فرنسا صادرت بعض ممتلكات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة
السلطات الفرنسية والإنتربول أصدروا مذكرات اعتقال بحق رياض سلامة. أرشيفية

يتسبب إصدار السلطات الفرنسية، والإنتربول من بعدها، مذكرات اعتقال بحق حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، باهتزاز وبلبلة في الوسطين السياسي والمالي في لبنان، لما لذلك من تداعيات ذات بعد خارجي وداخلي تتعلق بمصير لبنان المالي والمصرفي والاقتصادي، فضلا عن علاقاته الخارجية مع الدول الأوروبية من جهة، والجهات المانحة كصندوق النقد الدولي من جهة أخرى. 

وجاءت تلك المذكرات لترمي الكرة في ملعب السلطات اللبنانية التي سيكون عليها في المرحلة المقبلة تقرير كيفية التعامل معها، إما بالاستجابة وبالتالي تسليم حاكم مصرف لبنان للسلطات الفرنسية، مع ما يعنيه ذلك من تطورات ذات بعد دولي ستفتح الخبايا اللبنانية على القضاء الأوروبي، أو بعدم التجاوب مع المذكرة مع ما يتركه ذلك من تداعيات سلبية على سمعة البلاد المُطالبة دولياً بممارسة أقصى درجات الشفافية والتعاون في الأداء، لقاء مساعدة المانحين في تخطي إحدى أسوأ أزماتها الاقتصادية في تاريخها. 

وعلى الرغم من محاولات عدة خلال السنوات الماضية لم ينجح القضاء اللبناني في الوصول إلى نتائج حاسمة حول شبهات عدة ودعاوى مرفوعة ترتبط بأداء حاكم مصرف لبنان، وإمكانية اختلاسه أموالا عامة بشكل مباشر أو عبر شركات ترتبط بأقرباء وأصدقاء له، في ظل حديث عم حماية سياسية معينة يتمتع بها حاكم المصرف المركزي. 

إلا أن اللافت في ردود الأفعال الصادرة عن الجهات الرسمية اللبنانية، كانت تصريحات حكومية هي الأولى من نوعها لكل من وزير الداخلية اللبناني، بسام المولوي، ونائب رئيس الحكومة، سعادة الشامي، تطلب من سلامة الاستقالة الطوعية، وهو تطور لم يسبق أن شهدته البلاد.

رافق تلك التصريحات تقارير صحافية نقلت في الإطار نفسه عن رئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، ورئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، مطالبتهما سلامة بالاستقالة على خلفية مذكرات الاعتقال الدولية، وهو تطور بارز بالنسبة إلى المواقف السابقة للرئيسين اللذين سبق في العديد من المناسبات أن جاهروا بتمسكهم بحاكمية سلامة للمصرف المركزي رغم كل الانتقادات التي طالته على مدى السنوات الماضية. 

التطورات الأخيرة سلطت الأضواء على القرار الذي ستتخذه السلطات اللبنانية في الأيام المقبلة حول مصير سلامة في منصبه، وما إذا كانت الحكومة التي تمتلك قانونيا صلاحية إقالة حاكم المركزي، ستلجأ إلى هذا الخيار أم انها ستستكمل النهج المعهود بتمسكها بسلامة رغم التداعيات، إلى حين نهاية ولايته كحاكم أواخر يوليو المقبل، لاسيما وانها كحكومة تصريف أعمال تتمتع بصلاحيات ضيقة جدا دستوريا، وتثير مؤخرا جدلا دستوريا كبيرا بسبب توليها صلاحيات رئاسة الجمهورية بحكم الفراغ المستمر في الموقع منذ نحو 6 أشهر، ما من شأنه أن يخلق جدلا قانونيا و دستوريا في البلاد التي تشهد انقساما سياسيا حادا. 

القضية لم تبحث بعد

مصرف لبنان المركزي

يجدد نائب رئيس الحكومة اللبنانية، سعادة الشامي، في حديث لموقع "الحرة" موقفه الشخصي الذي عبر عنه في تصريحات إعلامية، دعا من خلالها حاكم مصرف لبنان للاستقالة الطوعية، انطلاقا من مبدأ أن "اتهام شخص في أي دولة بمثل هذه الجرائم والشبهات، فيما هو في موقع مسؤولية حساس مؤتمن على النظام المالي والنقدي في البلاد، ينبغي ألا يظل في موقع مسؤولية وأن يتنحى فوراً، "وبحكم أن نهاية ولايته اقتربت أواخر يوليو الأفضل أن يستقيل طوعيا".

أما لجهة موقف الحكومة ككل، يؤكد الشامي أن الحكومة ومنذ إصدار مذكرة الاعتقال لم تجتمع بعد لبحث القضية، وبالتالي ليس هناك موقفا حكوميا واضحا بعد بالنسبة للوزراء أو لرئاسة الحكومة، خاصة وأن التطور تزامن مع  موعد انعقاد القمة العربية في جدة والتي يشارك فيها رئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، ما أخر البحث. 

وبحسب الشامي سيكون هناك اجتماع تشاوري بين الوزراء، الاثنين، بعد الضهر، "وهناك محاولات لعقد جلسة لمجلس الوزراء لم يحسم موعدها بعد". 

من جهته يلفت النائب السابق عن كتلة الوسط المستقل (التي يرأسها ميقاتي)، علي درويش، إلى أنه وبعد مذكرة الاعتقال الصادرة من الممكن لرئيس الحكومة أن يطرح الأمر في الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء، وعلى أساسه يتخذ القرار في مجلس وزراء "يمثل تقريبا كل الشرائح السياسية اللبنانية التي يجب أن تكون على مسؤولية من هذا الأمر". 

ويضيف أن هناك آلية قانونية في موضوع إقالة أو استقالة حاكم مصرف لبنان، تفرض اجتماع مجلس الوزراء والخروج بقرار بأغلبية الثلثين، وذلك بناء على أمر قضائي تتصرف السلطة التنفيذية على أساسه، "أو سنكون أمام انتظار حتى انتهاء ولاية الحاكم". 

ماذا لو لم يستقل؟ 

حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة في بيروت. أرشيف

وبحسب ما يبدو ليس هناك توجهاً واضحاً لدى السلطات اللبنانية لاتخاذ خطوة إقالة سلامة من منصبه حتى الآن، على الرغم من التبدل الواضح في مزاج السلطة اللبنانية لناحية التمسك به كضرورة اقتصادية للبلاد. 

وتشكل صلاحية حكومة تصريف الأعمال بإقالة حاكم المصرف المركزي موضع سجال قانوني وسياسي في البلاد، فمن وجهة نظر كل من الشامي ودرويش بإمكان حكومة تصريف الأعمال "عند الضرورة وفي الحالات الاستثنائية" أن تعين حاكم جديد إذا استقال الحاكم أو في حال إقالته. 

ولا ينفي درويش أن تتسبب تلك الخطوة بإشكالية ولغط من منطلقات سياسية، خاصة مع استمرار الشغور الرئاسي، ولكن الدخول في فراغ آخر على صعيد حاكمية مصرف لبنان، يوجب على الحكومة اتخاذ قراراً على هذا الصعيد انطلاقاً من مبدأ أن صفة الدولة الاستمرارية، وفي ظل ما يعيشه لبنان من مشاكل اقتصادية، "حيث لن يكون الشغور أمراً مقبولاً بتداعياته التي ستنعكس على الوضع المالي للبلاد".

في المقابل يرى المحامي المتخصص بالقوانين الاقتصادية الدولية علي زبيب، أن "سلامة وبوضوح شديد خالف قانون النقد والتسليف ولاسيما المادة 19 و20، على مدى 30 عاماً، وخصوصاً في السنوات الأربع الماضية، وهي المواد التي تتحدث عن إمكانية اقالة حاكم مصرف لبنان.

وتنص المادة 19 من قانون النقد والتسليف اللبناني أنه وفيما عدا حالة الاستقالة الاختيارية، "لا يمكن إقالة الحاكم من وظيفته إلا لعجز صحي مثبت بحسب الأصول، أو لخطأ فادح في تسيير الأعمال، أو لإخلال بواجبات وظيفته في ما عناه الفصل الأول من الباب الثالث من قانون العقوبات (الرّشْوة، صرف النفوذ، الاختلاس واستثمار الوظيفة، التعّدي على الحرّية، إساءة استعمال السُلْطة والإخلال بواجبات الوظيفة).

فيما تلزم المادة 20 من القانون نفسه الحاكم ونائبيه "ان يتفرغوا بكليتهم للمصرف. ولا يمكنهم أن يجمعوا بين وظائفهم وأية عضوية نيابية أو وظيفة عامة أو أي نشاط في أية مؤسسة مهما كان نوعها أو أي عمل مهني سواء كان هذا النشاط او هذا العمل مأجورا أو غير مأجور. كما يحظر عليهم خلال مدة ولايتهم ان يحتفظوا أو أن يأخذوا أو يتلقوا أية منفعة في مؤسسة خاصة، وتعتبر منفعة كل مساهمة أو اشتراك بأي شكل أو أي وسيلة كان، حتى بطريق الاقراض البسيط.  

وفي هذا الإطار يرى زبيب أنه وعلى مدى السنوات الماضية وما شهدته من أداء وشبهات واتهامات لحاكم مصرف لبنان والمحيطون به، "تحققت كل أسباب الإقالة وكانت شديدة الوضوح ولم تقم الحكومة اللبنانية أو القضاء اللبناني بواجبهم، ومن هنا فتح المجال للقضاء الأوروبي أن يتحرك بكونه هناك جرائم تبييض أموال تجري على أرضه. ولكن هذه الجرائم مصدرها اختلاس المال العام والخاص في لبنان وفق الادعاء الفرنسي." 

وبرأي المحامي اللبناني فإن "الحكومة بأركانها لا تجرؤ حتى على الطلب من رياض سلامة التنحي جانباً وذلك لكونه شريكا معها في المخطط نفسه والمنظومة والمنهجية نفسها، وبالتالي كانت تعتبر واجبها تأمين الحماية له، لكني أتوقع اليوم أن ينفرط عقد الحماية هذا". 

ويعتبر زبيب انه بات لا بد من خطوة إقالة سلامة، "على مرأى من المجتمع الدولي الذي ينظر اليوم إلى لبنان كدولة على رأس مصرفها المركزي حاكم ملاحق قانوناً في الخارج، فكيف يمكن أن يتمثل هذا المصرف بالفعاليات الدولية وعبر من؟ عبر حاكم ملاحق؟" 

أما عن صلاحية حكومة تصريف الأعمال، فيرى زبيب أن حكومة تصريف الأعمال ليس لديها الحق بإقالة الحاكم إلا في حالات الضرورة، "وهنا السؤال: ألا ترتقي الأعمال والمخالفات التي يقوم بها رياض سلامة إلى حالة الضرورة بهدف إقصائه عن حاكمية مصرف لبنان؟ برأيي طبعاً ترتقي ولكن يجب النظر إلى مدى وجود إرادة سياسية لرفع الحماية عنه بسبب التداعيات على الجميع".

يذكر أن سلامة وفي تصريحات أعقبت اصدار مذكرة الاعتقال، أبدى تعاونه مع القضاءين اللبناني والخارجي، وعبر عن استعداده للتنحي إذا صدر أي حكم بحقه، مضيفا "أبرزت بالوثائق عدم صحة التهم الموجّهة لي، لاسيما المرتبطة بشركة "فوري" المملوكة من قبل شقيقي."

سلامة اعتبر أن التبليغ من قبل القاضية الفرنسية "كان يجب أن يكون وفق الأصول القانونية" لافتاً إلى كونه طلب منها "إصدار تبليغ جديد يحترم القانون، إلا أنها رفضت".

وشدد حاكم مصرف لبنان على أنه سيقدم طعناً بقرار القاضية الفرنسية، واصفاً ما يجري معه بأنه "عملية سياسية وليست قضائية، مبدياً استعداده لكل المسار القانوني قائلاً: "ضميري مرتاح، والتهم الموجّهة إلي غير صحيحة، وإذا صدر حكم ضدي يُثبت أني مرتكب سأتنحى عن حاكمية المصرف".

تداعيات خارجية وداخلية

مظاهرة أمام مصرف لبنان المركزي في طرابلس في نوفمبر 2019. ,تحولت المصارف اللبنانية، خلال الأشهر الماضي، إلى ميدان إشكالات بين مواطنين يطالبون بأموالهم وموظفين ينفذون القيود المشددة

تداعيات تجاهل القرارات القضائية الدولية، والتغاضي عن الاتهامات والشبهات التي تدور حول سلامة وأدائه قد لا تقل خطورة وسلبية عن قرار إقالته، لاسيما وأن لبنان يراهن على دعم دولي من صندوق النقد لا يزال مشروطاً بأداء السلطات اللبنانية لناحية مكافحة الفساد وتخفيض الانفاق واعتماد سياسات مالية شفافة ومكافحة تبييض الأموال، وعليه تمثل قضية سلامة اليوم اختباراً مهماً لسمعة لبنان وأداء سلطاته وجديتها في السعي للإصلاح المالي، حيث ستكون موضع تقييم ومراقبة دولية. 

من جهته يلفت نائب رئيس الحكومة اللبنانية إلى أن حاكم مصرف لبنان بنظر صندوق النقد الدولي "هو المسؤول اللبناني الأول أمامه، وهو صلة الوصل بين الصندوق والدولة، وفي الوضع الحالي، سيكون هناك تأثير لهذا التطور، قد لا يكون هناك مقاطعة من صندوق النقد للبنان، ولكن بتقديري قد يكون هناك انتكاسة معينة في العلاقة."

داخلياً تسري مخاوف أيضاً من التداعيات التي ستنتج عن الواقع الجديد الذي افرزته مذكرة الاعتقال بحق سلامة، حيث يرى زبيب من جهته أن لبنان يمر بوضع استثنائي وبالتالي وبوضع متدحرج، "فحاكم مصرف لبنان قادر أن يتسبب بخضة في السوق المالي، ولا نعرف على ماذا يراهن، فيما الدولة تراهن على أن ولايته تنتهى أواخر يوليو المقبل، فيستلم مكانه نائب الحاكم.

ويحذر زبيب من خطورة كبيرة أيضاً على المستوى النقدي، ما سينعكس على معيشة المواطن واستغلال التجار للأزمة، "من هنا تصبح المشكلة الأكبر في أي زعزعة إضافية للسلامة النقدية والأمن النقدي المعدوم أصلاً، وهناك تخوف من التضخم المفرط كما حصل في فنزويلا، وهذا يحصل في حال قرر سلامة القيام بضربة استباقية والقول انا راحل دون ان يترك خلفه من يفهم فعلياً حقيقة ما يفعله."

الأيام المقبلة ستظهر ما المسار الذي ستتخذه الأمور، بحسب المحامي اللبناني، "قد نشهد انهيار إضافي لليرة اللبنانية دون أي توقف، خاصة أن مرحلة ما بعد سلامة هي مرحلة إعادة هيكلة المصارف، وبالتالي هناك مصارف ستفلس وأخرى ستتوقف عن الدفع وغيرها سيصفى أو يدمج مع مصارف أخرى، لذا نقول أن الأشهر الـ6 المقبلة سيشهد لبنان حركة غير طبيعية نأمل أن لا تكون سبباً من أسباب زيادة المآسي وإفقار اللبنانيين وخاصة المودعين."

يذكر أن سلامة في تصريحاته الأخيرة طمأن إلى أن مصرف لبنان سيتدخّل دائماً لمنع الارتفاع الإضافي بسعر صرف الدولار وشراء كل الليرات من السوق عبر سعر صيرفة، معتبراً أن الضجة المُثارة حوله، "هدفها إحداث فوضى في سوق القطع، لأن هناك من هو مُنزعج من الاستقرار النقدي الذي ولّد نمواً اقتصادياً".

هل يتم تسليمه؟ 

حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة. أرشيف

وبالإضافة إلى القرار الداخلي الذي ستتخذه الحكومة اللبنانية بشأن استمرارية سلامة في وظيفته أو تنحيه، يُطرح سؤال آخر حول آلية تعامل السلطات اللبنانية مع مذكرة الاعتقال الفرنسية التي تبعها إشارة من الإنتربول. لاسيما وأن للدولة اللبنانية سوابق عدة في عدم الاستجابة لهذا النوع من المذكرات، إلا في حالة وجود اتفاقات دولية لتبادل المطلوبين، وهو ما لا يتوفر في حالة لبنان وفرنسا، فيما لا يوجد نص قانوني في لبنان يُلزِم تسليم لبناني إلى دولة أجنبية.

أما من ناحية مذكرات الإنتربول، فهي غير ملزمة للدول الأعضاء تنفيذها، إذ يعود لكل دولة تقدير الموقف استناداً إلى قوانينها الخاصة واعتباراتها الداخلية، لناحية اعتقال المطلوب من عدمه، في حين تلزم إشارة الإنتربول السلطات القضائية وفور تسلمها مذكرة الانتربول أن تسحب جواز سفر الشخص المطلوب ومنعه من مغادرة الأراضي اللبنانية، فيما يعود للنيابة العامة التمييزية الأمر بتوقيف المطلوب أو عدم ملاحقته، بناء على معطياتها. 

وتسلمت النيابة العامة في لبنان، الخميس، مذكرة التوقيف الصادرة بحق سلامة والمعممة على الإنتربول، وفق ما أكد وزير الداخلية، بسام المولوي، في تصريح لوكالة "رويترز"، حيث أشار إلى أنه سينفذ مذكرة الاعتقال التي أصدرها الإنتربول بحق سلامة إذا قرر القضاء اللبناني الامتثال لها، لافتا إلى أن السلطات اللبنانية "تناقش بجدية مصير المذكرة".

ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مسؤول قضائي رفيع في لبنان أنه يُرجّح أن يستدعي النائب العام، غسان  عويدات، الذي تسلم مذكرة الإنتربول، سلامة إلى جلسة تحقيق الأسبوع المقبل، "على أن يطلب بعد ذلك من القضاء الفرنسي تسليمه ملفه القضائي، ويقرر إذا كانت الأدلة المتوفرة فيه كافية لاتهام سلامة ومحاكمته".

وفي إطار رده على المذكرة اعتبر سلامة أن إشارة الإنتربول "جاءت بناء على طلب القاضية الفرنسية"، التي استندت إلى تغيبه عن جلسة الاستجواب التي حددتها في 16 مايو الحالي، وأوضح في تصريحات إعلامية "أنه لم يحضر جلسة الاستجواب بسبب عدم تبليغه تبعا لأصول القواعد والقوانين المرعية الإجراء"، مشيرا إلى أن "خلفيّة هذه الإشارة إجرائية"، كاشفا عن "أنه سيتقدم باستئناف لإلغاء هذه الإشارة".

في المقابل يرى زبيب، وهو متخصص بالقوانين الاقتصادية الدولية، أن ما اعتبره سلامة في تصريحاته لناحية أن المذكرة وطبيعتها الشكلية والإجرائية "ليس له أي معنى قانوني، فمذكرة التوقيف هي مذكرة توقيف مهما كانت أسبابها."

ويوضح أن هناك تعددا في الآراء القانونية ونقاش في النصوص حول مبدأ استجابة الدولة اللبنانية لمذكرة التوقيف، "ولكن من حيث المبدأ دائما ما كان لدى الدولة اللبنانية القدرة على التنصل والمماطلة جاءت واضحة في العديد من الملفات المشابهة."

أما الإجراء القانوني المعتمد وفق أصول المحاكمات فهو أن يتم إبلاغ النائب العام التمييزي بهذه المذكرة، بحسب زبيب، وعليه النيابة العامة التمييزية تدرس الملف، وتبني على الشيء مقتضاه وتجيب القضاء الفرنسي على أساسه.

أما بالنسبة إلى صلاحيات الدولة اللبنانية في الملف، فيلفت زبيب إلى أن لبنان لديه ما يسمى "صلاحية إقليمية وصلاحية ذاتية وصلاحية شخصية، وبالتالي لديه الحرية المطلقة مثلاً ليقول انه هو سيتسلم التحقيق مع سلامة وليس لديه ما يلزمه بتسليمه إلى دولة ثانية ليحاكم فيها، بناء على ما يسمى الصلاحية الشخصية يكون حاكم مصرف لبنان مواطنا لبنانياً، حتى ولو كان حائزاً أيضاً على الجنسية الفرنسية."

ويرجح زبيب أن تشهد الفترة المقبلة حالة أخذ ورد إلى حين انتهاء ولاية سلامة، "حيث تصبح العملية أسهل لناحية التعاطي مع شخص سلامة وهو لا يرأس الهرمية الرقابية المصرفية ولا هو من يضع السياسة النقدية في البلاد".

لبنان حزب الله

يترقب اللبنانيون أول اختبار لقياس حجم التأييد الشعبي لحزب الله بعد الخسائر التي مُنّي بها، والدمار الذي لحق بالسكان، والبلد عموما، جراء الحرب مع إسرائيل.

وستعبر نتائج الانتخابات البلدية المقررة في مايو المقبل، ضمنا، عن مزاج الشارع، الشيعي خصوصا، حيال قضايا أبرزها سلاح الحزب وتقاعسه في إعادة إعمال المناطق المتضررة جراء الحرب.

يأتي ذلك على خلفية حالة تملل، متزايدة، من تداعيات الحرب، وما رافقها من دمار واسع في القرى الجنوبية، ونزوح آلاف العائلات من مناطقها، وتراجع في الخدمات الأساسية، إلى جانب أزمات اقتصادية خانقة.

وبينما يحاول حزب الله الإيحاء بتماسك قاعدته من خلال رفع شعارات بعيدة عن الواقع، فإن جزءا من جمهوره بات يبحث عن حلول ملموسة لأزماته اليومية، ولإعمار ما دمرته الحرب، بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية.

المؤشرات كثيرة إلى أن الباب بات مشرعا أمام تغييرات مفصلية في المشهد المحلي، ولو على مستوى بعض البلديات، ويرجح مراقبون، تحدثوا موقع "الحرة"، أن يقول الشارع الشيعي كلمته بشأن حزب الله في الانتخابات النيابية  2026.

تحدي الانتخابات

رغم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب لا سيما جنوب لبنان، ورغم استمرار عمليات الاغتيال الإسرائيلية ضد عناصر من حزب الله واستهداف ترسانته العسكرية، "تتجه السلطات اللبنانية إلى إجراء الانتخابات البلدية، بعد أن كانت قد أجلتها لعامين متتاليين دون مبرر قانوني أو مقنع، متذرعة تارةً بغياب التمويل وتارةً أخرى بأوضاع أمنية ولوجستية"، كما يقول الباحث في تطوير القوانين والأنظمة الانتخابية، عاصم شيّا.

وفي حديث لموقع "الحرة"، يرى شيا أن "المشكلة الحالية التي تواجه إجراء الانتخابات البلدية ليست تقنية بقدر ما هي تنظيمية، خاصة في البلدات الجنوبية المدمرة". 

"هناك خياران أمام الجهات المعنية: إما نصب خيام داخل البلدات المتضررة إذا أصرّ السكان على الاقتراع فيها، أو نقل مراكز الاقتراع إلى بلدات مجاورة أكثر استقرارًا، على أن تُستخدم مبانٍ عامة مثل المدارس، الحسينيات، أو الكنائس لهذا الغرض".

لكن التحدي الأبرز، بحسب شيا، يكمن في تأمين "هيئة القلم"، أي الموظفين المكلفين بإدارة العملية الانتخابية، ومعظمهم من النساء العاملات في القطاع العام، لا سيما في التعليم، واللواتي يُبدين تحفظًا على التوجه إلى مناطق غير آمنة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بحسب تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان لعام 2025، الصادر عن البنك الدولي في 7 مارس، تقدّر احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في أعقاب الصراع الذي شهده لبنان بنحو 11 مليار دولار أميركي.

ويعد قطاع الإسكان الأكثر تضرراً، مع أضرار تقدَّر بنحو 4.6 مليار دولار، فيما بلغت الأضرار التي لحقت بالمقومات المادية 6.8 مليار دولار.

أما من الناحية الجغرافية، فيشير التقرير إلى أن أكثر المناطق تضرراً هي محافظتا النبطية والجنوب، تليهما محافظة جبل لبنان التي تضم الضاحية الجنوبية لبيروت.

حقل تجارب؟

يلاحظ الباحث عاصم شيا، الذي يراقب الأنماط الانتخابية منذ عام 2009، أن القوى السياسية استخدمت الانتخابات البلدية عام 2016 كـ"حقل تجارب" لقراءة المزاج الشعبي، بعدما راودها القلق من قانون الانتخاب رقم 25/2008 (قانون الستين)، الذي أصبح يشكل خطراً عليها بسبب تطور وعي الخصوم المستقلين.

يقول شيا إن "تأجيل الانتخابات النيابية عامي 2013 و2015، مقابل إجراء الانتخابات البلدية عام 2016، كان مدروساً، الهدف منه مراقبة اتجاهات الناخبين. وفعلاً، كشفت الانتخابات عن نقمة واسعة، ما دفع الأحزاب إلى اللجوء إلى تكتيكات جديدة، أبرزها الدفع بمرشحين "نظيفي الكف" وغير حزبيين ظاهرياً، ليترأسوا اللوائح، ثم إحاطتهم بأعضاء بلديين حزبيين يضمنون ولاء المجلس للحزب. هذه المقاربة ساعدت في ضمان المكاسب لاحقاً في انتخابات 2018".

كذلك، "تم اللجوء إلى توظيف آلاف في مؤسسات رسمية رغم عدم الحاجة الفعلية إليهم، كما جرى التعاقد مع أعداد كبيرة في الوزارات، خصوصاً التعليم، فيما اعتُبر رشوة انتخابية مقنّعة لتأمين الأصوات".

اليوم يتكرر المشهد نفسه، بحسب شيّا، "تُسرع القوى السياسية إلى إجراء الانتخابات البلدية لا لمعالجة أزمات المجالس، بل لرصد اتجاهات الناخبين، تمهيداً لاستخدام الوظائف العامة والعسكرية مجددًا كأداة لاستمالة الأصوات"، فهذه الانتخابات، في نظره، ليست سوى مختبر سياسي يساعد القوى التقليدية على إعادة تنظيم صفوفها استعداداً للمعركة الأهم: انتخابات 2026 النيابية.

في المناطق التي تعرف بـ"الحاضنة" لحزب الله، يعاني معظم السكان، الذين تعرضت منازلهم للتدمير جزئياً أو كلياً، من بطء الإجراءات المتعلقة بإعادة الإعمار، إضافة إلى تأخر استجابة الحزب لتقديم التعويضات اللازمة لترميم المنازل أو تعويض الأثاث المتضرر.

وقال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بشأن إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، في 14 ديسمبر، أن "إعادة الإعمار مسؤولية الدولة،" التي تعاني أصلا من أزمة مالية خانقة. ودعا "الأشقاء العرب والدول الصديقة في المساعدة في إعادة الاعمار".

صراع عائلي تحت رايات حزبية؟

لا تعكس الانتخابات البلدية بالضرورة موازين القوى السياسية بشكل دقيق، وفقا لشيّا، "لأنها غالباً ما تكون امتداداً لصراعات عائلية داخلية.

"قد تُطرح لوائح تبدو متنافسة لكنها في الواقع تابعة للحزب نفسه، تختلف فقط حول المواقع أو التفاصيل، في مشهد يختلط فيه النفوذ العائلي بالحسابات الحزبية"، يقول شيا.

وعند تحليل تأثير الحرب الأخيرة على توجهات الناخبين، يرى شيّا ضرورة التمييز بين فئتين "الأولى تضمّ مؤيدي حزب الله، الذين رغم تضررهم من الحرب، زاد ارتباطهم به. أما الفئة الثانية، فهي من الشيعة غير المنضوين ضمن الثنائي الشيعي، هؤلاء يبدون استياءً واضحاً من الحرب ويحملون "الثنائي" مسؤولية ما جرى. ويُتوقع أن تتخذ هذه الفئة موقفاً مغايراً في الانتخابات المقبلة".

ويرى الكاتب، الصحفي مجد بو مجاهد أن "ثمة طابعا مجتمعيّا خاصا باستحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان في غالبية المناطق اللبنانية بخاصّة في القرى، ولا يمكن الحديث عن طابع سياسي سوى في بعض المدن الكبرى المتنوعة طائفياً كمدينة بيروت. 

"لذلك لا يمكن اعتبار الاستحقاق البلديّ بمثابة مقياس للتوجه الشعبيّ السياسي لدى المواطنين الشيعة أو سواهم من المواطنين اللبنانيين، من دون إغفال أنّ ثمة مدناً يغيب عنها التنافس السياسي في الاستحقاق الانتخابيّ البلديّ الحاليّ رغم أنه كان ظاهراً في استحقاقات بلدية سابقة".

اللافت وفق ما يقوله بو مجاهد لموقع "الحرة" أنّ "الأجواء الشيعية المجتمعية لا تبدو مهتمّة في استحقاق الانتخابات البلديّة مقارنة مع بيئات مجتمعية مغايرة تتطلّع بحيوية نحو خوض الاستحقاق والتنافس بين اللوائح على مستوى مجتمعيّ، لا سياسي".

ويشرح: "خروج المجتمع الشيعي من حرب ألحقت به خسائر كبرى، منها ضرب البنى التحتية والأراضي، سبب لتراجع الاهتمام الشيعي بخوض تنافس مجتمعيّ على الانتخابات البلدية، ولذلك كانت لافتة ظاهرة تشكيل لائحة واحدة فحسب في كثير من البلدات بعيداً عن خوض منافسة بين اللوائح".

إذا تضاعفت النقمة على "الثنائي الشيعي" _ أي حزب الله وحركة أمل _ من المواطنين في المناطق ذات الحضور الشيعي، فإنها ستظهر، وفق بو مجاهد، "في استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة، لا في استحقاق الانتخابات البلدية".

"حتى الآن، هناك امتعاض شيعيّ واضح من حزب الله بخاصة بسبب تأخّر إعادة الإعمار، لكنّ تطوّر ذلك الامتعاض من عدمه سيكون مرتبطاً بما ستعرفه الأشهر اللاحقة من متغيرات".

النزاهة موضع شك؟

الحديث عن انتخابات نزيهة "غير واقعي"، يشدد شيّا، "لا بسبب حزب الله فقط، بل بسبب جميع الأحزاب التي تسيطر على مناطق نفوذها بشكل كامل ومدروس، ما يقيد قدرة المعارضين على خوض المعركة بتكافؤ".

يستشهد شيا بلائحة معارضة في بعلبك "تواجه صعوبات جمّة في التواصل مع الناخبين، في وقت تُستغل فيه الحرب والخطاب السياسي في الجنوب لتأليب الرأي العام عبر العاطفة، خصوصاً من قبل حزب الله وحركة أمل".

ويؤكد أن المعركة البلدية يجب أن تبقى محلية الطابع، "هدفها تحسين الخدمات وتفعيل دور البلديات". ويذكّر شيّا أن "الثنائي الشيعي لم يحصل في انتخابات 2022 النيابية على أكثر من 47% من أصوات الناخبين الشيعة مجتمعَين"، ما يعكس تراجعاً في شعبيته.

أما بو مجاهد فيرى أنه "قد يكون لتسليم حزب الله سلاحه والتقليل من سيطرته على المناطق الشيعية إذا حصل، نتائج تسرّع الحلول في المناطق المتضرّرة من الحرب".

ويضيف "كيفية تغيّر المزاج الانتخابي داخل البيئة الشيعية ستظهر في الانتخابات النيابية السنة المقبلة، لا في الانتخابات البلدية التي ستحصل خلال أسابيع. وتالياً، لا ترجيحات في قدرة الانتخابات البلدية على التغيير، والرهان سيكون على الانتخابات النيابية".