حكم بحبس الإعلامية اللبنانية ديما صادق
حكم بحبس الإعلامية اللبنانية ديما صادق

أصدرت محكمة جزائية لبنانية، حكما يقضي بسجن الإعلامية اللبنانية، ديما صادق لمدة سنة، بجرم "إثارة النعرات الطائفية والقدح والذمّ"، وذلك في الدعوى المقدمة ضدها من التيار الوطني الحر، ممثلاً برئيسه جبران باسيل، وذلك على خلفية تغريدة تعود إلى العام 2020، وصفت عبرها صادق التيار الوطني الحر بـ"النازي". 

الحكم أثار صدمة في الوسط الإعلامي والحقوقي في لبنان، ووصف بكونه "استثنائيا" و"خطيرا"، لناحية الحكم بالسجن بحق صحفية بسبب تغريدة عبرت فيها عن رأيها، الأمر الذي من شأنه تهديد حرية التعبير والحريات الإعلامية والصحفية في البلاد، وفق ما يقول الحقوقيون، الأمر الذي ترجم إلى موجة استنكارات واسعة عمت مواقع التواصل الاجتماعي.

وكانت صادق أعلنت عن صدور الحكم بحقها عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك عبر فيديو تحدثت خلاله عن خلفية هذا الحكم. 

وقالت الإعلامية اللبنانية في منشورها: "جبران باسيل انتزع قرار قضائي بسجني سنة دون إيقاف التنفيذ من محكمة الجزاء من خلال القاضية روزين حجيلي في سابقة استثنائية. نعم، في لبنان يسجن الصحفيون بدعاوى القدح والذم."
 

 "إنه جنون" 

وفي اتصال مع موقع "الحرة"، اعتبرت صادق أن الحكم يأتي في سياق تأديبي، وقالت: "أحزاب السلطة الحاكمة بدأت تستعيد أساسها، عقب ثورة 17 تشرين الأول (أكتوبر 2019)، ومن الواضح أنها تريد تحصين نفسها بكل الطرق كي لا تشهد إعادة لما حصل حينها، لناحية تصاعد أصوات كثيرة في وجهها." 

ووضعت صادق ما حصل في سياق "التخويف"، بهدف "قمع أي محاولة للاعتراض والسخط والثورة، وإسكات أي صوت في هذا الإطار، يرون أنهم حين يخوّفون شخصاً بهذه الطريقة، يمنعون غيره أيضاً عن الكلام." 

وإذ تبدي صادق استغرابها من الحكم الصادر "من دون وقف تنفيذ"، ترى أن الأمور ذاهبة باتجاه تطبيق الحكم بسجنها، مضيفة "هناك شيء عجائبي يحصل في لبنان، دائما ما تحاكم الضحية، ففي قضية انفجار مرفأ بيروت مثلاً جرى استدعاء شقيق أحد الضحايا إلى التحقيق من ناحية المطلوبين للقضاء في القضية، جهاز أمن الدولة، الأمر نفسه اليوم يحصل، تغريدتي كانت ضد النعرات والممارسات العنصرية، والآن يحاكمونني أنا بالعنصرية، إنه جنون." 

يذكر أن التغريدة موضوع الدعوى المقدمة من ناحية التيار الوطني الحر بحق صادق، كانت قد كتبتها على خلفية اعتداء تعرض له شابان من مدينة طرابلس في مدينة جونية، من قبل مناصرين للتيار الوطني الحر بتاريخي 6 و7 فبراير 2020، وذلك بسبب مشاركتهما الاحتجاجات التي كانت قائمة في لبنان بذلك الوقت ضد السلطات الحاكمة في البلاد وعلى رأسها التيار الوطني الحر الذي كان مؤسسه، ميشال عون، لا يزال رئيساً للجمهورية حينها. 

ووصفت صادق في تغريدتها وقتها التيار الوطني الحر بـ"النازي"، وقالت تعليقاً على الحادثة "اعتداء جديد من قبل التيار النازي بضربه على رأسه ورميه في المجارير.. وقالوا له عون تاج راسك وراس طرابلس". وصف لا تزال صادق تؤكد عليه في تعبيرها عما جرى قبل 3 سنوات بكونه "عنصري ونازي". 

التيار يحتفل

في المقابل، احتفى التيار الوطني الحر بالحكم الصادر، في بيان صادر عن لجنة الاعلام والتواصل، اعتبر فيه أن القضاء اللبناني "أنصفه" ودان الإعلامية "بجرائم القدح والذم وإثارة النعرات الطائفية". 

وأضاف أنه "جاء في الحكم الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في بيروت، روزين حجيلي، بتاريخ 10 /7/2023 في حق ديما صادق أنه قضى بسجنها لمدة سنة وتجريدها من حقوقها المدنية وتدفيعها غرامة بقيمة مئة وعشرة ملايين ليرة لبنانية، وذلك على خلفية الشكوى المقدمة في حقها من المحامي، ماجد البويز، بالوكالة عن التيار الوطني الحر لتلفيقها الأكاذيب واتهامها شباب التيار الوطني الحر زورا بأنهم عنصريون وبأن التيار حزب نازي".

وختم أن "الحكمة من هذا الحكم أن الحق يظهر مهما طال الزمن".

وفي السياق نفسه غرّد الوكيل القانوني لرئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل، المحامي، ماجد بويز، عبر حسابه على تويتر: "ديما صادق كلامك غير صادق، إنما وعدنا صادق، افتريتي بحق شباب التيار، فوعدنا بملاحقتك، ها هو القضاء اليوم ينصفنا ويدينك بجرائم القدح والذم وإثارة النعرات الطائفية، ويحبسك سنة ويجردك من بعض حقوقك المدنية ويلزمك بمئة وعشرة ملايين كعطل وضرر لصالح التيار الوطني الحر، إنشالله تكوني تعلمتي".

قلق في الوسط الإعلامي

وأثار الحكم الصادر قلق بالغ في الوسط الإعلامي لناحية تعميم مثل هذه الأحكام في هكذا نوع من القضايا، الأمر الذي من شأنه تهديد واقع الحريات الإعلامية وحرية الرأي في لبنان، التي عانت خلال السنوات الماضية من انتهاكات متزايدة وثقتها المنظمات الحقوقية العاملة على هذا الصعيد. 

يقول المسؤول الاعلامي في "مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية"(سكايز)، جاد شحرور، إن أول ما تذكره عند قراءته لخبر الحكم الصادر بحق صادق هو "ما شهده عهد ميشال عون، لناحية صدور 4 أحكام سجن بحق صحفيين في البلاد، وكانت سابقة تسجل لأول مرة في التاريخ الحديث للبلاد." 

ويعتبر شحرور في حديثه لموقع "الحرة" أن الحكم الصادر "غريب من نوعه، مشدداً على أن تغريدة صادق لم تكن تتضمن قدح وذم، وإنما نقد بالسياسة، حيث لم تستخدم أي عبارات نابية قد تصنف على أنها قدح وذم، انما توصيف سياسي لا غير، "وهذا يدل إلى أي مدى التيار الوطني الحر يستكمل مساره بالقمع منذ أن كان في الحكم حتى اليوم حيث يحاول أن يثأر عبر هكذا احكام وقرارات." 

يحذر الناشط الحقوقي من تأثير هذا النوع من الأحكام بالنسبة للإضرار بعمل الصحفيين في لبنان، وصورة البلاد "التي يحاول السياسيون أنفسهم إظهاره بأنه بلد الحريات والديمقراطية، فيما سقف هذه الديمقراطية يتوقف عند كشف فسادهم وممارساتهم."

ويرى شحرور أنه من غير الواضح الخلفية القانونية التي اعتمدها القضاء للوصول إلى حكم مشدد من هذا النوع، خاصة من ناحية عدم إرفاقه بوقف تنفيذ، معتبراً أن "الأمل الوحيد اليوم بالاستئناف". 

ويلفت إلى أهمية الضغط من ناحية الوسط الإعلامي وإطلاق الحملات التي تناصر مبدأ "الحريات أولا"، معبراً عن قناعته أنه من الواجب على كل ناشط وإعلامي اتخاذ الإجراءات اللازمة للتوعية والضغط، "فمعركة الحريات ليست معركة الصحفيين وحدهم في لبنان، وإنما معركة حرية الرأي وامتلاك المعلومة ويجب أن يكون الناس خط الدفاع الأول عنها، قبل أي صفة اجتماعية أو مهنية". 
 

يُذكر أنّ محكمة المطبوعات في لبنان تمنع سجن الصحفيين، لكنّ "التيار الوطني الحر" لجأ إلى القضاء الجزائي لملاحقة صادق بكون الفعل موضع الشكوى ليس منشوراً في وسيلة مطبوعة، وبكون المنشور الإلكتروني ليس من ضمن عملها الصحفي.

"القضاء قال كلمته"

من ناحيتها، ترى منسقة الإعلام والتواصل في التيار الوطني الحر، مايا معلوف كنعان، أن الحرية الإعلامية لا تكون "بالكذب والتشهير والتلفيق والتحريض، ليس هذا مفهوم حرية الإعلام." 

وتضيف: "لو كانت اتهامات ديما صحيحة لما كان التيار تقدم بدعوى، ولكن ليس صحيحا أن الاعتداء الذي حصل حينها نفذه مناصرو التيار، صدر هذا الاتهام عن ديما صادق دون أي دليل، وأرادت منه وضع المسيحيين في وجه المسلمين السنّة من خلال الإيحاء المناطقي بين جونية وطرابلس". 

وعن تداعيات الحكم وتأثيره على حرية التعبير والإعلام، تقول كنعان "لسنا مسؤولين عن الحكم القضائي وتداعياته، نحن احتكمنا للقضاء الذي أصدر حكما بالغرامة والسجن، ولسنا نحن من قررنا هذا الحكم، ما فعلناه نحن هو رفع دعوى بالقدح والذم وتلفيق الأخبار واتهامنا بالعنصرية، وهذه أمور ليست غريبة عن ديما صادق."  

وتضيف "نحن لسنا القضاء. إما ان نعترف بالاحتكام للقضاء كمبدأ ونسلم بما يصدر عنه، وهذا خيارنا، أو يكون المطلوب في المقابل أن يأخذ كل طرف حقه بيده، على العكس يجب للناس أن تشجع خيار اللجوء للقضاء مقابل نماذج وضع الناس في صناديق السيارات." 

كنعان تلفت إلى أنها ليست الدعوى الأولى من نوعها، مؤكدة أن التيار يرفع يومياً دعاوى بحق إعلاميين وأشخاص يعملون في الإعلام "بسبب التلفيق والتشهير والكذب، نربح أحيانا ونخسر أحيانا واليوم القضاء قال كلمته وأعطانا حقنا، ومن لديه مشكلة فليراجع القضاء." 

وترفض كنعان المناداة بالحريات الإعلامية في هذه القضية معتبرة أنه "لا يحق لكل إعلامي مخطئ يلاحقه القضاء أن يرفع شعار الحرية الإعلامية، نحترم جداً الحريات الإعلامية، وكلنا إعلاميون والإعلام مكرس، ولكن ديما وقضيتها اليوم لا تمثل الإعلام وانما تمثل نفسها وتدفع اليوم ثمن خطأ ارتكبته." 

إلى الاستئناف

الوكيلة القانونية لصادق، المحامية، ديالا شحادة، ترى في حديثها لموقع "الحرة" أن ما فعلته ديما هو "توصيف فعل تشبيح عنصري بأنه عنصري، وتطلب محاربته"، مشددة على أن الحكم الصادر "غير عادل ومخالف للقانون وسنستأنفه بطبيعة الحال."

المثير للاستغراب بالحكم، بحسب شحادة، أنه ليس هناك تقريباً أي سابقة معروفة بإصدار هذا النوع من الأحكام، لناحية الإدانة بجرم إثارة النعرات الطائفية، "هناك أحكام بعدم الإدانة، وإن حصلت فهي نادرة جداً وغير متداولة في موسوعات الأحكام المتوفرة، حتى أمام محكمة المطبوعات ورغم وجود الكثير من الدعاوى بهذا الشأن لاسيما بين السياسيين، غالباً تعمد محكمة المطبوعات إلى اعتبار أن القصد غير متوفر." 

وتوضح شحادة أن هذا الاعتبار يعود إلى القاضي، لناحية تقدير وجود القصد بإثارة النعرات من عدمه، وفقاً للمعطيات التي لديه، "ولكن حتى بصدور هذا النوع من الأحكام تكون مع وقف التنفيذ وفرض غرامة مالية".

 

المحامية تلفت إلى أن الحكم الصادر بحق صادق بتهمة إثارة النعرات سبق للنيابة العامة أن ردته عند تقديم الادعاء، "اكتفى حينها النائب العام بالادعاء بمادتين هما القدح والذم، ولكن بما أنها جنحة يمكن للقاضية أن تعدل الوصف الجرمي وفق القانون، وهنا السؤال، علام استندت القاضية في هذا التعديل؟ أين إثارة النعرات في تغريدات صادق؟ ما قالته ديما إن هناك اعتداء عنصري حصل معتبرة أن ذلك يحمل فكراً عنصرياً يجب محاربته، فكيف يكون ذلك تحريض طائفي؟" تسأل شحادة. 

ترى شحادة أن خطورة هذا الحكم تتمثل بكونه "صفعة موجهة لجميع اللبنانيين الذين يطالبون بإنهاء الطائفية في الخطابات والممارسات التي يرتكبها السياسيون وأحزابهم ومناصريهم." 

وتضيف "ابن طرابلس حين شهد مشهد الاعتداء على أبناء مدينته، وكيل الكلام العنصري لهم فقال "ما هذه العنصرية" أو نشرها على فيسبوك أو تويتر يكون مجرما في وصفه لفعل عنصري؟ هذا استهداف لفكرة حرية التعبير وإحباط لأي انتقادات للأفعال العنصرية التي يرتكبها السياسيون ومناصريهم." 

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".