباشرة للبنان، اذ من غير الوارد وضع وديعة بمليارات الدولارات في المصرف المركزي على غرار ما حصل في اليمن، فأي مساعدة لهذا البلد لن تكون إلا عبر البنك الدولي وصندوق النقد وذلك بعد تنفيذ إصلاحات تعيد الثقة الدولية به، وهو ما استبعده".

كما يستبعد رباح أن تؤدي التسوية الإيرانية السعودية إلى انتخاب فرنجية رئيساً للجمهورية، قائلاً "لا حماسة خليجية تجاهه، فحتى لو كان مقرباً من بشار الأسد إلا أنه ليس لديه القدرة على لعب دور إيجابي، كما ان موقف دول الخليج واضح بعدم دعم مرشح نصر الله الذي بمجرد ان أعلن تبنيه حرق ورقته".

من جانبه يرى عبد الساتر أن "الأمور انتقلت من مكان إلى آخر بعد ترشيح الثنائي الشيعي لفرنجية، ولكن لا يمكن أن يجازف الرئيس بري ويدعو إلى جلسة لمجلس النواب إذا لم تكن الأمور قد بدأت تتخذ منحى إيجابياً، وحتى هذه اللحظة ليس هناك من مؤشرات إيجابية في أن إحدى الكتلتين القويتين في الطائفة المسيحية قد ذهبت إلى مكان ممكن أن يشكل عامل او لقاء مشترك، وبالتالي نحن أمام سور منيع لم يستطع أحد خرقه بعد".

قراءات متباينة

اختلفت قراءة السياسيين اللبنانيين لانعكاس الاتفاق على لبنان، فرئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي قال إن "الارتياح الذي قد ينجم عن هذا المسار لا بد أن ينعكس إيجاباً على كل المنطقة ومن ضمنها لبنان"، أما رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، فدعا إلى ضرورة الاستفادة من الاتفاق، للدفع باتجاه "التوافق والحوار" بين القوى السياسية لإنهاء أزمة الشغور الرئاسي.

ولفت بري في بيان إلى أنه "انطلاقاً من وجوب القراءة الإيجابية لمشهد التقارب العربي الإيراني وعودته إلى طبيعته، نجدّد الدعوة الصادقة والمخلصة للقوى والشخصيات السياسية والحزبية كافة في لبنان، إلى وجوب المبادرة سريعاً للتّلاقي على كلمة سواء نقارب فيها القضايا الخلافية كافة، وننجز استحقاقاتنا الدستورية وفي مقدمها انتخاب رئيس للجمهوريّة بالتوافق والحوار، ولنا بما هو أمامنا اسوة حسنة".

مظاهرة ضد تفشي الفساد في لبنان (أرشيفية)

واليوم الاثنين التقى بري في عين التينة السفير السعودي لدى لبنان وليد البخاري الذي قال رداً على سؤال عما إذا كان هناك أي شيء إيجابي للبنان "شي أكيد".

أما موقف القوات اللبنانية، فعبّر عنه عضو تكتل "الجمهورية القوية" النائب بيار بو عاصي، بالقول إن "التفاهم السعودي– الايراني برعاية صينية أكثر من لقاء وأقل من اتفاق ولم يربك القوات اللبنانية، وأشك بأنه سيريح لبنان"، مؤكداً في مقابلة اذاعية أن "القوات اللبنانية لا تؤيد ولن تريد وصول رئيس تيار المردة سليمان فرنجية الى قصر بعبدا، وتهليل البعض لاعتباره ان اتفاق السعودية وإيران سيؤدي الى وصول فرنجية أمر مبالغ به".

من جانبه أبدى رئيس التيار الوطني الحرّ النائب جبران باسيل تفاؤله بالاتفاق من خلال تغريدة عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، جاء فيها "أخيراً حصل ما كان يجب أن يكون: اتفاق السعودية وإيران، وقريباً سوريا، وهو ما سيحدث موجة استقرار في المنطقة تطال لبنان"، وأضاف "اللهمّ نجنا من مخربيه، لكن ما من حل لأزماتنا سيأتي من الخارج إن لم نبادر في الداخل إلى وضع الحلول دون مكابرة أو تحدٍّ، واستقرار الخارج يساعد، تفاهم الداخل يحل".

أما رئيس الحزب "التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط فرأي أن التقارب السعودي الإيراني يساهم في تخفيف التوترات في الشرق العربي، في حين رأى النائب اللواء أشرف ريفي، في تغريدة أن "هذا الاتفاق ستكون ترجمته لمصلحة استقرار وسيادة لبنان"، آملاً أن يكون تاريخ توقيعه "نهاية للمغامرة الإيرانية التي خربت المنطقة".

وفي السياق غرّد النائب جميل السيّد قائلاً "حتى لا يُفهم كلامي خطأ عن أهمية التقارب الإقليمي أو العربي، أقول: صحيح إنّ هذا التقارب يعطي للبنان ظروفاً أفضل لحلّ أزماته لكنه لن ينقذ لبنان حتّى ولو أمطرت السماء علينا ذهَباً ما لم يغيّر أهل الفساد بالدولة سلوكهم أو يرحلوا عنها"، مضيفاً "من خبرتي بالدولة من إِعتادَ الفساد بقِيَ عليه".

حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا
حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا

في تطوّر لافت وغير مسبوق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول كبير في حزب الله قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في سياق استراتيجية دفاع وطني، وذلك بشرط انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس الحدودية في جنوب لبنان ووقف الغارات. الإعلان بحد ذاته شكّل كسراً لما يعتبر أحد أبرز "التابوهات" في قاموس حزب الله منذ تأسيسه.

مصادر سياسية كشفت للوكالة أن الرئيس عون يعتزم إطلاق حوار مع الحزب بشأن السلاح، في إطار ما وصفه بـ"استراتيجية الأمن الوطني"، التي أعلن عن نيّته العمل على صياغتها فور توليه المنصب، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة دون سواها.

هذا التطور يأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على الحزب، حيث أكدت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، موقف واشنطن القوي بضرورة نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، مشددة على أن هذا يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع قناة (إل.بي.سي.آي) اللبنانية في السادس من أبريل، قالت أورتاغوس "من الواضح أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن إسرائيل لن تقبل بإطلاق الإرهابيين النار عليها داخل أراضيها، وهذا موقف نتفهمه".

هذا الموقف فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل حزب الله مستعد فعلاً للدخول في مفاوضات جديّة تنهي الثنائية الأمنية التي أرساها منذ عقود؟ أم أن ما يطرح لا يعدو كونه مناورة سياسية لشراء مزيد من الوقت؟ وما مدى واقعية الرهان على استراتيجية دفاعية وطنية تشمل الحزب؟

لكن الحزب لم يترك التأويلات مفتوحة طويلاً، إذ سارع العضو في مجلسه السياسي غالب أبو زينب إلى توضيح الموقف خلال مقابلة مع قناة "الجديد"، أمس الأربعاء، قائلاً "لم نوافق على تسليم السلاح أو نزعه. نحاور حول كيف يمكن للبنان أن يمتلك أوراق قوة أساسية يستطيع من خلالها أن يحافظ على وجوده في ظل هذه المتغيرات الكبيرة. لن نكون إلا في موقع قوة للبنان، وهذا السلاح ليس معروضاً للتسليم".

واليوم الخميس، قال النائب عن حزب الله حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي في مجلس النواب، إن الحزب "أبدى كامل الاستعداد للحوار بهدف التوصل إلى استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة اللبنانية"، مؤكداً أن "من أولوياتنا الحفاظ على لبنان محرراً، محمياً وقوياً، وحماية إنجازات مقاومته".

أبعاد إقليمية

رغم مسارعة أبو زينب إلى نفي استعداد الحزب لتسليم سلاحه، إلا أن مجرد ربط هذا السلاح بشروط محددة، "يُفرغ أي حوار مرتقب من مضمونه محوّلاً إياه إلى مجرد فولكلور ووعد نظري"، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، "لأن نزع السلاح مشروط بتنفيذ تفاهمات وقف الأعمال العدائية أي وقف إطلاق النار ابتداء من 27 نوفمبر الفائت وبالقرارات الدولية واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري".

ويذهب الزغبي أبعد من ذلك في حديث مع موقع "الحرة"، معتبراً أن الحزب لا يربط سلاحه بشروطه، بل بمصير الحوار الإيراني–الأميركي، ويقول "على ضوء نتائج هذا الحوار يتلقى التوجيه الإيراني بالموقف المناسب، وحتى ذلك الحين يسعى إلى كسب الوقت والمماطلة".

من جانبه يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "المشهد الإقليمي يشهد تغييرات جذرية تنعكس بشكل مباشر على وضع حزب الله في لبنان"، معتبراً أن الحزب أصبح أمام معادلة جديدة تفرض عليه التخلي عن سلاحه.

ويقول جبور لموقع "الحرة" إن "المسألة لم تعد مرتبطة بما يقوله حزب الله أو لا يقوله، بل بالواقع الإقليمي المتبدل كلياً"، موضحاً أن "الحزب خرج من الحرب الأخيرة مهزوماً، ووقّع اتفاقاً لوقف إطلاق النار ينص بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية في كل لبنان، فيما انقطع طريق إمداده من إيران نتيجة سقوط نظام الأسد".

ويشير جبور إلى أن هذه التطورات تتزامن مع معطيات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها "الإعلان الرسمي عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عمان، وتخلي الفصائل المدعومة من إيران في العراق عن مشروع السلاح، بالإضافة إلى إعلان طهران عدم مسؤوليتها عن الحوثيين في اليمن". واعتبر أن "هذه المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت إرسال رسائل 'حسن نية' إلى واشنطن، تتماشى مع شروط الأخيرة الثلاثة: التخلي عن الأذرع العسكرية، الصواريخ الباليستية، والمشروع النووي".

والأربعاء، اعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن "ربط مسألة نزع السلاح بقضايا أخرى يُعدّ مخالفة واضحة لتعهدات لبنان، ونكون نُضيّع وقتنا إذا اعتقدنا أن الإصلاح ممكن من دون حصر السلاح بيد الدولة".

كما أضاف في مؤتمر صحافي من المجلس النيابي "سمعنا الوزير غسان سلامة يتحدث عن أن موضوع السلاح خارج الدولة يرتبط بمسألة إعادة الإعمار، ونقول لرئيس الحكومة نواف سلام إن المطلوب منه اليوم هو تدبير سريع بحق الوزير سلامة لأنه يخالف البيان الوزاري والقرارات الدولية، وإن لم يتم فنحن كتكتل الجمهورية القوية قد نطرح الثقة به".

حوار بلا جدوى؟

"نزع السلاح ليس في حاجة إلى الحوار الذي قرره رئيس الجمهورية جوزف عون مدعوماً من الرئيسين بري وسلام"، كما يرى الزغبي "لأن قرار تسليمه "نافذ على أصله" كما في الأحكام القضائية، ولا يتطلّب سوى تنفيذ الاتفاقات والتعهدات المكتوبة، لكن السلطة تبرر الحوار بتفادي الصدام واهتزاز السلم الأهلي كما تقول. وفي أي حال، على هذا الحوار ألّا يطرح مبدأ نزع السلاح، بل الآلية والجدول الزمني للتنفيذ لئلّا يغرق في متاهات تساعد الحزب في المماطلة إلى درجة التملّص من تسليم سلاحه".

ويضيف الزغبي "الواضح أن الرئاسة اللبنانية تطرح "إستراتيجية الأمن الوطني" الأشمل بحيث تكون "الاستراتيجية الدفاعية" جزءاً منها، خلافاً لما يريده حزب الله للاحتفاظ بسلاحه تحت حجة عجز الجيش اللبناني وضرورة بقاء "المقاومة" لمواجهة إسرائيل، كما أن هناك خلافاّ داخله بين فريق متشدد يريد الاستمرار في المواجهة العسكرية وفريق يطالب باستخلاص دروس الحرب والانضواء تحت لواء الدولة، الأمر الذي يضاعف تعقيد الحوار وإفشاله".

من جانبه يقول جبور، "حزب الله أصبح اليوم أمام واقع لا يمكن الانقلاب عليه، ويتوجب عليه أن يتأقلم مع المستجدات، ويتخلى عن مشروعه المسلح، ويسلّم سلاحه".

وفي هذا السياق، لفت جبور إلى أن "المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وصفت حزب الله بـ'السرطان الذي يجب استئصاله'، بعد زيارتها الأخيرة إلى بيروت، كما أن السفارة الأميركية أعلنت في أعقاب الزيارة أن المحادثات تركزت على شقين أساسيين: سلاح حزب الله والإصلاحات، وأكدت أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه للدولة".

وفي السياق، رد رئيس الحكومة نواف سلام، من بكركي أمس الأربعاء، على سؤال حول الجدول الزمني لسحب سلاح حزب الله مؤكداً أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ستكون قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقال "عندما طُرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، كان جوابي أننا سنطلب سريعاً من الوزراء المعنيين، ولا سيما وزير الدفاع، تزويدنا بتقرير حول ما التزمنا به في البيان الوزاري، وكيف يمكننا التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية".

فرصة مؤقتة

يعيش لبنان في مرحلة "وقت ضائع"، كما يصفها جبور، "حيث كان يفترض أن تشهد البلاد انطلاقة جديدة مع عودة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، وأن تستعاد الدورة الاقتصادية والمالية. لكن ذلك لم يتحقق، والسبب تمسّك حزب الله بسلاحه".

ويتابع جبور "لقد تبيّن أن هذا السلاح لم ينجح في حماية الحزب، لا خلال الحرب ولا بعدها. وحدها الدولة تمتلك القدرة على تأمين الحماية لجميع اللبنانيين، بما فيهم حزب الله".

ويختم جبور بالتأكيد على أن "موضوع سلاح حزب الله انتهى"، معتبراً أن "كلما تم تسريع احتكار الدولة للسلاح، كلما اقترب لبنان من استعادة عافيته، ومن قيام دولة فاعلة تستعيد سيادتها ودورتها الاقتصادية والمالية".

من جانبه يرى الزغبي أن لبنان "أمام فرصة محدودة في الزمن لتلبية رغبة المواطنين في الاستقرار وشروط المجتمع الدولي، ولا يملك ترف الوقت المفتوح لحوار تم تجربته سابقاً على الطاولات الجامعة وانتهى إلى الفشل".

ولذلك لا بد بحسب الزغبي "من برمجة الحوار ضمن مهلة محددة، وفي حال بلوغه طريقاً مسدوداً تستعيد الدولة مبادرة معالجة السلاح تنفيذاً لكل الوثائق التي تؤكد حصر السلاح في يد الدولة. وإذا تلكأت أو فشلت فإن خطر تجدد الحرب يصبح ماثلاً وتعود إسرائيل إلى تدمير ما تبقى من ترسانات "الحزب"، ويدفع لبنان أثماناً إضافية".