البطاطا.. أزمة لبنانية جديدة
البطاطا.. أزمة لبنانية جديدة

أشعلت الباخرتان نوران ومريام، المحملتان بالبطاطا والبصل المصريّ، أزمة في لبنان، بعد الموافقة الاستثنائية التي أعطيت لهما من قبل الحكومة اللبنانية بالدخول، رغم تجاوزهما الفترة الزمنية المنصوص عليها في الاتفاقيّة بين البلدين.

اعترض مزارعو البطاطا في سهل عكار، على قرار رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، وحملوه ووزير الزراعة عباس الحاج حسن، مسؤولية كساد موسهم، مستنكرين تراجع الأخير عن الوعد الذي قطع لهم بعدم السماح بدخول أي حبة بطاطا من أي دولة إلى لبنان بعد 31 مارس.

وخلال اعتصام نفذوه في 6 ابريل أمام سوق خضار عكار في قبة شمرا، انتقد رئيس الجمعية التعاونية لمزارعي البطاطا في سهل عكار عمر الحايك "تسرّع المعنيين" في اتخاذ قرار إدخال البطاطا المصرية، معلناً أن "كل المراجعات مع المسؤولين لم تصل إلى نتيجة".

وشدد الحايك على "أننا كمزارعين نقوم بكل ما نستطيع من اعتراض تحت سقف القانون، لأننا أصحاب حق، وثمة إجحاف في حقنا، ونحن جزء من هذا الوطن ولا نقبل أن تؤكل حقوقنا".

وقبل إعطاء الإذن للباخرتين المصريتين بالدخول إلى لبنان، قال الحايك خلال وقفة احتجاجية للمزارعين في 2 أبريل، "ينطلق موسم البطاطا اللبناني والبطاطا المصرية تملأ الأسواق. وهاجسنا ما سمعناه عن خروج باخرتين إلى لبنان يحملان 6100 طن بطاطا و1000 طن بصل"، مشيراً الى وعد وزير الزراعة خلال اتصال بينهما بعدم السماح لهما بالدخول.

ولكن، كما قال "نخاف أن يتكرر ما حصل السنة الماضية. لن نقبل بأن تدخل هذه الكميات. الموضوع كله عند وزارة الزراعة، ونتوجه إلى الوزير والحكومة لحماية المزارع من المضاربة، علما أن البطاطا اللبنانية أجود من المصرية وأرخص منها أيضا".

وتحدد القائمة 3 من البرنامج التنفيذي لدعم التبادل التجاري بين لبنان ومصر (القانون 48 تاريخ 1998)، فترة السماح بدخول البطاطا المصرية إلى لبنان من أول فبراير وحتى آخر شهر مارس من كل عام، وأعفى البند الجمركي اللبناني 070190 استيراد بعض السلع الزراعية المصرية، بينها البطاطا، من الرسوم الجمركية والضرائب والرسوم ذات الأثر المماثل في تلك الفترة مقابل إعفاء مماثل لتصدير بعض السلع الزراعية اللبنانية إلى مصر، أهمها التفاح والعنب والإجاص والكرز لفترات تناهز التسعة أشهر لبعض السلع، وطوال العام لسلع أخرى.

اتهامات وتبريرات

تزرع البطاطا اللبنانية بشكل رئيسي في سهلي عكار والبقاع، بفارق زمني بينهما حوالي الشهرين، وتحصد البطاطا العكارية في شهر أبريل في حين تحصد البطاطا البقاعية بدءاً من 20 مايو، وكل عام تتكرر صرخة المزارعين، كما قال رئيس فرع اتحاد الفلاحين في عكار عبد الحميد صقر، لافتاً خلال اعتصام نفذه المزارعون في الثاني من أبريل، إلى أنه "ندفع أثمانا كبيرة وخسائر، ونرى الدولة تتساهل مع التجار الكبار الجشعين وتترك المزارع".

آن الأوان بحسب صقر "لأن تقف الدولة إلى جانبنا حتى يتمكن المزارع من الاستمرار، ونحذر في حال دخلت هذه البطاطا إلى لبنان، سيكون هناك تصعيد"، لكن كل صرخات المزارعين لم تلق آذناً صاغية من قبل رئيس الحكومة.

أما وزارة الزراعة فبررت السماح للباخرتين بالدخول إلى لبنان بعد تجاوز المهلة المسموح بها قانوناً من خلال بيان أكدت فيه أنها حرصت مع بدء استيراد البطاطا المصرية إلى لبنان خلال هذا الموسم، إلى الالتزام بمضمون البرنامج التنفيذي لدعم التبادل التجاري بين البلدين، وأنه مع انتهاء الفترة المشار اليها في القانون، أرسلت رئيسة مصلحة مراقبة الاستيراد والتصدير بتوجيهات من وزير الزراعة، ​مراسلة خطية إلى نظيرها المصري لطلب وقف سحب العينات حتى تاريخ 27/3/2023 لضمان عدم تأخر الإرساليات وتخطي التاريخ المحدد في نهاية شهر مارس. 

تجاوب الجانب المصري مع طلب وزارة الزراعة اللبنانية، ورد خطياً بحسب ما جاء في البيان بأنه قد تم إيقاف سحب العينات نهاية يوم عمل 27 مارس 2023، وتم طلب السماح للبواخر التي تم تجهيزها للشحن قبل هذا التاريخ بالدخول إلى لبنان، وكان جواب الوزارة ضرورة الالتزام بمهلة نهاية شهر مارس.

وأوضحت الوزارة، أن "السفارة المصرية في بيروت أرسلت إلى الوزارة نسخاً عن كتابي هيئة ميناء الإسكندرية وميناء أبو قير البحري، تفيدان فيه بأن الموانئ قد أُغلقت يومي 29 و30 آذار 2023 نظراً لسوء الأحوال الجوية، وعاودت العمل صباح يوم 31 مارس، مما تعذر معه إبحار المركبتين نوران ومريام المحملتان بالبطاطا والبصل من تاريخ 27/3/2023، علماً بأن الباخرتين المذكورتين قد توجهتا الى ​مرفأ بيروت​ صباح يوم 31 مارس، ووصلت إليه في الأول من أبريل 2023 أي بعد يوم واحد من انتهاء المهلة".

أمام هذه الوقائع، وحيث أن لا صلاحية لوزارة الزراعة للبت بمسألة إفراغ حمولة البطاطا من عدمه، وعملاً بالقوانين والأنظمة المرعية الإجراء، قامت الوزارة كما ورد في البيان، بمراسلة مجلس الوزراء بكتابها رقم 875/3 تاريخ 3/4/2023 لاتخاذ القرار المناسب بهذا الشأن. بتاريخ 4/4/2023 صدر عن رئيس حكومة تصريف الأعمال ​نجيب ميقاتي​ موافقة استثنائية، كون الموضوع يتسم بطابع العجلة والضرورة، على أن يعرض لاحقاً على مجلس الوزراء.

في هذا السياق، أكدت الوزارة "حرصها على مصلحة المزارع اللبناني بالدرجة الأولى، وسعيها المستمر إلى ضمان تصدير المنتجات الزراعية اللبنانية إلى الدول العربية الشقيقة، وعلى رأسها مصر".

الحلقة الأضعف

لدى لبنان اكتفاء ذاتي من البطاطا بحسب ما يؤكده الحايك لموقع الحرة "فسهل عكار ينتج ما بين 75 ألف و100 ألف طن سنوياً عدا عما ينتجه سهل البقاع"، مؤكداً حرص المزارعين اللبنانيين على أفضل العلاقات والتبادل التجاري مع كل الدول العربية ومن بينها مصر، لكن "بما يتناسب مع الطرفين لا أن يكون على حساب إحداهما" مشيراً إلى أن المزارعين يواجهون هذا الموسم خسائر كبيرة "فكلفة كيلو البطاطا 30 ألف ليرة في حين يبيعونها بـ 20 ألف ليرة".

ومنذ سنوات طالبت جمعية المزارعين اللبنانيين كما يقول رئيسها أنطوان الحويك وقف استيراد البطاطا المصرية، لكن "السلطات اللبنانية تتحجج بأن ذلك سيقابل بحظر تصديرنا التفاح إلى مصر المستوردة الرئيسية لهذا المنتج، رغم أن مقاربة هذا الملف يجب أن تكون من زاوية أخرى، وهي أن مصر تصدر منتجات إلى لبنان بقيمة 900 مليون دولار، في حين تستورد منه بقية 70 مليون دولار، فلماذا نقارن سلعتي البطاطا والتفاح بدلا من مقارنة ميزان الصادرات والواردات بين البلدين".

ويشدد الحويك في حديث لموقع "الحرة" على أنه "كل سنة يعترض المزارعون اللبنانيون على استيراد البطاطا المصرية وهذا العام كان بإمكان الحكومة اللبنانية إيقاف دخولها بالقانون كونها تخطت المهلة المسموح بها، وفوق هذا سمح هذا العام بإدخال 60,000 طن بدلا من 50,000 طن".

كذلك يعتبر نقيب مزارعي القمح، عضو نقابة مزارعي البطاطا، نجيب فارس أن الاتفاقيات التجارية التي يعقدها لبنان لا تراعي مصلحة المزارع اللبناني "فهو دائما الحلقة الأضعف فيها"، لافتاً في حديث لموقع "الحرة" إلى أنه "اذا أخّرت البطاطا المصرية موسم البطاطا العكارية، عندها سيتداخل مع موسم البطاطا البقاعية التي يبدأ قلعها في 20 مايو".

نافذة نور فتحت أمام المزارع اللبناني، كما يصف رئيس تجمع المزارعين والفلاحين في البقاع، إبراهيم ترشيشي "مع فتح العراق أسواقه للبطاطا اللبنانية، في وقت تسهّل وزارة الأشغال والنقل منح التصاريح للشاحنات التي تنقلها من دون ضريبة"، متوقعاً في حديث لموقع "الحرة" تصدير كميات كبيرة من البطاطا وانتهاء الأزمة خلال شهرين، لافتاً إلى أن سهل البقاع ينتج 250 ألف طن من البطاطا"، من جانبه يأمل الحايك أن ينفّس السوق العراقي الضغط عن المزارع اللبناني، لافتاً إلى أن مزارعين بدأوا تجهيز شحنات التصدير.

وقبل الأزمة التي فجرتها الباخرتان، حذرت نقابة العاملين في زراعة البطاطا في يناير الماضي من أن مزارعي البطاطا يعانون من أزمة تكدس البطاطا اللبنانية في البرادات والمستودعات، حيث تبلغ حوالي 30 ألف طن، ومن تدني أسعارها إلى ما دون نصف التكلفة الفعلية.

وقالت في بيان " تبلغ كلفة طن البطاطا الإجمالية حوالي 400 دولار ولا يباع في الأسواق بأكثر من 200 دولار، ويأتي قرار وزارة الزراعة بحسب الرزنامة الزراعية، إطلاق عملية استيراد البطاطا المصرية في أول فبراير، ليزيد من الضغوطات والخسائر على مزارعي البطاطا، لذلك نتمنى على معالي وزير الزراعة تأخير دخول البطاطا المصرية إلى الأسواق اللبنانية، إلى حين تصريف البطاطا اللبنانية".

مرحلة مصيرية

أطلق عضو تكتل "لبنان القوي" النائب جيمي جبور صرخة باسم مزارعي سهل عكار وأهالي عكار "الذين يعيشون بشكل أو بآخر من زراعة البطاطا"، وقال خلال مؤتمر صحفي عقده في المجلس النيابي في السادس من أبريل "نتيجة الظروف المناخية هذا العام، دعا المزارعون، سيما العكاريون، وزير الزراعة للطلب من السلطات المصرية وقف توريد البطاطا إلى لبنان في فترة تسبق نهاية المهلة المحددة"، لكن "الوزير ابلغ المزارعين ان الجانب المصري متمسك بالاتفاقية وهذا حقه".

وتناول جبور موضوع تفريغ الباخرتين، لافتا إلى أنه "نحن أصبحنا خارج المهلة، عرض وزير الزراعة هذه المشكلة، وأشار في كتابه إلى رئاسة مجلس الوزراء، إلى ـن لا صلاحية لوزارة الزراعة في البت بإفراغ حمولة البطاطا، وبالتالي لم يقترح شيئا في كتابه على رئيس الحكومة لكن عرض له المشكلة، رئيس الحكومة أجاب وزير الزراعة والكتاب أتى ليوافق استثنائيا على طلب وزارة الزراعة التي لم تطلب شيئا".

أي استيراد وإدخال للبطاطا إلى لبنان خارج المهلة لا يخضع، بحسب جبور، لرسوم جمركية، "لكنه ممنوع بموجب القانون. لذلك قمنا مع نواب عكار وممثلي المزارعين بزيارة الى رئيس الحكومة وطالبنا بإعادة تصدير الشحنات" من دون ان يتجاوب، وكرر مطالبته بإعادة تصدير الشحنة وعدم دفع الادارات وخصوصا الجمارك الى مخالفة القانون، وتحمّل وزير الزراعة ورئيس الحكومة مسؤولياتهما كاملة.

بدأ بيع البطاطا العكارية في السوق، كما يقول الحويك "بسعر 28,000 ليرة للكيلو، مما يعني أن سعرها بأرضها 24,000 ليرة اي 24 سنتا، أما كيلو البطاطا المصرية (باب ثاني وثالث) فيباع في السوق بـ 30 ألف ليرة" مضيفاً "حتى تكاليف الإنتاج لا يجنيها المزارع، وهذا يعتبر انتحاراً ليس فقط للزراعة، بل للبنان، فإذا خفضنا الإنتاج سيتضاعف سعرها على المستهلك، رغم أنها سلعة يجب أن تصل إليه بشكل دائم وبسعر مقبول".

يعيش المزارعون في لبنان مرحلة مصيرية فرضت عليهم، كما يقول الحويك، وقد "دفعتهم إلى تقليص المساحة التي يزرعونها وذلك نتيجة أسباب عدة منها توقف الشركات الزراعية عن اقراضهم لشراء الأدوية والأسمدة والبذور، مما فرض عليهم الدفع نقدا، وارتفاع أسعار المحروقات، وتلاعب سعر صرف الدولار، حيث يشترون مستلزماتهم بالعملة الأجنبية ويبيعون إنتاجهم بالليرة اللبنانية وإلى حين قبض ثمنه يتكبدون خسائر مع كل ارتفاع إضافي للدولار"، محذراً من تراجع الإنتاج بنحو الثلث في فصل الصيف القادم.

مشكلة أخرى أضاء عليها الحويك وهي الضرائب المرتفعة التي تفرض على شاحنات الترانزيت التي تغادر لبنان إلى سوريا، "ما يحول دون إمكانية منافستنا اسواق أخرى، وإذا توقف تصدير هذا المنتج سنواجه كسادا وستتراجع زراعته، ولا شك ان المزارع الذي سيخسر سيخرج من الإنتاج، كل ذلك كرمى لعيون المسؤولين الفاسدين الذين بدلاً من أن يشجعوا المزارعين على الإنتاج يساهمون في ضرب مواسمهم ونحرهم".

كذلك أشار فارس إلى ذات المشكلة بالقول "رسوم الترانزيت مرتفعة، حيث تفرض سوريا على كل شحنة متوجهة إلى الأردن 1800 دولار و2500 دولار إذا كانت متوجهة إلى العراق، وبالتالي كيف سيمكننا منافسة هذه الأسواق، وفوق هذا يتم تهريب البطاطا وحتى البصل السوري إلى الأسواق اللبنانية".

مقاتلون من حزب الله" في جرود بلدة عرسال الحدودية بين لبنان وسوريا
مقاتلون من حزب الله" في جرود بلدة عرسال الحدودية بين لبنان وسوريا

قتل عنصران من حزب الله اللبناني، السبت، جراء قصف نفذته مسيرة إسرائيلية على عربتين تابعتين له في وسط سوريا، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وأورد المرصد أن "مسيرة إسرائيلية أطلقت صاروخين على سيارة وشاحنة تابعتين لحزب الله قرب مدينة القصير" قرب الحدود مع لبنان في محافظة حمص بينما كانتا "في طريقهما إلى مطار الضبعة العسكري"، ما أدى إلى "مقتل مقاتلين اثنين على الأقل من الحزب وإصابة آخرين بجروح".

في المقابل، لم يعلق الجيش الإسرائيلي بعد على العملية.

ويعد هذا الهجوم الثالث في نوعه في غضون أسبوع على أهداف لحزب الله في سوريا قرب الحدود مع لبنان. 

وكانت ضربة منسوبة لإسرائيل استهدفت، الاثنين، مقرا لحزب الله في المنطقة ذاتها، ما أسفر عن مقتل ثمانية مقاتلين موالين لطهران، وفق المرصد. وطالت ضربة أخرى في التوقيت ذاته مقرا تستخدمه مجموعات موالية لطهران جنوب مدينة حمص.

واستهدفت ضربة إسرائيلية، السبت الماضي، سيارة كان يستقلها قيادي من حزب الله ومرافقه في منطقة الديماس، وفق المرصد، من دون أن يحدد مصيرهما، فيما لم يعلن حزب الله مقتل أي من عناصره.

ومنذ اندلاع النزاع في سوريا عام 2011، نفذت إسرائيل مئات الضربات الجوية التي استهدفت جيش النظام السوري وفصائل مسلحة موالية لإيران وفي مقدمها حزب الله.

وزادت وتيرة الضربات منذ اندلعت الحرب بين حماس وإسرائيل في قطاع غزة في السابع من أكتوبر.

ونادراً ما تعلق إسرائيل على ضرباتها في سوريا، لكنها تكرر الإشارة إلى أنها لن تسمح لإيران بترسيخ وجودها العسكري في سوريا.

وأحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان منذ مطلع العام 2024، 41 مرة قامت خلالها إسرائيل باستهداف الأراضي السورية، 29 منها جوية و 12 برية، أسفرت تلك الضربات عن إصابة وتدمير نحو 83 هدفا ما بين ومستودعات للأسلحة والذخائر ومقرات ومراكز وآليات.

وتسببت تلك الضربات بمقتل 141 من العسكريين بالإضافة لإصابة 57 آخرين منهم بجراح متفاوتة، وهم من الحرس الثوري وحزب الله ومن الميليشيات التابعة لإيران وقوات النظام السوري، بالإضافة لمقتل 12 مدنيا وإصابة نحو 20 آخرين.