صرف لبنان-
يرفض الموظفون اللبنانيون الصيغة الجديدة لاحتساب رواتبهم

ضربة جديدة تلقاها القطاع العام في لبنان بعد احتساب رواتب موظفيه على سعر الصيرفة المعتمد يوميا، والذي يوازي حاليا 90 ألفا، وذلك بعد أن حصلوا على رواتبهم الشهر الماضي على سعر صرف 45,000 ليرة، ما يعني خسارتهم 50 في المئة من قيمتها.

يرفض الموظفون والمتقاعدون والعسكريون والأساتذة في التعليم الرسمي وأساتذة الجامعة اللبنانية، الصيغة الجديدة لاحتساب رواتبهم، وقد طلب منهم رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر "الثبات على موقفهم والوحدة في الرؤية، وصولا إلى تحقيق المطلوب وقبض رواتب شهر آذار والأشهر القادمة مع متمماتها على سعر صيرفة 45 ألف ليرة".

ودعا الأسمر في بيان "حاكم مصرف لبنان والمجلس المركزي للمصرف إلى الاستمرار في دفع الرواتب على سعر صيرفة 45 ألف ليرة للدولار، كما طالب رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بالتدخل لمعالجة الأزمة مع حاكم مصرف لبنان ووزير المالية قبل اللجوء إلى التحركات في الشارع التي تضمن الحد الأدنى من حقوق القطاع العام".

رئيس الاتحاد العمالي العام أشار إلى أن رئيس الحكومة "كان وعد بإصدار المراسيم الخاصة بمساعدات بدل الحضور الانتاجي وبدل النقل والاشهر الاضافية فور عودته من الخارج، لأن هذه الزيادات معطوفة على سعر صيرفة 45 ألف ليرة مع معالجة اوضاع المتقاعدين تشكل حدا أدني من المطلوب في هذه المرحلة".

"لا يوجد إحصاء رسمي دقيق حول عدد العاملين في مؤسسات الدولة"، بحسب تقرير لشركة "الدولية للمعلومات" نشرته في العام 2021، وذلك لعدة أسباب "منها تعدد التسميات الوظيفية (موظف، متعاقد، أجير، متعامل) وتعدد الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات، ولكن الرقم الصحيح إلى حد ما هو نحو 320 ألفا". 

ويتوزع العاملون بالقطاع العام بحسب "الدولية للمعلومات" على الشكل التالي: 120 ألفاً في القوى الأمنية والعسكرية، 40 ألفاً في التعليم الرسمي، 30 ألفا في الوزارات والإدارات العامة، 130 ألفاً في المؤسسات العامة والبلديات، ويضاف إلى هؤلاء نحو 120 ألفاً من المتقاعدين أكثريتهم من العسكريين والمدرسين. 

تراجع حاد

اتخذ موظفو الإدارة العامة وباقي موظفي القطاع العام قرار عدم قبض رواتبهم، كون كما تقول رئيسة رابطة موظفي الإدارة العامة نوال نصر "شر البلية مستمر ويتصاعد يوماً بعد يوم، اذ كلما ارتفع سعر صرف الدولار في السوق السوداء يرتفع دولار منصة صيرفة وتتآكل قيمة رواتبنا بوتيرة قياسية".

وتشرح "الراتب الذي كان يتقاضاه الموظفون في العام 2019 مع ضعفيه اللذين أقرا في موازنة العام 2022 وكان سعر منصة صيرفة 28200 ليرة لبنانية، أصبح اليوم، مع صيرفة 90 الفاً، مع المضاعفات أقل من الراتب الأساسي (راتب العام 2019) بنسبة 7%، يحسم منه عمولات باهظة للمصارف تصل إلى أكثر من 10 دولارات، أي بنسبة 20% من الرواتب الدنيا، ولامست هذه الرواتب نسبة 1% من قيمتها الحقيقية، وهذا بعد المساعدة بضعفي الراتب".

وتشدد على أن "أسعار السلع والخدمات وكل مفاصل الاستهلاك على سعر دولار السوق السوداء، حتى خدمات الدولة والضرائب والرسوم وفواتير الدولة على سعر دولار المنصة ويزيد، والثابت الوحيد هو دولار رواتبنا الذي لا يزال على دولار ما قبل الأزمة أي 1500 ليرة".

كما اضمحلت قيمة تعويضات صرف الموظفين وأصبحت كأنها لم تكن، في ظل انخفاض قيمة العملة الوطنية، وتقول نصر "هل من يصدق ان هناك تعويضات صرف بعد 40 سنة خدمة بقيمة 300 او 400 او 500 دولار"؟! وتضيف "الموظفون أصبحوا غير قادرين على التحمل، الدخل اليومي للموظف يتراوح بين 1.50 دولار و3 دولار ونصف (باستثناء الفئة الأولى التي تزيد رواتبها قليلا عن ذلك) وبدل النقل 95,000 ليرة أي أقل من دولار".

وعن الاقتراحات التي تطرحها الحكومة تحت مسمى الحلول تقول نصر "أنها أبعد ما تكون عن ذلك، فلا الخمسة ليترات بنزين يومياً كبدل نقل تكفي ولا بدل الإنتاجية الذي يتراوح بين 100 و150 دولار، يمكن أن يحلا المشكلة، فبعض الموظفين يأتون من أماكن بعيدة وبالتالي يحتاجون إلى 10 ليترات بنزين كذلك المئة الدولار لا تكفي لدفع فاتورة اشتراك مولد الكهرباء، علما ان الموظف مضطر لدفعها فرق بدل نقل في حال قرر الحصول عليها".

قرار "بلطجي"

تعتبر رئيسة اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي، نسرين شاهين أن "الحكومة أوهمت موظفي القطاع العام والأساتذة برفع رواتبهم، لكن الحقيقة أن هذه الزيادة تآكلت وكأنها لم تكن، وتشرح 70% من الأساتذة هم من المتعاقدين أين انهم يقبضون مرة كل عدة أشهر، وحين رفع بدل ساعة عملهم إلى 100,000 ليرة للتعليم الأساسي و180,000 للتعليم الثانوي، كان سعر دولار صيرفة أقل من 30,000 ليرة أما اليوم فتضاعف ثلاث مرات".

وفيما يتعلق بإضراب أساتذة المدارس الرسمية شرحت شاهين "فتحت المدارس أبوابها بنقص 80% من أساتذة الثانوي و50% من أساتذة الأساسي"، لافتة إلى أنه على الرغم من كل الذي يحصل تفاجأنا في بيان "تكتل لبنان القوي" أن "الرئيس ميقاتي وقّع من خارج جدول الأعمال، قراراً بالتعاقد مع حوالي ثمانمائة استاذ مدرسة، متخطياً كل الخطوط الحمراء في الملف التربوي بتنسيق مع وزير التربية عباس الحلبي".

يخالف قرار ميقاتي بحسب شاهين "توصيات صندوق النقد الدولي الذي يطالب بتخفيف موظفي القطاع العام لا إعادة الزبائنية إليه، والأخطر ليس التوظيف وفق المعايير ومشروع تثبيت، بل بالتعاقد ما يعني حشو القطاع التعليمي باتباع الحزبيين".

اتخاذ هذا القرار من خارج جدول الأعمال، وصفته شاهين "بالبلطجي المبارك من الأحزاب التي مررته، وهو يهدف لضرب التحركات المطلبية النضالية للقطاع التعليمي الرسمي، اذ بدلاً من دفع حقوق الأساتذة المضربين والحد من هجرتهم أو استقالة الكفوئين منهم، يتم تهديد من تبقى باستبدالهم بمن يرضى بفتات".

وأكدت شاهين مشاركة الأساتذة المتعاقدين في تحرك العسكريين المتقاعدين والقطاع العام اليوم الخميس، وقد زار وفد من العسكريين المتقاعدين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة داخل المصرف المركزي، وطلب منه اعتماد سعر 28500 للرواتب، فكان الرد بأنه يحتاج لموافقة الحكومة، والوفد استمهل حتى الاثنين القادم.

وقبل يومين أكدت "تنسيقيّة الدّفاع عن حقوق العسكريّين المتقاعدين"، أن "زمن المفاوضات والاقتراحات والمبادرات انتهى. جرّبنا كل الوسائل كي لا تنكسر الجرّة، من دون نتيجة".

ولفتت في بيان، إلى "أنّنا نعيش تحت خطّ الفقر، برواتب تبخّرت قيمتها الشّرائيّة على سعر صيرفتكم، فكيف إذا تضاعف السّعر إلى الضّعف أي 90 ألف ليرة للدولار الواحد؟"، مشدّدة على أنه "لا مناص لنا إلّا الشارع، الذي أجبرونا على النّزول إليه لنصرخ بصوت واحد عال، لن ندع عيالنا تجوع ونحن مكتوفي الأيدي ولن نقبل بذوبان القيمة الشرائيّة لرواتبنا".

مؤشر خطير

تفاصيل مؤلمة ذكرتها نصر عن حال الموظفين "الذين يعجزون عن شراء سكاكر لأولادهم أو اعداد سندويش يتناولونه في مدرستهم، فكيف إذا تحدثنا عن الأقساط المدرسية وثمن الكتب وكلفة النقل.. وعن المعضلة الكبرى، الطبابة والاستشفاء ومنح التعليم وغيرها".

"أمام هذا الواقع المجحف والمرفوض تطلب رابطة موظفي الإدارة العامة"، كما تشدد نصر "دولرة الرواتب والمعاشات التقاعدية، ولو على مراحل او احتسابها على أساس منصة ثابتة تحميها من ابتلاعها بالارتفاع الجنوني للدولار وكافة تقلباته، وإعادة القيمة الفعلية إلى تعويضات الصرف، وتأمين التغطية الصحية الكاملة، من طبابة واستشفاء ودواء، كذلك رفع قيمة منح التعليم والتقديمات الإجتماعية كافة بما يتناسب مع ارتفاع الأقساط المدرسية أو مؤشر الغلاء، وتزويد الموظفين بقسائم بنزين أو بما يعادلها قيمة، وفقا للمسافات التي تفصل الموظفين عن مراكز عملهم".

مطالب موظفي الإدارة العامة ما هي إلا جزء بسيط من الحقوق، والحد الأدنى من الحاجات الأساسية، كما تقول نصر، وإلى حين تحققها "إضرابنا مستمر، وهو إضراب قسري، فنحن متضررون كما بقية المواطنين بسبب التوقف عن العمل، ومتشوقون للعودة إلى مكاتبنا وإداراتنا وإلى إعادة بنائها وبناء القطاع العام المستهدف منذ زمن تمهيداً لإضعافه وتقاسم مرافقه".

أصبح الموظفون يستندون على منصة صيرفة من أجل الحصول على مدخول إضافي لمواجهة ظروف الحياة الصعبة، أي أن دور المنصة بات بحسب ما يقول الباحث الاقتصادي والأستاذ الجامعي البروفيسور جاسم عجاقة، اجتماعي، "وهذا مؤشر خطير، مع العلم أن مصرف لبنان يدفع ما يمكن اعتباره مساعدة للموظفين من موازنته وإن كان بإيعاز من الحكومة".

حتى وإن حصل الموظف على راتبه على سعر 45,000 ليرة للدولار، فإن ذلك بحسب عجاقة لا يحد من أزمته، "كون الأسعار تلتهب سواء بالليرة اللبنانية أو بالدولار، ولا شيء يضمن أن يبقى سعر المنصة حتى على 90,000 ليرة، بالتالي ستستمر قيمة الرواتب بالتآكل في وقت سترتفع فواتير الكهرباء والهاتف والرسوم والضرائب كونها على سعر المنصة".

يضيف الباحث الاقتصادي "أعلى أساس راتب يحصل عليه أساتذة الجامعة اللبنانية لا يصل إلى 60 دولار، وبعد مضاعفته ثلاث مرات وصل إلى 180 دولار، في حين كان قبل الأزمة يعادل نحو 4000 دولار، في وقت وصل سعر عبوة الحليب إلى 20 دولار وصفيحة البنزين كذلك" لافتاً إلى أن "إعادة القيمة الشرائية لرواتب القطاع العام ستستغرق سنوات، وكلما طال أمد الأزمة كلما ارتفعت كلفة الإصلاح ". 

خطوات وقف "المذبحة"

عقدت لجنة المؤشر اليوم الخميس، اجتماعا بدعوة من وزير العمل مصطفى بيرم لمناقشة احتمالات رفع الحد الأدنى للأجور وبدل النقل اليومي، حيث أعلن بيرم بعد الاجتماع انه "اتفق على رفع الحد الأدنى في القطاع الخاص الى 9 مليون ليرة اي بزيادة 4 مليون ونصف، وبدل النقل سيصبح 250 ألف ليرة عن كل يوم حضور، ورفع سقف المرض والامومة ضعفين، وهذه الزيادات ستكون خاضعة للمراجعات تبعا لتقلبات سعر صرف الدولار لمراعات العدالة في هذه المسألة". ولفت الى أنه "تم أخذ العلم إلى ان نص المشروع المؤقت للنظام المؤقت للمعاش التقاعدي هو تقريبا موضع توافق الجميع، ويساعد العمال بعد نهاية الخدمة ويساعد أيضا أرباب العمل لأنه يقدم لهم مراعاة كبيرة".

بيرم شدد على أن "ما يتم إقراره في لجنة المؤشر سنعتمده على أنه نوع من الحافز والضغط فيما يتعلق بمطالب القطاع العام، لان الموظفين أصبحوا في حالة يرثى لها وصعب، لذلك سنعتمد ما يتم إقراره في لجنة المؤشر للقطاع الخاص كنوع من خلق التوازن مع القطاع العام من منطلق الشعور بالمسؤولية الوطنية لان لجنة المؤشر لا دخل لها في القطاع العام".

ولفت إلى أن "هناك اجتماعا الاثنين المقبل للجنة الطوارئ المرفق العام، وسأحمل هذه التوصية وسأضعها بين يدي رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي والوزراء لوضع المطالب الشاملة للقطاع العام على النار الحامية". 

أما وزير المالية يوسف الخليل فاعتبر، أن "انعقاد جلسة لمجلس الوزراء مخصصة للبت بمسودات مشاريع المراسيم التي رفعتها وزارة المالية بشأن تعويضات الإنتاجية وبدلات النقل لموظفي الإدارات والمؤسسات العامة والأسلاك العسكرية عن أيام العمل الفعلية إلى غيرها من الشؤون اليومية الحياتية، أمر بغاية الأهمية لإعادة العمل إلى الإدارات العامة والمؤسسات بطريقة مستدامة، فتعطيل المرافق العامة يكلف الخزينة خسارة موارد هامة في وقت هي بأمس الحاجة لتأمين واردات وتمويل الحد الأدنى من الخدمات العامة".

وشدّد على أن "كل يوم يضيع من دون إعادة تفعيل العمل في القطاع العام يرّتب أعباء جمة ويدفع بالأوضاع إلى مزيد من التدهور"، مشيراً إلى أن "الانهيار إذا ما أصاب القطاع العام فذلك ينعكس حكماً عرقلة في بعض شؤون القطاع الخاص المرتبطة بالإدارة، ويفتح الباب أمام نشوء قطاعات عشوائية وفلتان لا يمكن ضبطه وتغرق بالتالي القطاعات الاقتصادية في خسائر أكثر".

"لبنان اليوم على منعطف خطير"، كما قال الخليل "فإما الحفاظ على كيان دولة ومؤسسات قادرة على إدارة شؤون الدولة، أو أننا سنكون أمام مزيد من التدهور والانزلاق نحو المجهول".

لكن "الزيادات المطروحة حاليا للبحث على رواتب القطاع العام وكلفتها الباهظة" ستزيد بحسب ما ذكره نائب رئيس حكومة تصريف الأعمال سعادة الشامي في مقال له في احدى الصحف اللبنانية "من الضغوط إذا لم يتوفر لها التمويل الأجنبي اللازم، وتزيد من انهيار سعر الصرف. وسيؤدّي استمرار هذا النهج إلى تضخّم مفرط، يعيدنا بالذاكرة إلى ما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، وإلى ما تعانيه فنزويلا في العصر الحديث".

من جانبها تشدد نصر على أنه "يوجد موارد كثيرة يمكن للسلطة السياسية الاستناد عليها لدفع حقوقنا. نحن أصحاب حق بالأجر العادل والكافي والاجتماعي المتمثل بالاستشفاء والطبابة، والرابطة تدرس التوجه إلى القضاء المحلي أو الدولي والمجتمع الدولي، لوقف المذبحة المستمرة في رواتب الموظفين".

الوضع في لبنان كما يشبهه عجاقة "كشخص يلهو بقنبلة يمكن أن تنفجر بيده في أي لحظة، وإذا لم يتم إيجاد حلول سنواجه سيناريوهات قاتمة أسوأها تخطي سعر صرف الدولار الستة أرقام وأكثر".

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".