تطورات متلاحقة لسوق الذهب في لبنان
تطورات متلاحقة لسوق الذهب في لبنان

"أستيقظ صباحاً، وقبل أن أفعل أي شيء، حتى قبل أن أقول صباح الخير لخطيبتي أو أهلي، أفتح تطبيقات أسعار الذهب وسعر صرف الدولار على هاتفي، لأرى التوجه هذا اليوم، من بعدها يبدأ نهاري، فإن كان سعر الذهب منخفضاً اتجه إلى التاجر لأشتري، وان كان مرتفعاً اكتفي بالمراقبة لمتابعة اتجاهه والرقم الذي سيحققه".

هكذا بات يبدأ نهار اللبناني جورج عيد، بعدما نقل جزءا كبيراً من مدخراته من الدولار النقدي إلى العملات الذهبية، تماشياً مع المزاج السائد محلياً وعالمياً لجهة الإقبال على شراء الذهب كـ "ملاذ آمن" للحفاظ على قيمة المدخرات، وسط مخاوف من انخفاض القيمة السوقية للدولار نتيجة الاضطرابات الاقتصادية حول العالم ولاسيما أزمة التضخم في الولايات المتحدة.

تجربة اللبنانيين مع الأزمات المصرفية والانهيار الاقتصادي (2019) جعلتهم أكثر خوفاً وقلقاً على ما تبقى لديهم من مدخرات بعدما فقدوا الجزء الأكبر منها في المصارف اللبنانية التي احتجزت أموالهم ومنعتهم من سحبها خلال الانهيار الدراماتيكي لليرة اللبنانية على مدى السنوات الأربع الماضية.

وينتج عن هذا القلق، تخبطاً وحيرة بالخيارات الاقتصادية التي يتخذونها، وتعزيزاً لظاهرة الانسياق الجماعي في حالات الهلع والقلق، تترجم اليوم على شكل طوابير من الناس على أبواب محال الصاغة وتجار الذهب سعياً للحصول على ليرات وأونصات ذهبية بات تنقطع من الأسواق ويفوق حجم الطلب عليها ما هو معروض ومتوفر في البلاد، ويفرض تسجيل طلبات مسبقة يجري استيرادها من الخارج.

وكما هو حال أي سلعة تشهد إقبالاً في لبنان يفوق حجم العرض، بات سوق الذهب يخضع لعمليات احتكار خلقت سوقاً سوداء يشبه الأسواق الموازية التي نشأت خلال أزمة شح الدولار والمحروقات والخبز وغيرها في السنوات الماضية، وانعكس ارتفاعات غير مبررة في العمولات والأرباح الموضوعة على الذهب، وجعلته يقفز عن السعر العالمي المحدد يومياً بأشواط.

ملاذ الخائفين

بالنسبة إلى جورج، كل العملات الورقية ما عادت محل ثقة، وهو الذي خسر من مدخراته بانهيار الليرة ومع تراجع قيمة اليورو، "واليوم يقولون الدولار سيفقد من قيمته أعتقد ان كل العملات الورقية ما عادت خياراً آمناً، وهناك توجه لاستبدالها بالعملات المشفرة".

من هنا جاء خيار شراء الذهب "بكونه الأكثر أماناً عبر التاريخ لناحية محافظته على قيمته"، وفق ما يقول لموقع "الحرة"، إذ بات يتابع اليوم أكثر التحليلات الاقتصادية وآراء الخبراء بصورة مستمرة لمعرفة الاتجاهات والتوقعات، "كي أكون اكثر حذراً واتخذ خطوات استباقية".

ورغم أن كل ما سبق ذكره من مخاطر تحيط بقيمة الدولار الأميركي لا يتعدى كونه تحليلات وتوقعات اقتصادية، يقول علي حمود، وهو مصنِّع وصاحب محل لبيع الذهب في بيروت، إن زبائنه يأتون وهم على قناعة تامة من ان الدولار يفقد قيمته بينما سيتجه الذهب صعوداً.

ويضيف في حديثه لموقع "الحرة" أن الزبائن عادة ما يتناقلون المعلومات نفسها عن أن المصارف المركزية للدول تستغني عن الدولار وتحول أصولها إلى الذهب بكميات ضخمة، يتحدثون أن الولايات المتحدة ستتخلف عن سداد الدين مما يؤدي إلى أزمة عالمية، ويتناقشون بإمكانية توقف البنك الفيدرالي عن رفع قيمة الفائدة، وكل مرة يكون لديهم هاجس إضافي يدفعهم نحو خيار الذهب، "لكن في الحقيقة كل ذلك تحليلات وتوقعات ذات خلفيات سياسية – اقتصادية ليس بالضرورة أن تتحقق بهذا الشكل."

وفي ظل حالة عدم الاستقرار التي يعيشها اللبنانيون على كافة الصعد ولاسيما اقتصادياً، ترى الخبيرة الاقتصادية ليال منصور في حديثها لموقع "الحرة" أن اللبنانيين يعمدون إلى خيار "تقليد بعضهم والانسياق في الخيارات العامة التي يتخذها الآخرون، دون فهم حقيقي للسوق، بحيث يلحق الجميع بالموجة كما هو حال الإقبال على الذهب اليوم، وهذا ناتج عن حالة الخوف والقلق المسيطرة".

ويزيد من تلك الحالة أن لبنان ما عاد يمتلك اليوم نظاماً مصرفياً حقيقياً بإمكان الناس أن تدخر عبره أو تستثمر أموالها، بحسب منصور، وعليه من لديه أموال يخشى إبقاءها على شكل ورقي ويخاف من ان تخسر قيمتها الشرائية بمرور الوقت أو بسبب الأزمات يتجه لخيار الذهب لسهولة ادخاره وانعدام الخشية من خسارة قيمته، فضلاً عن سهولة الاحتفاظ به في المنازل بشكل أفضل من المال النقدي.

وتضيف منصور أن أغلب الناس تصدق اليوم ما يشاع أن الدولار سيتأثر بخطوات دول البريكس الاقتصادية، ويفقد من قيمته العالمية، "وعادة الناس لا تفكر بالمدى البعيد لاسيما حملة رؤوس الأموال الصغيرة، وانما يفكرون بالخيارات الأكثر أمانا على المدى القصير."

تردد وحيرة

أما بالنسبة للشاب يوسف مهتار، فالخوف لا يزال يمنعه من اتخاذ أي خيار، لديه تردد كبير في استبدال دولاراته بالعملات الذهبية رغم قناعته بأنها خيار آمن، "أولا لا أصدق حجم التهويل من انهيار كبير للدولار، فيما سوق الذهب في لبنان بشكله الحالي لا يشجع على هكذا استثمار."

ويرى أن تجار الذهب من جهة يبالغون باستغلال زيادة الطلب الحالية، من أجل التحكم بالأسعار وتحقيق أرباح أكبر، ومن جهة أخرى فإن أسعار الذهب نفسها تسجل قفزات كبيرة صعوداً وهبوطاً بشكل غير مطمئن للادخار، "أخشى مثلاً آن اشتري اليوم بسعر مرتفع فيهبط لاحقاً ملحقا بي خسائر أريد تفاديها بحكم قلة مدخراتي نسبياً."

ويروي يوسف كيف أن أبرز تجار الذهب بالجملة في بيروت، الذي كان معروفا ببيعه للذهب بأسعار أقل من السوق بات اليوم يعتمد سعر السوق نفسه وربما أزيد، "انتظرت نحو ساعة من الوقت قبل الدخول بسبب ازدحام الناس أمام المكان، وفي الداخل تفاجأت بأنني مضطر لتسجيل طلب للحصول على أونصة الذهب بعد 10 أيام على أقل تقدير، ويضاف إلى سعرها العالمي أرباح التاجر وتكلفة الشحن فيزداد سعر الأونصة نحو 100 دولار عما هو عليه."

هذه المعطيات زادت من تردد يوسف، فلا ثقة لديه أولا بهذا الشخص بأنه سيعيد مدخراته بعد 10 أيام، خاصة أنه ما من شيء يلزمه ولا جهة تراقبه ولا آلية قانونية للتعويض في حال ضياع الأموال، في حين سبق لعدة مؤسسات وتجار في لبنان أن هربوا بأموال الناس وذهبهم دون ان أي ملاحقة جدية أو سعي للتعويض.

فضلاً عن ذلك، فإن التضارب الكبير بالأسعار بين تاجر وآخر، وبروز ما يشبه السوق السوداء للذهب التي تغتنم تراجع توفره بالأسواق لبيعه بأسعار أعلى، يفقد خيار الذهب، بالنسبة إلى يوسف، طابعه الاستثماري، بحيث يخسر مشتر الذهب مع بداية استثماره نحو 100 دولار بكل سبيكة ذهبية، وقياساً على مبالغ كبيرة تصبح الخسارة بالآلاف، وبالتالي ما كان يمكن ان تربحه بارتفاع سعر الذهب بعد اشهر، انت تخسره مسبقاً خلال الشراء بسبب العمولات، وتصبح الأرباح في سياق التعويض لاحقاً."

وعلى الرغم مما يعبر عنه من حيرة وتردد، يؤكد يوسف أنه وبنسبة 80 في المئة متجه نحو خيار الذهب، "خاصة في ظل التشجيع الكبير على هذا الأمر من ناحية الخبراء، وإن لم يكن خياراً استثمارياً على الأقل يكون خيار ادخار آمنا."

ومن جهتها، تحذر منصور من اعتبار الذهب خياراً آمناً بنسبة 100 في المئة. ففي علم الاقتصاد "ليس هناك خيارات آمنة تماماً أو غير آمنة تماماً، الأمور نسبية"، لذا يفضل القول الأكثر أمانا والأقل أماناً، وفي الوقت الحالي الذهب أكثر أماناً كملجأ ولكن ذلك ليس بالمطلق، وفق الخبيرة الاقتصادية.

كيف انقطعت الأسواق؟

يوضح حمود الطريق الذي سلكه المعدن الأصفر وأدى في النهاية إلى انخفاض حجم الذهب المتوفر في السوق اللبنانية لتلبية الطلب المتزايد، فقبل الأزمة الاقتصادية، درج أن يقسط الزبائن قيمة ما يريدونه من ذهب على مدى أشهر أو أسابيع، ويحصلون على الذهب فور تسديد الثمن، وهو ما كان يساعد التجار على توفير الكميات اللازمة للسوق من الذهب وفقاً للطلب المسبق.

لكن بعد الأزمة أقبل الناس على شراء الذهب بكل ما لديهم من أموال وبصورة فورية،  إذ باتت محال الصاغة تفرغ من الليرات والأونصات المعروضة بشكل يومي، وانتقل الطلب الزائد من الصاغة إلى تجار الذهب بالجملة، ولكن بقي الأمر تحت السيطرة إلى ما قبل 3 أشهر من اليوم، وفق حمود.

ويكشف الصائغ أن انقطاع الليرات وأونصات الذهبية لا يرتبط حصراً بالإقبال على الذهب، فبعد الزلزال الذي ضرب تركيا، تضررت الكثير من معامل تصنيع الذهب هناك، وتراجعت نسبة توريده إلى لبنان مما أدى إلى ارتفاع عمولة التصنيع على الذهب من 4 دولارات إلى 6.5 دولار للغرام الواحد، وهو ما يوازي نحو 50 في المئة من الكلفة.

هذا الواقع فتح شهية التجار اللبنانيين الذين عمدوا في مرحلة معينة إلى إعادة تذويب ما لديهم من ذهب خام على شكل ليرات وأونصات لاستخدامه في الذهب المصنع الذي بات يعود عليهم بربح نحو 7 دولارات في كل غرام، وهو ما يفوق بأشواط أرباحهم المحققة من بيع الليرات والأونصات، فضلاً أن تلك العملية سمحت لهم بتحقيق أرباح بفارق الوزن، إذ أن 30 غراماً من الذهب الخالص من شأنها أن تصبح 40 غراماً من الذهب المصنع بعيار 18.

إلا أن الطلب على الأونصات استمر بالارتفاع وهو ما أدى إلى انقطاع ما يعرف بالأونصة السويسرية (الصادرة عن شركة فالكامبي) وارتفع ثمنها ونسبة العمولات عليها بشكل كبير، وصلت إلي حد زيادة بنحو 100 دولار، أما الأونصة التي يتم سكها في لبنان لدى عدد من الشركات التي تملك حق السك، فقد استمرت متوفرة في السوق اللبنانية لكن الاقبال على السويسرية أعلى.

والفرق بين السويسرية واللبنانية، بحسب حمود، أن الأولى تحظى بثقة عالمية لناحية احتوائها على صافي ذهب بنسبة 999 من ألف وبالتالي تبقى أكثر أماناً ويسهل بيعها في الخارج، فيما يخشى في الخارج من الذهب المسكوك في دول مثل لبنان قد تشهد غشاً في نسبة الذهب الصافي فتكون نسبة الذهب 990 أو 995 من أصل ألف، وتضعف الثقة العالمية بها بحكم عدم وجود ثقة في القطاع في بلاد تعمها الفوضى والغش.

ويطمئن حمود إلى ان الذهب ليس مقطوعا في لبنان، حتى الأونصة السويسرية عادت لتتوفر بعمولة تصل إلى نحو 60 دولار، لافتاً إلى أن الاقبال على الذهب لا يمكن اعتباره حالة عامة في لبنان، رغم ارتفاعها بشكل كبير، "لكن الفئات الوحيدة القادرة على شراء الذهب اليوم هم حائزو الدولار، أو من يتقاضون أجورهم بالدولار، إضافة إلى المغتربين."

ويشير إلى أن الطلب لا يزال عند مستويات أقل مما كانت تشهده أسواق الذهب قبل الأزمة الاقتصادية في لبنان.

كيف سيتأثر الاقتصاد اللبناني؟

مع بروز ظاهرة الاقبال على شراء الذهب بدأت تساؤلات تطرح لدى الرأي العام اللبناني بشأن تأثير هذه الخطوة الاقتصادية على المسار المالي العام في البلاد، لاسيما من ناحية زيادة الطلب على الدولار أو انخفاضه، وتأثير ذلك على سعر صرف الليرة اللبنانية.

البعض يرى أن الاقبال على الذهب من شأنه أن يضعف الطلب على الدولار وإدخاره في المنازل، مما قد يساهم في توفره بصورة أكبر في الأسواق وبالتالي يخفض سعر صرفه بالليرة.

فيما يخشى قسم آخر أن يحمل الإقبال على الذهب زيادة في الإقبال على الدولار لشراء الذهب عبره، مما قد يعني مزيداً من الارتفاع في سعر الصرف.

وفي هذا السياق توضح الخبيرة الاقتصادية أن إقبال الناس على شراء الذهب لن يؤثر على واقع الدولار أو الليرة في البلاد، فحجم الشراء أصغر بكثير من أن يكون له انعكاسات، فالسوق اللبنانية لا تساوي شيئا بالنسبة إلى الأسواق العالمية الكبيرة كالصين او الهند مثلاً، فيما يقتصر شراء الذهب في لبنان على الميسورين من حملة الدولار والمغتربين فقط وهذا لا يصنع فرقاً.

وتضيف شارحة أن الليرة اللبنانية لن تتأثر بأي شكل بالعوامل الخارجية "فمشكلتها داخلية تتعلق بحجم طبع العملة الجاري الذي يزيد من تضخمها وبالتالي استبدالها بالدولار، في حين أن الطلب على الدولار في لبنان لا يقتصر على هدف الإدخار وانما يمتد إلى التجارة والاستيراد والأسواق لا تزال كلها تسير بالدولار.

وتختم منصور ناصحة باعتماد الذهب خيار إدخار بعيد الأمد، حيث لا يصلح هذا النوع من الاستثمار على مدى 6 أشهر أو سنة، وإنما هو خيار طويل الأجل، بكونه خيار موثوق به، لكنه ليس خياراً لتحقيق أرباح عالية وسريعة".

 

لبنان حزب الله

يترقب اللبنانيون أول اختبار لقياس حجم التأييد الشعبي لحزب الله بعد الخسائر التي مُنّي بها، والدمار الذي لحق بالسكان، والبلد عموما، جراء الحرب مع إسرائيل.

وستعبر نتائج الانتخابات البلدية المقررة في مايو المقبل، ضمنا، عن مزاج الشارع، الشيعي خصوصا، حيال قضايا أبرزها سلاح الحزب وتقاعسه في إعادة إعمال المناطق المتضررة جراء الحرب.

يأتي ذلك على خلفية حالة تملل، متزايدة، من تداعيات الحرب، وما رافقها من دمار واسع في القرى الجنوبية، ونزوح آلاف العائلات من مناطقها، وتراجع في الخدمات الأساسية، إلى جانب أزمات اقتصادية خانقة.

وبينما يحاول حزب الله الإيحاء بتماسك قاعدته من خلال رفع شعارات بعيدة عن الواقع، فإن جزءا من جمهوره بات يبحث عن حلول ملموسة لأزماته اليومية، ولإعمار ما دمرته الحرب، بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية.

المؤشرات كثيرة إلى أن الباب بات مشرعا أمام تغييرات مفصلية في المشهد المحلي، ولو على مستوى بعض البلديات، ويرجح مراقبون، تحدثوا موقع "الحرة"، أن يقول الشارع الشيعي كلمته بشأن حزب الله في الانتخابات النيابية  2026.

تحدي الانتخابات

رغم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب لا سيما جنوب لبنان، ورغم استمرار عمليات الاغتيال الإسرائيلية ضد عناصر من حزب الله واستهداف ترسانته العسكرية، "تتجه السلطات اللبنانية إلى إجراء الانتخابات البلدية، بعد أن كانت قد أجلتها لعامين متتاليين دون مبرر قانوني أو مقنع، متذرعة تارةً بغياب التمويل وتارةً أخرى بأوضاع أمنية ولوجستية"، كما يقول الباحث في تطوير القوانين والأنظمة الانتخابية، عاصم شيّا.

وفي حديث لموقع "الحرة"، يرى شيا أن "المشكلة الحالية التي تواجه إجراء الانتخابات البلدية ليست تقنية بقدر ما هي تنظيمية، خاصة في البلدات الجنوبية المدمرة". 

"هناك خياران أمام الجهات المعنية: إما نصب خيام داخل البلدات المتضررة إذا أصرّ السكان على الاقتراع فيها، أو نقل مراكز الاقتراع إلى بلدات مجاورة أكثر استقرارًا، على أن تُستخدم مبانٍ عامة مثل المدارس، الحسينيات، أو الكنائس لهذا الغرض".

لكن التحدي الأبرز، بحسب شيا، يكمن في تأمين "هيئة القلم"، أي الموظفين المكلفين بإدارة العملية الانتخابية، ومعظمهم من النساء العاملات في القطاع العام، لا سيما في التعليم، واللواتي يُبدين تحفظًا على التوجه إلى مناطق غير آمنة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بحسب تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان لعام 2025، الصادر عن البنك الدولي في 7 مارس، تقدّر احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في أعقاب الصراع الذي شهده لبنان بنحو 11 مليار دولار أميركي.

ويعد قطاع الإسكان الأكثر تضرراً، مع أضرار تقدَّر بنحو 4.6 مليار دولار، فيما بلغت الأضرار التي لحقت بالمقومات المادية 6.8 مليار دولار.

أما من الناحية الجغرافية، فيشير التقرير إلى أن أكثر المناطق تضرراً هي محافظتا النبطية والجنوب، تليهما محافظة جبل لبنان التي تضم الضاحية الجنوبية لبيروت.

حقل تجارب؟

يلاحظ الباحث عاصم شيا، الذي يراقب الأنماط الانتخابية منذ عام 2009، أن القوى السياسية استخدمت الانتخابات البلدية عام 2016 كـ"حقل تجارب" لقراءة المزاج الشعبي، بعدما راودها القلق من قانون الانتخاب رقم 25/2008 (قانون الستين)، الذي أصبح يشكل خطراً عليها بسبب تطور وعي الخصوم المستقلين.

يقول شيا إن "تأجيل الانتخابات النيابية عامي 2013 و2015، مقابل إجراء الانتخابات البلدية عام 2016، كان مدروساً، الهدف منه مراقبة اتجاهات الناخبين. وفعلاً، كشفت الانتخابات عن نقمة واسعة، ما دفع الأحزاب إلى اللجوء إلى تكتيكات جديدة، أبرزها الدفع بمرشحين "نظيفي الكف" وغير حزبيين ظاهرياً، ليترأسوا اللوائح، ثم إحاطتهم بأعضاء بلديين حزبيين يضمنون ولاء المجلس للحزب. هذه المقاربة ساعدت في ضمان المكاسب لاحقاً في انتخابات 2018".

كذلك، "تم اللجوء إلى توظيف آلاف في مؤسسات رسمية رغم عدم الحاجة الفعلية إليهم، كما جرى التعاقد مع أعداد كبيرة في الوزارات، خصوصاً التعليم، فيما اعتُبر رشوة انتخابية مقنّعة لتأمين الأصوات".

اليوم يتكرر المشهد نفسه، بحسب شيّا، "تُسرع القوى السياسية إلى إجراء الانتخابات البلدية لا لمعالجة أزمات المجالس، بل لرصد اتجاهات الناخبين، تمهيداً لاستخدام الوظائف العامة والعسكرية مجددًا كأداة لاستمالة الأصوات"، فهذه الانتخابات، في نظره، ليست سوى مختبر سياسي يساعد القوى التقليدية على إعادة تنظيم صفوفها استعداداً للمعركة الأهم: انتخابات 2026 النيابية.

في المناطق التي تعرف بـ"الحاضنة" لحزب الله، يعاني معظم السكان، الذين تعرضت منازلهم للتدمير جزئياً أو كلياً، من بطء الإجراءات المتعلقة بإعادة الإعمار، إضافة إلى تأخر استجابة الحزب لتقديم التعويضات اللازمة لترميم المنازل أو تعويض الأثاث المتضرر.

وقال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بشأن إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، في 14 ديسمبر، أن "إعادة الإعمار مسؤولية الدولة،" التي تعاني أصلا من أزمة مالية خانقة. ودعا "الأشقاء العرب والدول الصديقة في المساعدة في إعادة الاعمار".

صراع عائلي تحت رايات حزبية؟

لا تعكس الانتخابات البلدية بالضرورة موازين القوى السياسية بشكل دقيق، وفقا لشيّا، "لأنها غالباً ما تكون امتداداً لصراعات عائلية داخلية.

"قد تُطرح لوائح تبدو متنافسة لكنها في الواقع تابعة للحزب نفسه، تختلف فقط حول المواقع أو التفاصيل، في مشهد يختلط فيه النفوذ العائلي بالحسابات الحزبية"، يقول شيا.

وعند تحليل تأثير الحرب الأخيرة على توجهات الناخبين، يرى شيّا ضرورة التمييز بين فئتين "الأولى تضمّ مؤيدي حزب الله، الذين رغم تضررهم من الحرب، زاد ارتباطهم به. أما الفئة الثانية، فهي من الشيعة غير المنضوين ضمن الثنائي الشيعي، هؤلاء يبدون استياءً واضحاً من الحرب ويحملون "الثنائي" مسؤولية ما جرى. ويُتوقع أن تتخذ هذه الفئة موقفاً مغايراً في الانتخابات المقبلة".

ويرى الكاتب، الصحفي مجد بو مجاهد أن "ثمة طابعا مجتمعيّا خاصا باستحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان في غالبية المناطق اللبنانية بخاصّة في القرى، ولا يمكن الحديث عن طابع سياسي سوى في بعض المدن الكبرى المتنوعة طائفياً كمدينة بيروت. 

"لذلك لا يمكن اعتبار الاستحقاق البلديّ بمثابة مقياس للتوجه الشعبيّ السياسي لدى المواطنين الشيعة أو سواهم من المواطنين اللبنانيين، من دون إغفال أنّ ثمة مدناً يغيب عنها التنافس السياسي في الاستحقاق الانتخابيّ البلديّ الحاليّ رغم أنه كان ظاهراً في استحقاقات بلدية سابقة".

اللافت وفق ما يقوله بو مجاهد لموقع "الحرة" أنّ "الأجواء الشيعية المجتمعية لا تبدو مهتمّة في استحقاق الانتخابات البلديّة مقارنة مع بيئات مجتمعية مغايرة تتطلّع بحيوية نحو خوض الاستحقاق والتنافس بين اللوائح على مستوى مجتمعيّ، لا سياسي".

ويشرح: "خروج المجتمع الشيعي من حرب ألحقت به خسائر كبرى، منها ضرب البنى التحتية والأراضي، سبب لتراجع الاهتمام الشيعي بخوض تنافس مجتمعيّ على الانتخابات البلدية، ولذلك كانت لافتة ظاهرة تشكيل لائحة واحدة فحسب في كثير من البلدات بعيداً عن خوض منافسة بين اللوائح".

إذا تضاعفت النقمة على "الثنائي الشيعي" _ أي حزب الله وحركة أمل _ من المواطنين في المناطق ذات الحضور الشيعي، فإنها ستظهر، وفق بو مجاهد، "في استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة، لا في استحقاق الانتخابات البلدية".

"حتى الآن، هناك امتعاض شيعيّ واضح من حزب الله بخاصة بسبب تأخّر إعادة الإعمار، لكنّ تطوّر ذلك الامتعاض من عدمه سيكون مرتبطاً بما ستعرفه الأشهر اللاحقة من متغيرات".

النزاهة موضع شك؟

الحديث عن انتخابات نزيهة "غير واقعي"، يشدد شيّا، "لا بسبب حزب الله فقط، بل بسبب جميع الأحزاب التي تسيطر على مناطق نفوذها بشكل كامل ومدروس، ما يقيد قدرة المعارضين على خوض المعركة بتكافؤ".

يستشهد شيا بلائحة معارضة في بعلبك "تواجه صعوبات جمّة في التواصل مع الناخبين، في وقت تُستغل فيه الحرب والخطاب السياسي في الجنوب لتأليب الرأي العام عبر العاطفة، خصوصاً من قبل حزب الله وحركة أمل".

ويؤكد أن المعركة البلدية يجب أن تبقى محلية الطابع، "هدفها تحسين الخدمات وتفعيل دور البلديات". ويذكّر شيّا أن "الثنائي الشيعي لم يحصل في انتخابات 2022 النيابية على أكثر من 47% من أصوات الناخبين الشيعة مجتمعَين"، ما يعكس تراجعاً في شعبيته.

أما بو مجاهد فيرى أنه "قد يكون لتسليم حزب الله سلاحه والتقليل من سيطرته على المناطق الشيعية إذا حصل، نتائج تسرّع الحلول في المناطق المتضرّرة من الحرب".

ويضيف "كيفية تغيّر المزاج الانتخابي داخل البيئة الشيعية ستظهر في الانتخابات النيابية السنة المقبلة، لا في الانتخابات البلدية التي ستحصل خلال أسابيع. وتالياً، لا ترجيحات في قدرة الانتخابات البلدية على التغيير، والرهان سيكون على الانتخابات النيابية".