رواج كبير لتطبيق "تيك توك"
رواج كبير لتطبيق "تيك توك"

20 ألف دولار حققها علي (19 عاماً)، من لعبة "بوب جي"، خلال 7 أشهر فقط. فبعدما كان استخدامه للعبة الإلكترونية يقتصر على كونه لاعبا فيها، بلغ مرحلة الاحتراف، انتقل ليصبح صاحب أول متجر لحسابات "بوب جي" في لبنان، يعمل في بيع وشراء الحسابات المميزة والمطوّرة، محققاً عمولات كبيرة.  

يشهد لبنان على مدى السنوات الماضية ازدياداً لافتاً في الاعتماد على العالم الرقمي كسبيل لكسب الأموال وتحقيق المداخيل، وذلك بالتزامن مع الانخراط المتنامي للناس بالحياة الرقمية، من مختلف جوانبها، ما جعلها سوقاً مفتوحة، كل ما فيها خاضع للعرض والطلب، وقابل لأن يكون فرصة مربحة.  

وبكونه بلد يعيش انهياراً مالياً واقتصادياً حاداً، أفقد عملته المحلية أكثر من 90 في المئة من قيمتها، ورفع من نسبة البطالة إلى حدود الـ 40 في المئة، يجهد سكانه في البحث عن أي فرصة عمل تؤمن لهم مدخولاً بالدولار الأميركي، ليجد عدد كبير منهم في العالم الرقمي، ميداناً خلّاقاً لفرص عمل غريبة واستثمارات غير تقليدية، باتت تعود عليهم بمردود مالي يفوق توقعاتهم في كثير من الأحيان، مقابل تأمين المتطلبات والخدمات والحاجات المرتبطة بالمستخدمين والجانب الرقمي من حياتهم. 

الاقتصاد الموازي لـ "تيك توك" 

شكل غياب خدمة "باي بال" للدفع عبر الانترنت، عن لبنان، فرصة سانحة لعدد كبير من الشبان ليجدوا عملاً يدر عليهم أرباحاً كبيرة، مستفيدين من رواج تطبيق "تيك توك" وانتشار ظاهرة "التيك توكرز" الذين يجمعون من التطبيق نقاطاً وهدايا قابلة لصرفها على شكل أموال، يعتمد التطبيق على خدمة "باي بال" في دفعها.  

هذا الواقع دفع العديد من الأشخاص لفتح حسابات "باي بال" من خارج لبنان، عبر أقارب ومعارف لهم، والعمل على تصريف وتسييل النقاط إلى أموال من ثم تحويلها إلى لبنان بشكل نقدي، مقابل عمولة تتفاوت بحسب المبلغ، من 5 إلى 10 في المئة وأحياناً أكثر، في حين يحقق "التيك توكرز" في لبنان أرباحاً كبيرة قد تصل إلى آلاف الدولارات في اليوم الواحد، وفق ما بين تحقيق سابق لموقع "الحرة".  

تيك توك
الصندوق الأسود لـ "تيك توك".. إذلال واستغلال جنسي
 "لن يكون موقفك نفسه من رمي الطحين على رأسك أو مسح وجهك بالقهوة أمام آلاف المتابعين، إن كان ذلك سيعود عليك بألف دولار في ساعة واحدة"، يقول علي حمود، "تيك توكر" من لبنان، تعليقا على التحديات "المذلة" المنتشرة على تطبيق "تيك توك مقابل أرباح مالية.

يقول صانع المحتوى اللبناني حسن رعد لموقع "الحرة" إن تطبيق تيك توك بات "يشغل اقتصاداً موازياً قائما بحد ذاته في لبنان ويتيح العديد من فرص العمل التي ما كانت موجودة قبل رواج التطبيق".  

من بين تلك الفرص الرائجة أيضاً، إنشاء ما يسمى بالوكالات الخاصة بـ "تيك توك"، والتي تعمل على ضم وتبني أكبر عدد ممكن من "التيك توكرز"، بحيث تصبح الوكالة بالنسبة إلى التطبيق بمثابة راع رسمي لحسابات المنضمين إليها وكأنها تملكهم، وبينما يتقاسم التطبيق مع مستخدميه 50 في المئة من قيمة الهدايا والنقاط التي يحصّلونها، تتشاطر الوكالة مع التطبيق 25 في المئة من الأرباح المحققة عبر الحسابات التابعة لها.  

في المقابل، تقدم هذه الوكالات دعماً للمنضمين إليها، من خلال إرسال الهدايا والدعم لهم عبر البث المباشر أو رفع نسب المشاهدة على الفيديوهات لصناع المحتوى، إضافة إلى تأمين حماية من الاختراق والقرصنة والحظر الذي قد تتعرض له الحسابات، بحيث تصبح الوكالة جهة موثوقة ومعرف عنها بالنسبة إلى "تيك توك" تتولى هي التواصل المباشر مع الشركة عوضاً عن المستخدمين. 

فضلاً عن ذلك تقوم الوكالة أيضاً بأعمال التصريف ودفع الأموال للحسابات التابعة لها كنوع من الخدمات المقدمة، مقابل الحصول أيضاً على عمولات بنسب معينة، وتصل إلى حد تحقيق أرباح حتى من الإعلانات الخاصة التي يحصل عليها "التيك توكر"، وفق ما يؤكد رعد. 

ويتطلب إنشاء الوكالة تقديم طلب خاص لشركة "تيك توك" ودفع مبلغ مالي معين كرسم تسجيل، فيما يعتمد نجاحها على استقطاب المستخدمين والشفافية والأمانة في التعامل معهم، ما من شأنه أن يشكل عامل التسويق الأبرز الذي يجذب المستخدمين.  

الفرص القائمة على هامش تيك توك، ما عادت تقتصر على الجانب الرقمي فقط، بل انتقلت إلى أرض الواقع من خلال تأمين الخدمات للتيك توكرز أنفسهم، وأبرز مثال على ذلك في لبنان، موضة افتتاح المقاهي الخاصة بهم، والتي عادة ما تعتمد أسماء مرتبطة بتيك توك ومستخدميه، وتقدم أجواء ملائمة لنشاط المستخدمين على التطبيق، كالإضاءة اللازمة للبث المباشر ومعدات تساعد على إنتاج المحتوى مع خلفيات مناسبة، وصولاً حتى إلى تأمين ممثلين مساعدين.  

وبات لهذه المقاهي مجتمعات صغيرة من المستخدمين - الزبائن الذين ينتقلون بتعارفهم ولقاءاتهم من التطبيق إلى الواقع، ما يسمح لهم بخلق روابط جديدة وتكوين علاقات واقعية بين بعضهم، فضلاً عن حصولهم على الخدمات التقليدية التي تقدمها المقاهي من مأكولات ومشروبات ونراجيل وغيرها.  

الألعاب الإلكترونية.. كوسيلة للعيش 

وكما هو حال "تيك توك"، يدفع ازدياد شعبية الألعاب الإلكترونية أيضاً إلى خلق فرص عمل طارئة على هامشها في لبنان.  

يمضي موسى، 16 عاماً، نحو 12 ساعة من يومه أمام شاشة هاتفه ممارساً لعبة "بوب جي"، حيث باتت بالنسبة إليه نوع من العمل الذي يؤمن له مصروفه الشخصي من خلال تطوير الحسابات وتحقيق نتائج مميزة في اللعبة عبرها، ما يجعلها مميزة عن غيرها ومطلوبة بين اللاعبين، وهو ما يتيح له بيعها مقابل مبالغ مالية معينة.  

"كل حساب وله سعره" يقول موسى، بعضها يباع بنحو 10 دولارات، وبعضها الآخر تبلغ قيمتها مئات وأحياناً آلاف. ويضيف "كل ما أفعله أنني اشتري حسابات جديدة، أستفيد من مهاراتي لتطويرها من خلال اللعب وشراء مميزات للحساب كنوع من الاستثمار، ثم أعرضها للبيع، ومهما حققت لي من مردود أكون رابحاً، أكسب ما بين 300 و500 دولار في الشهر، أصرف منها وأحيانا أساعد أسرتي."  

إضافة إلى ذلك، بات اللاعبون أنفسهم نجوماً على مواقع التواصل الاجتماعي لهم متابعين ومعجبين، يشاركون في بث مباشر للعب وينتجون المحتوى المرتبط باللعبة، وعبرها يحصلون على فرص أخرى للربح المالي من خلال الهدايا والدعم على البث المباشر أو من خلال الإعلانات والترويج لمراكز بيع المقتنيات الخاصة باللعبة. 

أما علي، الذي اشتهر في لعبة "بوب جي" باسم "بوليفار"، وقبل أن يبدأ تحقيق الأرباح من بيع الحسابات، أمنت اللعبة له أرباحاً من خلال خوضه لبطولات ومباريات مقابل جوائز مالية.  

خاض علي الكثير من البطولات والمباريات على صعيد لبنان والشرق الأوسط، تتفاوت الأرباح فيها بحسب الجهات المنظمة، "هناك منظمين محليين يضعون جائزة لبطولة بقيمة 500 دولار، بينما تصل مثلاً جائزة البطولة التي تنظمها شركة فايسبوك إلى 40 ألفاً، وما بينهما هناك من يقدم جوائز قيمة كهواتف أو معدات للعب وغيرها.  

بعد أن حقق الشاب اللبناني شهرة واسعة في اللعبة، جعلته معروفاً ومحل ثقة للكثيرين، قرر افتتاح اول متجر لحسابات "بوب جي" في لبنان عبر تطبيق واتساب، (اليوم بات هناك نحو 15 متجراً من هذا النوع في لبنان) أدخل إليه اللاعبين المشهورين والفائزين في البطولات وجعلها منصة للعرض والطلب.  

كل عمليات الشراء تمر عبره شخصياً بكونه مصدر ثقة للجميع، "وفي المقابل أحصل على عمولة تتراوح بين10 و50 في المئة واحياناً تكون أعلى وفق طلبات معينة."  

يروي علي كيف تتم العملية، حيث يتواصل معه صاحب الحساب طالباً عرضه للبيع، فإما أن يضع أرباحه فوراً ويزيد من سعره في العرض، أو أنه يخصم أرباحه من السعر المعروض، "يسلمني بائع الحساب وروابطه والرمز السري ولا أسلمه للمشتري إلا بعد إتمام التحويل المالي وخصم أرباحي."  

تنظيم البطولات.. استثمار مربح 

تنظيم البطولات جانب آخر من جوانب الربح المالي في عالم الألعاب، حيث يستفيد بعض اللاعبين من شهرتهم على مواقع التواصل وفي عالم اللعبة وينظمون مباريات مقابل جوائز مالية محددة، وفي المقابل يقومون بتوجيه دعوات حضور لما يسمى بـ "كلان" في اللعبة، وهي أشبه بمنظمات أو أندية تضم أعداد كبيرة من اللاعبين يقومون عادة بمشاهدة المباريات ودعم النجوم فيها من خلال هدايا ذات قيمة مالية، يحصل عليها منظم البطولة باعتبار أنه يقدم هو الجائزة المالية.  

قد تمتد البطولة على نحو 6 حلقات بث مباشر تتضمن التصفيات وصولاً إلى المباراة النهائية، خلالها تتضاعف أرباح منظم البطولة، فقد يقدم جائزة بقيمة 500 دولار للفائز، ولكنه قد يحقق نحو 1000 دولار من خلال البث المباشر للبطولة وتنظيمها.  

وكما هو الحال مع "تيك توك"، ينتقل الاستثمار في الألعاب الالكترونية من العالم الافتراضي إلى الواقع، حيث عادت  لتنشط افتتاح صالات الألعاب في لبنان بعد تراجعها، لاسيما خلال اجراء البطولات، حيث تتيح خدمات متقدمة للاعبين كالأنترنت السريع الذي يصعب تأمينه في المنازل في ظل مشاكل الشبكة في لبنان، أو أجهزة الحواسيب والبلاي ستايشن الحديثة والمجهزة للعب.  

 كذلك تؤمن هذه الصالات انظمة حماية من الخرق والقرصنة وآلية للبث المباشر وتصوير اللعب (هاند كام) لضمان الإشراف على اللعب لتجنب القرصنة والغش في البطولة، وبات هناك صالات تقوم برعاية بطولات ولاعبين وتحقق عبرهم الأرباح. 

على الجانب الآخر هناك من بات يتاجر أيضاً بالبرامج الخاصة بالقرصنة والغش المرتبط بالألعاب، حيث يبيعون خدمات قرصنة في الألعاب ويطرحون أساليب غير شرعية للفوز ويعلمون على طرق تصوير للعب المباشر بحيث لا تظهر التقنيات المستخدمة للغش في اللعبة.  

تحايل عابر للحدود 

وللألعاب صرافوها أيضاً، حيث بات يعمد الكثير من محال شحن الهواتف إلى إدراج عملات الألعاب ضمن الخدمات التي يقدمونها. عملة "بوب جي" المسمات "يو سي" من أكثر العملات طلباً، تباع الـ 8000 نقطة منها بـ 100دولار في لبنان، ويحقق البائع منها أرباحاً وعمولات.  

لكن الربح الأكبر من هذه العملية يتم عبر التحايل على اللعبة، فأسعار الـ "يو سي" تختلف بين دولة وأخرى، وما يبلغ قيمته في لبنان 100 دولار، يمكن شراءه من مصر بـ 59 دولاراً، ومن البرازيل بـ 41دولاراً، وعليه يقومون من لبنان بفتح حسابات في مصارف تلك الدول ويستخدمون برامج VPN أو عبر معارفهم يتممون عمليات الشراء، ثم يحولون النقاط عبر اللعبة إلى التاجر اللبناني الذي يبيعها وفق سعرها في لبنان، وأحياناً أقل من السعر الذي تقدمه اللعبة نفسها، ما يعود عليهم بإقبال أكبر.  

يمتد هذا النوع من التحايل أيضاً على تطبيقات أخرى، كـ "نتفليكس" مثلاً، حيث بات هناك حركة تأجير حسابات شهرية أو يومية مقابل بدل مالي، وعادة ما تكون كلفة هذه الحسابات أقل مما تقدمه شركة التطبيق نفسها. وبدلاً من اشتراك 12 دولاراً في الشهر للحساب، يؤمن هؤلاء حسابات مقابل نصف المبلغ أو أقل، معتمدين على تفاوت سعر الاشتراكات بين دولة وأخرى.  

الأرجنتين وجهة أولى لهؤلاء من بعدها الهند، ففي هذه الدول يسجل اشتراك "نتفليكس" السعر الأقل عالمياً، فيزيف بعض اللبنانيين هويتهم الرقمية ليظهروا من "IP" تلك الدول. 

 تحايل مشابه لم يسلم منه حتى تطبيق "تيك توك" خلال السنوات الماضية، فمع انهيار العملة اللبنانية، بقي التطبيق للأشهر يعتمد على سعر الصرف الذي تقدمه "غووغل"، أي 1500 ليرة للدولار، بينما كان سعر السوق الفعلية للدولار نحو 50 ألف ليرة. 

 قام كثيرون خلال تلك المدة بشراء كميات هائلة من الهدايا والنقاط عبر التطبيق بالليرة اللبنانية، وبيعها في السوق بسعر الدولار الفعلي مراكمين أرباحاً ضخمة لاسيما وان بعضهم يحتفظ حتى اليوم بكميات من هذه الهدايا فيما وصل الدولار إلى 100 ألف ليرة لبنانية، ما سمح لهم ببيع الهدايا أيضاً بأسعار أقل مما تعرضه الشركة. 

تأجير فرص العمل  

ويمتد استثمار اللبنانيين في العالم الرقمي من الجانب الترفيهي إلى الجانب الخدماتي أيضاً، لاسيما ما يتعلق بالتطبيقات التي تتيح عدداً محدداً من الحسابات في كل دولة، أبرزها تطبيقات تأمين سيارات الأجرة وتطبيقات التوصيل إلى المنازل.  

وفي أحدث مثال على ذلك، أوقف تطبيق "بولت" لتأمين سيارات الأجرة، إصدار حسابات جديدة للسائقين في لبنان، بعدما باتت منتشرة على نطاق واسع جداً بسبب لجوء اللبنانيين إليها كعمل جانبي إلى جانب وظائفهم التي تراجع مردودها، الأمر الذي حول الحسابات المفتوحة سابقاً إلى سلعة مطلوبة بشكل كبير، وجعلها قابلة للتأجير الشهري.  

وعليه يقوم العديد من المستخدمين السابقين ببيع وشراء وتأجير الحسابات على التطبيق، بكونها باتت فرصة عمل بحد ذاتها، تؤمن للسائق وصولاً إلى عدد أكبر من الزبائن، فباتت جزءا من عمليات تأجير السيارات والنمر الخاصة بالنقل العمومي وسائقي الأجرة، فيعمد البعض إلى تقديم عروض تشمل تأجير سيارات إلى جانب حساب "بولت" كجزء من "عدة العمل".  

وينسحب الأمر نفسه على تطبيقات توصيل "الديلفري" المحدودة، حيث يستأجر البعض الدراجة النارية مع حساب على التطبيق، بصورة يومية أو شهرية لتحصيل مردود مالي إضافي.  

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.