مصرف لبنان أتاح شراء الدولارات بسعر أدنى من المعروض في السوق الموازية عبر منصة صيرفة
مصرف لبنان أتاح شراء الدولارات بسعر أدنى من المعروض في السوق الموازية عبر منصة صيرفة

كان لافتا في التصريحات الأخيرة لنائب حاكم مصرف لبنان سليم شاهين، حديثه عن توجه للتخلي عن منصة "صيرفة" في الفترة التالية لانتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ووصفه لها بأنها "فاقدة للشفافية والحوكمة"، في حين شكلت هذه المنصة المثيرة للجدل، أبرز أدوات المصرف المركزي اللبناني للتعامل مع الأزمة المالية المستمرة في البلاد منذ العام 2019. 

أتى ذلك في وقت يستعد نواب حاكم مصرف لبنان لتسلم وتسيير الأعمال في المصرف المركزي في الأول من أغسطس المقبل، موعد انتهاء ولاية الحاكم رياض سلامة، التي امتدت على 30 عاما، تُختتم على وقع ملاحقة دولية وتحقيقات قضائية محلية تطال سلامة بتهم اختلاس وتبييض أموال، وإساءة إدارة وانتفاع شخصي وغيرها. 

وكان شاهين قد أكد لـ "رويترز" أن قيادة المصرف المركزي تجري محادثات مع صانعي السياسات في الحكومة والبرلمان، وكذلك مع صندوق النقد الدولي، بشأن الحاجة إلى وقف العمل بهذه المنصة نظرا لافتقارها إلى الشفافية والحوكمة.

أثار هذا التصريح الكثير من التساؤلات حول المقصود بافتقار "صيرفة" للشفافية والحوكمة، وأعاد تسليط الأضواء على نشأة هذه المنصة وآلية عملها الغامضة، فضلا عن النتائج التي حققتها والجدوى منها، وصولاً إلى طرح الاستفهام عن مرحلة "ما بعد صيرفة" ومصير الرواتب والضرائب والحسابات المرتبطة بها. 

كيف نشأت؟

بدأ الإعداد لها عام 2020، وأطلق العمل بها في مايو 2021، بموجب تعميم أساسي عن مصرف لبنان يحمل الرقم 157، ألزم المصارف كافة التسجيل على المنصة، متيحا لها حرية التداول، بحيث تجري عمليات الصرافة لزبائنها وتسجلها على المنصة وفق سعر الصرف المحدد من المصرف المركزي.

عمليا عبر هذه المنصة أتاح مصرف لبنان شراء الدولارات من المصارف بسعر أدنى من المعروض في "السوق الموازية"، وكان الهدف من ذلك التحكم في القفزات الكبيرة التي كان يسجلها سعر صرف الدولار مقابل انهيارات الليرة اللبنانية من جهة، وتأمين حد معين من الدعم للتجار والمستوردين والشركات الكبرى الذين كانوا يحصّلون حاجاتهم من العملة الصعبة من السوق الموازية ما شكل زيادة كبيرة في الطلب على الدولار ورفع من سعر صرفه. 

سعى المصرف المركزي من خلال صيرفة إلى حصر التداول بالدولار على منصة رسمية واحدة، بهدف إعادة تنظيم السوق الذي كانت تقوده المضاربات والتلاعب من قبل الصرافين، ما انعكس في مراحل معينة تقلّبات حادة في أسعار الصرف. 

لعبت "صيرفة" دورا آخر، من خلال التعميم 161، الذي صدر في ديسمبر 2021، وينصّ على دفع المصارف لعملائها السحوبات النقدية التي يحق لهم سحبها، وفق سعر الصرف على منصة صيرفة.

المستفيد الأبرز من ذلك كانوا موظفي القطاع العام الذين أتيح لهم قبض رواتبهم بالدولار، وذلك في سياق تمويل مصرف لبنان للنفقات التشغيلية للدولة اللبنانية، التي كانت تسعى للمحافظة على القدرة الشرائية للموظفين من خلال مدهم بالدولارات، فيما هدف مصرف لبنان بالمقابل إلى ضخ مزيد من الدولارات في الأسواق، وسحب كميات كبيرة من الليرة اللبنانية المتضخمة بفعل طباعة العملة المستمرة.

خطوة رأى فيها كثيرون، ومن بينهم الخبير في المخاطر المصرفية محمد فحيلي، "خدمة للطبقة السياسية"، لناحية إرضاء موظفي القطاع العام الذين يعتبرون جزءا من منظومة المحسوبيات والتوظيفات السياسية التي تديرها السلطة الحاكمة في البلاد، لكسب الولاء. 

أداة للتربح.. فهل حققت أهدافها؟

إلا أن فارق السعر ما بين الدولار المعروض على "صيرفة"، وسعر الصرف في السوق الموازية حول فكرة "صيرفة" إلى أداة للربح السريع لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، على رأسهم التجار والمستوردين والمتمولين الذين أتيح لهم وصول غير محدود إلى المنصة، فضلا عن الأفراد الذين استفادوا من "الكوتا" المتاحة لهم، بحيث كان يتم شراء الدولارات من صيرفة بسعر منخفض ثم استبدالها من السوق الموازية بالليرة على سعر صرف مرتفع وتحقيق الأرباح من الفارق. 

وصل الأمر بالبعض إلى حد استدانة الأموال من أجل التداول عبر "صيرفة" وتحقيق الأرباح، كما سجل في لبنان حالة وصفت بـ "الاستيراد المفرط" الذي قام به التجار والمستوردون، سعيا للاستفادة القصوى من هامش الربح عبر "صيرفة"، حيث كانت تتم عمليات الاستيراد الضخمة وفق السعر المنخفض للمنصة، على أن تباع السلع في الأسواق وفق سعر الدولار في السوق الموازية. 

وكان البنك الدولي قد اعتبر في مراقبته الاقتصادية لربيع 2023 أن منصة "صيرفة" ليست فقط أداة نقدية غير مواتية، ولكنها تحولت أيضا إلى آلية لتحقيق الأرباح من فارق الأسعار، مضيفا أن المتعاملين في "صيرفة" ربما يكونون قد حققوا أرباحا وصلت إلى 2.5 مليار دولار من خلال فرق التسعير، دون احتساب صرف رواتب القطاع العام، واصفا المنصة بأنها "نموذج للسياسات الضعيفة وغير المجدية غالبا". 

في هذا السياق، يذكر الصحافي الاقتصادي، منير يونس، أنه "كان يفترض بمنصة صيرفة أن تحافظ على سعر صرف الدولار عند حدود 12 ألف ليرة لبنانية في حينها، إلا أنه وعلى مدى عامين من إنشائها، وصل سعر صرف الدولار إلى حدود قياسية سجل معها 143 ألف ليرة في مارس 2023، فيما استمرت صيرفة بمجاراة السوق الموازية عبر رفع سعر صرفها". 

وعليه فقد طبعت مسيرة المنصة "بالفشل الدائم" بحسب يونس، فشل في ضبط المضاربات، وفشل في إحراز استقرار نقدي في سوق الصرف، لا بل تحولت المنصة إلى "أكبر مضارب على الليرة"، وذلك بكون مصرف لبنان هو من يطبع الليرة ويزيد من الكتلة النقدية التي تستخدم لشراء الدولارات.

في المقابل يرى فحيلي، أنه لا يجب إغفال الأوضاع التي مرت على لبنان منذ إنشاء "صيرفة" وحتى اليوم، والتطورات المالية التي حصلت، أبرزها إقرار الموازنة العامة للعام 2022 التي "أحدثت زلزالا اقتصاديا وماليا ونقديا"، بعدما ارتفع على إثرها السعر الرسمي لصرف الليرة من 1500 مقابل الدولار إلى 15 ألفا، وعلى أساسه جرى تعديل "الدولار الجمركي"، وسقف السحوبات النقدية، "وبالتالي لم يكن ممكناً ألا أن يتغير سعر صيرفة".

من أين التمويل؟ 

ولا تزال آلية تمويل المنصة محاطة بالغموض والضبابية، لناحية حجم اعتمادها على أموال المودعين اللبنانيين التي وظفتها المصارف في مصرف لبنان، والتي تعرف بـ "الاحتياطي الإلزامي"، فيما يقول مصرف لبنان أنه يجمع الدولارات المعروضة على المنصة من السوق الموازية ويمول دعم سعر الصرف من خلال الأرباح المحققة من التداول. 

في هذا الشق، يميّز فحيلي ما بين التداولات الجارية وفق التعميم 157، والتي يدفعها مصرف لبنان للمصارف من توظيفاتها لديه، أي أموال المودعين لدى المصارف، وبين تمويل صرف رواتب القطاع العام الجارية وفق التعميم 161، التي يؤمن مصرف لبنان دولاراتها من السوق الموازية. 

ما فعله مصرف لبنان في هذا السياق انه استخدم الكتلة النقدية الكبيرة التي يملكها نتيجة طبع العملة، لتمويل مصاريف الدولة، بحسب فحيلي، وتجنبا لتضخمات كبيرة، اشترى المصرف كتلة نقدية كبيرة بالدولار، توازي الكتلة النقدية بالليرة، فبات يبيع دولار عبر صيرفة ويشتري دولار من السوق الموازية، وحافظ بذلك على التحكم بالضغوطات التضخمية وقفزات سعر الصرف. 

من ناحيته يوضح يونس في حديثه لموقع "الحرة" أن قانون النقد والتسليف في لبنان، يسمح بتدخل مصرف لبنان بسوق القطع وفق شروط معينة، "خصوصا إذا كان لديه احتياطي صافي خاص به، وليس دولارات المودعين".  

لكن في الواقع المنصة كانت تدافع عن سعر الصرف من أموال المصارف والمودعين، بحسب تأكيد يونس، بكون ما يملكه مصرف لبنان من احتياط دولارات مصدره توظيفات المصارف الإلزامية وشهادات الإيداع، وليست احتياطات خاصة، "وبالتالي المنصة بنشأتها كانت مخالفة لقانون النقد والتسليف".

ماذا عن الشفافية؟ 

دائما ما كانت الشفافية مطلوبة على منصة صيرفة من جهات متعددة، بينها البنك الدولي، ونواب حاكم مصرف لبنان أنفسهم، الذين عبروا في أكثر من مناسبة عن معارضتهم لطريقة عمل "صيرفة". 

أبرز مظاهر انعدام الشفافية تتمثل في عدم إمكانية معرفة الجهات المستخدمة للمنصة، فعندما يكون هناك منصة للتداول او بورصة، يفترض، وفق يونس، أن "يكون لها قيود تسجل في مقاصة، تظهر من اشترى ومن باع، مع إمكانية وصول لهذه المداولات، وإظهار واضح لهوية الحسابات في حال تم طلبها من الجهة الرقابية، وهو ما ليس متوفرا على "صيرفة". 

المعروف من مستخدمي منصة صيرفة هم موظفي الإدارة العامة وأصحاب الودائع في المصارف، أما ما تبقى من تجار ومضاربين ومصارف هويتهم غير واضحة، كذلك حجم استفادتهم، فيما تفتقد المنصة لقيود شفافة تثبت من باع ومن اشترى.

هذا الواقع بحسب يونس، أفرز إمكانية تربيح فئات دون أخرى، حيث تلعب المحسوبيات دورا بارزا في الاستفادة، ولاسيما لناحية المتمولين، والمصارف، والشركات، والمضاربين.  

ويؤكد فحيلي بدوره أن كل التداولات التي تتم وفق احكام التعميم 157 شهدت "استنسابية مفرطة" من قبل المصارف. وكل العمليات وفق التعميم 161 كان الخطأ فيها أن الدولة تلجأ إلى مصرف لبنان لتمويل عجزها، كما كان يحصل في الماضي. 

ويشير الخبير بالمخاطر المصرفية إلى أن القطبة المخفية بسبب غياب الرقابة على المنصة، كانت في إجراء المصارف لعملياتها وفق التعميم 157 وتسجل كتداول بأموال المودعين، ثم تمررها تحت احكام التعميم 161 لتحافظ على موجوداتها لدى مصرف لبنان، فلا تتناقص، في خطوة "تفتقد للمهنية والمناقبية" بحسب فحيلي. 

ويتفق الخبيران الاقتصاديان على أن منصة "صيرفة" تحولت بفعل كل ذلك إلى "صندوق أسود" وغامض، يحتاج إلى تدقيق، "وربما تدقيق جنائي" بحسب يونس الذي يؤكد على حق "اللبنانيين المأزومين" في معرفة من استفاد من أرباح الـ 2.5 مليار دولار. 

ماذا بعد صيرفة؟ 

وبينما شكل خبر التوجه للتخلي عن "صيرفة" بارقة أمل لكثير من الطامحين لتوحيد سعر الصرف وتحريره في لبنان، من أجل وقف النزيف الحاصل في احتياطات مصرف لبنان، يخشى آخرون من الآثار المالية المترتبة عن إمكانية التخلي عن المنصة، خاصة وأنها الضابط الوحيد لسعر الدولار. 

وفي هذا السياق يرى يونس أنه لن يكون هناك تداعيات لتوقف "صيرفة" إذا ترافق ذلك مع جملة إصلاحات مالية ومصرفية وإقرار لقانون الكابيتال كونترول وإعادة هيكلة للمصارف وموازنة بعائدات ضريبية جيدة، والعودة إلى الدفع بالليرة في الأسواق بدلا من الدولار، "حينها يمكن للمنصة الحرة أن تنجح بتحرير سعر الصرف وتحقق استقراراً معينا". 

لكن يبقى دون ذلك عقبات سياسية رئيسية تتمثل في انعدام إمكانية التشريع النيابي في ظل الفراغ الرئاسي في لبنان، وعدم إمكانية إطلاق خطة حكومية إصلاحية بكون الحكومة الحالية يقتصر دورها على تصريف الأعمال لحين انتخاب رئيس جديد للبلاد. 

في ظل هذا الواقع، "سنكون أمام انفجار في سعر صرف الدولار" على حد تعبير يونس، الذي يضع المسؤولية في هذه الحالة على "الجهات السياسية المنتخبة التي اختارها الشعب اللبناني لحماية مصالحه ولم يفعلوا"، معتبرا أن انفجار سعر الصرف يجب أن يحرك المسائلة لدى الناس.

بينما يؤكد فحيلي أن أحدا لا يتحدث اليوم عن إلغاء منصة صيرفة دون وجود البديل، بما فيهم نواب حاكم مصرف لبنان،  مستبعدا أن يؤدي ذلك إن حصل لصدمة اقتصادية كبيرة، "بحكم عدم وجود فارق كبير بين سعر صيرفة وسعر السوق السوداء اليوم"، مؤكدا أن الهاجس الأساسي يكمن في تفادي الضغوطات التضخمية التي من شأنها إعادة ضرب القدرة الشرائية لرواتب الموظفين، ولاسيما القطاع العام. 

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".