حكم بحبس الإعلامية اللبنانية ديما صادق
حكم بحبس الإعلامية اللبنانية ديما صادق

أصدرت محكمة جزائية لبنانية، حكما يقضي بسجن الإعلامية اللبنانية، ديما صادق لمدة سنة، بجرم "إثارة النعرات الطائفية والقدح والذمّ"، وذلك في الدعوى المقدمة ضدها من التيار الوطني الحر، ممثلاً برئيسه جبران باسيل، وذلك على خلفية تغريدة تعود إلى العام 2020، وصفت عبرها صادق التيار الوطني الحر بـ"النازي". 

الحكم أثار صدمة في الوسط الإعلامي والحقوقي في لبنان، ووصف بكونه "استثنائيا" و"خطيرا"، لناحية الحكم بالسجن بحق صحفية بسبب تغريدة عبرت فيها عن رأيها، الأمر الذي من شأنه تهديد حرية التعبير والحريات الإعلامية والصحفية في البلاد، وفق ما يقول الحقوقيون، الأمر الذي ترجم إلى موجة استنكارات واسعة عمت مواقع التواصل الاجتماعي.

وكانت صادق أعلنت عن صدور الحكم بحقها عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك عبر فيديو تحدثت خلاله عن خلفية هذا الحكم. 

وقالت الإعلامية اللبنانية في منشورها: "جبران باسيل انتزع قرار قضائي بسجني سنة دون إيقاف التنفيذ من محكمة الجزاء من خلال القاضية روزين حجيلي في سابقة استثنائية. نعم، في لبنان يسجن الصحفيون بدعاوى القدح والذم."
 

 "إنه جنون" 

وفي اتصال مع موقع "الحرة"، اعتبرت صادق أن الحكم يأتي في سياق تأديبي، وقالت: "أحزاب السلطة الحاكمة بدأت تستعيد أساسها، عقب ثورة 17 تشرين الأول (أكتوبر 2019)، ومن الواضح أنها تريد تحصين نفسها بكل الطرق كي لا تشهد إعادة لما حصل حينها، لناحية تصاعد أصوات كثيرة في وجهها." 

ووضعت صادق ما حصل في سياق "التخويف"، بهدف "قمع أي محاولة للاعتراض والسخط والثورة، وإسكات أي صوت في هذا الإطار، يرون أنهم حين يخوّفون شخصاً بهذه الطريقة، يمنعون غيره أيضاً عن الكلام." 

وإذ تبدي صادق استغرابها من الحكم الصادر "من دون وقف تنفيذ"، ترى أن الأمور ذاهبة باتجاه تطبيق الحكم بسجنها، مضيفة "هناك شيء عجائبي يحصل في لبنان، دائما ما تحاكم الضحية، ففي قضية انفجار مرفأ بيروت مثلاً جرى استدعاء شقيق أحد الضحايا إلى التحقيق من ناحية المطلوبين للقضاء في القضية، جهاز أمن الدولة، الأمر نفسه اليوم يحصل، تغريدتي كانت ضد النعرات والممارسات العنصرية، والآن يحاكمونني أنا بالعنصرية، إنه جنون." 

يذكر أن التغريدة موضوع الدعوى المقدمة من ناحية التيار الوطني الحر بحق صادق، كانت قد كتبتها على خلفية اعتداء تعرض له شابان من مدينة طرابلس في مدينة جونية، من قبل مناصرين للتيار الوطني الحر بتاريخي 6 و7 فبراير 2020، وذلك بسبب مشاركتهما الاحتجاجات التي كانت قائمة في لبنان بذلك الوقت ضد السلطات الحاكمة في البلاد وعلى رأسها التيار الوطني الحر الذي كان مؤسسه، ميشال عون، لا يزال رئيساً للجمهورية حينها. 

ووصفت صادق في تغريدتها وقتها التيار الوطني الحر بـ"النازي"، وقالت تعليقاً على الحادثة "اعتداء جديد من قبل التيار النازي بضربه على رأسه ورميه في المجارير.. وقالوا له عون تاج راسك وراس طرابلس". وصف لا تزال صادق تؤكد عليه في تعبيرها عما جرى قبل 3 سنوات بكونه "عنصري ونازي". 

التيار يحتفل

في المقابل، احتفى التيار الوطني الحر بالحكم الصادر، في بيان صادر عن لجنة الاعلام والتواصل، اعتبر فيه أن القضاء اللبناني "أنصفه" ودان الإعلامية "بجرائم القدح والذم وإثارة النعرات الطائفية". 

وأضاف أنه "جاء في الحكم الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في بيروت، روزين حجيلي، بتاريخ 10 /7/2023 في حق ديما صادق أنه قضى بسجنها لمدة سنة وتجريدها من حقوقها المدنية وتدفيعها غرامة بقيمة مئة وعشرة ملايين ليرة لبنانية، وذلك على خلفية الشكوى المقدمة في حقها من المحامي، ماجد البويز، بالوكالة عن التيار الوطني الحر لتلفيقها الأكاذيب واتهامها شباب التيار الوطني الحر زورا بأنهم عنصريون وبأن التيار حزب نازي".

وختم أن "الحكمة من هذا الحكم أن الحق يظهر مهما طال الزمن".

وفي السياق نفسه غرّد الوكيل القانوني لرئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل، المحامي، ماجد بويز، عبر حسابه على تويتر: "ديما صادق كلامك غير صادق، إنما وعدنا صادق، افتريتي بحق شباب التيار، فوعدنا بملاحقتك، ها هو القضاء اليوم ينصفنا ويدينك بجرائم القدح والذم وإثارة النعرات الطائفية، ويحبسك سنة ويجردك من بعض حقوقك المدنية ويلزمك بمئة وعشرة ملايين كعطل وضرر لصالح التيار الوطني الحر، إنشالله تكوني تعلمتي".

قلق في الوسط الإعلامي

وأثار الحكم الصادر قلق بالغ في الوسط الإعلامي لناحية تعميم مثل هذه الأحكام في هكذا نوع من القضايا، الأمر الذي من شأنه تهديد واقع الحريات الإعلامية وحرية الرأي في لبنان، التي عانت خلال السنوات الماضية من انتهاكات متزايدة وثقتها المنظمات الحقوقية العاملة على هذا الصعيد. 

يقول المسؤول الاعلامي في "مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية"(سكايز)، جاد شحرور، إن أول ما تذكره عند قراءته لخبر الحكم الصادر بحق صادق هو "ما شهده عهد ميشال عون، لناحية صدور 4 أحكام سجن بحق صحفيين في البلاد، وكانت سابقة تسجل لأول مرة في التاريخ الحديث للبلاد." 

ويعتبر شحرور في حديثه لموقع "الحرة" أن الحكم الصادر "غريب من نوعه، مشدداً على أن تغريدة صادق لم تكن تتضمن قدح وذم، وإنما نقد بالسياسة، حيث لم تستخدم أي عبارات نابية قد تصنف على أنها قدح وذم، انما توصيف سياسي لا غير، "وهذا يدل إلى أي مدى التيار الوطني الحر يستكمل مساره بالقمع منذ أن كان في الحكم حتى اليوم حيث يحاول أن يثأر عبر هكذا احكام وقرارات." 

يحذر الناشط الحقوقي من تأثير هذا النوع من الأحكام بالنسبة للإضرار بعمل الصحفيين في لبنان، وصورة البلاد "التي يحاول السياسيون أنفسهم إظهاره بأنه بلد الحريات والديمقراطية، فيما سقف هذه الديمقراطية يتوقف عند كشف فسادهم وممارساتهم."

ويرى شحرور أنه من غير الواضح الخلفية القانونية التي اعتمدها القضاء للوصول إلى حكم مشدد من هذا النوع، خاصة من ناحية عدم إرفاقه بوقف تنفيذ، معتبراً أن "الأمل الوحيد اليوم بالاستئناف". 

ويلفت إلى أهمية الضغط من ناحية الوسط الإعلامي وإطلاق الحملات التي تناصر مبدأ "الحريات أولا"، معبراً عن قناعته أنه من الواجب على كل ناشط وإعلامي اتخاذ الإجراءات اللازمة للتوعية والضغط، "فمعركة الحريات ليست معركة الصحفيين وحدهم في لبنان، وإنما معركة حرية الرأي وامتلاك المعلومة ويجب أن يكون الناس خط الدفاع الأول عنها، قبل أي صفة اجتماعية أو مهنية". 
 

يُذكر أنّ محكمة المطبوعات في لبنان تمنع سجن الصحفيين، لكنّ "التيار الوطني الحر" لجأ إلى القضاء الجزائي لملاحقة صادق بكون الفعل موضع الشكوى ليس منشوراً في وسيلة مطبوعة، وبكون المنشور الإلكتروني ليس من ضمن عملها الصحفي.

"القضاء قال كلمته"

من ناحيتها، ترى منسقة الإعلام والتواصل في التيار الوطني الحر، مايا معلوف كنعان، أن الحرية الإعلامية لا تكون "بالكذب والتشهير والتلفيق والتحريض، ليس هذا مفهوم حرية الإعلام." 

وتضيف: "لو كانت اتهامات ديما صحيحة لما كان التيار تقدم بدعوى، ولكن ليس صحيحا أن الاعتداء الذي حصل حينها نفذه مناصرو التيار، صدر هذا الاتهام عن ديما صادق دون أي دليل، وأرادت منه وضع المسيحيين في وجه المسلمين السنّة من خلال الإيحاء المناطقي بين جونية وطرابلس". 

وعن تداعيات الحكم وتأثيره على حرية التعبير والإعلام، تقول كنعان "لسنا مسؤولين عن الحكم القضائي وتداعياته، نحن احتكمنا للقضاء الذي أصدر حكما بالغرامة والسجن، ولسنا نحن من قررنا هذا الحكم، ما فعلناه نحن هو رفع دعوى بالقدح والذم وتلفيق الأخبار واتهامنا بالعنصرية، وهذه أمور ليست غريبة عن ديما صادق."  

وتضيف "نحن لسنا القضاء. إما ان نعترف بالاحتكام للقضاء كمبدأ ونسلم بما يصدر عنه، وهذا خيارنا، أو يكون المطلوب في المقابل أن يأخذ كل طرف حقه بيده، على العكس يجب للناس أن تشجع خيار اللجوء للقضاء مقابل نماذج وضع الناس في صناديق السيارات." 

كنعان تلفت إلى أنها ليست الدعوى الأولى من نوعها، مؤكدة أن التيار يرفع يومياً دعاوى بحق إعلاميين وأشخاص يعملون في الإعلام "بسبب التلفيق والتشهير والكذب، نربح أحيانا ونخسر أحيانا واليوم القضاء قال كلمته وأعطانا حقنا، ومن لديه مشكلة فليراجع القضاء." 

وترفض كنعان المناداة بالحريات الإعلامية في هذه القضية معتبرة أنه "لا يحق لكل إعلامي مخطئ يلاحقه القضاء أن يرفع شعار الحرية الإعلامية، نحترم جداً الحريات الإعلامية، وكلنا إعلاميون والإعلام مكرس، ولكن ديما وقضيتها اليوم لا تمثل الإعلام وانما تمثل نفسها وتدفع اليوم ثمن خطأ ارتكبته." 

إلى الاستئناف

الوكيلة القانونية لصادق، المحامية، ديالا شحادة، ترى في حديثها لموقع "الحرة" أن ما فعلته ديما هو "توصيف فعل تشبيح عنصري بأنه عنصري، وتطلب محاربته"، مشددة على أن الحكم الصادر "غير عادل ومخالف للقانون وسنستأنفه بطبيعة الحال."

المثير للاستغراب بالحكم، بحسب شحادة، أنه ليس هناك تقريباً أي سابقة معروفة بإصدار هذا النوع من الأحكام، لناحية الإدانة بجرم إثارة النعرات الطائفية، "هناك أحكام بعدم الإدانة، وإن حصلت فهي نادرة جداً وغير متداولة في موسوعات الأحكام المتوفرة، حتى أمام محكمة المطبوعات ورغم وجود الكثير من الدعاوى بهذا الشأن لاسيما بين السياسيين، غالباً تعمد محكمة المطبوعات إلى اعتبار أن القصد غير متوفر." 

وتوضح شحادة أن هذا الاعتبار يعود إلى القاضي، لناحية تقدير وجود القصد بإثارة النعرات من عدمه، وفقاً للمعطيات التي لديه، "ولكن حتى بصدور هذا النوع من الأحكام تكون مع وقف التنفيذ وفرض غرامة مالية".

 

المحامية تلفت إلى أن الحكم الصادر بحق صادق بتهمة إثارة النعرات سبق للنيابة العامة أن ردته عند تقديم الادعاء، "اكتفى حينها النائب العام بالادعاء بمادتين هما القدح والذم، ولكن بما أنها جنحة يمكن للقاضية أن تعدل الوصف الجرمي وفق القانون، وهنا السؤال، علام استندت القاضية في هذا التعديل؟ أين إثارة النعرات في تغريدات صادق؟ ما قالته ديما إن هناك اعتداء عنصري حصل معتبرة أن ذلك يحمل فكراً عنصرياً يجب محاربته، فكيف يكون ذلك تحريض طائفي؟" تسأل شحادة. 

ترى شحادة أن خطورة هذا الحكم تتمثل بكونه "صفعة موجهة لجميع اللبنانيين الذين يطالبون بإنهاء الطائفية في الخطابات والممارسات التي يرتكبها السياسيون وأحزابهم ومناصريهم." 

وتضيف "ابن طرابلس حين شهد مشهد الاعتداء على أبناء مدينته، وكيل الكلام العنصري لهم فقال "ما هذه العنصرية" أو نشرها على فيسبوك أو تويتر يكون مجرما في وصفه لفعل عنصري؟ هذا استهداف لفكرة حرية التعبير وإحباط لأي انتقادات للأفعال العنصرية التي يرتكبها السياسيون ومناصريهم." 

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".