Activists from the Lesbian, Gay, Bisexual, and Transgender  (LGBT) community in Lebanon shout slogans and hold up a rainbow…
لا يزال لبنان يجرم المثلية الجنسية استنادا للمادة 534 من قانون العقوبات

قبل 3 سنوات راود ليا حلمٌ بالسير قريباً في شوارع مدينة بيروت، معلنةً على الملأ هويتها الجندرية كامرأة عابرة.

كان ذلك في خضم الانتفاضة الشعبية التي شهدها لبنان بين عامي 2019 و2020، وتخللها خروج غير مسبوق لمجتمع "الميم عين" إلى الواجهة، ليعبّر عن وجوده ويطالب بحقوقه. 

"اختفت الألوان التي كانت تصنف الناس، شعرنا كلنا بالانتماء لشيء أكبر، وبالفعل راودني حلم أن أمارس حياتي الطبيعية في بيروت، أخرج بالشكل الذي أريده، أعبر عن نفسي وتوجهي بأريحية، حلمت حتى أن تشهد السنوات اللاحقة فرصة لإحياء مناسبات كشهر الفخر في بيروت وأن نكون أكثر حضورا وفعالية في المجتمع وأن نصل إلى التغيير المنشود"، تضيف ليا، وهي ناشطة حقوقية على صعيد القضايا المتعلقة بمجتمع "الميم عين" في لبنان. 

في ذلك الوقت، عام 2020 وعلى هامش الحراك الشعبي الذي شهده لبنان، سارت مسيرة ترفع أعلام قوس قزح، ضمت مئات المشاركين في الشوارع القديمة لبيروت وصولاً إلى وسطها، نادت بحقوق المثليين/ات والعابرين/ات جنسيا وجندرياً، وكانت أشبه بإعلان وجود صريح لهذه الفئات المهمشة في المجتمع اللبناني.

إلى حد وصفت بكونها "أول مسيرة فخر للمثليين" تشهدها دولة عربية. الأمر الذي ضاعف وقتها، آمال أفراد مجتمع "الميم عين" في لبنان بمستقبل أكثر تحرراً. 

لكن الواقع اليوم أن بيروت، تغيب للعام الثاني على التوالي عن أي فعاليات أو أنشطة علنية تتعلق بشهر الفخر لمجتمع "الميم عين"، الذي عاد أفراده ليختبئوا في الغرف المغلقة مجدداً، يقيمون تجمعات ولقاءات بعيداً عن الأضواء والأنظار، خوفاً من قمع السلطات الأمنية وهجمات المجموعات الدينية المتشددة، في ظل تصاعد لخطاب الكراهية في وجه هذه الفئات. 

"اليوم مع الأسف ما عاد هذا الحلم موجودا في المدى المنظور"، تقول ليا في حديثها لموقع "الحرة"، معبّرة عن خيبة أمل كبيرة مما وصلت إليه الأمور، "نعيش في لبنان اليوم واقعا مناقضا تماماً لمفهوم شهر الفخر الذي يعيشه العالم".

خوف مستمر

ولا يزال لبنان يجرم المثلية الجنسية، حيث تستند السلطات اللبنانية إلى المادة 534 من قانون العقوبات التي تنص على أن "كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس حتى سنة واحدة" وذلك من دون تحديد مفهوم الطبيعة وما يعدّ مخالفاً له. 

هذا المفهوم الفضفاض اعتمد عليه العديد من القضاة في لبنان، في إصدار أحكامهم لتبرئة مثليين من التجريم، عبر عدم اعترافهم بأن العلاقات الجنسية المثلية تمثل "مخالفة للطبيعة"، وهو ما اعتبر انتصارات صغيرة لمجتمع "الميم عين" في لبنان، دون أن تبدل وضعهم القانوني بصورة جذرية في البلاد.

تتابع ليا الفعاليات والاحتفالات العالمية في شهر الفخر عبر مواقع التواصل، "أرى ما يفعله أصدقائي وما يعيشونه في العديد من الدول الأوروبية والغربية. يحتفلون ويقضون أوقاتا ممتعة، يفتخرون بهوياتهم وميولهم دون أن يعيقهم ذلك، وسط أجواء دعم ومناصرة اجتماعية، بينما أعيش هنا في قلق وخوف مستمرين." 

وتضيف "نختبئ أكثر فأكثر، ونحضر أنفسنا للأسوأ، للاعتداءات والحملات وخطاب الكراهية، الذي يتصاعد أكثر في هذا الشهر تحديداً، باتوا يترصدوننا، يتابعون التواريخ، ينتظرون حلول المناسبات لكي ينفذوا تهديداتهم على الأرض ويشنوا حملاتهم على مواقع التواصل وفي الإعلام، حولوا شهر الفخر إلى شهر رعب، يخوفون الناس منه."

حتى النشاطات الترفيهية التي عادة ما كانت تشهدها حانات وأماكن "صديقة لمجتمع الميم عين" في بيروت، باتت تحصل بالخفاء أكثر، وبهامش حرية أضيق، بحسب ليا، التي ترى أن "لبنان يتغنى شكلياً في محيطه من الدول، بأنه الأكثر انفتاحاً وتحضراً، وهذا وهم". 

كذلك توقفت النشاطات التوعوية والتثقيفية التي كانت تقيمها الجمعيات والمنظمات المناصرة لقضايا مجتمع "الميم عين" في هذا الشهر، حيث كانت تجد فيه مناسبة لنشر المعلومات ومناقشة القضايا الجندرية والجنسانية على نطاق أوسع في لبنان. 

"الفعاليات والأنشطة اليوم باتت تتم على نطاق ضيق جداً، وفي الأماكن الخاصة والمغلقة، بدون دعوات عامة"، وفق ما يؤكد مسؤول التواصل في منظمة حلم، ضوميط قزي، في حديثه لموقع "الحرة". 

وبحسب قزي يعود ذلك لعوامل عدة، "أولها العنف الممارس من قبل الدولة وأجهزتها، وتحديداً ما صدر عن وزير الداخلية اللبناني من قرارات وتصريحات، تأمر القوى الأمنية بمنع إقامة أي نشاط أو تجمع لأفراد مجتمع الميم عين، حيث قام بالفعل بإلغاء العديد من النشاطات التي نظمتها بعض الجمعيات والمنظمات." 

وكان وزير الداخلية اللبناني بسام المولوي قد طلب في كتاب أصدره في 24 يونيو 2022 من القوى الأمنية اللبنانية منع إقامة أنشطة قال إن هدفها "الترويج للشذوذ الجنسي"، على حد تعبيره، وذلك بعدما تلقت وزارته "اتصالات من المراجع الدينية الرافضة لانتشار هذه الظاهرة"، على حد تعبيره.

وفي تصريحات له، قال مولوي حينها: "لا يمكن التذرع بالحرية الشخصية.. الأمر مخالف للعادات والتقاليد في مجتمعنا ويتناقض مع مبادئ الأديان السماوية".

أما العامل الثاني "وهو الأخطر" بحسب قزي، فيتمثل بعامل السلامة والأمن الذي بات يمثل هاجسا حقيقيا لدى أفراد مجتمع "الميم عين"، لاسيما لناحية تهديدات الجماعات المتطرفة، "أكانوا جنود الرب أو الجماعات الإسلامية المتشددة". 

وتزامن قرار المولوي مع اعتداءات تعرضت لها أنشطة لمجتمع "الميم عين" في بيروت وتهديدات صدرت عن جهات ومجموعات دينية متشددة إسلامية ومسيحية تتوعد بمواجهة أي تجمع يقام لمجتمع "الميم عين" في لبنان.

"تم تهديدنا بالسيوف وبالقتل إن أقمنا تظاهرة أمام وزارة الداخلية، وألغيناها حفاظاً على سلامتنا"، يقول قزي، مستذكراً أيضاً الاعتداءات والحملات التي شنتها مجموعة "جنود الرب" المتشددة مسيحياً في منطقة الأشرفية ومحيطها في بيروت. 

ويضيف "نحن نعرف ما يمكن أن تفعله القوى الأمنية إن أتت لقمعنا، ولكن لا نعرف ما قد تفعله هذه الجماعات، لاسيما مع إيديولوجيات وعقائد تبيح لهم قتل أفراد مجتمع الميم عين أو التنكيل بهم".

وعليه كان قرار المنظمات والجمعيات حجب نشاطاتها عن العلن في هذه المرحلة، "من جهة حرصاً على سلامة وأمن المشاركين، ولتجنيب الجمعيات والمنظمات وزر تحمل دم في الشارع، من جهة أخرى"، بحسب قزي.

تمييز مخالف للقوانين 

يرى قزي أن هناك تمييزا بحق مجتمع "الميم عين" في لبنان، إلى حد أن الدولة لا تعطي أفراده حقهم الطبيعي كمواطنين بالحماية، رغم أن حماية حق التظاهر والتعبير والتجمع السياسي وإبداء الرأي أمور مكفولة بالدستور اللبناني. 

ويذكّر قزي أن الحكومة اللبنانية سبق لها أن وافقت عام 2021، خلال الاستعراض الدوري الشامل في "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة"، على التوصيات لضمان الحق في التجمع السلمي والتعبير لأفراد مجتمع "الميم عين"، وأعلنت الحكومة حينها انه من حق أفراد مجتمع الميم عين أن يمارسوا العمل السياسي، "وهذه سابقة غير موجودة في كل الدول العربية". 

وفيما "لم تف الحكومة اللبنانية بالتزاماتها"، بحسب قزي، "لم يلتزم وزير الداخلية أيضاً بالقانون"، مشيراً إلى أن دور وزارة الداخلية تأمين الحماية والأمن لجميع اللبنانيين دون تمييز، والحرص على تمتعهم بحقوقهم المدنية والسياسية، "لكن الوزير بدلا من ذلك تذرع بالحفاظ على السلم الأهلي ومنع الاشتباك واراقة الدماء لمنع نشاطات المنظمات الداعمة لمجتمع الميم عين، عوضاً عن ضبط الجماعات المتطرفة والمتفلتة التي تمارس الترهيب". 

وكانت جمعيات قانونية وحقوقية (جمعية حلم والمفكرة القانونية) قد قدمت طعناً بقرار وزير الداخلية لمجلس شورى الدولة، الذي علّق بدوره قرار الوزير بالفعل، ولا يزال قانونياً معلقاً حتى اليوم، إلا أن ذلك لم يمنع مولوي من إصدار قرار آخر بعد أيام من قرار مجلس الشورى، يشدد على منع تجمعات مجتمع "الميم عين"، "كان مفاده أنه هو صاحب القرار، متخذاً تهديدات الجماعات المتطرفة كذريعة للقمع"، وفق قزي. 

لبنان يعتبر أكثر تساهلاً مع المثليين مقارنة بدول عربية أخرى
القضاء "ينصف" المثليين في لبنان.. التجمعات مسموحة "حتى إشعار آخر"
أوقف مجلس شورى الدولة في لبنان، العمل بقرار صادر عن وزير الداخلية بسام المولوي في يونيو الماضي، يطلب من قوى الأمن منع أي لقاء أو تجمع لأفراد مجتمع "الميم عين" في لبنان وكل ما يتصل بالمثلية الجنسية. وهو تطور اعتبره الحقوقيون والمتابعون للقضية انتصار قضائي للمثليين/ات في لبنان 

وعن سبب عدم لجوء جمعيات وأفراد مجتمع "الميم عين" لمحاولة الاستحصال على تراخيص قانونية لإقامة تجمعات، يوضح قزي أن المنظمات هذا العام لم تسلك المسار القانوني بحكم أن المولوي هو نفسه المسؤول عن إعطاء هذه التراخيص كوزير داخلية، "فيما هو معروف بمواقفه، وفيما أثبتت الفترة الماضية أن المسار القانوني في البلد دون مفاعيل واقعية، رغم احترامنا له ومطالبتنا به". 

موقع "الحرة" تواصل مع مكتب وزير الداخلية اللبناني بسام المولوي، لمنحه فرصة الرد والاطلاع على وجهة نظره من هذه القضية، دون الحصول على أي جواب حتى نشر هذا التقرير. 

"حتى ولو حصلنا على تراخيص يبقى الهاجس الأكبر هو سلامة المشاركين في هكذا نشاطات"، وفق قزي الذي يشدد على ضرورة خلق ظروف وصيغة مناسبة تسمح بتفعيل النشاطات، "خاصة أن ميليشيات وجماعات متطرفة تحكم الشارع بدون حسيب ولا رقيب". 

يذكر أن الاعتداءات التي طالت نشاطات وتجمعات مجتمع "الميم عين" في لبنان بلغت مراحل متطرفة في الفترة الأخيرة، حيث لم يعد يقتصر الأمر على مهاجمة إعلانات وحملات لمجتمع الميم عين، بل وصلت إلى حد مهاجمة كل ما يمكن أن يفهم على أنه مرتبط بمجتمع "الميم عين".

فأطلقت حملة على شركة لبنانية تصنع الشيبس لاعتمادها صورة قوس قزح على بعض أكياسها، رغم أنها تعتمد هذا التصميم منذ سنوات طويلة، وتكرر الأمر نفسه مع محل "باتيسيري" حيث هاجمته مجموعة "جنود الرب" بسبب تقديمه قالب كيك بألوان قوس قزح. كل ذلك بالإضافة إلى اعتداءات متكررة طالت أفراداً من مجتمع "الميم عين" في أكثر من منطقة. 

إحباط حتى الهجرة

رغم ذلك، لا تزال ليا تحاول ممارسة حياتها الطبيعية بقدر ما يمكن، تتخذ احتياطاتها في كثير من الأحيان، تتجنب أماكن نفوذ وانتشار الجماعات المتطرفة، وأحياناً كثيرة تضطر لإخفاء هويتها وتغيير شكلها تماشيا مع الظروف. 

ولكن طيلة الوقت وخلال التنقل والتواجد في الأماكن العامة يبقى في رأس ليا  فكرة عالقة "مفادها أن جنود الرب موجودين، وقد يحضرون في أي لحظة".

 زاد من هذا الهاجس، اعتداء نفذه "جنود الرب" على عابرات جنسياً في منطقة الأشرفية، منذ ذلك الحين باتت تعاني ليا من صدمة أبقتها شهر كامل في المنزل عقب قرار الوزير. 

كل ذلك يدفع ليا للبحث اليوم عن خيار الهجرة "إلى مكان أكثر تقبلاً لكي أعيش حياة طبيعية بقدر الإمكان، ولن أقول لا لأي فرصة." 

هذا الشعور بات منتشراً في مجتمع "الميم عين" بحسب قزي الذي يؤكد أن هناك إحباط وفقدان أمل بالبلاد والتغيير الاجتماعي فيها، مضيفاً "اليوم ليس هناك شخص مثلي في لبنان لا يفكر بالهجرة". 

ويشدد على أن مجتمع "الميم العين" يواجه اليوم أزمة بأصل وجوده في لبنان، "قبل الحديث عن تعديل قوانين أو حقوق أو مطالب، لا زلنا في مرحلة ما إذا كنا قادرين على إعلان وجودنا في هذا المجتمع أم لا." 

تقول ليا إنها استسلمت بوجه هذا المجتمع وهذا البلد، "لا زلت أعاني حتى في تغيير اسمي على باسبوري (جواز سفري) ليتناسب مع هويتي الجندرية، أواجه مشاكل كلما احتجت لإبراز هويتي او عبور حاجز أمني، وأسمع كلاماً جارحاً، أريد اليوم أن أجد نفسي أن أشعر كإنسانة ولست موضوعة في خانة أو ككائن فضائي من كوكب ثاني. أريد حياة طبيعية اليوم."

وتختم "مع الأسف لبنان مثله مثل أي دولة عربية محيطة به، ولا صحة للصورة التي يقدمها الإعلام العالمي عن بيروت بكونها جنة لمجتمع الميم عين بين الدول العربية، وبكونها أكثر أمانا وتقبلاً من غيرها، هذا وهم غير صحيح بتاتاً." 

يذكر أن منظمة أوكسفام سبق أن حذرت عام 2021، من أن مجتمع الميم يواجه تحديات هائلة في لبنان، حيث حرمت الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت في صيف 2020، أفراد هذا المجتمع مساحاتهم "الآمنة" ومصادر دخلهم.

سلاح حزب الله

في مقابلة أجراها غسان شربل ونشرها في كتابه "لعنة القصر،" يقول رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، رفيق الحريري، الذي اغتيل في العام ٢٠٠٥ في تفجير ضخم، إن إنهاء الميليشيات بعد اتفاق الطائف شهد محاولتين:

الأولى اعتمدها ميشال عون (قائد الجيش حينذاك)، عبر محاولة إنهاء القوات اللبنانية بالقوة، "استخدم المدفع فماذا كانت النتيجة؟"، يسأل الحريري، ثم يجيب: "دُمرت المنطقة الشرقية ودُمّر الجيش وبقيت الميليشيات". 

والطريقة الثانية التي يتحدث عنها الحريري كانت تلك التي اعتمدها رئيس الجمهورية في تلك الفترة، الياس الهراوي، الذي قال للميليشيات (بحسب الحريري): "الدولة تتسع للجميع. سلموا أسلحتكم للدولة وشاركوا". يتابع الحريري: "أسألك أين هي الميليشيات اليوم؟ ذابت الميليشيات".

ما يحكي عنه الحريري حدث في العام 1990 بعد شهور على توقيع اتفاق الطائف في أكتوبر ١٩٨٩، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. 

نص الاتفاق آنذاك بوضوح على أن الحكومة الأولى بعد الطائف تضع خطة هدفها "بسط سلطة الدول اللبنانية تدریجیاً علـى كامل الأراضي اللبنانیة بواسطة قواتها الذاتیة". ل

يس ذلك فقط، بل وضع الاتفاق جدولاً زمنياً لهذا الانتقال من عهد الميليشيات إلى عهد الدولة: 

"الإعلان عن حل جمیع المیلیشیات اللبنانية وغیـر اللبنانية وتسليم أسـلحتها إلـى الدولـة اللبنانية خـلال سـتة أشـهر تبـدأ بعـد التصديق علـى وثیقـة الوفـاق الـوطني وانتخـاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومـة الوفـاق الـوطني وإقـرار الإصـلاحات السياسية بصورة دستورية".

"ذابت الميليشيات" في الدولة، بحسب المصطلح الذي استخدمه الحريري، وهذا الذوبان تمّ، على ما يشرح غسان شربل، عبر "رشوة الميليشيات بحصة من الدولة". دخل كثير من عناصر هذه الميليشيات إلى القوى العسكرية والأمنية الرسمية، وتسلّم الجيش اللبناني منها السلاح الثقيل والمتوسط، فيما بقي كثير من السلاح الخفيف (رشاشات ومسدسات) في بيوت عديد من اللبنانيين حتى يومنا هذا.

ما كان لافتاً لدى تطبيق هذا الاتفاق، أن "حزب الله" وحده لم "يذب" في الدولة، وجرى الإبقاء على سلاحه، بحجة "مقاومة إسرائيل"، بتواطؤ من أطراف محلية واقليمية، وبغض نظر من الأطراف الدوليين. 

بقي "حزب الله" الميليشيا المسلحة الوحيدة بعد الطائف. وراح يكبر في منظومته العسكرية حتى بات جيشاً رديفاً، يغرّد وحيداً بأجندة إيرانية- سورية، في مخالفة واضحة لنص اتفاق الطائف، وفي تحايل على أحد بنوده الذي ينص على "اتخـاذ كافـة الإجراءات اللازمة لتحرير جمیع الأراضـي اللبنانية مـن الاحتلال الإسرائيلي وبسط سـیادة الدولـة علـى جمیع أراضيها ونشر الجیش اللبناني في منطقة الحـدود اللبنانیة المعتـرف بهـا دولیاً والعمـل علـى تـدعیم وجـود قـوات الطوارئ الدولية فـي الجنـوب اللبنـاني لتأمين الانسحاب الإسرائيلي ولإتاحـة الفرصـة لعـودة الأمـن والاسـتقرار إلـى منطقـة الحدود". 

هذه الفقرة تبدو مطابقة إلى حد كبير لنص القرار 1701، موضع التنفيذ حاليا في جنوب لبنان.

اليوم، بعد حرب طاحنة مع إسرائيل أفقدته قوته العسكرية، يعود الحديث عن تسليم سلاح "حزب الله" للدولة على غرار ما حدث مع باقي الميليشيات في العام ١٩٩٠، وقد تحدث رئيس الجمهورية، جوزاف عون، في مقابلة تلفزيونية عن حوار ثنائي مع الحزب لتسليم سلاحه. وفي تصريح آخر- أثار بلبلة ديبلوماسية مع العراق- أكد عون أنه من غير الوارد تكرار تجربة الحشد الشعبي في لبنان.

الخبير الأمني والعسكري الجنرال المتقاعد خليل الحلو، يرى في مقابلة مع موقع "الحرة" أن تجربة الحشد الشعبي في العراق غير مقبولة في لبنان، "ويجب أن تمر عبر مجلس الوزراء ولا أعتقد أن أي مجلس وزراء يستطيع تمرير هكذا قرار كما تحتاج إلى قانون من مجلس النواب، من أجل التمويل، وهذا غير وارد".

يشرح الحلو أن "ميليشيات الحشد الشعبي تستحصل على رواتبها من الحكومة العراقية، وهي تأتمر نظرياً من الحكومة، لكن عملياً هناك فصائل عدة تأتمر بشكل مباشر أو غير مباشر من إيران ولديها أيديولوجيتها الخاصة. وهذه التجربة دلت على أن الحكومة العراقية لا تسيطر على الحشد الشعبي".

وهذا، برأي الحلو، هو بيت القصيد في مسألة استيعاب عناصر "حزب الله" داخل الجيش اللبناني. 

بالنسبة إلى الحلو فإن المسألة سياسية وعسكرية: "لا يمكن أن يكون هناك أمرة عسكرية على حشد شعبي-نسخة لبنانية، وهذا الحشد الشعبي يفعل كما يحلو له ويجر لبنان إلى حروب لا يريدها".

معضلة أخرى تبرز في الحالة اللبنانية ترتبط بحساسية التوازن الطائفي القائم على قاعدة يطلق عليها اللبنانيون تسمية "ستة وستة مكرر". وهي تعود إلى فترة الانتداب الفرنسي، ومرتبطة بمراسلات بين رئيس الجمهورية آنذاك والمفوض السامي الفرنسي تتعلق بالمساواة في الحقوق السياسية والمدنية بين اللبنانيين.

كانت هناك مراسلة رقمها ٦، أرسلها الرئيس إلى المفوض أكد فيها على التزام المساواة في التعيينات والوظائف الرسمية، وبعد رد المفوض أرسل الرئيس رسالة ثانية حملت عنوان "٦ مكرر"، جدد فيها الرئيس التزامه السابق، وتحول الأمر مع الوقت إلى عرف لبناني، نص عليه اتفاق الطائف عبر المناصفة في مجلس النواب بين المسلمين والمسيحيين.

مراعاة "الستة وستة مكرر" ستكون صعباً في حالة ضم آلاف العناصر من "حزب الله" إلى الجيش اللبناني. الحلو يذكر أنه "عندما جرى استيعاب الميلشيات في العام ١٩٩٠ داخل الجيش اللبناني، كان الأمر مقبولاً لأن العدد لم يكن كبيراً، وأكثرية الميليشياويين في ذلك الوقت اختاروا الذهاب إلى الحياة المدنية وليس إلى الجيش".

إذا حصل الأمر كما يتم تداوله، أي ضم مقاتلي "حزب الله" إلى الجيش دفعة واحدة، فإنه بلا شك سيكسر التوازن الطائفي داخل المؤسسة العسكرية، كما يؤكد الحلو، "وقيادة الجيش حريصة على الحفاظ ليس فقط على التوازن الطائفي (إسلامي – مسيحي) بل أيضاً التوازن المذهبي (سني-شيعي مثلاً)". 

ولهذا يرى حلو أن "هناك استحالة في ضم عناصر حزب الله بالآلاف إلى الجيش، لأن المسألة لا تتعلق فقط بالأعداد، بل العقيدة القتالية وبالموازنة والتسليح وهي مسألة متكاملة".

هل حزب الله مستعد للتخلي عن ثلاثين ألف مقاتل؟ يسأل الحلو. ثم يجيب: "واقعياً المعضلة موجودة ولا حل عملياً لها، إلا بفتح باب التطويع وتدريب المقاتلين وفق عقيدة الجيش اللبناني واستيعابهم داخل المؤسسة إذا كانوا مقتنعين، رغم انتمائهم لحزب الله، بالالتزام بعقيدة الجيش والالتزام بالأوامر على المستويين العسكري والسياسي". 

الحلو يقول إن هناك ضباطاً شيعة في الجيش اليوم من الجو السياسي لـ"حزب الله"، و"هؤلاء مندمجون في الجيش في تجربة تعتبر إلى حد كبير ناجحة، وإذا كان حزب الله لا يثق بهؤلاء الضباط فإنه لن يثق بالدولة اللبنانية".

لماذا يقوم الجيش اللبناني بإتلاف السلاح الذي يصادره من "حزب الله" ولا يحتفظ به؟

هذا السؤال، الذي يترافق غالباً مع قضية ضم مقاتلي "حزب الله" يطرحه كثيرون، ويرى البعض أن الأمر يعود لأسباب سياسية. لكن الحلو يقول إن الأمر تقني بحت، "في ألف-باء الأمور العسكرية، عندما يكون هناك ذخائر لا يمكن استخدامها أو صيانتها، تصبح خطرة، وتخزينها خطر، وأكبر دليل على ذلك ذخائر لحزب الله انفجرت بعناصر من الجيش اللبناني وهم ينقلونها وقتلت ٣ عسكريين".

في السابق كانت تقع حوادث يصادر على إثرها الجيش ذخائر وأسلحة لـ"حزب الله" وكانت تعاد هذه الأسلحة للحزب بقرار من السلطة السياسية، استنادا إلى البيانات الوزارية السابقة التي كانت تغطي تسليح الحزب وعمله العسكري. اليوم اختلف الأمر تماماً، كما يقول الحلو، "البيان الوزاري يلتزم بتطبيق القرار ١٧٠١ والسلطة السياسية كلها ملتزمة بهذا الأمر تحت رقابة دولية".