سميرة.. معاناة لا تنتهي
سميرة.. معاناة لا تنتهي

"منذ صغري وأنا أشعر أنني مختلفة. نبذت من زملائي في المدرسة وطُعنت أذناي بخناجر الكلمات القاتلة، ورغم ذلك اعتقدت أن الأمر سينتهي عندما أتقدم في العمر، لكن على العكس من ذلك تعاظمت الصعوبات، كل ذلك لا لذنب ارتكبته، بل فقط لكوني ولدت بتشوه خلقي عبارة عن شقوق في الشفة والحنك والانف".. بهذه الكلمات بدأت ابنة الضنية شمال لبنان، سميرة سلمان، سرد قصتها ومعاناتها من التنمر والرفض من مجتمعها.

"الألم النفسي قاتل، يومياً أعجز عن النوم على وسادتي قبل أن تبتل بدموعي، فكل نظرة شفقة أو تعجب وكل رفض وتنمر أتعرض له نهاراً يعاود مهاجمتي ليلاً، حينها يكون من طعنوني بخناجر كلماتهم عن قصد أو من دونه يغطّون في سباتهم، لا يعون حجم الوجع والقهر الذي تسببوه لي"، ولكل ذلك كما تقول سميرة لموقع "الحرة"، كرهت المرآة والتقاط الصور والخروج من المنزل ورؤية البشر.

خضعت ابنة الـ22 ربيعاً لعملتين جراحتين في عمر الثلاثة أشهر، لم تتكللا بالنجاح، وعند بلوغها الستة أشهر خضعت لعملية إضافية ليتكرر الأمر بعد سنة ونصف السنة، ورغم ذلك لم يتحسن كثيراً شكلها الخارجي، بحسب قولها، "لذلك عانيت وأنا على مقاعد الدراسة من نعت زملائي لي بالقبيحة، ومنعي من اللعب معهم، كنت أذهب إلى المدرسة بخطى ثقيلة وغصة تكاد تخنقني، ورغم كل الأسى حاولت أن أقاوم ضعفي ،وكلي أمل أن أثبت للعالم أن الاختلاف بالفكر وليس بالشكل".

بارقة أمل أضاءت حياة سميرة، عندما خضعت في عمر الثماني سنوات إلى عملية جراحية جديدة نجحت في تخفيف التشوهات من دون أن تقضي عليها بالكامل، ومن دون أن تتمكن من وضع حد للتنمر الذي استمر بملاحقتها كلما خرجت من منزلها، وتشير إلى أن الصعوبة الكبرى التي واجهتها كانت عند حصولها على شهادة تمريض من أحد معاهد الشمال، وبدئها البحث عن وظيفة، إذ وقف "تشوهها" حائلاً بينها وبين حلمها، فحتى "المستشفيات التي منحتني فرصة القيام بتدريب لديها فرضت عليّ ارتداء كمامة". 

"لا نريد مريضة، بل ممرضة، نعتذر كون المريضة ستخاف منك".. من العبارات التي سمعتها سميرة عندما قررت العمل كممرضة خاصة، وتضيف "دائماً ما يتكرر على مسمعي أن أمثالي لا يستطعن فعل شيء، وأنني لن أصل إلى حيث أبتغي ولن أتمكن من الارتباط بشريك حياة، فلا يوجد رجل يرضى أن يمضي اوقاته برفقتي، مما يعني أنني جردت من حقوقي كامرأة، لمجرد أنني لا أطباق معايير الجمال التي يضعها المجتمع".

عقبة مادية.. ولكن

الفقر هو العقبة الأساسية التي تحول دون خروج سميرة من الأتون المظلم الذي تعيش فيه، وتقول "كلنا نعلم مدى التقدم الذي وصلت اليه عمليات التجميل، لكن من أين لي ولوالدي، الذي يعمل كفاعل، آلاف الدولارات كلفة عمليتين تجميليتين، الأولى لأنفي الذي يحتاج إلى زراعة غضروف في مقدمته، وثانية لشفتي العليا والمنطقة التي تعلوها بعد تكدّس الجلد بطريقة خاطئة نتيجة العمليات السابقة، وذلك لكي أتمكن من العيش مثل بقية الناس".

في عام 2016 أطلق وزير الصحة حينها وائل أبو فاعور حملة توعية على الشفة المشقوقة والشق الحلقي، مؤكدا أن معالجتها ليست مسألة تجميلية، بل هي مسألة طبية، وأن معدلات الإصابة بها في لبنان مرتفعة، إذ "وفق إحصاءات 2013 لدينا حالة لكل 440 حالة، أي حوالي أكثر من اثنين بالألف، مما يعادل حوالي 197 حالة في السنة".

ويعرّف الطبيب الاختصاصي في جراحة التجميل ومؤسس Global smile foundation ورئيسها الدكتور أسامة حمدان حالة الشفة المشقوقة والشق الحلقي بأنها "فتحة في الشفة و/أو الحلق، قد يمتد أيضاً إلى الأنف، يمكن أن يكون على أي من الجانبين أو في كلا الجانبين أو في المنتصف، وهي حالة تحدث في وقت مبكر من الحمل نتيجة عدم اندماج هيكل الوجه بشكل كلي".

و يصاب الكثير من الآباء بالصدمة عندما يولد أطفالهم بهذه الحالة، وذلك كما يقول حمدان لموقع "الحرة" "نتيجة ندرة إجراء الفحص اللازم قبل الولادة لاسيما في المجتمعات الريفية"، مشيراً إلى أن هذه الحالة تعد من أكثر العيوب الخلقية شيوعاً في العالم، "يصاب بها ​​ 1 من كل 700 ولادة حيّة. أما السبب الدقيق لها فغير معروف، وإن حدد الباحثون عوامل عدة تقف خلف الإصابة بها، منها وراثية وأخرى بيئية، مثل تدخين الأم وتعاطيها المخدرات والكحول، وإصابتها بمرض، أو نقص حمض الفوليك لديها أثناء الحمل". 

ويواجه الأطفال الذين يولدون بهذه الحالة طريقاً صعباً جسدياً ونفسياً، ويشرح حمدان "قد يؤثر الشق في طعامهم وسمعهم وتحدثهم وتنفسهم، مما يمنعهم من الاندماج في مجتمعاتهم، والحصول على التعليم، والعثور على عمل، أما من الناحية النفسية فقد يتعرضون للتنمر في المدرسة ومحيطهم، بل قد تُنْبذ ​​عائلتهم كذلك، وفي بعض المجتمعات الريفية يُعتبرون لعنة؛ بالتالي قد يتخلى عنهم آباؤهم وحتى أمهاتهم، كل ذلك يرفع احتمال إصابتهم بالقلق والاكتئاب وتدني احترام الذات".

في عام 2008 أسس حمدان الجمعية في الولايات المتحدة الأميركية لرسم بسمة جميلة على وجوه كل الأطفال الذي يعانون من هذه الحالة، وفي عام 2014 اتخذ والفريق الطبي المتخصص ذات الخطوة في الشرق الأوسط، ويشدد: "منذ 36 عاماً والأعضاء المؤسسين في الجمعية ينخرطون في برامج التوعية بشأن هذه الحالة، مع العلم أن العمليات التي نجريها مجانية لجميع المحتاجين".

وتعتبر الجمعية أكبر مساهم في عمليات شقوق الشفة والحلق في لبنان والإكوادور، حيث تقدم رعاية إنسانية لأكثر من 50 في المئة من المرضى، ويقول حمدان "الاسبوع الماضي كنا في بيروت حيث أجرينا 42 عملية جراحية، وبعد الجراحة يحتاج الاطفال غالباً إلى علاج للنطق، وتقويم الأسنان والدعم النفسي والاجتماعي".

وعن عدد العمليات الجراحية التي يحتاجها الطفل المصاب بهذه الحالة، أجاب "يعتمد ذلك على وضعه، فإذا كان يعاني من شق جزئي في الشفة سيحتاج إلى عملية جراحية واحدة، أما إذا كانت لديه شقين في الشفة وآخرين في الحلق، فإنه يحتاج ما بين أربع إلى خمس عمليات يخضع لها على مر السنوات حتى عمر 15 إلى 18 عاماً، وذلك للوصول إلى النتيجة التي نحبّذها".

انتظار "العبور"

التنمر سلوك عدواني يمارسه، كما تشرح أخصائية علم النفس، هيفاء السيّد، لموقع "الحرة"، "فرد أو مجموعة أفراد على شخص آخر بطريقة متعمدة ومتكررة، بقصد الإساءة والسيطرة عليه وتهديده ومهاجمته بدنياً أو لفظيا أو اجتماعيا أو مادياً، حيث ينتج عن ذلك مجموعة من الآثار النفسية السلبية على صحة الضحية، تستمر حتى مراحل متقدمة من العمر، منها احتقار الذات والخوف وعدم الإحساس بالأمان، والقلق والاكتئاب واليأس والعزلة والمعاناة من اضطرابات عصبية وخلل في الشهية وانخفاض مستوى الطاقة البدنية وتراجع التحصيل الدراسي وتجنب المشاركة في أي نشاط اجتماعي".

لا ينبغي للمجتمع أن يساعد على التنمر على أي شخص، بما في ذلك ذوي التشوهات والإعاقة أو الاحتياجات الخاصة، كما تقول الأستاذة الجامعية والباحثة الاجتماعية، البروفيسورة وديعة الأميوني، لافتة إلى أن "التنمر سلوك غير مقبول وغير أخلاقي ويمكن أن يسبب آثاراً نفسية وجسدية سلبية على الأفراد المتعرضين له، ومع ذلك، قد يحدث التنمر في المجتمع بسبب الجهل أو الخوف أو النظرة السلبية تجاه أي من هؤلاء".

الشفة المشقوقة تحتاج علاجا محددا

عوامل عدة تؤدي الى التنمر، منها كما تشرح الأميوني لموقع "الحرة"، "الجهل وعدم الوعي اللذان يتسببان في عدم فهم الأفراد للصعوبات التي يواجهها ذوو التشوهات والعاهات أو الاحتياجات الخاصة وتحدياتهم في الحياة، وبالتالي يميلون إلى التنمر عليهم، ثانياً الضغط الاجتماعي، إذ يمكن أن يحدث التنمر على هؤلاء بسبب الضغط الاجتماعي الذي يعاني منه الأفراد فيعتبرونهم هدفاً سهلاً لتفريغ مشاعرهم السلبية".

ومن العوامل كذلك التي تؤدي إلى التنمر بحسب الأميوني "الخوف وعدم الأمان الشخصي من التعرض للضرر أو الإصابة إذا تم التعامل مع الأشخاص المختلفين، كما يمكن أن يحدث التنمر بسبب التفرد والرغبة في التميز وإظهار القوة والتفوق. بشكل عام، ويمكن أن يحدث التنمر بسبب عدم فهم الأفراد لصعوبات ذوي التشوهات والعاهات والاحتياجات وتحدياتهم، أو بسبب الضغط الاجتماعي والخوف وعدم الأمان، أو بسبب الرغبة في التفرد والتميز".

أما هيفاء، فتعتبر أن أسباب التنمر مكتسبة "تعود لأساليب التربية الخاطئة التي تمنح الطفل الشعور بالقوة مع عدم التعاطف مع الآخرين أو قد تكون نتيجة المشاحنات والعنف الأسري والإهمال وحتى نتيجة الألعاب الإلكترونية العنيفة"، لافتة إلى أن بعض ضحايا التنمر يلجؤون إلى ايذاء أنفسهم وحتى التفكير في الانتحار لاسيما خلال فترة المراهقة وذلك للتغلب على الأحاسيس السلبية الناتجة عن معاناتهم".

اتباع الاساليب الوقائية تفرض بحسب هيفاء "تعليم الطفل وتثقيفه مبكرا بشأن السلوكيات الاجتماعية الجيدة وتجنب الأفعال التي قد تؤذي الآخرين، كما على أهل ضحية التنمر منحه الشعور بالأمان والعمل على رفع ثقته بنفسه وتقديره لذاته، مع نفي جميع الأكاذيب المناقضة لشخصيته الحقيقية وابراز نقاط قوته وإبداعاته".

 وفي حال باءت مساعي الأهل لإخراج ولدهم من أتون التنمر بالفشل، عليهم كما تشدد الأخصائية النفسية "اصطحابه إلى إخصائي نفسي لوصف العلاج الدوائي المناسب له بالتزامن مع العلاج النفسي، ومن المفيد كذلك مشاركته في مجموعة دعم كون عملية التواصل مع الآخرين هي المفتاح الرئيسي لعلاج التنمر، بالإضافة إلى أهمية ممارسته التمارين الرياضية لتعزيز تقديره وثقته بنفسه مستقبلاً".

من جانبها، تشدد الأميوني على ضرورة أن يعمل المجتمع على إنشاء بيئة مدنية تشجع على الاحترام والتسامح والتعايش بسلام بين جميع أفراده، دون اللجوء إلى التنمر أو العنف أو التمييز بأي شكل من الأشكال، و"ذلك عن طريق التعليم وزيادة الوعي بأهمية احترام حقوق جميع أفراد المجتمع بما في ذلك الأفراد ذوي التشوهات والإعاقة أو الاحتياجات الخاصة، كما يمكن أيضاً للمجتمع أن يساعد على دعم هؤلاء عن طريق توفير الموارد المناسبة وتقديم الفرص المتساوية للمشاركة في المجتمع والاستفادة من الخدمات والفرص المتاحة للجميع".

لولا دعم والديّ سميرة وشقيقتيها لها، ومحاولتها التغاضي قدر المستطاع عما تواجهه يومياً من تنمر ورفض لكانت كما تقول "وضعت حداً لحياتي" وتشدد "أحمد الله أن كل لحظات الضعف لم تفقدني إيماني به وبكرمه وبأنه يوماً ما سيضع حداً للكابوس الذي أعيشه على يد فاعل خير ينقلني من ضفة الألم إلى ضفة الأمل".

العمالة السورية في لبنان
عدد العمال السوريين في لبنان يقدر بمئات الآلاف

ما كادت صفارة القطار الحكومي اللبناني الأخيرة تنطلق منذرة ببدء رحلة إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، حتى علت الأصوات من قطاعات لبنانية عدة، مؤكدة أهمية اليد العاملة السورية والحاجة الملحة إليها، وعدم القدرة على الاستغناء عنها.

ويعتبر اتحاد "نقابات الأفران والمخابز" في لبنان من أوائل من عبّروا عن قلقهم من ترحيل العمال السوريين، حيث أكد نقيب الاتحاد ناصر سرور أنهم عصب قطاع الأفران منذ عشرات السنين.

وأشار سرور في مؤتمر صحفي عقده مع رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر، يوم الثلاثاء الماضي، إلى أن مغادرة العمال اللبنانيين للقطاع خلال الأزمات الاقتصادية والمالية أدت إلى توافد المزيد من العمال السوريين، الذين أصبحوا أساسيين لضمان استمرار عمل الأفران وتوفير رغيف الخبز للمواطنين.

كما لفت إلى أنه أجرى سلسلة من الاتصالات مع الجهات مع الأمن العام وقيادة الجيش وأنه "تم التوصل إلى تسوية لمعالجة أوضاع كل العاملين في الأفران تحت سقف القانون".

من جانبه، أكد رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر على أهمية العمالة السورية في قطاعات عدة، بما في ذلك قطاع المخابز.

وفي حديث مع موقع "الحرة" أكد الأسمر أن لبنان "لا يستطيع الاستغناء عن اليد العاملة السورية، خاصة في قطاعات حيوية مثل البناء والزراعة والأفران، وفعلياً هذه اليد هي طاغية في هذه القطاعات".

ويشير الأسمر إلى أن هذا الاعتماد على اليد العاملة السورية ليس بجديد، حيث "كانت جزءاً لا يتجزأ من نهضة لبنان وازدهاره منذ ستينات وسبعينات القرن الماضي".

وأطلقت الحكومة اللبنانية حملة صارمة ضد "العمالة السورية غير القانونية"، والتي تهدف إلى الحد من تواجد العمال الذين لا يحملون أوراقاً نظامية، وتنفيذاً لذلك يكثف عناصر الأمن العام عمليات التفتيش على المتاجر والشركات لضبط المخالفين.

تشمل إجراءات الحملة "ملاحقة وقمع مخالفات الإقامة والعمل في مختلف المناطق، من خلال القيام بدوريات على المحلات التجارية التي يملكها أو يديرها سوريون للتحقق من وضعها القانوني، والتحقق من وثائق الإقامة العائدة لكل منهم، والتثبت من وجود كفيل لبناني للعامل أو صاحب العمل السوري"، بحسب ما أوردت "الوكالة الوطنية للإعلام".

إضاقة إلى "التحقق مما إذا كان مسجلاً لدى مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، وبالتالي فهو لا يحق له ممارسة أي عمل، وسحب المستندات والأوراق العائدة للمحلات المخالفة وأصحابها، وتوقيف المخالفين منهم، وإقفال وختم المحال المخالفة بالشمع الأحمر بناء لإشارة القضاء المختص".

ركيزة أساسية

تثير الحملة التي تشنها الحكومية اللبنانية جدلاً واسعاً في لبنان، حيث يرى مؤيدوها أنها ضرورية لحماية حقوق العمال اللبنانيين وخلق فرص عمل لهم، خاصة في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية. 

في المقابل، يعارض آخرون هذه الحملة، ويعتبر بعضهم أنها تنعكس سلباً عليهم، منهم صاحب محل لبيع الفحم، الذي تحدث عن مخاوفه من خلال مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي.

يشير صاحب المحل في الفيديو إلى أن إغلاق محلات السوريين قد أثّر سلباً على الاقتصاد اللبناني وشلّ الحركة في الشوارع التي باتت خالية، إضافة إلى عدم استطاعته إيجاد عمال لمساعدته في تنزيل صناديق الفحم، ويقول "إذا طلبت من العامل اللبناني القيام بذلك سوف يضربني"، لذلك طالب ممن اتخذ قرار ترحيل السوريين إلغائه.

كما يعتبر معارضو الحملة أيضاً أن اللاجئين السوريين الذين فروا من الحرب في بلادهم قد ساهموا في تنشيط بعض القطاعات الاقتصادية التي تعاني من نقص في اليد العاملة، حيث إن أغلبيتهم يعملون في مجالات لا يعمل بها اللبنانيون، واعادتهم إلى بلدهم ستؤدي إلى نقص حاد في العمالة في قطاعات حيوية، مما يعرقل الإنتاج ويزيد من تكاليف التشغيل.

"قبل الحرب السورية، كان هناك 250 ألف عامل سوري في لبنان، يعملون في قطاعات الصناعة والزراعة والبناء"، كما يشير رئيس تجمع مزارعي وفلاحي البقاع، ابراهيم الترشيشي، "ولطالما شكّل العمال الزراعيون السوريون الغالبية العظمى في اليد العاملة الزراعية في لبنان، فهم العمود الفقري لهذا القطاع، وتصل نسبتهم إلى 90 في المئة من العاملين فيه."

يوضح الترشيشي في حديث لموقع "الحرة" أن "السبب الرئيسي للاعتماد على العمال السوريين هو رخص أجورهم وملاءمتهم للعمل الزراعي، فاللبناني غير معتاد على العمل في الزراعة والوحل والتراب، ربما إذا أنصف اللبناني وحصل على أجر يكفيه، يعمل في هذا المجال، لكن كلفة اليد العاملة اللبنانية تزيد بثلاثة أضعاف عن السورية."

ويشير الترشيشي إلى أن "الحملة التي تقوم بها الحكومة اللبنانية على الوجود السوري، أثارت قلق القطاعات التي تعتمد على عمالها السوريين، لاسيما القطاعين الزراعي والصناعي، فأصحاب العمل اعتادوا على عمالهم الذين يعملون لديهم منذ عشرات السنين، وهناك علاقة قوية جداً تربط الطرفين ببعضهما البعض."

القرارات التي تتخذها الحكومة اللبنانية بحق هؤلاء العمال "خاطئة" بحسب الترشيشي "فهي تخلط بين العمال الذين يعملون منذ زمن في لبنان، مع السوريين الذين يدخلون يومياً بطريقة غير شرعية، من اللصوص وأفراد العصابات والمجرمين، وهؤلاء لا يتم توقيفهم كونهم محصنون ولديهم القدرة على الاختباء من القوى الأمنية."

وطالب رئيس تجمع مزارعي وفلاحي البقاع بـ "صيغة خاصة للعمال الزراعيين يتكفلها المزارع ويوقع عليها ويقدمها للأمن العام، تتضمن أسماء كل العمال الذين يعملون لديه" كما طالب بضرورة مكافحة المهربين الذين يسهلون دخول اللصوص والمجرمين، "فأي إجراء آخر لن يكون كاف ولن ينهي الوجود الفوضوي للسوريين في لبنان."

تحدٍ.. وإطار زمني

رد عمال سوريون على الحملة الحكومية الأخيرة بمقاطع فيديو قصيرة تظهر مهاراتهم في أداء الأعمال الخطيرة والشاقة.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لعامل بناء سوري يعمل على ارتفاع شاهق، وهو يدعو اللبنانيين إلى القيام بعمله، وفي مقطع آخر، يظهر عامل عتالة سوري وهو يحمل حمولة ثقيلة، ويدعو اللبنانيين لأداء ذات المهمة.

ويؤكد رئيس نقابة عمال البناء في شمال لبنان، جميل طالب، الاعتماد الكبير لقطاع البناء في البلاد على اليد العاملة السورية، موضحاً أن السبب الرئيسي وراء ذلك هو انخفاض أجور العمال السوريين مقارنة بالعمال اللبنانيين، مما يجعلهم قادرين على مزاحمة العمال اللبنانيين الذين يعانون من ارتفاع كلفة المعيشة.

 طالب مع تنظيم العمالة السورية، كما يقول لموقع "الحرة" وذلك "من خلال منح السوريين إقامات وإجازات عمل، وإن كان ذلك يضر بأرباب العمل بسبب اضطرارهم حينها إلى دفع مستحقات وزارة العمل والتأمين"، وهو ينفي وجود أزمة في هذا القطاع، مؤكداً على أن "العمال السوريين يتابعون عملهم حتى وإن لم يكن لديهم إجازة عمل".

وأصدر رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، توصية إلى الحكومة اللبنانية لمعالجة ملف اللجوء السوري وإعادة اللاجئين غير الشرعيين خلال سنة، وذلك في جلسة نيابية عقدت في 15 مايو الجاري، تحت عنوان مناقشة الهبة الأوروبية البالغة مليار يورو المقدمة من قبل المفوضية الأوروبية، إلا أن التركيز الأساسي انصبّ على ملف اللجوء السوري.

وكان البعض اعتبر أن هذه الهبة هي "رشوة" من أجل إقناع لبنان بالإبقاء على اللاجئين السوريين على أراضيه، بينما كرر رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي خلال الجلسة تأكيده أنها "مساعدات غير مشروطة".

ونصت توصية مجلس النواب للحكومة على تسعة بنود رئيسية، أهمها، "تشكيل لجنة وزارية برئاسة رئيس الحكومة والوزراء المختصين والأجهزة الأمنية، للتواصل والمتابعة المباشرة والحثيثة مع الجهات الدولية والإقليمية والهيئات المختلفة، لا سيما الجانب السوري، ووضع برنامج زمني وتفصيلي لإعادة النازحين، باستثناء الحالات الخاصة المحمية بالقوانين اللبنانية والتي تحددها اللجنة". 

ودعا البرلمان الحكومة إلى "القيام بالإجراءات القانونية اللازمة لتسليم السجناء من النازحين إلى السلطات السورية، وفق القوانين والأصول المرعية، كما دعا أجهزة الأمم المتحدة كافة، لا سيما مفوضية اللاجئين والجهات الدولية والأوروبية المانحة اعتماد دفع الحوافز والمساعدات المالية والإنسانية للتشجيع على إعادة النازحين إلى بلدهم، ومن خلال الدولة اللبنانية ومؤسساتها أو بموافقتها، وعدم السماح باستغلال هذا الأمر للإيحاء بالموافقة على بقائهم في لبنان، وتشجيع هذه الجهات على تأمين مثل هذه التقديمات في داخل سوريا".

وخلال القمة العربية التي انعقدت في البحرين في 16 مايو الجاري، تطرق ميقاتي إلى ملف اللاجئين السورين، حيث تحدث عن تزايد أعدادهم في لبنان "ما يشكل ضغطاً إضافياً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة والموارد المحدودة لوطننا". 

وأمل ميقاتي تفعيل عمل لجنة الاتصال العربية بشأن سوريا "مما يساعد على تحقيق رؤية عربية مشتركة متفق عليها، وبلورة آلية تمويلية لتأمين الموارد اللازمة لتسهيل وتسريع عودة النازحين السوريين إلى بلدهم، حيث ينبغي التوقف عن استخدام هذه القضية التي باتت تهدد أمن واستقرار لبنان والدول المضيفة والمانحة على حد سواء.

العمالة الأجنبية في القانون

تنظيم العمالة الأجنبية في لبنان ومنح إجازات العمل هما من صلاحيات وزارة العمل، وذلك وفقاً لقانون العمل اللبناني الصادر في عام 1946 والمعدل بالقانون 207 في العام 2000، وكذلك المرسوم رقم 17561 الصادر في عام 1964. 

ينص المرسوم في مادته الثانية على أن كل أجنبي يرغب في الدخول إلى لبنان لمزاولة مهنة أو عمل، سواء بأجر أو بدون أجر، يجب أن يحصل مسبقاً على موافقة وزارة العمل قبل مجيئه إلى لبنان، إلا إذا كان فناناً، حيث يحصل على هذه الموافقة من مديرية الأمن العام، كما منح هذا المرسوم وزير العمل حق تحديد الأعمال والمهن التي يرى ضرورة حصرها باللبنانيين فقط.

 في عام 2021، أصدر وزير العمل مصطفى بيرم القرار رقم 96/1، الذي حدد المهن الواجب حصرها باللبنانيين، مع استثناءات شملت الفلسطينيين المولودين على الأراضي اللبنانية، والأجانب المولودين لأم لبنانية أو المتزوجين من لبنانية، والمولودين في لبنان من حملة بطاقة مكتومي القيد. وسمح القرار للأجانب بالعمل في ثلاث فئات هي البناء أو النظافة أو الزراعة وذلك بعد الحصول على إجازة عمل من وزارة العمل.

ويقدر عدد العمال السوريين في لبنان بحسب الأسمر "بمئات الآلاف، ومزاحمتهم للبنانيين في بعض المهن يؤدي إلى بطالة في صفوف اللبنانيين وهجرة للعمالة الوطنية".

تصادم وانتقاد

دفعت الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة اللبنانية ضد اللاجئين، بمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى توجيه كتاب وصف بأنه "حاد اللهجة" إلى وزير الداخلية اللبناني بسام مولوي.

طالبت المفوضية في كتابها بوقف "الممارسات اللاإنسانية" التي تمارس بحق اللاجئين، معترضة بشدة على حملات التضييق التي تنفذها البلديات تنفيذاً لتوجيهات وزارة الداخلية. وتشمل هذه الحملات إقفال المحال التجارية التي يديرها لاجئون سوريون دون ترخيص، والتدقيق على أوراق هوية المقيمين في المنازل.

كما انتقدت المفوضية مصادرة السلطات اللبنانية للدراجات النارية التي يقودها لاجئون سوريون دون أوراق ثبوتية، مطالبة بأن تتراجع الإدارات الرسمية اللبنانية عن التدابير التي اتخذتها بحق اللاجئين السوريين غير الشرعيين.

كتاب المفوضية دفع وزير الخارجية عبد الله بو حبيب إلى استدعاء ممثل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ايفو فرايسن، حيث أبلغه بعدد من القرارات، مهدداً بإعادة النظر بالتعامل مع المفوضية في حال عدم التقيد بها. 

وقال بو حبيب إنه أبلغ فريسون، بسحب الرسالة التي وجهتها المفوضية لوزير الداخلية، واعتبارها بحكم الملغاة، وبضرورة احترام أصول التخاطب مع الوزارات والادارات اللبنانية المختصة، وعدم تجاوز الصلاحيات المنوطة قانوناً بوزارة الخارجية والمغتربين لجهة كونها الممر الالزامي لكافة مراسلات المفوضية وفقاً للاتفاقيات، والمعاهدات، والأعراف الدبلوماسية. 

كما أبلغه بعدم التدخل في الصلاحيات السيادية للبنان، والالتزام بالقوانين اللبنانية لكافة المقيمين على الأراضي اللبنانية من أفراد ومنظمات، المتوافقة أصلاً مع كافة التشريعات الدولية. 

ينتقد الأسمر المقاربات الحالية لملف اللجوء السوري من قبل الجهات المانحة والدول الأوروبية، وبعض الجهات اللبنانية التي تنتهج مقاربات عنصرية، على حد قوله.

ويشير إلى مشكلة الفلتان الأمني الناتج عن الوجود غير الشرعي للسوريين الذين يدخلون خلسة إلى لبنان، وما يرتكبه بعضهم من جرائم وسرقات، معتبراً أن ذلك يشكل عبئاً على الشعب اللبناني. 

ويدعو إلى التعاطي مع الملف السوري "بطريقة قانونية تحافظ على العمالة التي يحتاجها السوق، ومعالجة ظاهرة العمالة غير الشرعية وذلك من خلال حوار مع الجانب السوري على مبدأ المعاملة بالمثل، إلى جانب الدول الأوروبية والجهات المانحة".