صرف لبنان-
يرفض الموظفون اللبنانيون الصيغة الجديدة لاحتساب رواتبهم

ضربة جديدة تلقاها القطاع العام في لبنان بعد احتساب رواتب موظفيه على سعر الصيرفة المعتمد يوميا، والذي يوازي حاليا 90 ألفا، وذلك بعد أن حصلوا على رواتبهم الشهر الماضي على سعر صرف 45,000 ليرة، ما يعني خسارتهم 50 في المئة من قيمتها.

يرفض الموظفون والمتقاعدون والعسكريون والأساتذة في التعليم الرسمي وأساتذة الجامعة اللبنانية، الصيغة الجديدة لاحتساب رواتبهم، وقد طلب منهم رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر "الثبات على موقفهم والوحدة في الرؤية، وصولا إلى تحقيق المطلوب وقبض رواتب شهر آذار والأشهر القادمة مع متمماتها على سعر صيرفة 45 ألف ليرة".

ودعا الأسمر في بيان "حاكم مصرف لبنان والمجلس المركزي للمصرف إلى الاستمرار في دفع الرواتب على سعر صيرفة 45 ألف ليرة للدولار، كما طالب رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بالتدخل لمعالجة الأزمة مع حاكم مصرف لبنان ووزير المالية قبل اللجوء إلى التحركات في الشارع التي تضمن الحد الأدنى من حقوق القطاع العام".

رئيس الاتحاد العمالي العام أشار إلى أن رئيس الحكومة "كان وعد بإصدار المراسيم الخاصة بمساعدات بدل الحضور الانتاجي وبدل النقل والاشهر الاضافية فور عودته من الخارج، لأن هذه الزيادات معطوفة على سعر صيرفة 45 ألف ليرة مع معالجة اوضاع المتقاعدين تشكل حدا أدني من المطلوب في هذه المرحلة".

"لا يوجد إحصاء رسمي دقيق حول عدد العاملين في مؤسسات الدولة"، بحسب تقرير لشركة "الدولية للمعلومات" نشرته في العام 2021، وذلك لعدة أسباب "منها تعدد التسميات الوظيفية (موظف، متعاقد، أجير، متعامل) وتعدد الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات، ولكن الرقم الصحيح إلى حد ما هو نحو 320 ألفا". 

ويتوزع العاملون بالقطاع العام بحسب "الدولية للمعلومات" على الشكل التالي: 120 ألفاً في القوى الأمنية والعسكرية، 40 ألفاً في التعليم الرسمي، 30 ألفا في الوزارات والإدارات العامة، 130 ألفاً في المؤسسات العامة والبلديات، ويضاف إلى هؤلاء نحو 120 ألفاً من المتقاعدين أكثريتهم من العسكريين والمدرسين. 

تراجع حاد

اتخذ موظفو الإدارة العامة وباقي موظفي القطاع العام قرار عدم قبض رواتبهم، كون كما تقول رئيسة رابطة موظفي الإدارة العامة نوال نصر "شر البلية مستمر ويتصاعد يوماً بعد يوم، اذ كلما ارتفع سعر صرف الدولار في السوق السوداء يرتفع دولار منصة صيرفة وتتآكل قيمة رواتبنا بوتيرة قياسية".

وتشرح "الراتب الذي كان يتقاضاه الموظفون في العام 2019 مع ضعفيه اللذين أقرا في موازنة العام 2022 وكان سعر منصة صيرفة 28200 ليرة لبنانية، أصبح اليوم، مع صيرفة 90 الفاً، مع المضاعفات أقل من الراتب الأساسي (راتب العام 2019) بنسبة 7%، يحسم منه عمولات باهظة للمصارف تصل إلى أكثر من 10 دولارات، أي بنسبة 20% من الرواتب الدنيا، ولامست هذه الرواتب نسبة 1% من قيمتها الحقيقية، وهذا بعد المساعدة بضعفي الراتب".

وتشدد على أن "أسعار السلع والخدمات وكل مفاصل الاستهلاك على سعر دولار السوق السوداء، حتى خدمات الدولة والضرائب والرسوم وفواتير الدولة على سعر دولار المنصة ويزيد، والثابت الوحيد هو دولار رواتبنا الذي لا يزال على دولار ما قبل الأزمة أي 1500 ليرة".

كما اضمحلت قيمة تعويضات صرف الموظفين وأصبحت كأنها لم تكن، في ظل انخفاض قيمة العملة الوطنية، وتقول نصر "هل من يصدق ان هناك تعويضات صرف بعد 40 سنة خدمة بقيمة 300 او 400 او 500 دولار"؟! وتضيف "الموظفون أصبحوا غير قادرين على التحمل، الدخل اليومي للموظف يتراوح بين 1.50 دولار و3 دولار ونصف (باستثناء الفئة الأولى التي تزيد رواتبها قليلا عن ذلك) وبدل النقل 95,000 ليرة أي أقل من دولار".

وعن الاقتراحات التي تطرحها الحكومة تحت مسمى الحلول تقول نصر "أنها أبعد ما تكون عن ذلك، فلا الخمسة ليترات بنزين يومياً كبدل نقل تكفي ولا بدل الإنتاجية الذي يتراوح بين 100 و150 دولار، يمكن أن يحلا المشكلة، فبعض الموظفين يأتون من أماكن بعيدة وبالتالي يحتاجون إلى 10 ليترات بنزين كذلك المئة الدولار لا تكفي لدفع فاتورة اشتراك مولد الكهرباء، علما ان الموظف مضطر لدفعها فرق بدل نقل في حال قرر الحصول عليها".

قرار "بلطجي"

تعتبر رئيسة اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي، نسرين شاهين أن "الحكومة أوهمت موظفي القطاع العام والأساتذة برفع رواتبهم، لكن الحقيقة أن هذه الزيادة تآكلت وكأنها لم تكن، وتشرح 70% من الأساتذة هم من المتعاقدين أين انهم يقبضون مرة كل عدة أشهر، وحين رفع بدل ساعة عملهم إلى 100,000 ليرة للتعليم الأساسي و180,000 للتعليم الثانوي، كان سعر دولار صيرفة أقل من 30,000 ليرة أما اليوم فتضاعف ثلاث مرات".

وفيما يتعلق بإضراب أساتذة المدارس الرسمية شرحت شاهين "فتحت المدارس أبوابها بنقص 80% من أساتذة الثانوي و50% من أساتذة الأساسي"، لافتة إلى أنه على الرغم من كل الذي يحصل تفاجأنا في بيان "تكتل لبنان القوي" أن "الرئيس ميقاتي وقّع من خارج جدول الأعمال، قراراً بالتعاقد مع حوالي ثمانمائة استاذ مدرسة، متخطياً كل الخطوط الحمراء في الملف التربوي بتنسيق مع وزير التربية عباس الحلبي".

يخالف قرار ميقاتي بحسب شاهين "توصيات صندوق النقد الدولي الذي يطالب بتخفيف موظفي القطاع العام لا إعادة الزبائنية إليه، والأخطر ليس التوظيف وفق المعايير ومشروع تثبيت، بل بالتعاقد ما يعني حشو القطاع التعليمي باتباع الحزبيين".

اتخاذ هذا القرار من خارج جدول الأعمال، وصفته شاهين "بالبلطجي المبارك من الأحزاب التي مررته، وهو يهدف لضرب التحركات المطلبية النضالية للقطاع التعليمي الرسمي، اذ بدلاً من دفع حقوق الأساتذة المضربين والحد من هجرتهم أو استقالة الكفوئين منهم، يتم تهديد من تبقى باستبدالهم بمن يرضى بفتات".

وأكدت شاهين مشاركة الأساتذة المتعاقدين في تحرك العسكريين المتقاعدين والقطاع العام اليوم الخميس، وقد زار وفد من العسكريين المتقاعدين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة داخل المصرف المركزي، وطلب منه اعتماد سعر 28500 للرواتب، فكان الرد بأنه يحتاج لموافقة الحكومة، والوفد استمهل حتى الاثنين القادم.

وقبل يومين أكدت "تنسيقيّة الدّفاع عن حقوق العسكريّين المتقاعدين"، أن "زمن المفاوضات والاقتراحات والمبادرات انتهى. جرّبنا كل الوسائل كي لا تنكسر الجرّة، من دون نتيجة".

ولفتت في بيان، إلى "أنّنا نعيش تحت خطّ الفقر، برواتب تبخّرت قيمتها الشّرائيّة على سعر صيرفتكم، فكيف إذا تضاعف السّعر إلى الضّعف أي 90 ألف ليرة للدولار الواحد؟"، مشدّدة على أنه "لا مناص لنا إلّا الشارع، الذي أجبرونا على النّزول إليه لنصرخ بصوت واحد عال، لن ندع عيالنا تجوع ونحن مكتوفي الأيدي ولن نقبل بذوبان القيمة الشرائيّة لرواتبنا".

مؤشر خطير

تفاصيل مؤلمة ذكرتها نصر عن حال الموظفين "الذين يعجزون عن شراء سكاكر لأولادهم أو اعداد سندويش يتناولونه في مدرستهم، فكيف إذا تحدثنا عن الأقساط المدرسية وثمن الكتب وكلفة النقل.. وعن المعضلة الكبرى، الطبابة والاستشفاء ومنح التعليم وغيرها".

"أمام هذا الواقع المجحف والمرفوض تطلب رابطة موظفي الإدارة العامة"، كما تشدد نصر "دولرة الرواتب والمعاشات التقاعدية، ولو على مراحل او احتسابها على أساس منصة ثابتة تحميها من ابتلاعها بالارتفاع الجنوني للدولار وكافة تقلباته، وإعادة القيمة الفعلية إلى تعويضات الصرف، وتأمين التغطية الصحية الكاملة، من طبابة واستشفاء ودواء، كذلك رفع قيمة منح التعليم والتقديمات الإجتماعية كافة بما يتناسب مع ارتفاع الأقساط المدرسية أو مؤشر الغلاء، وتزويد الموظفين بقسائم بنزين أو بما يعادلها قيمة، وفقا للمسافات التي تفصل الموظفين عن مراكز عملهم".

مطالب موظفي الإدارة العامة ما هي إلا جزء بسيط من الحقوق، والحد الأدنى من الحاجات الأساسية، كما تقول نصر، وإلى حين تحققها "إضرابنا مستمر، وهو إضراب قسري، فنحن متضررون كما بقية المواطنين بسبب التوقف عن العمل، ومتشوقون للعودة إلى مكاتبنا وإداراتنا وإلى إعادة بنائها وبناء القطاع العام المستهدف منذ زمن تمهيداً لإضعافه وتقاسم مرافقه".

أصبح الموظفون يستندون على منصة صيرفة من أجل الحصول على مدخول إضافي لمواجهة ظروف الحياة الصعبة، أي أن دور المنصة بات بحسب ما يقول الباحث الاقتصادي والأستاذ الجامعي البروفيسور جاسم عجاقة، اجتماعي، "وهذا مؤشر خطير، مع العلم أن مصرف لبنان يدفع ما يمكن اعتباره مساعدة للموظفين من موازنته وإن كان بإيعاز من الحكومة".

حتى وإن حصل الموظف على راتبه على سعر 45,000 ليرة للدولار، فإن ذلك بحسب عجاقة لا يحد من أزمته، "كون الأسعار تلتهب سواء بالليرة اللبنانية أو بالدولار، ولا شيء يضمن أن يبقى سعر المنصة حتى على 90,000 ليرة، بالتالي ستستمر قيمة الرواتب بالتآكل في وقت سترتفع فواتير الكهرباء والهاتف والرسوم والضرائب كونها على سعر المنصة".

يضيف الباحث الاقتصادي "أعلى أساس راتب يحصل عليه أساتذة الجامعة اللبنانية لا يصل إلى 60 دولار، وبعد مضاعفته ثلاث مرات وصل إلى 180 دولار، في حين كان قبل الأزمة يعادل نحو 4000 دولار، في وقت وصل سعر عبوة الحليب إلى 20 دولار وصفيحة البنزين كذلك" لافتاً إلى أن "إعادة القيمة الشرائية لرواتب القطاع العام ستستغرق سنوات، وكلما طال أمد الأزمة كلما ارتفعت كلفة الإصلاح ". 

خطوات وقف "المذبحة"

عقدت لجنة المؤشر اليوم الخميس، اجتماعا بدعوة من وزير العمل مصطفى بيرم لمناقشة احتمالات رفع الحد الأدنى للأجور وبدل النقل اليومي، حيث أعلن بيرم بعد الاجتماع انه "اتفق على رفع الحد الأدنى في القطاع الخاص الى 9 مليون ليرة اي بزيادة 4 مليون ونصف، وبدل النقل سيصبح 250 ألف ليرة عن كل يوم حضور، ورفع سقف المرض والامومة ضعفين، وهذه الزيادات ستكون خاضعة للمراجعات تبعا لتقلبات سعر صرف الدولار لمراعات العدالة في هذه المسألة". ولفت الى أنه "تم أخذ العلم إلى ان نص المشروع المؤقت للنظام المؤقت للمعاش التقاعدي هو تقريبا موضع توافق الجميع، ويساعد العمال بعد نهاية الخدمة ويساعد أيضا أرباب العمل لأنه يقدم لهم مراعاة كبيرة".

بيرم شدد على أن "ما يتم إقراره في لجنة المؤشر سنعتمده على أنه نوع من الحافز والضغط فيما يتعلق بمطالب القطاع العام، لان الموظفين أصبحوا في حالة يرثى لها وصعب، لذلك سنعتمد ما يتم إقراره في لجنة المؤشر للقطاع الخاص كنوع من خلق التوازن مع القطاع العام من منطلق الشعور بالمسؤولية الوطنية لان لجنة المؤشر لا دخل لها في القطاع العام".

ولفت إلى أن "هناك اجتماعا الاثنين المقبل للجنة الطوارئ المرفق العام، وسأحمل هذه التوصية وسأضعها بين يدي رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي والوزراء لوضع المطالب الشاملة للقطاع العام على النار الحامية". 

أما وزير المالية يوسف الخليل فاعتبر، أن "انعقاد جلسة لمجلس الوزراء مخصصة للبت بمسودات مشاريع المراسيم التي رفعتها وزارة المالية بشأن تعويضات الإنتاجية وبدلات النقل لموظفي الإدارات والمؤسسات العامة والأسلاك العسكرية عن أيام العمل الفعلية إلى غيرها من الشؤون اليومية الحياتية، أمر بغاية الأهمية لإعادة العمل إلى الإدارات العامة والمؤسسات بطريقة مستدامة، فتعطيل المرافق العامة يكلف الخزينة خسارة موارد هامة في وقت هي بأمس الحاجة لتأمين واردات وتمويل الحد الأدنى من الخدمات العامة".

وشدّد على أن "كل يوم يضيع من دون إعادة تفعيل العمل في القطاع العام يرّتب أعباء جمة ويدفع بالأوضاع إلى مزيد من التدهور"، مشيراً إلى أن "الانهيار إذا ما أصاب القطاع العام فذلك ينعكس حكماً عرقلة في بعض شؤون القطاع الخاص المرتبطة بالإدارة، ويفتح الباب أمام نشوء قطاعات عشوائية وفلتان لا يمكن ضبطه وتغرق بالتالي القطاعات الاقتصادية في خسائر أكثر".

"لبنان اليوم على منعطف خطير"، كما قال الخليل "فإما الحفاظ على كيان دولة ومؤسسات قادرة على إدارة شؤون الدولة، أو أننا سنكون أمام مزيد من التدهور والانزلاق نحو المجهول".

لكن "الزيادات المطروحة حاليا للبحث على رواتب القطاع العام وكلفتها الباهظة" ستزيد بحسب ما ذكره نائب رئيس حكومة تصريف الأعمال سعادة الشامي في مقال له في احدى الصحف اللبنانية "من الضغوط إذا لم يتوفر لها التمويل الأجنبي اللازم، وتزيد من انهيار سعر الصرف. وسيؤدّي استمرار هذا النهج إلى تضخّم مفرط، يعيدنا بالذاكرة إلى ما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، وإلى ما تعانيه فنزويلا في العصر الحديث".

من جانبها تشدد نصر على أنه "يوجد موارد كثيرة يمكن للسلطة السياسية الاستناد عليها لدفع حقوقنا. نحن أصحاب حق بالأجر العادل والكافي والاجتماعي المتمثل بالاستشفاء والطبابة، والرابطة تدرس التوجه إلى القضاء المحلي أو الدولي والمجتمع الدولي، لوقف المذبحة المستمرة في رواتب الموظفين".

الوضع في لبنان كما يشبهه عجاقة "كشخص يلهو بقنبلة يمكن أن تنفجر بيده في أي لحظة، وإذا لم يتم إيجاد حلول سنواجه سيناريوهات قاتمة أسوأها تخطي سعر صرف الدولار الستة أرقام وأكثر".

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".