الفنان عبدالله الحمصي
لبنان يفقد "عملاقاَ كوميدياَ" برحيل عبدالله الحمصي الذي "أسعد الأجيال"   | Source: تويتر

بكثير من الحزن و"النوستالجيا"، ودع اللبنانيون الثلاثاء الممثل المخضرم عبد الله الحمصي، الذي توفي عن عمر ناهز 86 عاما، تاركا خلفه تاريخا ضخما من الأعمال الفنية الكوميدية والدرامية، التي طبعت في ذاكرة أجيال متلاحقة من اللبنانيين على مدى أكثر من 60 عاما.  

"أسعد"، هو الاسم الذي اشتهر به الحمصي، الذي ولد عام 1937 في حي الزاهرية الشعبي في مدينة طرابلس شمالي لبنان، بعدما كان شريكا مؤسسا لفرقة كوميديا لبنان اللمعروفة شعبيا باسم فرقة "أبو سليم"، مع الفنان صلاح تيزاني عام 1957، حيث قدموا عروضهم الأولى مع فرقة كشفية، قبل أن ينتقل إلى المسرح الذي رافقه منذ طفولته، ومن ثم إلى البرنامج التلفزيوني الكوميدي "أبو سليم الطبل" الذي انطلق مع انطلاقة تلفزيون لبنان الرسمي.  

عبدالله الحمصي

لعب "أسعد" (الحمصي) دورا محوريا في مسيرة الفرقة، وتمكن من طبع شخصيته القروية البسيطة والفكاهية في ذاكرة اللبنانيين على مدى أجيال متعاقبة، راسما الضحكة على وجوه مئات آلاف من اللبنانيين، الذين أستذكروه اليوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالرثاء والمديح والعرفان لمسيرته الفنية الطويلة.  

كذلك حقق عبدالله الحمصي نجاحا فنيا بارزا في أعمال أخرى، نحو 2000 ساعة تلفزيونية ونحو 70 مسرحية، مثل "أسعد وعيلة أبو الريش" و"شاكوش ومنشار" و"أسعد على الهواء"، و15 عملا سينمائيا أبرزها "بنت الحارس" و"سفر برلك" و"بياع الخواتم"، لعبت بطولتهم الفنانة اللبنانية فيروز، وغيرها من الأعمال المسرحية والتلفزيونية للأخوين الرحباني، إضافة إلى "غيتار الحب" (1973)، و"نهلة" (1979)، و"زنار النار" (2004)، كما في رصيده آلاف الساعات الإذاعية المسجلة.  

دائما ما كانت العفوية والبساطة مرافقة لأدوار الحمصي التي لمع بها، وأبرزها دور "دويك" في "دويك يا دويك" الذي لعبه في سبعينيات القرن الماضي، ابن القرية الذي يعود للمرة الأولى إلى العاصمة بيروت بعد الحرب الأهلية فيجدها مختلفة تماما عما عرفه، وأعاد تجسيد هذا الدور في العام 2000.  

وكثيرا ما مثل أدوارا عبر فيها عن معاناة الفقراء وأبناء المناطق المهمشة والأحياء الشعبية، ما راكم من رصيده الشعبي وزاد من إعجاب الناس بتمثيله وثبته كواحد من كبار نجوم الكوميديا في لبنان.  

ورغم ما حققه من شهرة بين اللبنانيين، كان لمدينة طرابلس حصة الأسد من الاهتمام الفني للراحل الحمصي، حيث تمحورت معظم مشاريعه المسرحية والفنية في مدينته، التي تعتبر الأفقر في لبنان، وكان أبرزها "فرقة الفنون الشعبية" التي قدمت مجموعة كبيرة من الأعمال المسرحية في المدينة وشكلت جزءا بارزا من تاريخها الفني.  

اللبنانيون ودعوا "أسعد" الذي يوارى الثرى الأربعاء في مدينة طرابلس، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال إعادة نشر مقاطع تمثيلية وصور له من أدواره الفنية، مستذكرين الأوقات التي أمضوها مع أعماله الفنية والفرحة والضحكة التي دائما ما تركها على أنفسهم ووجوههم، فيما استعاد قسم كبير منهم ذكريات من مراحل طفولتهم كان للحمصي مكانا فيها.  

وفي بيان نعت وزارة الثقافة اللبنانية الحمصي، وقالت إن الساحة الفنية اللبنانية "فقدت برحيل الفنان المميز المعروف بأسعد شخصية من الزمن الجميل، أدخلت البسمة والفرحة إلى قلوب جميع اللبنانيين ومن مختلف الأعمار، بأسلوب كوميدي راق حيث ترك بصمة في المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون". 

وقال وزير الإعلام اللبناني، زياد مكاري، إن الحمصي كان من بين النجوم الذين غزوا تلفزيون لبنان باحترافه ومواهبته الفطرية المميزة. وأضاف "سنفتقده في كل مرة سنزور قلعة طرابلس جارته، كما ستفتقده ذاكرة الفن اللبناني". 

كذلك، نعى الممثل عدد كبير من نجوم الوسط الفني والثقافي في لبنان. 

"تركت لنا الكثير من الضحك".

 

ونعت نقابة الممثلين في لبنان، بدورها، الحمصي وقدمت لمحبيه وللشعب اللبناني وذويه بأحر التعازي. وقال نقيب الممثلين في لبنان، نعمة بدوي، على فيسبوك إن لبنان "خسر قامة كبيرة من نجوم الزمن الجميل وممثلا كوميديا ودراميا قل نظيره في سماء المسرح و السينما و التلفزيون".  

وفي حديث لموقع قناة "الحرة" أضاف بدوي أن الحمصي كان من الشخصيات الفنية النادرة، "بقدر ما نجح في إضحاكنا، بقدر ما أقنعنا بأدوار أخرى وأبكانا، وهذا ليس أمرا سهلا، هو ممثل من خامة مرتفعة، نجح في مخاطبة 4 أو 5 أجيال والوصول إليهم والحفر في ذاكرتهم".  

وتراجع حضور الحمصي على الساحة الفنية في السنوات الأخيرة خصوصا بفعل تدهور وضعه الصحي، واقتصر ظهوره على بعض الإطلالات التلفزيونية النادرة، وبعض الأعمال المسرحية المحلية في المناطق اللبنانية، ودائما ما عبر في إطلالاته الإعلامية مؤخرا عن خيبة أمله من التعامل الرسمي اللبناني مع الفنانين الكبار، مؤكدا اكتفاءه "بمحبة الناس".

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.