الصحفيون اللبنانيون يعانون تحديات عديدة
الصحفيون اللبنانيون يعانون تحديات عديدة

"نعيش في لبنان وهما بالحرية الصحفية وليس حرية حقيقية"، تقول الصحفية اللبنانية دجى داوود في سياق تلخيصها لموقع "الحرة"، نتائج دراسة أعدتها حول الحرّيات الإعلاميّة في لبنان وتأثير التمويل على واقع حرية الصحافة وتأثيره على السياسات التحريرية والرقابة على العمل الإعلامي.

الدراسة التي نُفذت لصالح تجمع "نقابة الصحافة البديلة" في لبنان، نُشرت، الأربعاء، الموافق لليوم العالمي لحرية الصحافة بالتوازي مع دراسة ثانية أعدتها الباحثة اللبنانية ناي الراعي لصالح التجمع، كشفت عن انعدام أمان ثلاثي الأبعاد (معيشي – جسدي – نفسي) يعاني منه العاملون والعاملات في القطاع الإعلامي في لبنان.

الدراستان أعلن عنهما تجمع "نقابة الصحافة البديلة" في سياق مؤتمر صحفي أطلق خلاله مبادرة لحماية الحريات الإعلامية في لبنان، هي الأولى من نوعها التي تقدم الدعم الحقوقي والقانوني للصحفيين والعاملين في القطاع الإعلامي في لبنان.

جانب من الندوة التي عرضت الدراسات

فقدان للأمان

"من أسهل الأمور اليوم أن يخسر الصحفي وظيفته في لبنان دون سابق انذار"، بحسب ما يقول الصحفي اللبناني فاروق عدنان في حديثه لموقع "الحرة"، وذلك بناء على تجربة شخصية جعلته عالقاً في دوامة من القلق وانعدام الأمان الوظيفي والمعيشي نتيجة الواقع المتدهور للعاملين في القطاع الإعلامي في لبنان.

يروي عدنان كيف ورده اتصال بعد منتصف الليل من مؤسسة صحفية كان يعمل فيها، لإبلاغه بالتوقف عن التعامل معه والتخلي عن خدماته بشكل مفاجئ ودون سابق انذار، نتيجة اضطراره للتغيب قسرياً عن العمل بسبب طارئ استجد عليه.

عدنان ورغم أنه كان يعمل وفق عقد "فريلانسر" لا يخوله الحصول على إجازات سنوية أو طارئة، كان مطالباً بدوام عمل وظيفي كامل وظروف عمل ومقابل مادي لا يتوافق مع مسماه الوظيفي كـ "فريلانسر". يقول "شعرت أنني فاقد للقيمة كإنسان وكموظف وكصحفي".

الأصعب من ذلك، بحسب عدنان، أنه وبعد هذه التجربة "بت أرضى بأسوأ العروض التي قدمت لي للعمل كصحفي لأنني أريد فقط العمل وتأمين المردود المالي. في الظروف الحالية في لبنان ليس لدينا أي نوع من الأمان الوظيفي أعيش حالة قلق مستمر وبحث دائم عن فرص أخرى ما يجعلني مشتت طيلة الوقت، ويصب تفكيري في عقد آمال على فرص أخرى لا أحصل عليها في غالب الأحيان، هذه الحالة تجعلك عرضة للإحباط طيلة الوقت والتهديد.

قصة عدنان واحدة من عشرات القصص التي تعكس حالة انعدام الأمان لدى الصحفيين في لبنان، وهو ما تطرقت إليه دراسة الباحثة ناي الراعي، إذ تركز البحث فيها على ثلاثة مناحٍ في حياة العاملين والعاملات في المجال الإعلامي في لبنان، تتمحور حول مفهوم الأمان في حياتهم.

المنحى الأول، هو الأمان الاقتصادي، أي الحالة الاقتصادية والمعيشية للعاملين في القطاع لناحية الرواتب والتقديمات الاجتماعية التي تؤمّنها المؤسسات، خاصّة في ظل تراجع القدرة الشرائية للرواتب الناجم عن التضخّم وانهيار العملة اللبنانية.

المنحى الثاني هو الأمان الجسدي-النفسي، حيث جرى التركيز على السلامة الجسدية عند تأدية الوظيفة، تحديداً لناحية التدريب على السلامة الجسدية، وتأمين المستلزمات الوقائية الخاصة كالخُوذ والسترات الواقية، والمتابعة والتعويض المادّي والمعنوي

أما المنحى الثالث فهو الأمان الوظيفي، حيث ركّزت المقابلات والمجموعات المركّزة على التمييز والإقصاء داخل المؤسسات الإعلامية الذي يتعرّض له الصحفيون والصحفيات على أساس الرأي السياسي، في حال اختلافه عن السياسة التحريرية الطاغية في المؤسسة، كذلك على أساس النوع الاجتماعي مع ما يشمله ذلك من تحرّش وابتزاز جنسي تتعرّض له بشكل خاص الصحفيات داخل المؤسسات وخارجها خلال تأدية عملهن.

وبحسب الدراسة، فإن 20 في المئة من المستطلعين/ات سمعوا شهادات لزميلات تعرّضن لتحرّش أو ابتزاز جنسي في العمل، في حين أن 52 في المئة من الصحفيات تعرّضن للتحرش في مكان العمل، فيما صنفت معظم الصحفيات المجال الإعلامي على أنه "مُقصٍ للنساء" في لبنان.

كما تبين أن غالبية العاملين والعاملات في القطاع الإعلامي في لبنان من العينة المستطلعة، لا يشعرون بأمان وظيفي، ويفقدون أي أمان معيشي بسبب انخفاض الأجور قبل الأزمة الاقتصادية (2019) وبعدها حيث تعمقت الفجوة أكثر.

السلامة الجسدية والنفسية.. آخر الأولويات

واستنتجت الدراسة أن 72 في المئة من العينة المستطلعة لا يشعرون أن سلامتهم/ن الجسدية في أولوية المؤسسات الإعلامية، فيما لم يخضعوا لتدريبات حول السلامة الجسدية أو "البيئة العدائية"، ويفتقرون المستلزمات الوقائية الخاصة كالخُوذ والسترات الواقية.

وعلى الرغم من كل ما شهده لبنان خلال الأعوام الماضية من احتجاجات وعنف متنقل في الشارع واشتباكات مسلحة فضلاً عن انفجار الرابع من أغسطس وتداعياته، فإن أغلب المشاركين/ات في الدراسة لم يتلقوا أي دعم نفسي في مؤسساتهم/ إضافة إلى غياب التأمينات والتعويضات.

وهو ما حصل مع الصحفي علي عواضة الذي أصيب خلال الاحتجاجات التي شهدها لبنان خلال تغطيته لعملية فض الاعتصامات بعدما تعرض لاعتداء على أيدي عناصر أمنية وحزبية أدت إلى رضوض وخلع في كتفه فضلاً عن تبعات نفسية كبيرة تضاعفت بعد انفجار مرفأ بيروت حيث أصيب مرة أخرى وتحطمت أسنانه، وتعرض لصدمة نفسية كبيرة خلال تغطيته للحظات الأولى للانفجار.

ومع ذلك، يتابع عواضة اليوم علاجاته على نفقته الخاصة، ويؤكد لموقع "الحرة" أنه على الرغم من كل ما مر به على مدى 13 عاماً، لم يحصل في أي مرة على دعم نفسي لتجاوز الصدمات والمواقف التي تعرض لها خلال عمله، فضلا عن كون أي مؤسسة صحفية لم تقدم له تدريب مختص للتعامل مع التغطيات في البيئات المعادية، وكل ما لديه اليوم ناتج عن جهود شخصية.

يعمل عواضة اليوم في المجال الصحفي كـ "فريلانسر" هو الآخر، حيث وجد نفسه بعد 13 عاماً من العمل بين المؤسسات الصحفية أمام معضلة تراجع قيمة الرواتب والتقديمات المادية التي تؤمنها الوظائف في القطاع الإعلامي والمؤسسات الصحفية في البلاد، يقول "بعد 13 عاماً من العمل، وضعي اليوم كما كان في أول يوم عمل، وكأن كل تلك السنوات كانت دون طائل".

التمويل.. أبرز التهديدات

بالانتقال إلى الدراسة الثانية التي أعدتها داوود بعنوان "الحرّيات الإعلاميّة في لبنان: صراعٌ على الهامش"، فقد بينت مدى تأثير التمويل على حرية الصحافة، حيث يُصبح في كثير من الأحوال مقيّداً لوسائل الإعلام ويؤثّر في نوعية عمل الصحفيين/ات.

كما بيّنت مدى تدخّل التمويل السياسي في فرض سياسات تحريريّة أو رقابة يوميّة على العمل الإعلامي.

وبحسب داوود فإن التمويل يعتبر من أبرز القيود على حرية الصحافة في لبنان، خاصة أن مصادر التمويل الإعلامي تتنوّع بين منظمات وأحزاب ودول وسياسيين أو نافذين ومصارف، "مما قد يفرض قيوداً على المواضيع التي يتناولها الصحفيون وبخاصّة في ما يتعلق بملفات الفساد وفضح الانتهاكات، وقد يؤدي إلى إقصاء الفئات المهمشة".

ورسمت الدراسة خارطة للقمع الممارَس على الإعلام، حيث يتعرّض الصحفيون/ات لانتهاكات بسبب تأدية عملهم، تبدأ بالقمع والمنع من التغطية أو الاعتداء الجسدي، وتمرّ بالترهيب والرقابة والابتزاز والقرصنة والتحريض الإلكتروني، وتصل إلى التهديد وهو الانتهاك الأبرز وفق الدراسة.

كذلك أظهر تحليل نتائج الدراسة أن التضييق والانتهاكات يؤديان إلى الاتجاه المتزايد نحو الرقابة الذاتية لدى الصحفيين/ات مما يشكّل خطراً على حريّتهم/ن وأساس علمهم/هن، في حين يُساهم غياب المحاسبة في تكريس الانتهاكات وتعزيز نتائجها.

وتضيف داوود في حديثها لموقع "الحرة" أن التأثير السلبي للتمويل "لا يقتصر على الالتزام بما يقوله الممول أو المعلن وعائلاتهم وأصدقاؤهم وشركاؤهم، وإنما يهدد المصير الوظيفي للصحفيين حين يتوقف التمويل أو تنته المهمة المرسومة لهذه الوسيلة الإعلامية ما يعرض العاملين فيها للصرف التعسفي والبطالة الإجبارية، ويمنع استقلالية الإعلام التامة في لبنان.

تتطرق داوود أيضاً إلى التمويل الإعلامي من خلال الإعلانات، والذي "قد ينطوي في كثير من الأحيان على نوع من أنواع الرشوة، لاسيما حين يكون المعلن متورطاً في ملفات معينة فيتجه للتمويل الإعلاني لحجب الحديث أو الانتقاد او المساءلة عنه.

ووجدت الدراسة أن 69 في المئة من المستطلعين/ات في العينة يعتقدون أن لا حريّات إعلاميّة في لبنان، في حين يرى 60 في المئة أن السطوة المالية على الإعلام تقمع حريّتهم دائماً.

وعما إذا كانت هذه النتيجة تعكس ضعف إيمان من الصحفيين بفعالية دورهم وقدرتهم على ممارسة عملهم بحرية، تقول داوود أن هذه النسبة تعكس حجم المعرفة الواعية للصحفيين اللبنانيين بواقع البلد، الذي يصور على إنه بلد الحريات الرائد في المنطقة، لكن الحقيقة أن هذا الأمر ناجم عن مقارنته بالنماذج الأسوأ والأنظمة الاستبدادية، أما بالنسبة إلى النماذج الرائدة عالمياً نحن لسنا في واقع جيد.

وبالتالي فإن الصحفيين الذين يمارسون المهنة في لبنان يعلمون وفق داوود إنهم في جوهر هذه الممارسة لا يوجد حرية حقيقية وإنما حرية مقنعة، "هناك حرية في بث خطاب كراهية أو انتقاد بطابع طائفي أو حزبي أكثر مما هو حرية تعبير، بينما كثير من المواضيع الصحفية تخضع للرقابة ولا تجد سبيلها إلى النشر.

كذلك عبر 75 في المئة من المشاركين في الدراسة عن تعرضهم لأحد أنواع القمع، فيما تعرض 68 في المئة منهم للرقابة، حيث أن 13 في المئة من المستطلعين تم استدعاؤهم للتحقيق أمام أجهزة أمنية، و13 في المئة أيضاً تم استدعاؤهم أمام جهات قضائية بسبب عملهم.

وربطت الدراسة بين سطوة المال والسياسة على الإعلام وأشكال القمع والرقابة، حيث أن 33 في المئة من الصحفيين/ات المشاركين في الاستطلاع، وهي النسبة الأكبر، اعتبرت أن إدارات المؤسسات الإعلاميّة هي أكبر ممارسي الرقابة.

واعتبر97 في المئة من المستطليعن/ات أن النقابات الصحفية في لبنان لا تمثّلهم بل تمثّل قوى السلطة، و55 في المئة منهم أكدوا أنه توجد أساليب لمقاومة التدهور في سقف الحريّات.

ورغم أن لبنان تقدم على مؤشر حرية الصحافة للعام 2023 من المرتبة 130 (2022) إلى 119 إلا أن ذلك لا يعني أن لبنان في موقع مقبول، بحسب داوود، "فهناك الكثير من البلدان في المنطقة ليس فيها حريات مكفولة بقدر لبنان، لا تزال متقدمة عليه في الترتيب الدولي".

وتلفت إلى أن الحديث عن هذه المعطيات اليوم، هدفه "كشف الحقيقة وإزالة القناع عن وهم الحرية والديمقراطية التي تسعى السلطة للإيحاء بأننا نعيشها، أما الواقع أن هناك مشهد قاتم وتدهور بالحريات، نخوض يومياً معركة من أجل حرية التعبير في لبنان".

الحريات الإعلامية.. تحتاج حماية

بناء على ما سبق من نتائج للدراسات، أطلق تجمع "نقابة الصحافة البديلة" مبادرة لحماية الحريات الإعلامية، تهدف إلى تأمين مساحات آمنة للصحفيين/ات في عملهم، من خلال تقديم الاستشارات القانونية والحقوقية لتعريفهم على حقوقهم وسبل حمايتها.

حيث سيتم تأمين الدعم القضائي والإعلامي، لكل عامل/ة في القطاع الإعلامي قد يتعرض لأي نوع من الاعتداءات والمضايقات في الميدان أو على وسائل التواصل الاجتماعي، أو في حال تعرّض للقمع من قبل الأجهزة الأمنية، أو للملاحقات من قبل السلطة وأحزابها، إضافة إلى المضايقات من قبل المؤسسات الإعلامية نفسها، بما تشمله من حرمان من الحقوق الوظيفية والضغوطات السياسية – التحريرية كما التحرش الجنسي واللفظي والتمييز على أساس الجنس والنوع، وفق ما تؤكد منسقة تجمع نقابة الصحافة البديلة الإعلامية إلسي مفرج.

وفي حديثها لموقع "الحرة" تلفت مفرج إلى أن "أهمية مبادرة حماية الحريات الإعلامية في لبنان تنطلق من الحاجة إليها بحكم عدم وجود أي جهة في لبنان تقوم بهذا الدور، هناك مبادرات لرصد الانتهاكات الإعلامية، ولكن ليس هناك مبادرة لتقديم الدعم الحقوقي والقانوني للصحفيين والعاملين بهذا القطاع."

وتختم أن ما ستقوم به هذه المبادرة هو "تطوير آلية التبليغ عن الانتهاكات بحق الصحفيين، لنكون على علم بالحالات الواقعة من أجل دعمها ومساعدتها، فيما العمل الأساسي سيكون على الفضاء القانوني لاسيما لناحية قانون إعلام عصري يحمي الصحافة والحرية الإعلامية والعاملين في القطاع وكاشفي الفساد، ويحمي حرية العمل النقابي التي هي في النهاية الباب لحماية الصحفيين في كافة الأماكن.

لبنان حزب الله

يترقب اللبنانيون أول اختبار لقياس حجم التأييد الشعبي لحزب الله بعد الخسائر التي مُنّي بها، والدمار الذي لحق بالسكان، والبلد عموما، جراء الحرب مع إسرائيل.

وستعبر نتائج الانتخابات البلدية المقررة في مايو المقبل، ضمنا، عن مزاج الشارع، الشيعي خصوصا، حيال قضايا أبرزها سلاح الحزب وتقاعسه في إعادة إعمال المناطق المتضررة جراء الحرب.

يأتي ذلك على خلفية حالة تملل، متزايدة، من تداعيات الحرب، وما رافقها من دمار واسع في القرى الجنوبية، ونزوح آلاف العائلات من مناطقها، وتراجع في الخدمات الأساسية، إلى جانب أزمات اقتصادية خانقة.

وبينما يحاول حزب الله الإيحاء بتماسك قاعدته من خلال رفع شعارات بعيدة عن الواقع، فإن جزءا من جمهوره بات يبحث عن حلول ملموسة لأزماته اليومية، ولإعمار ما دمرته الحرب، بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية.

المؤشرات كثيرة إلى أن الباب بات مشرعا أمام تغييرات مفصلية في المشهد المحلي، ولو على مستوى بعض البلديات، ويرجح مراقبون، تحدثوا موقع "الحرة"، أن يقول الشارع الشيعي كلمته بشأن حزب الله في الانتخابات النيابية  2026.

تحدي الانتخابات

رغم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب لا سيما جنوب لبنان، ورغم استمرار عمليات الاغتيال الإسرائيلية ضد عناصر من حزب الله واستهداف ترسانته العسكرية، "تتجه السلطات اللبنانية إلى إجراء الانتخابات البلدية، بعد أن كانت قد أجلتها لعامين متتاليين دون مبرر قانوني أو مقنع، متذرعة تارةً بغياب التمويل وتارةً أخرى بأوضاع أمنية ولوجستية"، كما يقول الباحث في تطوير القوانين والأنظمة الانتخابية، عاصم شيّا.

وفي حديث لموقع "الحرة"، يرى شيا أن "المشكلة الحالية التي تواجه إجراء الانتخابات البلدية ليست تقنية بقدر ما هي تنظيمية، خاصة في البلدات الجنوبية المدمرة". 

"هناك خياران أمام الجهات المعنية: إما نصب خيام داخل البلدات المتضررة إذا أصرّ السكان على الاقتراع فيها، أو نقل مراكز الاقتراع إلى بلدات مجاورة أكثر استقرارًا، على أن تُستخدم مبانٍ عامة مثل المدارس، الحسينيات، أو الكنائس لهذا الغرض".

لكن التحدي الأبرز، بحسب شيا، يكمن في تأمين "هيئة القلم"، أي الموظفين المكلفين بإدارة العملية الانتخابية، ومعظمهم من النساء العاملات في القطاع العام، لا سيما في التعليم، واللواتي يُبدين تحفظًا على التوجه إلى مناطق غير آمنة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بحسب تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان لعام 2025، الصادر عن البنك الدولي في 7 مارس، تقدّر احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في أعقاب الصراع الذي شهده لبنان بنحو 11 مليار دولار أميركي.

ويعد قطاع الإسكان الأكثر تضرراً، مع أضرار تقدَّر بنحو 4.6 مليار دولار، فيما بلغت الأضرار التي لحقت بالمقومات المادية 6.8 مليار دولار.

أما من الناحية الجغرافية، فيشير التقرير إلى أن أكثر المناطق تضرراً هي محافظتا النبطية والجنوب، تليهما محافظة جبل لبنان التي تضم الضاحية الجنوبية لبيروت.

حقل تجارب؟

يلاحظ الباحث عاصم شيا، الذي يراقب الأنماط الانتخابية منذ عام 2009، أن القوى السياسية استخدمت الانتخابات البلدية عام 2016 كـ"حقل تجارب" لقراءة المزاج الشعبي، بعدما راودها القلق من قانون الانتخاب رقم 25/2008 (قانون الستين)، الذي أصبح يشكل خطراً عليها بسبب تطور وعي الخصوم المستقلين.

يقول شيا إن "تأجيل الانتخابات النيابية عامي 2013 و2015، مقابل إجراء الانتخابات البلدية عام 2016، كان مدروساً، الهدف منه مراقبة اتجاهات الناخبين. وفعلاً، كشفت الانتخابات عن نقمة واسعة، ما دفع الأحزاب إلى اللجوء إلى تكتيكات جديدة، أبرزها الدفع بمرشحين "نظيفي الكف" وغير حزبيين ظاهرياً، ليترأسوا اللوائح، ثم إحاطتهم بأعضاء بلديين حزبيين يضمنون ولاء المجلس للحزب. هذه المقاربة ساعدت في ضمان المكاسب لاحقاً في انتخابات 2018".

كذلك، "تم اللجوء إلى توظيف آلاف في مؤسسات رسمية رغم عدم الحاجة الفعلية إليهم، كما جرى التعاقد مع أعداد كبيرة في الوزارات، خصوصاً التعليم، فيما اعتُبر رشوة انتخابية مقنّعة لتأمين الأصوات".

اليوم يتكرر المشهد نفسه، بحسب شيّا، "تُسرع القوى السياسية إلى إجراء الانتخابات البلدية لا لمعالجة أزمات المجالس، بل لرصد اتجاهات الناخبين، تمهيداً لاستخدام الوظائف العامة والعسكرية مجددًا كأداة لاستمالة الأصوات"، فهذه الانتخابات، في نظره، ليست سوى مختبر سياسي يساعد القوى التقليدية على إعادة تنظيم صفوفها استعداداً للمعركة الأهم: انتخابات 2026 النيابية.

في المناطق التي تعرف بـ"الحاضنة" لحزب الله، يعاني معظم السكان، الذين تعرضت منازلهم للتدمير جزئياً أو كلياً، من بطء الإجراءات المتعلقة بإعادة الإعمار، إضافة إلى تأخر استجابة الحزب لتقديم التعويضات اللازمة لترميم المنازل أو تعويض الأثاث المتضرر.

وقال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بشأن إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، في 14 ديسمبر، أن "إعادة الإعمار مسؤولية الدولة،" التي تعاني أصلا من أزمة مالية خانقة. ودعا "الأشقاء العرب والدول الصديقة في المساعدة في إعادة الاعمار".

صراع عائلي تحت رايات حزبية؟

لا تعكس الانتخابات البلدية بالضرورة موازين القوى السياسية بشكل دقيق، وفقا لشيّا، "لأنها غالباً ما تكون امتداداً لصراعات عائلية داخلية.

"قد تُطرح لوائح تبدو متنافسة لكنها في الواقع تابعة للحزب نفسه، تختلف فقط حول المواقع أو التفاصيل، في مشهد يختلط فيه النفوذ العائلي بالحسابات الحزبية"، يقول شيا.

وعند تحليل تأثير الحرب الأخيرة على توجهات الناخبين، يرى شيّا ضرورة التمييز بين فئتين "الأولى تضمّ مؤيدي حزب الله، الذين رغم تضررهم من الحرب، زاد ارتباطهم به. أما الفئة الثانية، فهي من الشيعة غير المنضوين ضمن الثنائي الشيعي، هؤلاء يبدون استياءً واضحاً من الحرب ويحملون "الثنائي" مسؤولية ما جرى. ويُتوقع أن تتخذ هذه الفئة موقفاً مغايراً في الانتخابات المقبلة".

ويرى الكاتب، الصحفي مجد بو مجاهد أن "ثمة طابعا مجتمعيّا خاصا باستحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان في غالبية المناطق اللبنانية بخاصّة في القرى، ولا يمكن الحديث عن طابع سياسي سوى في بعض المدن الكبرى المتنوعة طائفياً كمدينة بيروت. 

"لذلك لا يمكن اعتبار الاستحقاق البلديّ بمثابة مقياس للتوجه الشعبيّ السياسي لدى المواطنين الشيعة أو سواهم من المواطنين اللبنانيين، من دون إغفال أنّ ثمة مدناً يغيب عنها التنافس السياسي في الاستحقاق الانتخابيّ البلديّ الحاليّ رغم أنه كان ظاهراً في استحقاقات بلدية سابقة".

اللافت وفق ما يقوله بو مجاهد لموقع "الحرة" أنّ "الأجواء الشيعية المجتمعية لا تبدو مهتمّة في استحقاق الانتخابات البلديّة مقارنة مع بيئات مجتمعية مغايرة تتطلّع بحيوية نحو خوض الاستحقاق والتنافس بين اللوائح على مستوى مجتمعيّ، لا سياسي".

ويشرح: "خروج المجتمع الشيعي من حرب ألحقت به خسائر كبرى، منها ضرب البنى التحتية والأراضي، سبب لتراجع الاهتمام الشيعي بخوض تنافس مجتمعيّ على الانتخابات البلدية، ولذلك كانت لافتة ظاهرة تشكيل لائحة واحدة فحسب في كثير من البلدات بعيداً عن خوض منافسة بين اللوائح".

إذا تضاعفت النقمة على "الثنائي الشيعي" _ أي حزب الله وحركة أمل _ من المواطنين في المناطق ذات الحضور الشيعي، فإنها ستظهر، وفق بو مجاهد، "في استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة، لا في استحقاق الانتخابات البلدية".

"حتى الآن، هناك امتعاض شيعيّ واضح من حزب الله بخاصة بسبب تأخّر إعادة الإعمار، لكنّ تطوّر ذلك الامتعاض من عدمه سيكون مرتبطاً بما ستعرفه الأشهر اللاحقة من متغيرات".

النزاهة موضع شك؟

الحديث عن انتخابات نزيهة "غير واقعي"، يشدد شيّا، "لا بسبب حزب الله فقط، بل بسبب جميع الأحزاب التي تسيطر على مناطق نفوذها بشكل كامل ومدروس، ما يقيد قدرة المعارضين على خوض المعركة بتكافؤ".

يستشهد شيا بلائحة معارضة في بعلبك "تواجه صعوبات جمّة في التواصل مع الناخبين، في وقت تُستغل فيه الحرب والخطاب السياسي في الجنوب لتأليب الرأي العام عبر العاطفة، خصوصاً من قبل حزب الله وحركة أمل".

ويؤكد أن المعركة البلدية يجب أن تبقى محلية الطابع، "هدفها تحسين الخدمات وتفعيل دور البلديات". ويذكّر شيّا أن "الثنائي الشيعي لم يحصل في انتخابات 2022 النيابية على أكثر من 47% من أصوات الناخبين الشيعة مجتمعَين"، ما يعكس تراجعاً في شعبيته.

أما بو مجاهد فيرى أنه "قد يكون لتسليم حزب الله سلاحه والتقليل من سيطرته على المناطق الشيعية إذا حصل، نتائج تسرّع الحلول في المناطق المتضرّرة من الحرب".

ويضيف "كيفية تغيّر المزاج الانتخابي داخل البيئة الشيعية ستظهر في الانتخابات النيابية السنة المقبلة، لا في الانتخابات البلدية التي ستحصل خلال أسابيع. وتالياً، لا ترجيحات في قدرة الانتخابات البلدية على التغيير، والرهان سيكون على الانتخابات النيابية".