فقدت الليرة أكثر من 98 في المئة من قيمتها - صورة تعبيرية
فقدت الليرة أكثر من 98 في المئة من قيمتها - صورة تعبيرية

يعاني لبنان من أزمة اقتصادية خانقة منذ عام 2019، وقد انهار سعر صرف الليرة مقابل الدولار إلى مستويات متدنية جدا، ما أضعف القدرة الشرائية للمواطنين الذين وقع معظمهم في براثن الفقر المدقع.

وفي محاولة لضبط سعر الصرف في مقابل الدولار، تم إنشاء منصة "صيرفة" من قبل الحكومة لمواجهة الأسعار غير المنضبطة في السوق السوداء، وتتحدث وثيقة مسربة الآن عن اقتراح إلغاء ربط الليرة اللبنانية بالدولار والتحول نحو التعويم، الأمر الذي يطرح تساؤلات عن ماهية هذه الأنظمة وانعكاساتها المتوقعة على العملة.

واقترح نواب حاكم مصرف لبنان المركزي في وثيقة اطلعت عليها رويترز، الخميس، إلغاء ربط الليرة اللبنانية بالدولار الأميركي المعمول به منذ فترة طويلة، والتحول إلى تحرير "مُدار" لسعر الصرف بحلول نهاية سبتمبر المقبل.

وفقدت الليرة أكثر من 98 في المئة من قيمتها في السوق الموازية منذ بدء الانهيار الاقتصادي في 2019. وفي فبراير الماضي، خفض البنك المركزي سعر الصرف الرسمي من 1500 ليرة الذي استمر عقودا إلى 15 ألف ليرة مقابل الدولار.

والخميس اجتمع نواب حاكم مصرف لبنان مع أعضاء في البرلمان، واقترحوا تغييرات على السياسة النقدية للبلاد تضمنت التحول بالكامل إلى تعويم سعر الصرف "بطريقة مُدارة"، ليعكس "القيمة الحقيقية" لليرة، وفقا لرويترز.

واقع مغاير

ويرى الخبير الاقتصادي، بيير خوري، أن هذا الاقتراح شكلي، لأن الواقع مغاير لما جاء في الوثيقة التي اطلعت عليها رويترز، مستبعدا التأثيرات على العملة.

ويقول خوري في حديثه لموقع "الحرة" إنه "في الواقع لا يوجد ربط بين الليرة اللبنانية والدولار الأميركي، اعتبارا من أواسط عام 2019 (...) عندما بدأت ظاهرة شح الدولار، والتي على أساسها ظهرت السوق السوداء، التي توفر تسعيرة مغايرة لسعر الصرف الرسمي".

وأضاف أنه "بعد ذلك بدأ نظام تعدد أسعار الصرف، ومن ثم تحرير أسعار الخدمات الحكومية، وتلا ذلك تحويل السعر الرسمي من 1500 ليرة مقابل الدولار إلى 15 ألف ليرة".

وتابع أنه "في الواقع الربط موجود بالسعر الرسمي فقط، ولكن في المعاملات الحقيقية لا يوجد ربط، وحتى منصة صيرفة ليست منصة ربط، وإنما هي منصة إدارة".

وأوضح أن "المشكلة مع منصة صيرفة أن الحوكمة فيها غير معروفة وغير شفافة (...) وأعتقد أن ما قصده نواب الحاكم هو عدم استخدام منصة صيرفة كغطاء للربط (...) واليوم هناك ربط كاذب من خلال هذه المنصة، وتؤدي لاستنزاف الاحتياطي النقدي".

وجاء في الوثيقة أن البنك المركزي سيلتزم بصياغة القواعد واللوائح اللازمة "لتحريك سعر الصرف إلى عائم" بحلول نهاية سبتمبر 2023، مع القدرة "على التدخل عند الضرورة".

واقترحت الوثيقة أيضا إنشاء منصة إلكترونية جديدة للصرف الأجنبي، لكنها قالت إن المصرف سيواصل شراء الدولار في السوق كلما أمكن ذلك لتجنب الاعتماد على الاحتياطيات لدعم الليرة.

تبذير في الإنفاق

وأشرف حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، على الليرة المربوطة بالدولار في فترة ولاية استمرت ثلاثين عاما وتنتهي بنهاية الشهر الحالي.

ويواجه الحاكم اتهامات في الداخل والخارج باختلاس أموال عامة لبنانية وهو ما ينفيه سلامة.

وأثناء فترة ولاية سلامة، أنشأ البنك المركزي منصة "صيرفة" المثيرة للجدل التي أريد بها جلب الاستقرار إلى الليرة اللبنانية، لكن الليرة استمرت في التراجع رغم ذلك، وفقا لرويترز.

وانتقدت السلطات اللبنانية ومؤسسات دولية منصة صيرفة لافتقارها للشفافية والاستدامة وما أتاحته من فرصة للمراجحة.

وقال، سليم شاهين، وهو أحد نواب حاكم مصرف لبنان لرويترز هذا الأسبوع إن البنك المركزي سيوقف عمل منصة "صيرفة" بعد انتهاء فترة ولاية سلامة.

وإذا لم يتم اختيار خليفة لسلامة، سيتولى النائب الأول لحاكم مصرف لبنان، وسيم منصوري، المسؤوليات الأساسية.

وتزيد الأزمة المتوقعة في حاكمية المصرف المركزي الوضع سوءا في بلد يقوم نظامه على المحاصصة الطائفية والسياسية، ويتطلب تعيين موظفين من الدرجة الأولى توافقا سياسيا، يبدو من الصعب توافره في الوقت الراهن على وقع الانقسامات الحادة، وفقا لفرانس برس.

مخاطر تهدد الاستقرار

وفي أواخر يونيو الماضي، حذر صندوق النقد الدولي من أن حالة عدم اليقين السائدة في لبنان تشكل "الخطر الأكبر" على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد التي أنهكتها أزمات متعددة، في غياب تطبيق إصلاحات ضرورية ومع استمرار الشلل السياسي.

ويشهد لبنان منذ 2019 انهيارا اقتصاديا صنفه البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم. وقد خسرت الليرة أكثر من 98 في المئة من قيمتها وبات غالبية السكان تحت خط الفقر على وقع قيود مصرفية مشددة وأزمة سيولة حادة.

ويزيد الجمود السياسي مع فراغ سدة الرئاسة منذ أشهر ووجود حكومة تصريف أعمال محدودة الصلاحيات وشلل البرلمان، الوضع الاقتصادي سوءا، ويعوق تطبيق إصلاحات ملحة يشترطها المجتمع الدولي لتقديم دعم مالي، وفقا لفرانس برس.

وشدد تقرير الصندوق في ختام مشاورات أجراها المجلس التنفيذي مع لبنان خلال الأشهر الفائتة، على أن "استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه يشكل الخطر الأكبر على استقرار لبنان الاقتصادي والاجتماعي، ويقود البلاد إلى طريق لا يمكن التنبؤ به".

واعتبر أن "من شأن التنفيذ الحاسم لخطة شاملة للتعافي الاقتصادي أن يحد بشكل تدريجي وثابت من الاختلالات وأن يشكل ركيزة للسياسات للمساعدة في استعادة الثقة وتسهيل العودة إلى مسار النمو".

وأعلن الصندوق في أبريل 2022 توصله إلى اتفاق مبدئي مع لبنان على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات. لكن تطبيق الخطة مرتبط بالتزام الحكومة تنفيذ إصلاحات مسبقة، لم تسلك غالبيتها سكة التطبيق بعد. ومن بين الإصلاحات إقرار تشريعات تتعلق بإعادة هيكلة القطاع المصرفي وتعديل قانون السرية المصرفية وتوحيد سعر الصرف.

وبحسب التقرير، تسارعت وتيرة التضخم لتصل إلى 270 في المئة على أساس سنوي في أبريل 2023، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 261 في المئة. كما تراجع الاحتياطي الإلزامي في المصرف المركزي إلى عشرة مليارات دولار مقابل 36 مليار دولار في العام 2017.

وفي حال استمرار الوضع الراهن بغياب الإصلاحات الملحة، فإن إجمالي الدين العام قد يصل إلى 547,5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2027.

ويشهد لبنان شللا سياسيا منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق، ميشال عون، في نهاية أكتوبر الماضي. وقد فشل البرلمان 12 مرة في انتخاب رئيس على وقع انقسام سياسي حاد.

ضبط التقلبات

وبعيدا عن الحالة اللبنانية، ومن حيث المبدأ، فإن هذا التحول من الربط إلى التعويم يكون بهدف ضبط التقلبات، وذلك من منظور اقتصادي، بحسب خوري.

ويقول الخبير الاقتصادي إن "التعويم المُدار يهدف إلى التدخل في السوق لمنع التقلبات الحادة، أو لتحقيق أهداف السياسة الاقتصادية الأخرى".

وأشار خوري إلى أن "هناك صراعا حقيقيا الآن لما بعد سلامة، والصراع على منصة صيرفة هو جزء من الصراع على المصالح التي نشأت بعد الأزمة الاقتصادية".

وتقترح الوثيقة أيضا أن يعدل البرلمان تشريعا للسماح للبنك المركزي بإقراض الحكومة ما يصل إلى 1.2 مليار دولار على مدى ستة أشهر وإصدار أوراق نقدية من فئة أكبر من 100 ألف ليرة.

وبدأ الاقتصاد اللبناني في الانهيار بعد فساد وتبذير وسوء إدارة النخبة الحاكمة على مدى عقود، تضمنت سياسة إقراض البنك المركزي للدولة لدعم قطاع عام متضخم، وفقا لرويترز.

وجاء في مقترحات نواب حاكم مصرف لبنان أن ميزانية 2023 يجب إقرارها بنهاية أغسطس المقبل، وإقرار ميزانية العام المقبل بحلول نهاية نوفمبر.

وأضافت الوثيقة أيضا أنه يجب على الحكومة الموافقة على قوانين لسد الفجوة المالية وإعادة الهيكلة بحلول نهاية سبتمبر.

وهذه القوانين والانتهاء من الميزانية من بين الإجراءات التي يتعين على لبنان إنجازها للحصول على ثلاثة مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، وفقا لرويترز.

لكن الصندوق يقول إن المصالح الخاصة في لبنان أعاقت برنامجا للإصلاح المالي.

الربط بالدولار

و"ربط العملة" هو جزء من السياسة النقدية بتحديد البنك المركزي في دولة سعر صرف ثابت لعملتها أمام عملة أجنبية أو سلة عملات أجنبية لها أوزان مختلفة، بحسب موقع "إنفستوبيديا".

و"سعر الصرف" هو قيمة العملة مقارنة بالعملات الأجنبية الأخرى، وبعض الدول تتبع سياسة التثبيت والربط بعملة أخرى مثل الأردن، أو بتعويم سعر الصرف وتركه عرضة للتقلب تبعا لعوامل "العرض والطلب" مثل مصر.

ويشير الموقع إلى وجود 65 دولة حول العالم تربط عملاتها بالدولار الأميركي، بينها دول عربية تضم: البحرين، السعودية، الإمارات، الأردن، قطر، عُمان. وكانت الكويت تربط عملتها بالدولار حتى عام 2002 عندما عدلت سياستها النقدية للربط بسلة عملات وفق الموقع الإلكتروني لـ"بنك الكويت المركزي".

وكانت لبنان تربط عملتها بالدولار، ولكن بعد الأزمة الاقتصادية، قال حاكم المصرف المركزي، رياض سلامة، لوكالة رويترز في 2021 إن "عهد الربط بالدولار انتهى"، مشيرا إلى أن "تعويم العملة" يعتمد على "مفاوضات مع صندوق النقد الدولي".

وتقوم الدول عادة بربط عملاتها باقتصادات أقوى بما يتيح "للشركات المحلية الوصول إلى أسواق أوسع بمخاطر أقل"، وفي التاريخ الحديث كان الدولار إلى جانب اليورو والذهب من أبرز الخيارات أمام الدول للربط بالعملات الوطنية.

وفي الوقت ذاته لعملية ربط العملة الوطنية بعملة أجنبية مخاطر، إذ يجب على المؤسسات التي تدير السياسة النقدية إدارة التدفقات وتجنب "الارتفاعات المفاجئة في العرض والطلب على العملة"، وهو ما قد يتطلب أحيانا الاحتفاظ باحتياطيات كبيرة من العملات الأجنبية.

للتعويم أشكال

ويقول خوري إن "التعويم له عدة أشكال، ومنها التعويم الحر، يعني مثل بعض البورصات (الأسواق الدولية)، كالدولار واليورو، وهذه عملات تعتمد على العرض والطلب".

ولفت إلى أن "التعويم الحر يحتاج إلى اقتصادات قوية جدا (...) ولا يمكن لأي بلد أن يدخل في التعويم الحر، لأنه في البلدان ضعيفة الحوكمة، يمكن للتعويم الحر أن يؤدي إلى سيطرة مجموعات من المصالح الخاصة على سوق العملة، وهذا أمر خطير جدا".

وأضاف أن "هناك التعويم المُدار، وهو التعويم الذي لا يمكن أن يصل إلى مرحلة يجعل سعر الصرف يهدد التوازن الاقتصادي، وفي دول مثل لبنان ضعيفة اقتصاديا، سوق المال غير محوكم، ويصبح الاتجاه للتحرير الكامل، بدون قدرة السلطة النقدية على التدخل لضبط التغيرات العنيفة، بمثابة كارثة وطنية، بدل أن يكون بوابة للإصلاح الاقتصادي".

ودعا خوري إلى "تعويم هادئ ومدروس، لا يضرب الفئات الاجتماعية"، وقال "كل شيء يمكن أن يدار بالإرادة، ونتائجه تكون أفضل مما نجبر عليه. وبعض الدول للأسف ولأسباب سياسية، وتشابك المصالح مع القطاع المالي، تؤخر هذه الخطوة، والشعب يدفع الثمن".

وأشار إلى أن "الليرة اللبنانية في الواقع معومة منذ 2019 (...) والأزمة أدت إلى نوع من تصحيح اقتصادي تلقائي، بدون حتى تدخل السياسات النقدية".

الحالة المصرية

وفي مارس 2022، خفضت مصر قيمة عملتها المحلية أمام الدولار الأميركي بنسبة تصل إلى 13 في المئة، في قرار فاجأت المصارف به المصريين، وذلك في محاولة للحد من تبعات أزمة الحرب الروسية الأوكرانية، وفقا لفرانس برس.

وأعلن البنك المركزي المصري، على موقعه الرسمي، في بيان حينها، عن اجتماع لجنة السياسات النقدية بشكل استثنائي لتقرر زيادة سعر العائد على الإقراض والودائع بنسبة واحد في المئة.

وأوضح البنك في بيانه أن الصراع الروسي الأوكراني أدى إلى "ضغوط تضخمية محلية وزيادة الضغط على الميزان الخارجي (...) في ضوء هذه التطورات؛ قررت لجنة السياسة النقدية رفع أسعار العائد الأساسية لدى البنك المركزي".

وأضاف بأنه "يؤمن بأهمية مرونة سعر الصرف لتكون بمثابة أداة لامتصاص الصدمات والحفاظ على القدرة التنافسية لمصر".

وتوقع بعض خبراء الاقتصاد أن تحصل جولة جديدة من تعويم العملة المحلية في مصر "في ضوء ارتفاع أسعار السلع الأولية والغذاء والانخفاض المحتمل في أعداد السياح الروس"، وفق ما جاء في تقرير لبنك الاستثمار "جي بي مورغان"، في مارس 2022.

وشهدت مصر تعويما للعملة المحلية في عام 2016، ليفقد الجنيه نحو نصف قيمته أمام الدولار الأميركي، كجزء من برنامج إصلاح اقتصادي بدأته الحكومة وحصلت بموجبه على قرض من صندوق النقد الدولي قيمته 12 مليار دولار، وفقا لفرانس برس.

لبنان وسوريا

تحت أضواء ثريات ذهبية، وفي قمة حافلة باتفاقات تجارية، وبرمزية كبيرة، أدهش الرئيس الأميركي دونالد ترامب العالم من الرياض، بإعلان مفاجئ: الولايات المتحدة سترفع العقوبات عن سوريا.

تجمد الحاضرون لحظة، ثم ضجت القاعة بالتصفيق. 

لسنوات، عزلت العقوبات الأميركية نظام الأسد، ورسمت المعالم الجيوسياسية للمنطقة. لكن الآن، بإعلان واحد، بدأت الخريطة تتغير.

في بيروت، كان التأثير فوريا. إذ سارع رئيس الوزراء نواف سلام إلى إصدار بيان وصف فيه قرار ترامنب بأنه فرصة نادرة للبنان، البلد الذي ابتلعته دوامة الانهيار الاقتصادي، وحروب حزب الله. 

شكر سلام السعودية على دورها في التوسط في هذا الشأن.

في غضون ذلك، لمّح ترامب نفسه إلى رؤية أوسع.

"هناك فرصة في لبنان لتحرير نفسه من نفوذ حزب الله"، قال من على المنصة، "يمكن للرئيس جوزاف عون بناء دولة خالية من حزب الله".

كانت رسالة ترامب واضحة: تغيير واشنطن موقفها من سوريا له امتدادا تشمل لبنان أيضا.

ولكن ما الذي يعنيه هذا القرار حقا بالنسبة للبنان؟ 

رغم الأهمية البالغة لقرار الرئيس الأميركي، يشير الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا،أن ذلك "لا يعني بالضرورة رفع جميع العقوبات المفروضة على دمشق".

في حديث مع موقع "الحرة،" يوضح أبو شقرا أن العقوبات الأميركية تنقسم إلى نوعين "عقوبات تنفيذية يستطيع الرئيس إلغاؤها بقرار منه، وعقوبات تشريعية يفرضها الكونغرس، وأبرزها قانون قيصر الذي فرض على سوريا عام 2019".

"إلغاء قانون قيصر يتطلب تشريعا جديدا"، يضيف.

يعد قانون قيصر، وفق أبو شقرا، "من أشد القوانين تأثيرا على الاقتصاد السوري، إذ يمنع الاستيراد والتعامل بالعملة الصعبة، ويعزل سوريا عن نظام سويفت (SWIFT)، ما يعيق استيراد التقنيات المستخدمة في قطاعات حيوية مثل الطيران والصناعات العسكرية والكهرباء".

ويلفت أبو شقرا، من ناحية أخرى، إلى "معلومات تفيد بأن الرئيس الأميركي قد يتمكن من تجميد العقوبات المفروضة عبر قانون قيصر لفترة تصل إلى ستة أشهر، لكن رفعها بشكل نهائي يبقى من صلاحيات الكونغرس".

ويشير إلى أن "العقوبات الأوروبية المفروضة على النظام السوري، وشخصيات محددة، لا تزال قائمة، وتشمل أيضا شخصيات جديدة ظهرت في السلطة بعد سقوط نظام بشار الأسد".

تداعيات إيجابية

يرجح أبو شقرا أن يكون لقرار ترامب رفع رفع العقوبات عن سوريا تداعيات إيجابية على لبنان، على مستويات متعددة، أبرزها:

1-المساعدة في ما يتعلق باللاجئين السوريين في لبنان

يشير أبو شقرا إلى أن وجود حوالي مليون سوري في لبنان عبء اقتصادي كبير، تتراوحت كلفته السنوية بين مليار  و 1.3 مليار دولار سنويا، بينما كانت المساعدات الدولية أقل من ذلك بكثير. 

"عودة ولو جزء من هؤلاء اللاجئين إلى سوريا، ستخفف من الضغط على الاقتصاد اللبناني، وتسهم في تخفيف الأعباء المالية على الدولة اللبنانية.

2- تخفيف الضغط على العملة الصعبة

عاد السوريون إلى بلادهم، وتوقفت عمليات التحويل غير الرسمية، قد يتراجع الطلب على الدولار في السوق اللبنانية، ما يُسهم في استقرار سعر الصرف، ويخفف من الأعباء المالية على المواطنين اللبنانيين.

3- تسهيل استجرار الغاز المصري والكهرباء من الأردن

لطالما حالت العقوبات المفروضة على سوريا دون تفعيل مشروع استجرار الغاز المصري والكهرباء من الأردن. ومع رفع العقوبات، قد يعاد إحياء هذا المشروع الحيوي، ما سيتيح للبنان استجرار 300 ميغاوات من الكهرباء من الأردن، بالإضافة إلى تشغيل معمل دير عمار بقدرة 500 ميغاوات، ما سيرفع التغذية الكهربائية في البلاد إلى حوالي 800 ميغاوات.

4- مشروع خط النفط من العراق

ناقش الوفد الوزاري اللبناني، الذي زار دمشق حديثا، وضم وزير المالية ياسين جابر، إمكانية إعادة تفعيل مشروع خط النفط من كركوك إلى بيروت أو دير عمار. يتيح هذا المشروع للبنان في حال تنفيذه استيراد النفط الخام من العراق وتكريره في البلاد، ما سيعزز الإيرادات عبر تصدير النفط المكرر إلى الخارج، ويحقق إيرادات كبيرة لخزينة الدولة.

5- عودة الشركات اللبنانية للاستثمار في سوريا

هناك أيضأ إيجابيات تتعلق بإمكانية عودة الشركات اللبنانية للاستثمار في سوريا، إذ قد تستقطب سوريا الكفاءات اللبنانية من مهندسين ومحامين وغيرهم. العديد من هؤلاء اكتسبوا خبرات واسعة خلال فترة الأزمة السورية، ما قد يسهم في إعادة الإعمار في سوريا عند رفع العقوبات.

6- ازدهار العقارات في الشمال اللبناني

يُتوقع أن تشهد مناطق الشمال اللبناني ازدهارا بسبب زيادة الطلب على الإيجارات والعقارات. قد تختار بعض الشركات أن تتخذ لبنان مركزا لانطلاق عملياتها في سوريا، وتحديدا لاستقبال موظفيها وطواقمها التنفيذية، ما سيرتفع الطلب على العقارات والشقق الفندقية والمكاتب في هذه المناطق.

ووفقا لوزير المالية اللبناني ياسين جابر فإنّ "قرار رفع العقوبات عن سوريا يشكّل أيضاً دفعاً ايجابياً في انعكاساته على مستوى ما يقوم به لبنان من تحضيرات لتأمين عبور النفط العراقي الى مصفاة طرابلس وخط الفايبر أوبتيك وكذلك لخط الربط الكهربائي الخماسي وتأمين نقل الغاز والكهرباء من مصر والأردن إلى لبنان".

وأضاف جابر في بيان "سنستمر في اتصالاتنا مع الاشقاء العراقيين لإنجاز كل الاجراءات والاعمال للتعجيل في إتمام التجهيزات المطلوبة على هذا الصعيد، كما أننا سنعمل على تفعيل كل ما يخدم الاقتصاد اللبناني والإفادة من رفع الحصار عن سوريا من حركة نقل وترانزيت من لبنان نحو دول المشرق والخليج العربي وسواها، باعتبارها منفذاً حيوياً واساسياً مساعداً في عملية الإعمار والاستنهاض الاقتصادي ككل".

بين الإصلاح والإخفاق

قد يشكّل رفع العقوبات عن سوريا فرصة ذهبية للبنان، "لكن ذلك يتطلب إصلاحات جذرية في قطاعات حيوية ما زالت تحتكرها الدولة، مثل الاتصالات والكهرباء والمياه والنفايات، مما يعيق دخول القطاع الخاص ويحدّ من فرص الاستثمار".

ويشير أبو شقرا إلى أن "تحسين البنية التحتية في هذه المجالات يعدّ ضروريا لجذب الشركات الأجنبية، سواء للاستثمار في لبنان أو لاستخدامه كنقطة انطلاق نحو سوريا. من دون إصلاحات ملموسة، ستظل التكاليف مرتفعة والخدمات دون المستوى المطلوب، مما سيبعد المستثمرين الأجانب عن الساحة اللبنانية".

على صعيد القطاع المالي، يصف الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، الوضع بأنه شبه مشلول "بورصة بيروت، التي تعاني من غياب النشاط وتراجع عدد الشركات المدرجة فيها، باتت عاجزة عن جمع التمويل اللازم للشركات اللبنانية الراغبة في التوسع أو الاستثمار في إعادة الإعمار السوري. هذا الواقع يضعف من قدرة لبنان على المنافسة مع دول أخرى أكثر جاهزية مثل تركيا والسعودية والإمارات، التي تمتلك بنية تحتية متطورة وقدرة أعلى على جذب الاستثمارات".

في المحصلة، يرى أبو شقرا أن رفع  العقوبات عن سوريا يضع "لبنان أمام خيارين؛ إما أن يقتنص الفرصة ويبدأ بإصلاحات جذرية في قطاعاته الحيوية، أو يفوّتها ويبقى في أزمته".