سهى ووردة
اختفت سهى ووردة وأمهما بعد مداهمة للجيش والأب يقول إنه لا يعرف مصير أسرته.

انتظرت رغد، الأربعاء الماضي، انتهاء الحصة الدراسية بفارغ الصبر للعودة إلى منزلها في بلدة رشميا في جبل لبنان، لتناول الطعام الذي أعدته والدتها واللعب مع أشقائها، لكن بدلا من ذلك صدمت أنه لم يفتح أحد لها الباب. وقفت تبكي متفاجئة من سلوكهم غير المعتاد، من دون أن تعي أن الأمر خارج عن إرادتهم، وأن حملة التوقيفات التي يقوم بها الجيش اللبناني ضد اللاجئين السوريين شملت أسرتها.

اعتقدت ابنة السبع سنوات أن الأمر لن يطول، وأن وقتا قصيرا يفصلها عن عودة أفراد عائلتها، ليكملوا سوية حياتهم الطبيعية، فقبل أن تودعهم للذهاب إلى المدرسة ألقت نظرة على ثياب العيد التي اشتراها لها والداها، وكلها أمل أن تسرّع عقارب الساعة حركتها ليأتي اليوم المنتظر وترتدي الثياب الجديدة، لكن فجأة صدمت بأن محمد (اسم مستعار)، وهو أحد معارف والدها أتى بدلا منه لأخذها، لتطول بعدها الأيام ويمر العيد من دون عائلة ولباس جديد.

يقول محمد إنه تلقى اتصالا أطلع من خلاله على حال الصغيرة فحضر واصطحبها إلى منزله لتبقى في كنفه إلى حين وضوح مصير عائلتها.

تزايدت المداهمات التي تشنها السلطات اللبنانية ضد السوريين منذ بداية أبريل الجاري، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. وشملت الحملات مناطق مختلفة من العاصمة بيروت وبرج حمود وحارة صخر وصولا إلى منطقة وادي خالد والهرمل مرورا بقضائي الشوف وكسروان في جبل لبنان، وفقا للمرصد.

وقد أسفرت الحملة عن اعتقال مئات بتهم مختلفة منها (الشغب والاعتداء على المواطنين اللبنانيين وعدم امتلاكهم أوراقاً ثبوتية تخولهم البقاء في لبنان)، لينقلوا بعدها إلى موقع قريب من الحدود بين البلدين.

واعتقلت السلطات اللبنانية بحسب مركز وصول لحقوق الإنسان (ACHR) ، 64 لاجئا سوريا من مناطق مختلفة في لبنان، يومي 10 و11 إبريل الجاري، بينهم مرضى وأطفال، قال المركز أنهم تعرّضوا خلال المداهمات الأمنية لعدة انتهاكات خطيرة، أبرزها الاعتقال التعسفي، والترحيل القسري، وسوء المعاملة تحت ظروف لا إنسانية.

"الموت المحتّم".. محصور

يسكن محمد في بلدة الغابون المجاورة لرشميا في قضاء عاليه، هو الآن يعيش وعائلته في حالة رعب، كما يقول لموقع "الحرة"، "كلما علمت بأن هناك مداهمة للجيش اللبناني أسارع وزوجتي وأطفالي الخمسة للهرب، من دون أن نعلم ما الذنب الذي ارتكبناه حتى نحاصر من كل الاتجاهات على هذه الأرض، فلا يمكننا العودة إلى بلدنا كون الاعتقال سيكون مصيرنا فنحن من جبل الزاوية في إدلب وهذا بحد ذاته تهمة، أما في لبنان ورغم أني عبرت الحدود أنا وزوجتي بشكل نظامي قبل 12 سنة، وسجلنا أسماءنا في مفوضية شؤون اللاجئين وحصلنا على إقامة، إلا أن تاريخ صلاحيتها انتهت وهو ما تتحجج به السلطات اللبنانية حالياً لإعادتنا إلى الموت المحتّم".

وعبّر محمد عن استغرابه "اعتقاد اللبنانيين بأن السوريين يرغبون بالبقاء في بلدهم، رغم أنهم كمواطنين يواجهون صعوبات لتأمين لقمة عيشهم في ظل الازمة الاقتصادية والارتفاع الخيالي للأسعار، فكيف بنا كلاجئين، وفوق هذا يدرك المسؤولون اللبنانيون تماماً ما هو مصير معارضي النظام في حال وطأت اقدامهم الحدود من الجهة السورية، كما أنهم على علم بأن السوريين داخل بلدهم مهجّرين، منهم اهلي الذي يسكنون على الحدود".

تصاعدت في الفترة الأخيرة وتيرة العنصرية ضد اللاجئين السوريين، وارتفعت أصوات المسؤولين المعارضة لوجودهم والمطالبة بترحيلهم.

وعن حملة الترحيل القسري الأخيرة، علّق وزير المهجرين في حكومة تصريف الأعمال عصام شرف الدين بالقول "محصورة جداً بنحو سبعين شخصاً، وهم المتورطون بعمليات سرقة منها لأسلاك كهربائية وجرس كنيسة مار أنطونيوس في برمانا، كما ظهر أنهم دخلوا إلى لبنان بطريقة غير شرعية".

كذلك لفت شرف الدين في حديث لموقع "الحرة" إلى "التضييق على اللاجئين السوريين في عرسال بقرار من محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر، وذلك من خلال إغلاق مستوصفات وغيرها". أما خطة الترحيل التي وضعها الوزير والتي تشمل 15,000 لاجئ شهريا فهي كما يقول "مجمدة بقرار سياسي".

وكان مسؤول عسكري كشف لوكالة "فرانس برس"، أنه "تمّ ترحيل أكثر من 50 سوريّاً من قبل الجيش اللبناني، في نحو أسبوعين"، وأشارت المصادر للوكالة، إلى أن "مديرية المخابرات في الجيش اللبناني تقوم بتسليم الموقوفين المخالفين إلى فوج الحدود البرّيّة، الذي يتولى وضعهم خارج الحدود اللبنانية"، معلّقاً على هذه الخطوة، بالقول إن "مراكز التوقيف امتلأت"، وقد رفضت الأجهزة الأمنية الأخرى استلام الموقوفين السوريين.

من جانبه لفت المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن المرحلين يسلّمون إلى الفرقة الرابعة التابعة لقوات النظام، قرب تلكلخ على الحدود السورية – اللبنانية، وذلك بحسب ما أكده له أحدهم بعدما تمكّن من العودة إلى لبنان عبر طرق التهريب، مشيرا إلى أن التعذيب الوحشي الذي يتعرضون له "باستخدام العصي والكهرباء فضلاً عن الإهانات النفسية والشتائم، قبل أن يتم بيعهم لمهربين ودفع مبلغ 300 دولار عن كل شخص، وقد بقي كثير في قبضة عناصر الفرقة الرابعة لعدم توفر المبلغ المطلوب منهم".

"موت من نوع آخر"

إذا كانت رغد حرمت من ارتداء ثياب العيد والفرح برفقة والديها وأشقائها، فإن إسماعيل حرم من طفلتيه سهى ووردة إضافة إلى زوجته فاطمة، فحين داهمت عناصر الجيش اللبناني بلدة رشميا حيث يسكن، كان هو في عمله، ويشرح "عند الساعة العاشرة والنصف من صباح ذلك اليوم انقلبت حياتي رأسا على عقب، فقدت عائلتي ولا أعلم حتى اللحظة أي شيء عنها، حاولت الاتصال بزوجتي لكن هاتفها مغلق، ولا شيء مؤكد سوى أنني أعيش قهرا لا يوصف".

قبل أيام اشترى إسماعيل ثياب العيد لابنتيه، كان كل أمله أن يرى الابتسامة على وجهيهما حين يرتديانها، لكن يقول والغصة تخنق صوته " لم أتمكّن من رؤيتهما بها، فأي إنسانية هذه أن ترّحل النساء والأطفال بصورة عشوائية، وأي تهديد أمني يشكلونه على لبنان". ويضيف في حديث لموقع "الحرة"، " منذ بدء الحرب السورية هربت من رائحة البارود والدماء، اعتقدت أني سأجد في البلد المضيف راحة ولو جزئية، لكن للأسف ظهر أنني هربت من الموت إلى الموت وإن كان بشكل ورائحة أخرى".

يشير إسماعيل إلى أن فاطمة ليست والدة ابنتيه (والدتهما تسكن في جنوب لبنان)، وأنه دخل وإياها بصورة نظامية إلى لبنان، وهما مسجلان لدى مفوضية شؤون اللاجئين، لكن ليس لديهما إقامة.

كذلك داهم الجيش اللبناني منزل حسين (اسم مستعار) في قضاء عاليه عند الساعة الخامسة من فجر الأربعاء الماضي، أوقفوا ثلاثة من أبنائه، أحدهم قاصر.

يقول حسين لموقع "الحرة" "كنا نائمين حين حاوطت آليات عسكرية المبنى، ترجل العناصر وطرقوا بابنا، فتحت ليدخلوا مباشرة ويبدأوا بتفتيش الغرف، ومن ثم طلبوا أوراقنا الثبوتية، أوقفوني على الحائط والتقطوا صورة لي كذلك فعلوا مع زوجتي". ويضيف "أوراقي وإياها قانونية، لكن لم أجدد إقامات أبنائي، فأخذوا البكر البالغ من العمر عشرين سنة وهو والد لثلاثة أطفال أصغرهم يبلغ من العمر شهرين، إضافة إلى ابني البالغ من العمر 19 سنة وشقيقه ذا الـ 16 سنة".

ابن ريف حلب قدم إلى لبنان عام 2013، لينجوا وعائلته من الحرب والدمار، لكن كما يقول "ما عشناه قبل أيام لا يقل رعباً وقهراً، فدموع زوجتي لم تجف منذ ذلك الحين، ترفض الطعام والشراب قبل معرفة مصير فلذات أكبادها، وانا مكل اليدين عاجز عن فعل أي شيء".

ورغم أن عددا كبيرا من بين الذين جرى ترحيلهم هم من النساء والأطفال والقاصرين، نفى وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة تصريف الأعمال هيكتور حجار "ما يُحكى عن الانتقال من المرحلة الطوعية لإعادة النازحين السوريين إلى مرحلة الترحيل"، مشيرا إلى أن ما يجري "ليس له علاقة بشكلٍ مباشر بالنازحين إنما بالمواطنين السوريين الذين دخلوا خلسة إلى لبنان عن طريق المعابر غير الشرعية، ويشكلون خطرا على أمن الدولة".

حجار أشار في حديث صحفي "ما يحصل من سرقة للكابلات الكهربائية ولأغطية مجاري الصرف الصحي، والأبواب الحديدية للكنائس والجوامع وحتى المقابر"، بحسب قوله. واعتبر "من يدافع عن هؤلاء المجرمين فهو مجرم، فمن مصلحة جميع اللبنانيين والنازحين أن يرفعوا الصوت ويتبرأوا من هؤلاء الأشخاص الذين يشوّهون صورة السوريين ويفسدون العلاقة بين البلدين".

"أجندات خبيثة"

ادان مركز وصول لحقوق الإنسان (ACHR) بشدة "عمليات الترحيل القسري الجماعية الأخيرة، والتي تم تنفيذها بشكل تعسفي، في انتهاك للوضع القانوني والسياسي للاجئين في سوريا وتجاهل صارخ للقانون الدولي لحقوق الإنسان".

ويواصل المركز توثيق حالات اللاجئين المرحلين وإبلاغ مكاتب مفوضية اللاجئين في لبنان بها، "من دون أن تنجح مساعيها بإيقاف عمليات الترحيل القسري الممنهجة".

وكانت المفوضية صرّحت لوكالة فرانس برس، أنها "تراقب" الوضع، مضيفة أنّها "تواصل الدعوة إلى احترام مبادئ القانون الدولي وضمان حماية اللاجئين في لبنان من الإعادة القسرية".

كما حث مركز "وصول" الحكومة اللبنانية على احترام حقوق جميع الأفراد، بمن فيهم طالبو  "اللجوء والحماية من العنف والاضطهاد، على النحو المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقانون الدولي". لافتاً في بيان إلى ضرورة امتثال السلطات اللبنانية للالتزامات التي تتحملها بموجب القوانين والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

وأشار إلى المادة 31 من قانون الأجانب اللبناني التي تنص على أنه "إذا تقرر إخراج اللاجئ السياسي فلا يجوز ترحيله إلى أرض دولة يُخشى فيها على حياته أو حريته"، كما أضاء على المادة 8 من مقدّمة الدستور اللبناني التي تؤكد على أن "الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون، ولا يمكن توقيف أحد أو حبسه إلا وفقاً لأحكام القانون، ولا يمكن تحديد جرم أو تعيين عقوبة إلا بمقتضى القانون".

ترافقت حملة المداهمات التي قام بها الجيش اللبناني، مع حملة تحريض ضد اللاجئين السوريين، منها ما نشره أحد المواقع الإلكترونية اللبنانية تحت عنوان "فضيحة أبطالها نازحون سوريون في المتن: ذبح كلاب شاردة وبيع الكيلو بـ 50 ألفا"، وأن "هلعا أصاب أهالي منطقة دير شمرا والمياسة" ليظهر أن لا صحة لهذا الخبر الذي تداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع.

وعبّرت مجموعة من الناشطين والإعلاميين السوريين، (منهم أحمد القصير وفراس علاوي)، عن رفضها لأي اعتداء أو انتهاك أو إساءة معاملة أو تحريض ضد اللاجئين السوريين، والذي يندرج تحت بند التحريض على العنف وخطاب الكراهية، وكذلك رفضها بشكل قاطع عمليات الاعتقال والترحيل القسري العشوائية الأخيرة التي تقوم بها السلطات اللبنانية، والتي تعتبر انتهاكاً للعهود والمواثيق الدولية التي صادق عليها لبنان.

واعتبرت المجموعة في بيان أن "الحملة الأخيرة المنظمة والممنهجة من تحريض وعنف وعنصرية وخطابات كراهية بحق اللاجئين السوريين، من قبل بعض المجموعات والأحزاب والتيارات السياسية والمدنية، والتي تعمل على تأليب الرأي العام والتجييش ضد اللاجئين إنما تخدم أجندات خبيثة، وتعمل على خلق حالة من الشرخ والعداوة بين أبناء الشعبين الشقيقين علاوة على تعميق الشرخ بين مكونات المجتمع اللبناني مما يشكل تهديداً خطيراً للسلم الأهلي في لبنان".

عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا
عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا

"أنا عم موت ما تتركوني".. مناشدة أطلقها الشاب السوري أحمد المطلق، الذي وقع ضحية لعصابات الخطف في لبنان. ظهر أحمد في مقطعي فيديو عارٍ من ملابسه، يتلوى ألماً من الصفع والجلد والصعق، وعلامات التعذيب الوحشي بادية على وجهه وظهره.

تضرع أحمد (21 سنة) لإنقاذه من براثن خاطفيه، طالباً من عائلته تأمين 50 ألف دولار للإفراج عنه، مشدداً على أنه لا يستطيع تحمل هذا التعذيب لأكثر من أسبوع، خاصة أن خاطفيه لا يقدمون له الطعام، بل يكتفون بإعطائه الماء.

واستدرج ابن حمص من سوريا إلى لبنان، حيث كان يبحث عن مستقبل أفضل، لكن انتهى به الأمر بمصير معلق على قرار وحوش بشرية لا ترحم، هدفها الحصول على المال، وإن كان على حساب وجع وآلام وحتى أرواح الناس.

وذكرت صفحة "وينية الدولة" على وسائل التواصل الاجتماعي، أن عائلة أحمد فقدت أثره الخميس الماضي عقب توجهه إلى لبنان للعمل، "ولم تنجح عمليات البحث عنه، لتتلقى بعدها مقطعي فيديو مرعبين من رقم هاتفه الخلوي، ظهر خلالهما وهو يتعرض للتعذيب والضرب المبرح، طالباً من والديه ارسال المال لإنقاذه مما هو فيه".

تعرض أحمد للخطف في بلدة الهرمل بلبنان، وفقاً لما يقوله صاحب صفحة "وينية الدولة" لموقع "الحرة"، مشيراً إلى أن أهل الضحية تواصلوا معه وقالوا إن الخاطف يدعى ربيع، وهو ابن الهرمل ويملك محلاً للعطور فيها.

وشرحت العائلة لـ "وينية الدولة" أن "أحمد يعمل في مجال الغناء، تعرّف على ربيع عبر تطبيق تيك توك، توجه إلى لبنان بعدما أمّن له فرصة عمل، إلا أنه سرق أجره ورفض دفع مستحقاته مما دفعه للعودة إلى سوريا. ومؤخراً، قام ربيع باستدراجه إلى لبنان بحجة العمل أيضاً، فخطفه وعذبه مطالباً بفدية ومهدداً بقتله". 

يذكر أنه في الآونة الأخيرة تصاعدت ظاهرة خطف السوريين في لبنان على يد عصابات إجرامية تستغل ظروفهم المأساوية سواء في سوريا أو لبنان، في ظل تردّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلدين، وضغط الحكومة اللبنانية لترحيلهم وفقدان الكثير منهم لأوراقهم الثبوتية، وانتشار الفوضى والسلاح وتزايد منسوب العنصرية ضدهم.

"فخّ الإنترنت"

طالت عمليات الخطف في لبنان سابقاً، كما يُذكّر صاحب صفحة "وينية الدولة"، مواطنين خليجيين، لا سيما كويتيين وسعوديين، وذلك على يد عصابات من منطقة البقاع، مشيراً إلى دور مخابرات الجيش اللبناني وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي في إحباط هذه العمليات، إما من خلال توقيف أفراد العصابات، أو الضغط العسكري لإطلاق سراح المخطوفين.

بعد الثورة السورية ولجوء عدد كبير من السوريين إلى لبنان، وتدهور الاقتصاد اللبناني، وانفلات الأمن وانهيار المؤسسات، بدأت أعين الخاطفين تتجه نحو السوريين باعتبارهم وفق ما يقول: "فريسة سهلة، حيث لا سند لهم ولا حام. فالحكومة السورية لا تبدي أيّ اهتمام بمصيرهم، بينما تهمل الحكومة اللبنانية قضايا اختطافهم أو تتابعها بهمّة منخفضة".

"غالباً ما يتم استهداف السوريين الذين لديهم أقارب في الخارج"، بحسب ما تقوله الناشطة الحقوقية، المحامية ديالا شحادة، لموقع "الحرة" "باعتبار أنهم قادرون على تأمين مبالغ مالية بالعملة الأجنبية."

لبنان.. هل تضرب سياسات ترحيل السوريين "العمود الفقري" لسوق العمل؟
ما كادت صفارة القطار الحكومي اللبناني الأخيرة تنطلق منذرة ببدء رحلة إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، حتى علت الأصوات من قطاعات لبنانية عدة، مؤكدة أهمية اليد العاملة السورية والحاجة الملحة إليها، وعدم القدرة على الاستغناء عنها.

ويشرح صاحب صفحة "وينية الدولة": "تُستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للإيقاع بالسوريين في فخّ عمليات الخطف، من خلال وعود كاذبة بتأمين سفرهم إلى أوروبا أو أميركا، ويُطلب منهم عدم إخبار أي شخص، حتى أفراد عائلتهم، كما يطلب من أغلبيتهم ملاقاة الخاطفين في منطقة كاليري سمعان، حيث يتم خطفهم ونقلهم إلى الهرمل في البقاع، ومنها إلى الحدود السورية".

وسبق أن نشرت "وينية الدولة" عشرات الحالات عن سوريين تم خطفهم، "بالطريقة والمكان ذاته، من قبل عائلات وعشائر تنتشر من وادي خالد إلى الهرمل، مما يعني أن هذه المنطقة أرض خصبة لعمليات الخطف".

وترى شحادة أن السبب وراء هذا النوع من الجرائم البشعة التي تُرتكب بحق السوريين في لبنان هو "استضعافهم، خاصة اللاجئين غير القادرين على العودة إلى بلدهم، واستغلال حاجتهم إلى السفر، إضافة إلى كونهم من فئة يتم التحريض عليها في السنوات الأخيرة."

وخلال السنتين الماضيتين تابعت شحادة قضائياً 3 ملفات من هذا النوع، قائلة "نجحت في اثنين منها، أما الثالث فلم يكن هناك نتيجة من الجهاز الأمني المعني."

وتشدد "هذه العصابات لبنانية، وإن استخدمت في بعض الأحيان أجراء سوريين. يجب أن يُفهم أن الجرائم البشعة في لبنان يرتكبها لبنانيون بحق سوريين، وعلى رأسها عصابات الاتجار بالأشخاص وخطفهم وتعذيبهم."

"بزنس" مستمر

الشهر الماضي، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو للشاب السوري محمد عماد الخلف، ابن الـ27 عاماً، تُظهر تعذيبه بوحشية وصعقه بالكهرباء من قبل عصابة استدرجته عبر تطبيق "تيك توك"، إذ أوهمته بإمكانية تأمين سفره إلى أوروبا عبر مطار بيروت.

طلب أفراد العصابة من ذوي محمد دفع 25 ألف دولار، ثم جرى الاتفاق، بحسب ما أورد "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، على 10 آلاف دولار، مع منح ذوي الشاب المخطوف مهلة 24 ساعة لدفع المبلغ المطلوب أو قتله، فطلب ذوو الشاب المساعدة من أهالي بلدته محكان في ريف دير الزور الشرقي، الذين بادروا بجمع المبلغ نظراً لظروف العائلة المادية الصعبة، وإرساله للعصابة الخاطفة التي أفرجت عنه بعد استلام الفدية".

وأشار المرصد إلى أن محمد لجأ إلى لبنان عام 2018، ويعمل في إحدى الشركات بجبل لبنان، حيث اختُطف برفقة 4 آخرين أُطلق سراحهم بعد دفع الفدية المالية.

وتمثل عمليات الخطف "بزنس قديما" لعصابات معروفة لدى الأجهزة الأمنية، التي لا تتحرك بالسرعة المطلوبة إلا عند الضغط عليها"، كما يقول رئيس المركز اللبناني لحقوق الانسان، وديع الأسمر، لموقع "الحرة".

ويُرجع الأسمر ازدياد عمليات الخطف التي تطال السوريين في الآونة الأخيرة إلى غياب الحماية القانونية لهم في لبنان، ويتابع: "في العادة، تتردد عائلات المخطوفين في إبلاغ السلطات خوفاً من الخاطفين، بينما تتفاقم هذه المخاوف لدى السوريين الذين يخشون من الأجهزة الأمنية بالإضافة إلى الخاطفين".

ويشرح الأسمر أن "الأجهزة الأمنية لا تبادر للتحرك إلا بوجود شكوى رسمية، وهو ما يُثني عائلات السوريين الذين يفتقرون إلى أوراق ثبوتية قانونية عن التقدم بشكوى، خوفاً من توقيفهم. وللأسف 80% من السوريين المقيمين في لبنان لا يستطيعون تجديد أوراقهم، مما يجعلهم عرضة لمثل هذه الجرائم."

تعذيب حتى الموت

يُحتجز المخطوفون، كما يؤكد صاحب "وينية الدولة"، "في بيوت على الحدود السورية اللبنانية، تستخدم كسجون سرّية، يمارس فيها الخاطفون أبشع أساليب التعذيب ويصوّرون مقاطع فيديو تظهر وحشيّتهم من هواتف ضحاياهم، لابتزاز عائلاتهم لدفع فدية تبدأ بمبالغ تصل إلى 100,000 دولار، وتنخفض خلال التفاوض لتصل في بعض الأحيان إلى 1000 دولار".

ويضيف "تم توثيق حالة واحدة على الأقل فقد فيها مخطوف حياته تحت التعذيب، إذ تم العثور على جثته في منطقة ضهر البيدر، مما دفع شعبة المعلومات إلى التحرك سريعاً وإلقاء القبض على المجرم".

وفي حالة أخرى كشف عن حادثة خطف سوري وزوجته اللبنانية، مشيراً إلى تقصير واضح من قبل الأجهزة الأمنية اللبنانية في التعامل مع هذه القضية.

وأوضح صاحب "وينية الدولة" أن عملية الخطف استمرت لأكثر من أسبوعين دون أي تحرك من قبل الأجهزة الأمنية، وعلى عكس ذلك، تمكنت مخابرات الجيش من إطلاق سراح المخطوفين بعد 48 ساعة فقط من نشر الخبر على صفحته، "هذا التباين في سرعة الاستجابة يثير تساؤلات بشأن وجود خط أحمر يمنع خطف اللبنانيين، إذ يتم التدخل السريع لإنقاذهم، بينما يُترك السوريون لمصيرهم في مثل هذه الحالات".

ويندّد مدير مركز "سيدار" لحقوق الإنسان، محمد صبلوح، بتزايد عمليات خطف السوريين في لبنان دون أي رادع من قبل الأجهزة الأمنية، مشيراً إلى أنه "لم نسمع عن توقيف أي من أفراد العصابات من قبل أي جهاز أمني لبناني".

حملة ضد اللاجئين السوريين في لبنان.. مخاوف حقيقية أم "تشويه وتضليل"؟
تجتاح شوارع لبنان لوحات إعلانية لحملة تحمل شعار "UNDO The Damage Before It's Too Late"، "تراجعوا عن الضرر قبل فوات الأوان"، تستهدف اللاجئين السوريين، وتطالب اللبنانيين بالاتحاد والتحرك بمسؤولية لتصحيح الوضع بشكل عاجل بعدما تخطت نسبتهم كما أوردت الـ 40 في المئة من السكان.

غياب المحاسبة السبب الرئيسي لتكرار هذه الجرائم، كما يرى صبلوح في حديث مع موقع "الحرة" "فلو كان هناك محاسبة لما تم خطف السوريين بهذه الطريقة وتعذيبهم بوحشية، فآثار التعذيب التي نشاهدها على الضحايا تدل على أن من يرتكب ذلك مجرمون مدربون وعصابات محترفة".

وتساءل صبلوح عن دور الأجهزة الأمنية في مكافحة هذه العصابات، قائلاً "تملك هذه الأجهزة تفاصيل وبيانات أفراد العصابات المتعلقة بعمليات الخطف السابقة، ومع ذلك لم توقف أي من أفرادها، وهم من الجنسيتين اللبنانية والسورية".

وتابع "هذا يُعد تقصيراً من قبلها، فدورها كشف العصابات قبل تنفيذها أي عملية. أين الأمن الاستباقي الذي نسمع عنه يومياً دون أن نرى تطبيقاً له على أرض الواقع؟ يجب مراقبة هذه العصابات والإيقاع بها، خاصة أن الأجهزة الأمنية تملك تقنيات تسمح لها بالكشف عن أماكن تواجد أفرادها".

ويشدد صبلوح على ضرورة التنسيق مع القضاء السوري في حال نقل المخطوف إلى الأراضي السورية، مشيراً إلى أنه "حتى لو كان الضحية يحمل الجنسية السورية، إلا أنه في حال ارتكاب الجريمة على الأراضي اللبنانية تصبح متابعتها من اختصاص القضاء اللبناني، كما ينص قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية".

علامات استفهام

ويربط مدير "سيدار" بين غض نظر الأجهزة الأمنية عن عمليات الخطف التي تطال السوريين وبين الضغوط التي يتعرضون لها لترحيلهم، قائلاً "هل غض النظر هذا نوع من الضغط عليهم لترحيلهم، كما هو الحال مع الضغط العنصري الذي تمارسه الحكومة اللبنانية وبعض الأحزاب؟ إذ لا يعقل أن تُرتكب جرائم بهذه الفظاعة من دون توقيف أي من هذه العصابات".

ويشدد: "إذا كانت الأجهزة الأمنية عاجزة عن توقيف هذه العصابات، فلتعترف بذلك، لكي نستعين بخبرات خارجية. في هذه الحالة، يمكننا تقديم مشروع قانون للمجلس النيابي اللبناني يسمح بتشكيل فريق تحقيق خاص خارج إطار الأجهزة الأمنية، كما يحدث في بعض الدول".

ورغم الاتهامات التي تطال القوى الأمنية اللبنانية بالتقصير في متابعة عمليات خطف السوريين، يؤكد مصدر في قوى الأمن الداخلي أن "أي عملية خطف تطال سوريين في لبنان تخضع للمتابعة والملاحقة، لكن عند نقل المخطوفين إلى سوريا، تصبح القضية أكثر تعقيداً. مع العلم أن جميع السوريين الذين يتم استدراجهم وخطفهم في لبنان ينقلون لاحقاً إلى الأراضي السورية".

وسبق أن حذرت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي - شعبة العلاقات العامة - السوريين من الوقوع في فخ عصابات خطف "تستدرج ضحاياها، تختطفهم وتبتز ذويهم، ومنهم من لقي حتفه على يدها".

وشرحت في بلاغ أنه "أثناء متابعة شعبة المعلومات لهذا الملف، وتوقيفها أفراد شبكات وعصابات تنفّذ هذه العمليات، تبيّن لها أن أفراد هذه الشبكات يستدرجون ضحاياهم من السوريين إلى الحدود اللبنانية السورية بطرق متعددة، منها عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وبخاصة تطبيق "تيك توك"، حيث يُنشئون حسابات وهمية تستخدم في عمليات الاستدراج".

وأضافت أن "أفراد العصابات يوهمون ضحاياهم بإمكانية تزويدهم بتأشيرات دخول إلى دول الاتحاد الأوروبي، ويُطلب منهم التوجه إلى الحدود اللبنانية السورية لختم جوازات السفر. عند وصولهم إلى منطقة البقاع، يتم خطفهم ونقلهم إلى الداخل السوري، وطلب فدية مالية من ذويهم مقابل تحريرهم".

كما يستدرج أفراد هذه الشبكات ضحاياهم من خلال "عمليات التهريب عبر المعابر غير الشرعية من وإلى الداخل اللبناني. ويوهمون ضحاياهم بإمكانية تهريبهم بطريقة غير شرعية مقابل مبلغ مالي، وعند وصولهم إلى الحدود اللبنانية السورية، يقومون بابتزازهم وخطفهم وطلب فدية مالية من ذويهم مقابل تحريرهم وعدم تعريضهم للأذى".

تقع مسؤولية جرائم الخطف التي تطال السوريين في لبنان، بحسب الأسمر، على السلطة اللبنانية التي عليها "تسهيل تقديم الشكاوى والتحقيق في عمليات الخطف حتى دون دعوى مباشرة من عائلاتهم، كما يجب عليها ضبط الحدود، حيث تُنفّذ أغلب عمليات الخطف هناك أو يُنقل المخطوفون إليها، كما يجب معاقبة ومحاسبة الخاطفين، ومن يحميهم".

أما المطلوب، بحسب شحادة، فهو "رفع الغطاء الأمني عن هذه العصابات، خاصة في المناطق البقاعية الحدودية، واجتثاثها من البؤر التي تتمركز فيها. لا يعقل أن نستيقظ يوماً بعد آخر على فيديوهات تعذيب لأشخاص في بلد من المفترض أنه واحد من الدول الأربعة التي صاغت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي كان دائماً ملاذاً آمناً للاجئين السياسيين وحرية التعبير، كما لا يعقل أن يتحول لبنان إلى بلد عصابات واتجار بالبشر، فهذا مسيء لسمعته وللسوريين وأي مقيم فيه".

تمثّل "ظاهرة خطف السوريين في لبنان انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان"، كما يشدد صبلوح "ويجب وقفها من خلال تعاون مشترك بين السلطتين القضائيتين اللبنانية والسورية والمنظمات الدولية لحماية هؤلاء وضمان أمنهم، وإلا فلنشكل فريق تحقيق خاص لمتابعة هذا الملف".

من جانبه يرى صاحب "وينية الدولة" أن "عمليات الخطف مستمرة، ولا يبدو حتى الآن أن هناك قراراً سياسياً أو عسكرياً للتعامل مع هذه الظاهرة بيد من حديد".