إسرائيل ردت على صواريخ لبنان بقصف مواقع قالت إنها تابعة لحماس
إسرائيل ردت على صواريخ لبنان بقصف مواقع قالت إنها تابعة لحماس

لم يطل تنفيذ الحكومة الإسرائيلية لتهديها بتوجيه ضربة عسكرية في لبنان رداً على إطلاق صواريخ أمس الخميس من سهل القليلة في مدينة صور جنوب البلاد، فقبل بزوغ فجر اليوم التالي هاجمت أهدافاً تابعة لحركة حماس بعد أن اتهمتها بالوقوف خلف الرشقات الصاروخية التي طالتها.

بعد اجتماع أمني إسرائيلي أعقب إطلاق الصواريخ، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، "سنضرب أعداءنا وسيدفعون ثمن عدوانهم"، ليأتي بعدها الرد محدوداً في لبنان، باستهداف ثلاثة مواقع في جنوب البلاد، حيث ذكر الجيش الإسرائيلي أنه لن يسمح "لمنظمة حماس الإرهابية بالعمل من داخل لبنان".

طالت الضربات الإسرائيلية أراض زراعية في سهل رأس العين الواقع في محيط مخيم الراشيدية للاجئين الفلسطينيين، مسفرة عن أضرار في الجسر والطريق، كما طالت أرضاً زراعية وحظيرة ماشية في سهل القليلة، ما أدى إلى نفوق عدد من الماشية والطيور، كما تضررت منشآت مشروع ري القاسمية، بحسب ما أفادت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، مشيرة في بيان إلى إصابة إحدى العبّارات وجزء من قناة الريّ التي تروي البساتين في منطقة القليلة وما بعدها، وقد باشرت "الفرق الفنية بالكشف الفني تمهيداً لإجراء الصيانة لإعادة تشغيل المشروع قبل موسم الريّ 2023".

ما أقدمت عليه إسرائيل وضعته حكومة تصريف الأعمال اللبنانية في خانة "الانتهاك الصارخ" لسيادة بلدها وخرقاً فاضحاً لقرار مجلس الامن الدولي 1701، وتهديداً للاستقرار الذي كان ينعم به الجنوب اللبناني، وبعد تشاور رئيسها مع وزير الخارجية عبد الله بو حبيب، أوعز الأخير إلى بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، تقديم شكوى رسمية لمجلس الأمن الدولي.

التصعيد على الحدود اللبنانية الجنوبية هو الأكبر منذ حرب يوليو 2006، إلا إن هذه المرة، الجانبان اللبناني والإسرائيلي لا يريدان حربا بحسب ما أبلغا قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل"، التي حثت جميع الأطراف على وقف أعمال التصعيد عبر الخط الأزرق، معتبرة "الإجراءات التي تمت خلال اليوم الماضي خطيرة وتنذر بتصعيد خطير".

كذلك اعتبر وزير الدفاع اللبناني، موريس سليم أن "هذا التطور يشكل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار في الجنوب" وإذ أكد التزام لبنان بقرار مجلس الأمن الدولي 1701، شدد على أن "الجيش كان وسيبقى حريصاً على أقصى درجات التعاون مع اليونيفيل واتخاذ الإجراءات المناسبة لضبط الأمن والحفاظ على الاستقرار والهدوء في الجنوب والجهوزية الدائمة للتصدي لأي عدوان".

هنية.. والسيادة اللبنانية

ما إن أطلقت الصواريخ من جنوب لبنان حتى دان ميقاتي، العملية، مشدداً على أن "الجيش وقوات يونيفيل يكثفان تحقيقاتهما لكشف ملابسات العملية وتوقيف الفاعلين"، لافتاً في بيان إلى أن "لبنان يرفض مطلقا أي تصعيد عسكري ينطلق من أرضه، واستخدام أراضيه لتنفيذ عمليات تتسبب بزعزعة الاستقرار القائم".

لكن وزير الثقافة القاضي محمد وسام المرتضى، لم يرق له كلام رئيس الحكومة، فعلّق كاتباً "لا نسعى إلى الحرب، والكلام الرسمي اللبناني الذي صدر بهذا المعنى هو موقفٌ جميل. لكن هذه اللغة لا تجدي نفعاً مع إسرائيل، بل يمكن أن تجعلها تُسيء الفهم وتخطئ التقدير. الموقف الأوضح: أيّ اعتداء على لبنان سوف يجرّ على إسرائيل ويلات لا قدرة لها على استيعابها. إيّاها والتهوّر".

ربط بعض اللبنانيين عملية إطلاق الصواريخ بزيارة رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية للبنان، حيث وصل يوم الأربعاء الماضي، لكن المحلل السياسي فيصل عبد الساتر ينفي ذلك، كون " زيارته كانت قائمة من دون أن يعلم أحد بالتصعيد الإسرائيلي في المسجد الأقصى" لافتاً في حديث لموقع "الحرة" إلى أنه "دائما ما يطرح مثل هذا السؤال عند زيارة أي مسؤول رفيع من قادة المقاومة الفلسطينية إلى لبنان الذي احتضن حركات المقاومة، خاصة مع وجود حزب الله الذي يشكل رأس الحربة الآن في هذه المعادلة".

لكن الباحث السياسي الدكتور مكرم رباح يعتبر في حديث لموقع "الحرة" أن "زيارة هنية إلى لبنان هي الاعتداء على سيادة هذا البلد، وليس إطلاق الصواريخ من سهل القليلة واعتبار أن الفلسطينيين هم من أطلقوها، في وقت حماس وحزب الله ينتميان إلى ذات المنظومة".

من جانبه وجّه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عدة أسئلة إلى الحكومة اللبنانية "أولها، ما هي الموجبات الوطنية التي تحتِّم في هذه اللحظة بالذات إطلاق عشرات الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه اسرائيل؟، ثانياً، ماذا سيكون ردّ فعل الحكومة اللبنانية إزاء تعهداتها الالتزام بمندرجات القرار 1701؟

أما السؤال الثالث الذي وجهه جعجع للحكومة فهو "ماذا لو تحطّم لوح زجاجي واحد في منزل مواطن لبناني في الجنوب جراء تبادل الصواريخ والقصف المدفعي، فمن أين ستأتي الحكومة اللبنانية بالأموال اللازمة لإصلاحه؟ هذا عدا عن السؤال الأساسي والمحوري والملحّ: هل اجتمعت الحكومة اللبنانية أو اتخذت قرار إطلاق الصواريخ من الجنوب باتجاه إسرائيل"؟.

وأضاف في بيان "إن الحكومة اللبنانية، ولو كانت حكومة تصريف أعمال كما كل الحكومات التي سبقتها في الآونة الأخيرة، تكون بتخليها عن القرار الاستراتيجي للدولة لمصلحة محور الممانعة قد تخلّت عن مسؤوليتها الرئيسية في الحفاظ على أمن الوطن والمواطن. إن المرشح الرئاسي الذي لا يتعهّد بإعادة القرار الاستراتيجي بأكمله إلى الدولة اللبنانية لا يصحّ ان يكون لا مرشحاً ولا رئيساً".

أما رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميل، فتوجه إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري عبر تغريدة على حسابه عبر "تويتر"، جاء فيها، "يبدو أن رئيس مجلس النواب اللبناني راضٍ عن استخدام جنوب لبنان كمنصة لإطلاق أكثر من 60 صاروخ من قبل حماس وتعريض أهله للخطر"، وأضاف، "فلم نسمع منه شيئاً".

مواقف متناقضة

وفي الوقت الذي آثرت بعض القوى السياسية عدم التعليق عما حدث حتى اللحظة، ندد عضو كتلة "التنمية والتحرير" النائب علي عسيران، بما وصفه "العدوان الإسرائيلي" مؤكدا "التزام لبنان بالقرار الدولي 1701"، معتبرا ان "إسرائيل المعتدية، ما تزال تضع لبنان وجنوبه على منظار التصويب والاستهداف العسكري، وأن الاعتداءات الإسرائيلية التي طاولت بلدات في منطقة صور إنما هي خرق للقرار 1701 واعتداء على السيادة اللبنانية".

ولفت في بيان، إلى أن "كما هي العادة، تقوم إسرائيل بالاعتداء على لبنان وغزة للفت الأنظار عن مشاكلها الداخلية وهذه الأمور لم تعد تجدي نفعا، والطريق الوحيد للقضية الفلسطينية ما قرره القادة العرب عام 2000 في القمة العربية التي انعقدت في بيروت، وهي الحل الأكيد في الدولتين، ولبنان سيتصدى للاعتداءات الإسرائيلية بكل ما لديه من قوة".

وفي موقف معاكس، رفض رئيس ''المجلس الوطني لرفع الاحتلال الايراني عن لبنان'' النائب السابق فارس سعيد "أن يتحوّل لبنان صندوق بريد بين أجنحة إيران أو بين إيران وإسرائيل" وأضاف في تغريدة "برّادات البيوت خالية من دون حرب كيف إذا دخلت الحرب إلى بيت كل منّا والكهرباء "شمّ و لاتدوء" كيف لو قصفت إسرائيل منشآتنا والدولة شبه موجودة كيف لو أحرجها حماس أو حزب الله أو إسرائيل أو الكل معاً؟ نريد الحياة".

وفي تغريدة ثانية كتب سعيد "أنشأ حزب اللهُ عملياً "حماس لاند" في الجنوب تحت أعين قوات الـ 1701 والجيش…تتحمّل الحكومة مسؤوليّة الانحلال أمام حزب اللهُ تتحمّل الأحزاب ومن ضمنها "السياديّة" مسؤولية عدم اعتبار لبنان تحت الاحتلال الإيراني والاكتفاء بالكلام عن سلاح "غير شرعي".

كما عبّر النائب نديم الجميّل عن غضبه من إطلاق صواريخ من جنوب لبنان، معتبراً في تغريدة أن ميليشيا إيران وحليفتها حماس ومحور الإرهاب يصرون على أن يكون لبنان منصة صواريخ، ويصرون على جره إلى حروب لا علاقة له فيها وأن يدمروا ما تبقى منه، وكتب في تغريدة "إذا بدن يحرروا فلسطين يروحوا هني واسماعيل هنية يحرروها من داخل الاراضي الفلسطينية، مش من لبنان".

واليوم الجمعة غرّد الجميل كاتباً "ما حدث في الجنوب ليس إلا نتيجة المصالح المشتركة بين الطرفين: فإسرائيل مصلحتها شد العصب ومواجهة المعارضة الداخلية، وحماس بغطاء حزب الله الذي استعجل ونفى علاقته، أوهمت الفلسطينيين أنها تقاوم الإسرائيلي من الأراضي اللبنانيّة" مضيفاً "باختصار مسرحية وتنسيق من تحت الطاولة.. إذا مش عملاء، حلفاء".

"صحيح ما حدث في الأمس هو الأكثر سخونة منذ عام 2006 بالبعدين الأمني والسياسي، نظرا لحساسية الواقع والأزمة اللبنانية"، كما يقول عبد الساتر، لكن ما يستغربه أن "بعض الأجواء اللبنانية تنطق بلسان يخدم إسرائيل، كما طالعتنا بعض الصحف اللبنانية، فلو تم حذف اسم الكاتب، يدرك القارئ أنه يكتب بنفس إسرائيلي، وهو ما يسعد إسرائيل كونها وجدت صدى لما تريد أن تحدثه".

 ويشدد "لا تؤثر انتهاكات إسرائيل لسيادة لبنان على هؤلاء الصحفيين أو السياسيين، لكن ان يقوم أي فصيل فلسطيني او اي مقاوم لبناني ليس له ارتباط تنظيمي مباشر بحزب الله بما حدث في الأمس، تطرح الأسئلة فيما ان كان خلف ذلك قرار حزب الله وفيما ان كان الامر لمصلحة لبنان".

 يرفض عبد الساتر اعتبار بعض اللبنانيين ان لا علاقة للبنان بما يحدث، ويقول" هناك 400 إلى 500 ألف فلسطيني في لبنان، متواجدين منذ ما يزيد عن الـ 80 عاما، وفلسطين على بعد أمتار منهم، فهل المطلوب أن يروا ما يتعرض له شعبهم ويمنع عليهم حتى الصراخ ولو بصاروخ ممكن أن يحدث هذا الرعب لدى إسرائيل".

استبعاد التصعيد

الصواريخ التي أطلقت ليست بالفعالية الميدانية المهمة كالصواريخ التي يمتلكها حزب الله، كما يقول عبد الساتر "مما يدل على أن الفصائل الفلسطينية هي المسؤولة عنها، إلا أنها تحمل رسالة رد على استباحة الإسرائيليين المتواصلة، والأهم من ذلك أنها أحدثت خوفا غير مسبوق لديهم خاصة في منطقة الجليل المحاذية للبنان" مرجحاً "عدم إقدام إسرائيل على فعل أي شيء تجاه لبنان كونها تعلم أن ما ينتظرها أشياء وأشياء وبأن جهوزية حزب الله في لبنان في أعلى المستويات".

وفيما إن كان بإمكان أي فصيل فلسطيني إطلاق صواريخ من دون علم حزب الله، أجاب "هذا السؤال دائما ما يطرح وكأن الحزب شرطي حدود" متسائلاً "لماذا لا تسأل قوات اليونيفيل والجيش اللبناني والحكومة اللبنانية على ذلك، مع العلم أن طبيعة الجغرافيا الموجودة في الجنوب تحول دون تمكن أحد من ضبطها". 

كذلك اعتبر رباح أن نوعية الصواريخ المستخدمة "الكاتيوشا" دليل على عدم رغبة حزب الله بتبني العملية، "فمن الواضح أنه لا يريد فتح جبهة مع إسرائيل في هذا التوقيت بل فقط غسل ماء وجهه من خلال الإيحاء بأنه يدافع عما يجري في المسجد الأقصى وأنه يوحّد الجبهات".

 ويضيف رباح "هناك أمر عمليات واضح بتوحيد كلام محور الممانعة، في تذكير إضافي بأن لبنان محتل من حزب الله الذي يستخدم هذا البلد ورقة ضغط في وقت المنطقة كلها تتغير، كما أن إسرائيل لا تريد فتح جبهة وقد بدى ذلك من خلال اعلانها السريع عن أن تنظيماً فلسطينياً هو المسؤول عن إطلاق الصواريخ، واختصار الرد بضرب محيط مخيم الراشيدية وسهل القليلة".

لبنانيون عاشوا لحظات رعب أثناء الهجوم الإيراني
لبنانيون عاشوا لحظات رعب أثناء الهجوم الإيراني

يعيش اللبنانيون حالة من الترقب والقلق من تداعيات الضربة الإيرانية على إسرائيل، وسط احتمالية تورّط بلدهم في الصراع الجديد والذي لم يغب كلياً عن مشهده، حيث مرّت الصواريخ والمسيرات فوق أراضيه ودوت أصوات الانفجارات في أجواء مختلفة من مناطقه، نتيجة اعتراضها بالدفاعات الجوية من دول مجاورة.

ولا تزال انعكاسات تبدّل "قواعد الاشتباك" بين إيران وإسرائيل من الحرب بالواسطة إلى المواجهة المباشرة، ضبابية، لاسيما فيما يتعلق بدور حزب الله في حلقة النار الجديدة بعدما جرى تحيّده عن الجولة الأولى، ورمي طهران الكرة في ملعب إسرائيل، لكن تبقى الخشية من أن يتحول لبنان إلى الملعب الرئيسي للمواجهة.

وما أن أعلن عن الضربة الإيرانية حتى اتخذ وزير الأشغال والنقل اللبناني، علي حمية، قرار إغلاق الأجواء اللبنانية أمام جميع الطائرات القادمة والمغادرة والعابرة لها، وذلك بشكل مؤقت واحترازي، كما سارع لبنانيون إلى التزود بالوقود، خوفا من توسّع الحرب.

وعقب تنفيذ طهران وعيدها بالردّ على استهداف مبنى قنصليتها في سوريا، دعا رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، نجيب ميقاتي، إلى جلسة طارئة قبل أن يعدّلها إلى جلسة تشاورية، وأشارت وزارة الخارجية اللبنانية إلى أنها تتابع "بقلق شديد الأحداث والتطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، بعد أن وصلت المنطقة برمتها إلى حافة الهاوية".

ودعت الوزارة في بيان إلى "وقف التصعيد والتهديد بشن الحرب والأعمال العسكرية الانتقامية بأشكالها كافة، والعودة إلى احترام قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، الرادع الوحيد لتجنب تبعات انفجار الشرق الأوسط برمته".

خطوات استباقية

عاش وسيم وعائلته ساعات من الرعب بعد توجيه إيران لمسيراتها وصواريخها نحو إسرائيل، وجلسوا جميعا أمام التلفاز، يترقبون ما ستؤول إليه الأمور، ويقول: "سارعت زوجتي إلى تجهيز حقيبة وضعت فيها ملابسنا وأوراقنا الثبوتية وما نملكه من مال استعداداً للمجهول القادم، قبل أن تنضم إلينا في متابعة الأحداث حتى الفجر".

ويضيف في حديث مع موقع "الحرة" أنه "كلبنانيين لم نعش في أمان وهدوء منذ سنوات، دائماً لدينا خوف من حدوث تفجير أو انفلات أمني، إلا أن هذا النوع من الحروب الإقليمية وإمكانية انزلاق لبنان فيها، لم نختبره بعد".

وفقا لوسيم، لبنان ليس في وضع يمكّنه من تحمل تبعات حرب واسعة، ويشرح: "نمر في أزمة متعددة الأبعاد، اقتصادية واجتماعية وأمنية تتفاقم بشكل يومي، والآن نتخوف من تدهور الوضع بشكل دراماتيكي، نفكر أين سنتهجر، فنحن نسكن في بيروت على مقربة من الضاحية الجنوبية، وقد سبق أن هدد مسؤولون إسرائيليون بأنها ليست بمنأى عن الضربات فيما لو توسعت الحرب".

ويشدد: "كما معظم اللبنانيين، أعاني من وضع مالي صعب. لا أملك المال الكافي لاستئجار منزل بعيد عن معاقل حزب الله، أو لتأمين مؤنة لمدة طويلة، فأنا موظف براتب بسيط تآكلت قيمته نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار".

ويتابع، الوالد لطفلين، التطورات على مدار الساعة عبر هاتفه، وهو يخشى من الرد الإسرائيلي على الهجوم الإيراني، يبحث مع شقيقيه عن منزل صغير للإيجار في الجبل استعداداً واستباقاً لما سيؤول إليه الوضع، ويقول "لن أغامر في انتظار دخول لبنان في حرب شاملة إذا ما ارتأت إيران ذلك، سأتجهز لها آملاً عدم اندلاعها".

ويُلاحظ أن كل ردود فعل وتفاعلات إيران في المنطقة، إن كان فيما يتعلق بحرب غزة أو استهداف قنصليتها في دمشق، "وكأنها تخدم مصالح إسرائيل" وفقاً لما يقوله المحلل العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد يعرب صخر، "فقبل الرد الهزلي أو المسرحي الذي لم ينفع إيران ولم يضر إسرائيل، كانت إسرائيل تواجه موقفا دولياً ورأياً عاماً عالمياً ممتعضاً من العنف المفرط الذي تمارسه في غزة، وضغطاً أميركياً لعدم توسيع الجبهات وفتح معركة رفح، وبدأت دول مثل إسبانيا، على سبيل المثال، تتجه للاعتراف بدولة فلسطينية".

أما بعد الرد الإيراني، استعادت إسرائيل بحسب ما يقوله صخر لموقع "الحرة" "التعاطف العالمي والتأييد الدولي، شاهدنا كيف أن دولا مثل فرنسا وأميركا وبريطانيا، وقفت إلى جانبها على الفور، وأسقطت أكثر من 50 في المئة من المسيرات والصواريخ الإيرانية، وما تبقى واجهته إسرائيل، ليفشل الهجوم الإيراني بنسبة 99 في المئة".

كما كشف الرد الإيراني "الهزيل" بحسب صخر، أن "طهران كانت تؤدي دوراً مرسوماً لها في المنطقة بإشاعة الفوضى وعدم الاستقرار وسلب قرار الدول وشغل دول الطوق المحيطة، كما أظهر أن فلسطين بالنسبة لها ليست قضية بل للمتاجرة، وبأنها تريد أن تفرض نفسها مستغلة الانشغال الإسرائيلي في غزة والانهماك الأميركي في الانتخابات الوشيكة، لتتحول من عامل مساعد في نشر الفوضى إلى عامل منافس في التقرير على طاولة التفاوض في الشرق الأوسط، كما أظهر أنها هي التي أوهن من بيت العنكبوت وليس إسرائيل، حيث تبين مدى هشاشة قوتها على عكس ما كانت تعلن".

أصعب الخيارات

التوتر المتصاعد في المنطقة، يلقي بظلاله على ميادة وعائلتها، حيث تقول "يخيم شبح توسّع الحرب على أفكارنا وحياتنا، ومنذ الضربة الإيرانية، برز لدينا خيار السفر إلى بلد أوروبي كطوق نجاة مما يدور، لكن سرعان ما اصطدم هذا الخيار بالواقع، وهو أن ليس جميع أفراد العائلة يحملون تأشيرة شنغن".

خيار البقاء تحت رحمة الظروف المقلقة "صعب جدا" وتقول ميادة "نخشى أن يدّمر البلد فوق رؤوسنا كما حصل مع سكان غزة، فلا أحد كان ليتوقع أن يواجه أشخاص ما يواجهونه من موت ودمار ومجاعة. ومن دون تدمير بالكاد تستطيع مستشفيات لبنان تأمين العلاج لمرضاها فكيف إن اندلعت حرب شاملة، وسقط عدد كبير من القتلى والجرحى".

وتضيف بحزن: "وكأنه لا يكفينا كل الأزمات التي نمر بها والخوف على حياتنا من الجرائم والسرقات وارتفاع الأسعار وانتشار الفقر والمعارك على حدودنا الجنوبية، حتى نترقب حرب شاملة في ظل سلطة عجزت على مدى خمس سنوات من وضع خطة لحل أزمات لبنان والتي كان لها اليد الطولى فيها".

وتشدد ميادة "يبقى خيار الهجرة هو المطروح بالنسبة لنا، وإن كان الابتعاد النهائي عن الوطن صعباً جداً، لكن اللجوء إلى بلد يؤّمن لنا عيش كريم أفضل من العيش في وطن على صفيح ساخن لا نعلم متى يحرقنا جميعاً إذا ما قرر حزب الله ذلك".

ورسم حزب الله هدفه في هذه الحرب بمساندة حماس في غزة، بحسب ما يقوله الخبير الإستراتيجي والعسكري، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، "ورسم قواعد الاشتباك وهي (بتوسعوا من وسّع)، والتي لم يتجاوزها سوى بضع مرات، تاركاً الأمر لإسرائيل، حيث يوسّع الحزب الأهداف إذا ما أقدمت إسرائيل هي على ذلك، كما حدث عندما قصفت بعلبك فوسّع الحزب ضرباته نحو الجولان".

واليوم نواجه خطراً حقيقياً، يقول ملاعب، لموقع "الحرة" "فعندما وصل الأمر إلى استهداف قادة إيرانيين في سوريا، وقصف القنصلية الإيرانية في دمشق أثناء عقد قادة إيرانيين اجتماعاً، واعتبار طهران أنها أرض إيرانية وما حصل يستوجب الرد، فإن هذا الرد دونه استراتيجية جديدة يمكن أن تتبعها إسرائيل تجاه إيران وهي تمتلك الإمكانيات لذلك، فلديها غواصتين من طراز الدولفين أمام الخليج العربي وطيران متفوق، ولكن بعد تصدي طائرات أميركية وبريطانية وفرنسية للصواريخ الإيرانية، أصبح القرار الإسرائيلي للدفاع بيد أكثر من جهة".

واحتمال توسيع إسرائيل لجبهة لبنان وارد، كما يشدد ملاعب "لا بل من المتوقع أن يكون الرد على كامل المحور، من لبنان إلى دير الزور في أقاصي سوريا".

بين الاستعداد والاستبعاد

تطورات الميدان لا تشي بالخير بحسب ما يرى، علي، لذلك قرر الانتقال من الضاحية الجنوبية لحين انجلاء كيفية مسار الأمور، ويقول "لم أفكر سابقاً باتخاذ هذا القرار رغم مرور عدة أشهر من المعارك الدائرة بين حزب الله وإسرائيل على الحدود، لكن دخول إيران المباشر في مواجهة هي الأولى من نوعها في المنطقة، دفعني إلى ذلك".

ولا يريد علي الهروب بسرعة، من دون أن يتمكّن من نقل أغراضه الثمينة وملابس والدته وشقيقته وحاجياتهم، ويقول لموقع "الحرة" "بالتأكيد سيسارع بعض مالكي الشقق الجشعين إلى رفع بدلات الإيجار كما في كل أزمة، غير آبهين بوضع أبناء وطنهم، لكن ليس أمامي خيار آخر، فوالدتي طاعنة بالسن لن أتركها حتى اللحظة الأخيرة للهرب تحت الصواريخ والنار".

ومن الاستعدادات التي يتخذها اللبنانيون لاحتمالية اندلاع حرب، التهافت على شراء المواد الغذائية وتخزينها، ويقول علي: "علينا التعامل مع الظروف المستجدة، لذلك قصدت السوبرماركت لشراء المعلبات والأرز والمعكرونة وغيرها، خوفاً من انقطاعها من الأسواق وتحسباً من ارتفاع أسعارها لاسيما بعد التأكيدات الإسرائيلية بالرد على الضربة الإيرانية".

ويبدي الشاب الثلاثيني استغرابه من استبعاد بعض أصدقائه وأقاربه امكانية توسّع الحرب، "لا بل منهم من يتحدثون بثقة بأن إسرائيل لا تريد الحرب مع إيران لا سيما بعد موجة الصواريخ التي أطلقتها مثبتة أنها لا تهاب الدخول في حرب مباشرة إذا ما استدعى الأمر ذلك".

وكان موقع "أكسيوس" الأميركي، قد ذكر الاثنين، نقلاً عن مسؤول أميركي ومصدر آخر مطلع، إن وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، أبلغ نظيره الأميركي، لويد أوستن، الأحد، أن "إسرائيل لا يمكنها السماح بإطلاق صواريخ بالستية على أراضيها دون رد"، حسبما قال المسؤول الأميركي والمصدر المطلع على المكالمة لموقع "أكسيوس".

وكشف مسؤول أميركي كبير للموقع، أن التقييم الأميركي هو أن إيران سترد على أي ضربة إسرائيلية كبيرة وعلنية على الأراضي الإيرانية بجولة جديدة من الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار.

وخلال مكالمتهما الهاتفية الأخيرة، دعا الرئيس الأميركي، جو بايدن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، إلى ضرورة للتفكير بعناية وبشكل استراتيجي بشأن خطر التصعيد الإقليمي نتيجة لأي انتقام إسرائيلي على الهجوم الإيراني، حسبما قال مسؤول أميركي كبير في مكالمة مع الصحفيين.

الأمور مهيأة الآن بحسب صخر "لاستغلال إسرائيل الوضع، خاصة مع تخفيف الضغط الأميركي عنها وتبدّل الرأي العام العالمي، لذلك ستبدأ بالتحرك، سواء في جنوب لبنان أو في سوريا أو في مناطق أخرى، لكن الساحة الأكثر إغراء هي جنوب لبنان، حيث يُعتبر حزب الله الذراع القوي والطويل لإيران، وإسرائيل ترغب في قطعه لتحقيق أهدافها، لاسيما بعد أن استطاعت السيطرة على غزة بنسبة 90 في المئة".