صدمة لبنانية بعد انتشار أخبار ما جرى بالحضانة
صدمة لبنانية بعد انتشار أخبار ما جرى بالحضانة

هزت اعتداءات وحشية تعرض لها أطفال على يد إحدى العاملات في دار حضانة، الرأي العام في لبنان، ودفعت الأهالي والمسؤولين إلى التحرك السريع لوضع حد للانتهاكات الصارخة، وسط مطالبات بإنزال أشد العقوبات بالمتورطين في هذه الجريمة.

ما كان يحصل خلف جدران حضانة "Garderêve" في منطقة، المتن الشمالي، كشفته مقاطع فيديو وثّقتها عاملة تنظيف تدعى جمانة، قبل أن ترسلها صباح أمس الاثنين إلى بيار موسى، وهو والد أحد الأطفال، الذي سارع بدوره واتصل بأهالي 5 منهم، وبعد اجتماع عقدوه في منزله، توجه كلٌ منهم على حدة، بفاصل زمني قصير، لاصطحاب فلذة كبده، قبل أن يتوجهوا إلى النيابة العامة ويتقدموا بشكوى، بحسب ما أكد موسى لموقع "الحرة".

وحمل الأهالي الشكوى إلى مخفر الجديدة، لينتشر بعدها الخبر على وسائل التواصل الاجتماعي كما يقول بيار، موضحا: "يبلغ ابني من العمر سنة وثلاثة أشهر، اضطررت إلى وضعه في الحضانة  لأني وزوجتي نعمل خارج المنزل، ورغم ما كان يتعرض له إلا أننا لم نلحظ أي شيء عليه".

وفي نفس السياق، لم تلاحظ باتريسيا خوري أي أمر يوحي إلى تعرض ابنها البالغ من العمر عامين وشهرين للعنف على يد العاملة المتهمة (جيني الحلو)، مؤكدة لموقع "الحرة"، أنه "لو كان لدي أي شكوك لما أبقيته لحظة هناك، ورغم أنه لم يتم تسريب مقطع فيديو له وهو يتعرض لاعتداء إلا أن مشاهدة غيره من الأطفال كفيلة بجعلي أتصور ما عاناه لمدة سبعة أشهر على يد امرأة اعتقدت أنها مسكينة تعمل لإعانة زوجها.. بل تصورت أنها حنونة تعتني بصغارنا لاسيما وأنها أم لولدين".

وتشدد باتريسيا: "لم أشك أنها مجرمة وأبعد ما تكون عن الإنسانية، لم ترحم أطفال أبرياء ولم تأبه بانعكاس وحشيتها عليهم، فابني على سبيل المثال كان بدأ يتكلم قبل تسجيله في الحضانة، ليتراجع بعدها نطقه، فمن يعوضني عما حلّ به".

من جانبها تؤكد تاتيانا طنوس هاشم، التي ظهرت ابنتها كريستيانا، البالغة من العمر 11 شهراً، في مقطع فيديو أثناء قيام العاملة بإطعامها بالقوة، أن طفلتها كانت تبكي خلال نومها بطريقة هستيرية، مردفة: "اعتقدت بداية أن الأمر يتعلق بألم نتيجة ظهور أسنانها، وبعدما شاهدت ما كانت تتعرض له أصابني انهيار، وطلبت من زوجي الإسراع لجلبها رفقة شقيقتها الكبرى البالغة من العمر أربع سنوات، المسجلة في المخيم الصيفي للحضانة".

ونوهت الأم المصدومة إلى أنها كانت ترسل طفلتها لمدة ثمانية أشهر إلى الحضانة، معتقدة أنها في "أيد أمينة"، وبعد أن ظهر أنها أبعد ما تكون عن ذلك، بدأت تتواصل مع أخصائي نفسي لمساعدة صغيرتها على نسيان ما تعرضت له ومساعدتها على تقبل الطعام من جديد بعدما أصبحت ترفضه.

توقيفات بانتظار العقوبات

وحضانة "Garderêve" غير منتسبة لأي نقابة ولا تراعي القوانين اللبنانية، كما يؤكد رئيس نقابة الحضانات المتخصصة في لبنان، شربل أبي نادر، الذي وصف في حديث إلى موقع "الحرة" ما حصل داخلها بـ"الشنيع جداً"، لافتاً إلى أن النقابة تقدمت بإخبار إلى النيابة العامة ووزارة الصحة فور وصول مقاطع الفيديو إليها، وآملاً في وقت نفسه بإنزال أشد العقوبات بالعاملة ومن يغطيها، لكي يكونا عبرة للغير،  على حد وصفه.

وفي سياق التحقيق من قبل مفرزة الجديدة القضائية بقضية تعنيف الأطفال في الحضانة، أُوقف ليل أمس الاثنين كل من  العاملة جنيي (1979) وطوني (1985)، حيث لا يزال التحقيق مستمرا.

وتقول تاتيانا: "لم نواجه جيني بعد، إلا أننا شاهدناها في المخفر، وقد حاول أحد الأهالي التعرض لها، فعمدت العناصر الأمنية إلى إبعادها عن الجموع الغاضبة"، لافتة إلى أنها "كانت تسير بثقة وغير مبالية بكل ما ارتكبته".

وبعد تكشف الجريمة بحق الأطفال، نفت المالكة، طوني مهنا، أن يكون لديها علم بما كانت ترتكبه العاملة، بحسب باتريسيا، التي تضيف "ادعينا على جميع العاملين في الحضانة، من مالكتها إلى أصغر عامل فيها، ومن ضمنهم جمانة التي التقطت مقاطع الفيديو".

وتابع: "يجب  إنزال أشد العقوبات بها (عاملة التنظيف) لأنها تكتمت عما يدور في الحضانة إلى حين طردها قبل شهر، حيث يبدو أنها قامت بابتزاز طوني وعندما لم تصل إلى مرادها سربت المقاطع المصوّرة".

وفي المقابل، رفض بيار  إلقاء اللوم على جمانة، موضحا: "لولاها لما اكتشفنا ما يدور، لاسيما وأن جيني كانت تمثل علينا، إذ كانت تستقبلنا بوجه بشوش، وتداعب الأطفال أمامنا، لتقوم بما لا يصدقه عقل بعد مغادرتنا".

وعن أسباب اختيار هذه الحضانة من قبل باتريسيا تشرح: "إضافة إلى أنها قريبة من منزلي ومن مدرسة ولديّ، فقد أشاد بها عدة أشخاص، وقبل أن أسجله بها سألت طوني عن الكاميرات، فادعت أنها معطلة وستقوم بتصليحها حين يتوفر المال لديها، تعاطفت معها من دون أن أتوقع لوهلة المجزرة التي تحصل بحق الأطفال".

بعد كشف هذه الجريمة، تشدد باتريسيا على ضرورة إلزام كل الحضانات على تركيب كاميرات تمكن الأهل من متابعة أولادهم بالصوت والصورة عبر الإنترنت للاطمئنان عنهم عن بعد في أي وقت"، كما طالبت بإنزال أشد العقوبات على المعنفة وبعرض جميع الأطفال على أخصائي نفسي وعلى أخصائي أمراض النطق والكلام"أورتوفونيست".

تهديد ووعيد

وفور انتشار الخبر، الاثنين، أعلن وزير الصحة العامة في حكومة تصريف الأعمال، فراس أبيض، أن "الوزارة شكلت بسرعة فريقاً للتحقيق في قضية تعنيف الأطفال"، كاشفاً أن "الإجراء الأول هو توقف عمل الحضانة المعنية لحين صدور نتائج التحقيقات".

ودعا أبيض القضاء إلى إنزال أقصى الإجراءات العقابية بحق المرتكبين، مؤكداً "أن الإغلاق لا يكفي ويجب أن يكون العقاب عبرة لمن اعتبر".

واليوم الثلاثاء أعلن أبيض، عن "سحب رخصة الحضانة حيث تم تعنيف الأطفال وإقفالها نهائياً"، مشيراً إلى أنه "أبلغنا النقابات أن أي حضانة لا تلتزم المعايير المطلوبة لن نتردد باتخاذ أشد القرارات بحقها، ولن يكون هناك أي تهاون في تطبيق القوانين".

وكان قد جرى الاتفاق بين نقابة الحضانات المتخصصة ووزارة الصحة، بحسب أبي نادر، على تشديد المراقبة على الحضانات، مشيراً إلى مطالبته بإنشاء "شبكة أسماء المربيات في حال أخطأت أي منهن يتم تعميم اسمها لعدم توظيفها في أي حضانة جديدة".

وعن العقوبة التي تنتظر المتهمين بقضية تعنيف الأطفال أجاب: "السجن سنة كحد أقصى مع غرامة وإغلاق الحضانة".

وتابع: "إذا لم يحكم القاضي على المتورطين بجريمة تعذيب الأطفال بالعقوبة التي يستحقونها فإن الأهالي سيعمدون، كما شددوا، على أخذ حقهم بيدهم من كل من أساء أمانة رعاية صغارهم".

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.