وفاة الطفلة لين بعد اغتصابها أثار ضجة واسعة في لبنان
منذ اليوم الأول للجريمة تقاذفت عائلة الضحية الاتهامات (تعبيرية) | Source: Social Media

بعد تحقيقات استمرت ما يزيد عن الأسبوعين، اختتمت مدعي عام الاستئناف في طرابلس، شمال لبنان، القاضية، ماتيلدا توما، ملفها في قضية وفاة الطفلة لين طالب بالادعاء على جدها من جهة الأم للاشتباه فيه باغتصابها وعلى والدتها بتهمة التستّر على الجريمة، لتحيل بعدها الملف إلى القاضية، سمارندا نصّار.

صدم اللبنانيون بنتائج التحقيقات، فقد كانوا حتى اللحظة الأخيرة يتوقعون إطلاق سراح الأم التي أوقفت يوم الجمعة الماضي بعد الاستماع إلى إفادتها في مخفر حبيش يوم الجمعة الماضي، وذلك بإشارة من القاضية توما، وحتى الجد الذي أوقف قبل يومين للاستماع إلى إفادته، رغم مسارعة بعض الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي بتوجيه أصابع الاتهام إليهما بالوقوف خلف الجريمة، ما دفع أسرتهما إلى الطلب من الرأي العام عدم استباق الأمور، وانتظار نتائج التحقيقات وعدم تصديق الأخبار المتداولة. 

استمرت قضية ابنة الست سنوات التي فارقت الحياة نتيجة لعملية اغتصاب متكررة أدت إلى نزيف خارجي حاد، بحسب ما أكد طبيبان شرعيّان، بتصدر أخبار الإعلام والشارع اللبناني، مسجلة تفاعلاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي التي طالب رو ادها بكشف هوية الجاني وإنزال أشد العقوبات به وبكل من تستر على الجريمة وحاول إخفاء معالمها.

وكانت التحقيقات في قضية ابنة بلدة سفينة القيطع في عكار، شمال لبنان، بوشرت منذ اليوم الأول للفظها آخر أنفاسها خلال إقامتها في منزل جدها من طرف والدتها الذي قصدته قبل ثمانية أيام من الحادثة لتمضية عيد الأضحى إلى جانب والدتها، وشملت التحقيقات إجراء فحوصات الحمض النووي لبعض المقربين من الضحية، وتحليل بيانات الاتصالات. 

ارتباك وتناقضات

التناقض الكبير في إفادتي الوالدة فيما يتعلق بواقعة وصول لين من منزل والدها إلى منزل جدها، هو الذي استدعى توقيفهما، كما تقول الخبيرة بالحماية الأسرية رنا غنوي "خاصة بعد الاستماع للجارة ومقارنة أقوالهما، ففي الوقت الذي قالت الوالدة إن ابنتها وصلت بحالة مزرية أكدت الجارة أنها كانت في حالة جيدة، مع العلم أن الأم كانت مع زوجة شقيقها في المستشفى حين اصطحب طليقها ابنتهما إليها، فأمضت وقتاً عند الجارة قبل أن يستلمها الجد".

كما كانت إجابات الأم متناقضة حين سئلت عن والدها خلال التحقيق معها، بحسل ما تقوله غنوي لموقع "الحرة"، في حين تداولت وسائل الإعلام اللبنانية أنه خلال استجواب والدة لين، كان عدد من أقارب العائلتين موجوداً ومن بينهم الجد الذي بدا الارتباك عليه، حيث كان يسير ذهاباً وإياباً في المخفر، وقد سأل أحد العناصر الأمنية فيما إن كانت القاضية طلبت حضوره وفيما إن كانت ستستجوبه، فما كان من العنصر الأمني إلا أن أخبر توما بما حصل، كما ذكرت أن الأجهزة الأمنية فحصت هاتف الأم والجد فتبين أن العلاقة بينهما ساءت منذ وفاة لين، وتضمنت الرسائل مؤشرات استوقفت القاضية من دون أن تضمن أي اعتراف صريح.

ومنذ اليوم الأول للجريمة، تقاذفت عائلتا الضحية الاتهامات، فاتهمت الأم عم الضحية بالوقوف خلف الجريمة مدعية أنه سبق وتحرش بها وبأن طليقها على علم بذلك، وهو ما نفته عائلة طالب مؤكدة في بيان أنه "موقوف منذ سنة ونصف السنة بسبب إشكالٍ في البلدة".

كما اعتبرت عائلة طالب أن ما حصل مع طفلتها "يتعدّى نطاق الجريمة العادية إلى جريمة تهز الأمن الاجتماعي والوجدان البشري وتشكّل انتهاكاً صارخاً لكل القيم الإنسانية وأخلاقيات مجتمعنا اللبناني"، محذرة من أنها ستعلن اسم كل سياسي يتدخّل لإخفاء الحقيقة، ومؤكدة أن "القضاء هو الذي نحتكم إليه وحق هذه الطفلة البريئة لن يذهب هدراً، لأنه إذا غابت عدالة الأرض فلن تغيب عدالة خالق الكون الجبّار المنتقم".

وبعدما تعالت الأصوات المحذرة من إقحام السياسة في القضية، أو محاولة "تمييع" التحقيق، أعلن النائب عن عكار في البرلمان البرلماني، وليد البعريني عبر حسابه على "تويتر" أن "حق لين طالب لن يضيع أيا كان المجرم فهو لن ينجو من فعلته، فلا مظلة فوق رأس أحد. لن نستكين حتى تتحقّق العدالة وينال الفاعل العقاب الذي يستحقه، وليكن عبرة لغيره".

اهتمام كبير

عدة أسباب أدت إلى اهتمام اللبنانيين بجريمة لين وتحويلها إلى قضية رأي عام منذ اليوم الأول، بحسب غنوي، منها كما تقول" نوع الجريمة وسن الضحية وعلاقة المجرم بها، والنهاية المأساوية أي مفارقتها الحياة".

"أصابت جريمة لين مشاعر اللبنانيين في الصميم، فانتهاك ذوي القربى وقعه أكبر من بقية القضايا" تقول غنوي "ففي ذهنية الجميع، الأقرباء هم أكثر الأشخاص ثقة ومصدر للأمان، إلا أن ما حصل ضرب هذا الاعتقاد، من هنا تابعنا منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي لناشطين تساءلوا عمن يمكنهم أن يؤمّنونه على أولادهم بعد الآن".

كذلك ترى مديرة جمعية "مفتاح الحياة"، الأخصائية النفسية والاجتماعية لانا قصقص، أن قضايا التحرش واغتصاب الأطفال من قبل ذوي القربى تأخذ اهتماماً كبيراً "كونها تتعلق بالأخلاق العامة دافعة بقية الآباء والأمهات إلى إسقاط الحالة على أنفسهم وتخيّل أولادهم مكان الضحية، وفيما يتعلق بقضية لين، فإنها تنضوي على مظلومية كبيرة، فعدا عن أنها لا تستطيع الدفاع عن نفسها والإفصاح عما تعرضت له، تعرضت لإهمال طبي وتكتم عما واجهته حتى فقدت حياتها".

لكن ما الذي يدفع أم على التستر عن جريمة بحق طفلتها حتى وإن ارتكبها أقرب المقربين إليها، عن ذلك أجابت قصقص في حديث لموقع "الحرة" بالقول "الخوف من المجتمع وعدم الوعي بمسؤولياتها، وغيرها من الدوافع النفسية والاجتماعية التي تحول دون أخذ دورها بشكل سليم".

أما أسباب اغتصاب أشخاص لصغار السن فتعود بحسب قصقص "إلى معاناتهم من اضطرابات نفسية وجنسية معينة منها البيدوفيليا، ومن الاستراتيجيات التي يتبعها هؤلاء استهداف أطفال لديهم ثقة بأنهم لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم والتحدث عما تعرضوا له، وهؤلاء يشكلون خطراً وتهديداً على المجتمع، ومن واجب السلطة اقامة برامج خاصة لضبط سلوكهم الانحرافي".

ما يجب أن يتعلمه الأهل من هذه القضية بحسب غنوي أنه "ليس للمتحرش هوية ولا جندر ولا لائحة معايير، فلا أحد فوق الشبهات، كما يجب تعليم الأطفال في سن مبكر على معايير وحماية جسدهم وبأنه ملك لهم لا يجب السماح لأحد بأن ينتهكه، وأن هناك حدود للتعاطي معهم حتى من أقرب المقربين إليهم، وعليهم اطلاع مقدمي الرعاية لهم عما يواجهونه".

كذلك تشدد قصقص على أن الأهل لعب دورهم في حماية أطفالهم وتوعيتهم جنسياً بما يتناسب مع سنّهم، وتعليمهم ألا يسمحوا لأحد لمس جسدهم، والانتباه إلى المؤشرات التي تصدر عنهم في العادة حين يكون المغتصب من ذوي القربى، وأن يكون هناك تواصل مفتوح بينهم، وحتى عند طلاق الوالدين يجب ألا يتخليان عن دورهما وجعل الأطفال كبش محرقة بينهما".

وسجل لبنان ارتفاعاً في حالات العنف الجنسي ضد الأطفال من 10% عام 2020 إلى 12% عام 2022، بحسب جمعية "حماية" التي سجلت 2193 حالة عنف في العام 2020، منها 248 حالة عنف جنسي، ووصل الرقم في العام 2021 الى 2111 حالة منها 80 حالة عنف جنسي، وحتى سبتمبر من هذا العام تم تسجيل 1725 حالة من بينها 203 عنف جنسي. 

وتوزعت حالات العنف المسجلة هذا العام بين 46% للإناث و54% للذكور، وقد ظهر أن غالبية المعنَّفين هم من الأطفال السوريين بنسبة 74%، يليهم اللبنانيون بنسبة 25% و1 % من جنسيات أخرى، كما ظهر أن %51 من حالات العنف الجنسي المسجلة في الجمعية خلال عامي 2021 و2022 قام بها مقربون من الأسرة. 

هل القانون على مستوى الجرم؟

تعرّف الأمم المتحدة سفاح القربي بأنه علاقات جنسية غير مشروعة تقع داخل العائلة (بين الأقارب) سواء بين الأب والابنة، الأم وابنها، الشقيق وشقيقته، الخال، العم، كما يسمى أيضا الإساءة الجنسية ضمن العائلة/ الأسرة أو سفاح القربي.

وفي يوليو الماضي قال ممثل "اليونيسف" في لبنان إن "المعلومات والتقارير التي يتم تداولها في وسائل الإعلام وعلى منصات التواصل الاجتماعي عن ممارسات عنفية جنسية وجسدية جسيمة في حقّ الأطفال، هي مؤشر إضافي إلى تزايد مظاهر العنف ضد الأطفال في لبنان".

وفيما إن كانت القوانين اللبنانية على مستوى فظاعة هذا الجرم تجيب غنوي "القوانين لا تشوبها شائبة، إنما هي بحاجة إلى تطوير ولبنان من البلدان المحظوظة كون لديه القانون 422 المتخصص والمتعلق بمعالجة قضايا الأطفال المعرضين للخطر أو من هم بخلاف مع القانون وهذه نقطة جيدة، إنما يحتاج إلى تطوير لكي يشتمل على كل ما له علاقة بمصلحة القاصرين الفضلى وهو ما نعمل عليه".

واعتبرت غنوي أن "الإجراءات الموحدة التي وضعها لبنان مع اليونيسيف عام 2014 مؤشر جيد، إنما يحتاج إلى تطوير للأدوات والقدرات، فعديد الفريق العامل في الصفوف الأمامية المولج العمل بآلية إدارة الحالة، لا يتواءم مع حاجة الأرض التي هي أكبر من عدد المتخصصين، بالتالي لا بد من تدريب أشخاص إضافيين للعمل في هذا المجال، كما أنه على مصلحة حماية الطفل في وزارة الشؤون الاجتماعية لعب دور رقابي إضافة إلى الدور العملاني كونها السلطة الحكومية، التي يمكنها اتخاذ دور الرقابة والمحاسبة لكل الجهات العاملة في هذا الشأن".

وتعاقب المادة 505 من قانون العقوبات اللبناني كل من جامع قاصراً دون الخامسة عشرة من عمره بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تنقص عن خمس سنوات، ولا تنقص العقوبة عن سبع سنوات إذا كان الولد لم يتم الثانية عشرة من عمره، ومن جامع قاصراً أتمّ الخامسة عشرة من عمره ولم يتم الثامنة عشرة عوقب بالحبس من شهرين إلى سنتين. 

أما المادة 506، فتنص على أنه إذا جامع قاصراً بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة أحد أصوله شرعياً، كان أو غير شرعي أو أحد أصهاره لجهة الأصول، وكل شخص يمارس عليه سلطة شرعية أو فعلية أو أحد خدم أولئك الأشخاص، عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة.

ويُقضى بالعقوبة نفسها إذا كان المجرم موظفاً أو رجل دين أو كان مدير مكتب استخدام أو عاملاً فيه فارتكب الفعل مسيئاً استعمال السلطة أو التسهيلات التي يستمدها من وظيفته.

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.