حدود لبنان مع إسرائيل
عناصر من حزب الله أشعلوا النار على الحدود وفجروا ألغاما أرضية وفق ما قالت وسائل إعلام إسرائيلية

أدت التوترات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الحدودية ما بين لبنان وإسرائيل إلى إعادة طرح ملف ترسيم الحدود البرية فيما بينهما، والتي كانت عملية مؤجلة في اعتبار الطرفين بعد توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بوساطة ورعاية من الولايات المتحدة الأميركية في 27 أكتوبر 2022، عقب مفاوضات طويلة امتد على سنوات. 

وكانت الحدود بين الجانبين قد شهدت خلال الفترة الماضية توترات بارزة لم تصل إلى حد تسجيل أي اشتباك متبادل، لاسيما بين الجيش الإسرائيلي وعناصر "حزب الله"، وذلك إثر توغلات متبادلة بين الطرفين في مناطق حدودية متنازع عليها. 

وكان الجيش الإسرائيلي قد انتشر في بلدة الغجر الحدودية التي تقع عند المثلث الحدودي ما بين سوريا ولبنان وإسرائيل، وبدأ بتشييد جدار إسمنتي وحواجز شائكة في القسم الذي يعتبره لبنان جزءاً من أراضيه المحتلة في البلدة. 

هذا التطور رد عليه "حزب الله" عبر إقامة خيمتين عسكريتين داخل منطقة كفرشوبا المتنازع عليها هي الأخرى، والتي يعتبرها لبنان أيضاً من ضمن أراضيه، فيما اعتبرها الجانب الإسرائيلي داخل حدوده مطالباً بإزالتها، ومهدداً بتدخل عسكري في سبيل ذلك. 

وعلى إثر ذلك سجل حراك أممي ودولي على هذا الملف، تمثل في لقاءات حصلت مع الجانب اللبناني من قبل كل من قائد قوات اليونيفيل الجنرال أرولدو لازارو الذي التقى رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي على هامش المباحثات الأممية حول تمديد مهمة القوات الدولية في لبنان، إضافة إلى لقاء آخر سجل ما بين وزير الخارجية اللبناني عبدالله بو حبيب والمنسقة الخاصة للأمم المتّحدة في لبنان يوانا فرونيتسكا والسفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا، جرى خلاله التباحث في التوترات الحدودية مع إسرائيل. 

لبنان يعرض الترسيم "جدياً" 

وأعلنت وزارة الخارجية اللبنانية أن البحث خلال اللقاء شمل السبل الآيلة لوقف عملية قضم الأراضي اللبنانية المحتلة في الجزء الشمالي من بلدة الغجر، وتمّ إبلاغ الطرفين بأنّ لبنان سيتقدّم بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي لإزالة هذا الخرق وانسحاب إسرائيل من هذه المنطقة.

وبشأن خيم حزب الله، شدد بو حبيب على أهميّة استكمال عمليّة ترسيم الحدود البرية، والبحث في كيفية معالجة النقاط الخلافية المتحفّظ عليها المتبقية ضمن إطار الاجتماعات الثلاثية، بما يعزّز الهدوء والاستقرار على الحدود، ويتوافق مع قرارات الأمم المتّحدة. 

بعد ذلك أعلن رئيس الحكومة اللبنانية في تصريحات صحفية أن بلاده أبلغت الأمم المتحدة استعدادها لترسيم الحدود الجنوبية مع إسرائيل على طول "الخط الأزرق"، مشددا على أن لبنان يعد بلدة الغجر تابعة له باعتراف الأمم المتحدة، مؤكداً على سعي بلاده لحل قضية خيمة حزب الله على الحدود اللبنانية الجنوبية مع إسرائيل "دبلوماسياً".  

إلا أن التوترات بلغت بالأمس، بالتزامن مع الذكرى السنوية السابعة عشر لاندلاع "حرب تموز" التي تعتبر من آخر الحروب العسكرية التي حصلت بين الطرفين عام 2006، مرحلة متقدمة بعدما أعلن الجيش الإسرائيلي عن إحباط محاولة تخريب سياج حدودي مع لبنان.

وذكرت الإذاعة العامة الإسرائيلية (كان) أن مجموعة من رجال حزب الله أشعلوا النار على الحدود وفجروا ألغاما أرضية، مضيفة أن القوات الإسرائيلية أطلقت طلقات تحذيرية خلال الواقعة، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه رصد المشتبه بهم مباشرة واستخدم وسائل "غير قاتلة" لإبعادهم. 

ونقلت وكالة رويترز عن مصدر أمني مطلع القول إن عدة أعضاء في جماعة حزب الله اللبنانية أصيبوا على حدود لبنان الجنوبية مع إسرائيل.

تزامن ذلك مع وصول كبير مستشاري البيت الأبيض لشؤون الطاقة عاموس هوكستين إلى إسرائيل، الثلاثاء، في زيارة التقى خلالها رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتانياهو وجرى خلالها التباحث في العديد من الملفات من بينها التوتر على الحدود مع لبنان، وقضية خيم حزب الله، فيما لم يعلن تفاصيل أكثر عن هذه المناقشات وفق ما أكدت صحيفة "يسرائيل هيوم".  

زيارة هوكستين إلى المنطقة المسبوقة بالتصريحات الرسمية اللبنانية، سلطت المزيد من الأضواء على مسعى ترسيم الحدود ومنحته بعداً أكثر جدية، لاسيما وأن اسم هوكستين ارتبط بشكل مباشر بمفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين البلدين ونجاحها، إلى حد وصفه بأنه "عراب الاتفاق". 

وتحدثت تقارير إعلامية لبنانية عن استعدادات رسمية لبدء المفاوضات الحدودية، فبحسب صحيفة "نداء الوطن" اللبنانية، باشرت قيادة الجيش اللبناني تحضير ملفات الحدود البرية القديم منها والجديد مع التدقيق فيها كي تكون حاضرة عندما يأتي الوقت المناسب لانطلاق ورشة إعادة الترسيم البرية على الحدود الجنوبية مع إسرائيل.

إلا أنه وعلى الرغم من "الجدية" التي يبديها الطرف اللبناني، والتي عبر عنها وزير الخارجية في تصريحات صحفية لناحية طرح الترسيم البري للحدود، باعتباره "حلا لمختلف الإشكالات على الحدود"، وفق بو حبيب، لا يبدو أن إسرائيل تسجيل حماسة موازية من جانبها. 

حيث أكدت مصادر إسرائيلية رسمية لموقع "الحرة" أنه "لا يوجد مفاوضات مع لبنان الذي لا يعترف بدولة إسرائيل، وبالتالي لن نتفاوض معه لا الآن ولا في المستقبل."

وردا على سؤال حول وجود نية بإجراء مفاوضات، قال المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية ليور حياة، لموقع "الحرة"، إن "حزب الله منظمة إرهابية بنت خيمة على الجانب الإسرائيلي من الحدود"، مشيرا إلى أنه "يتم التواصل مع القوات الدولية ودول عدة لمعالجة هذا الأمر"، رافضا الدخول في المزيد من التفاصيل.

نقاط الخلاف الحدودية

وزير الخارجية اللبناني لفت في تصريحاته إلى وجود 13 نقطة خلافية على الحدود مع إسرائيل، "7 منها هناك اتفاق عليها و6 تشكّل مادة خلاف"، وفق تعبيره. 

نقاط يشرحها العميد المتقاعد في الجيش اللبناني بسام ياسين، الذي سبق أن ترأس للوفد التقني العسكري اللبناني الذي فاوض حول الحدود البحرية، بحيث تمتد هذه النقاط على كامل الحدود اللبنانية الإسرائيلية من البحر وصولاً إلى بلدة الغجر شرقاً على الحدود مع سوريا. 

ويضيف ياسين في حديثه لموقع "الحرة" أن ما يسمى بنقاط هي عبارة عن بقع جغرافية، أهمهم نقطة b1 الساحلية في منطقة رأس الناقورة على الساحل، والتي سبق لها أن سببت الخلاف الرئيسي ما بين لبنان وإسرائيل خلال ترسيم الحدود البحرية، حيث كان يطالب لبنان باعتبارها منطلقاً برياً لترسيم حدوده البحرية، وسط رفض من الجانب الإسرائيلي الذي يسيطر على تلك المنطقة الحدودية ويعتبرها جزءا من أراضيه. 

وبحسب ياسين "الاتفاق الذي حصل على ترسيم الحدود البحرية، أبقى نقطة b1 قضية معلقة لحين الاتفاق عليها، فيما بقية النقاط الـ 12 تمتد على كامل الشريط الحدودي، بعضها بقع صغيرة والخلاف عليها لا يتعدى الأمتار المعدودة، وبقع أخرى تصل إلى 2000 و3000 متر مربع وهناك بقعة تصل مساحتها إلى 18 ألف متر مربع، وهذه النقاط لا تشمل قرية الغجر ومزارع شبعا.

يرفض ياسين تسمية العملية بـ "ترسيم الحدود البرية" ويشدد على أنها "تثبيت للنقاط الحدودية"، وذلك على اعتبار أن الحدود البرية "معروفة ومثبتة ومرسمة أصلاً" وفقاً لاتفاقيات دولية موقعة عامي 1923 (اتفاق ترسيم الحدود النهائي بين الانتدابين الفرنسي والبريطاني المعروف باتفاق "بوليه – نيوكومب") و1949 (اتفاقية هدنة لبنانية ــ إسرائيلية صادقت عليها الأمم المتحدة)، والإحداثيات موجودة وموقع عليها من قبل الطرفين ويكفي أن يتم تثبيت هذه النقاط وفق ما هي على الخريطة. 

ويشرح العميد المتقاعد أن ما جرى بعد العام 2000 (انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان) و2006 (عقب حرب تموز) أن هناك نقاط تقدمت فيها إسرائيل إلى الجانب اللبناني وبقيت فيها، كذلك الأمر تقدم لبنان في نقاط حدودية معينة ولا يزال، وبالنتيجة تم إنشاء "الخط الأزرق" الذي يمثل خط انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، وتعلقت هذه النقاط نتيجة الاستعجال لإعلان الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 ووقف إطلاق النار عام 2006، وهذه النقاط هي مصدر الخلاف اليوم.

يذكر أن الخط الأزرق، أو خط الانسحاب، هو خط يبلغ طوله 120 كم، وضعته الأمم المتحدة لتأكيد انسحاب القوات الإسرائيلية، وبحسب الأمم المتحدة لا يعتبر هذا الخط حدوداً دولية برية بين الجانبين. 

وتتوزع النقاط الـ 13 على طول الحدود كالتالي: الأولى في رأس الناقورة، والمعروفة بالنقطة B1، ثلاث نقاط في بلدة علما الشعب، نقطة في كل من البلدات الحدودية التالية "البستان، مروحين، رميش، مارون الراس، بليدا، ميس الجبل، العديسة، كفركلا وصولاً إلى الوزاني". 

تتفاوت مساحة هذه النقاط وأكبرها في بلدات رميش والعديسة والوزاني، فيما يعتبر لبنان أن لديه بالإجمال مساحة 485039 متر مربع، مقتطعة من أراضيه. 

عقبات جغرافية وديموغرافية

ويحذر ياسين من اقتراح مطروح يقضي بتبادل الأراضي بين الجانبين، مؤكداً أن في ذلك "مشكلة كبيرة"، فوفقاً للدستور اللبناني "ممنوع التخلي عن أي مساحة أرض لبنانية، ويعتبر ذلك خيانة، ومخالفة للدستور"، مؤكداً على أن أكثر النقاط أهمية بالنسبة إلى لبنان هي نقطة B1 بكونها منطلق الحدود البحرية.

ولهذه النقطة أهمية جغرافية وعسكرية بالنسبة للطرفين حيث تمثل مرتفعاً أرضياً يشرف على مساحات واسعة من الجانبين، لاسيما من الجانب الإسرائيلي حيث تؤمن إشرافا نظريا واسعا يصل إلى مدينة حيفا، وهو ما يجعل إسرائيل تتمسك بها، فيما يطالب لبنان بالسيادة عليها كجزء من أراضيه. 

وعلى الرغم من أن الجانب اللبناني يطرح ترسيم الحدود من منطلق إنهاء التوترات الحدودية القائمة، يؤكد ياسين أن البحث الحالي في الحدود البرية لا يصل إلى مناطق تلال كفرشوبا وبلدة الغجر ومزارع شبعا، ما يعني أن أسباب التوتر القائمة حالياً على الحدود والواقعة في تلك المناطق لن تكون مشمولة بأي مفاوضات، إذ تتطلب إدخال الجانب السوري فيها لإقامة اتفاق ثلاثي لتحديد الحدود في تلك المنطقة. 

ويضيف مذكراً بعقبة أخرى تتمثل في أن سكان بلدة الغجر على الجانب اللبناني، يرفضون الانضمام إلى لبنان، "وهنا يجب حل هذه القضية أيضاً فالأرض لبنانية لا يمكن التخلي عنها لأن سكانها يرفضون الانضمام"، مشيراً إلى أن "الخيار  قد يكون في ترحيلهم إلى حيث يريدون الانتماء."

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".