مصرف لبنان أتاح شراء الدولارات بسعر أدنى من المعروض في السوق الموازية عبر منصة صيرفة
مصرف لبنان أتاح شراء الدولارات بسعر أدنى من المعروض في السوق الموازية عبر منصة صيرفة

كان لافتا في التصريحات الأخيرة لنائب حاكم مصرف لبنان سليم شاهين، حديثه عن توجه للتخلي عن منصة "صيرفة" في الفترة التالية لانتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ووصفه لها بأنها "فاقدة للشفافية والحوكمة"، في حين شكلت هذه المنصة المثيرة للجدل، أبرز أدوات المصرف المركزي اللبناني للتعامل مع الأزمة المالية المستمرة في البلاد منذ العام 2019. 

أتى ذلك في وقت يستعد نواب حاكم مصرف لبنان لتسلم وتسيير الأعمال في المصرف المركزي في الأول من أغسطس المقبل، موعد انتهاء ولاية الحاكم رياض سلامة، التي امتدت على 30 عاما، تُختتم على وقع ملاحقة دولية وتحقيقات قضائية محلية تطال سلامة بتهم اختلاس وتبييض أموال، وإساءة إدارة وانتفاع شخصي وغيرها. 

وكان شاهين قد أكد لـ "رويترز" أن قيادة المصرف المركزي تجري محادثات مع صانعي السياسات في الحكومة والبرلمان، وكذلك مع صندوق النقد الدولي، بشأن الحاجة إلى وقف العمل بهذه المنصة نظرا لافتقارها إلى الشفافية والحوكمة.

أثار هذا التصريح الكثير من التساؤلات حول المقصود بافتقار "صيرفة" للشفافية والحوكمة، وأعاد تسليط الأضواء على نشأة هذه المنصة وآلية عملها الغامضة، فضلا عن النتائج التي حققتها والجدوى منها، وصولاً إلى طرح الاستفهام عن مرحلة "ما بعد صيرفة" ومصير الرواتب والضرائب والحسابات المرتبطة بها. 

كيف نشأت؟

بدأ الإعداد لها عام 2020، وأطلق العمل بها في مايو 2021، بموجب تعميم أساسي عن مصرف لبنان يحمل الرقم 157، ألزم المصارف كافة التسجيل على المنصة، متيحا لها حرية التداول، بحيث تجري عمليات الصرافة لزبائنها وتسجلها على المنصة وفق سعر الصرف المحدد من المصرف المركزي.

عمليا عبر هذه المنصة أتاح مصرف لبنان شراء الدولارات من المصارف بسعر أدنى من المعروض في "السوق الموازية"، وكان الهدف من ذلك التحكم في القفزات الكبيرة التي كان يسجلها سعر صرف الدولار مقابل انهيارات الليرة اللبنانية من جهة، وتأمين حد معين من الدعم للتجار والمستوردين والشركات الكبرى الذين كانوا يحصّلون حاجاتهم من العملة الصعبة من السوق الموازية ما شكل زيادة كبيرة في الطلب على الدولار ورفع من سعر صرفه. 

سعى المصرف المركزي من خلال صيرفة إلى حصر التداول بالدولار على منصة رسمية واحدة، بهدف إعادة تنظيم السوق الذي كانت تقوده المضاربات والتلاعب من قبل الصرافين، ما انعكس في مراحل معينة تقلّبات حادة في أسعار الصرف. 

لعبت "صيرفة" دورا آخر، من خلال التعميم 161، الذي صدر في ديسمبر 2021، وينصّ على دفع المصارف لعملائها السحوبات النقدية التي يحق لهم سحبها، وفق سعر الصرف على منصة صيرفة.

المستفيد الأبرز من ذلك كانوا موظفي القطاع العام الذين أتيح لهم قبض رواتبهم بالدولار، وذلك في سياق تمويل مصرف لبنان للنفقات التشغيلية للدولة اللبنانية، التي كانت تسعى للمحافظة على القدرة الشرائية للموظفين من خلال مدهم بالدولارات، فيما هدف مصرف لبنان بالمقابل إلى ضخ مزيد من الدولارات في الأسواق، وسحب كميات كبيرة من الليرة اللبنانية المتضخمة بفعل طباعة العملة المستمرة.

خطوة رأى فيها كثيرون، ومن بينهم الخبير في المخاطر المصرفية محمد فحيلي، "خدمة للطبقة السياسية"، لناحية إرضاء موظفي القطاع العام الذين يعتبرون جزءا من منظومة المحسوبيات والتوظيفات السياسية التي تديرها السلطة الحاكمة في البلاد، لكسب الولاء. 

أداة للتربح.. فهل حققت أهدافها؟

إلا أن فارق السعر ما بين الدولار المعروض على "صيرفة"، وسعر الصرف في السوق الموازية حول فكرة "صيرفة" إلى أداة للربح السريع لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، على رأسهم التجار والمستوردين والمتمولين الذين أتيح لهم وصول غير محدود إلى المنصة، فضلا عن الأفراد الذين استفادوا من "الكوتا" المتاحة لهم، بحيث كان يتم شراء الدولارات من صيرفة بسعر منخفض ثم استبدالها من السوق الموازية بالليرة على سعر صرف مرتفع وتحقيق الأرباح من الفارق. 

وصل الأمر بالبعض إلى حد استدانة الأموال من أجل التداول عبر "صيرفة" وتحقيق الأرباح، كما سجل في لبنان حالة وصفت بـ "الاستيراد المفرط" الذي قام به التجار والمستوردون، سعيا للاستفادة القصوى من هامش الربح عبر "صيرفة"، حيث كانت تتم عمليات الاستيراد الضخمة وفق السعر المنخفض للمنصة، على أن تباع السلع في الأسواق وفق سعر الدولار في السوق الموازية. 

وكان البنك الدولي قد اعتبر في مراقبته الاقتصادية لربيع 2023 أن منصة "صيرفة" ليست فقط أداة نقدية غير مواتية، ولكنها تحولت أيضا إلى آلية لتحقيق الأرباح من فارق الأسعار، مضيفا أن المتعاملين في "صيرفة" ربما يكونون قد حققوا أرباحا وصلت إلى 2.5 مليار دولار من خلال فرق التسعير، دون احتساب صرف رواتب القطاع العام، واصفا المنصة بأنها "نموذج للسياسات الضعيفة وغير المجدية غالبا". 

في هذا السياق، يذكر الصحافي الاقتصادي، منير يونس، أنه "كان يفترض بمنصة صيرفة أن تحافظ على سعر صرف الدولار عند حدود 12 ألف ليرة لبنانية في حينها، إلا أنه وعلى مدى عامين من إنشائها، وصل سعر صرف الدولار إلى حدود قياسية سجل معها 143 ألف ليرة في مارس 2023، فيما استمرت صيرفة بمجاراة السوق الموازية عبر رفع سعر صرفها". 

وعليه فقد طبعت مسيرة المنصة "بالفشل الدائم" بحسب يونس، فشل في ضبط المضاربات، وفشل في إحراز استقرار نقدي في سوق الصرف، لا بل تحولت المنصة إلى "أكبر مضارب على الليرة"، وذلك بكون مصرف لبنان هو من يطبع الليرة ويزيد من الكتلة النقدية التي تستخدم لشراء الدولارات.

في المقابل يرى فحيلي، أنه لا يجب إغفال الأوضاع التي مرت على لبنان منذ إنشاء "صيرفة" وحتى اليوم، والتطورات المالية التي حصلت، أبرزها إقرار الموازنة العامة للعام 2022 التي "أحدثت زلزالا اقتصاديا وماليا ونقديا"، بعدما ارتفع على إثرها السعر الرسمي لصرف الليرة من 1500 مقابل الدولار إلى 15 ألفا، وعلى أساسه جرى تعديل "الدولار الجمركي"، وسقف السحوبات النقدية، "وبالتالي لم يكن ممكناً ألا أن يتغير سعر صيرفة".

من أين التمويل؟ 

ولا تزال آلية تمويل المنصة محاطة بالغموض والضبابية، لناحية حجم اعتمادها على أموال المودعين اللبنانيين التي وظفتها المصارف في مصرف لبنان، والتي تعرف بـ "الاحتياطي الإلزامي"، فيما يقول مصرف لبنان أنه يجمع الدولارات المعروضة على المنصة من السوق الموازية ويمول دعم سعر الصرف من خلال الأرباح المحققة من التداول. 

في هذا الشق، يميّز فحيلي ما بين التداولات الجارية وفق التعميم 157، والتي يدفعها مصرف لبنان للمصارف من توظيفاتها لديه، أي أموال المودعين لدى المصارف، وبين تمويل صرف رواتب القطاع العام الجارية وفق التعميم 161، التي يؤمن مصرف لبنان دولاراتها من السوق الموازية. 

ما فعله مصرف لبنان في هذا السياق انه استخدم الكتلة النقدية الكبيرة التي يملكها نتيجة طبع العملة، لتمويل مصاريف الدولة، بحسب فحيلي، وتجنبا لتضخمات كبيرة، اشترى المصرف كتلة نقدية كبيرة بالدولار، توازي الكتلة النقدية بالليرة، فبات يبيع دولار عبر صيرفة ويشتري دولار من السوق الموازية، وحافظ بذلك على التحكم بالضغوطات التضخمية وقفزات سعر الصرف. 

من ناحيته يوضح يونس في حديثه لموقع "الحرة" أن قانون النقد والتسليف في لبنان، يسمح بتدخل مصرف لبنان بسوق القطع وفق شروط معينة، "خصوصا إذا كان لديه احتياطي صافي خاص به، وليس دولارات المودعين".  

لكن في الواقع المنصة كانت تدافع عن سعر الصرف من أموال المصارف والمودعين، بحسب تأكيد يونس، بكون ما يملكه مصرف لبنان من احتياط دولارات مصدره توظيفات المصارف الإلزامية وشهادات الإيداع، وليست احتياطات خاصة، "وبالتالي المنصة بنشأتها كانت مخالفة لقانون النقد والتسليف".

ماذا عن الشفافية؟ 

دائما ما كانت الشفافية مطلوبة على منصة صيرفة من جهات متعددة، بينها البنك الدولي، ونواب حاكم مصرف لبنان أنفسهم، الذين عبروا في أكثر من مناسبة عن معارضتهم لطريقة عمل "صيرفة". 

أبرز مظاهر انعدام الشفافية تتمثل في عدم إمكانية معرفة الجهات المستخدمة للمنصة، فعندما يكون هناك منصة للتداول او بورصة، يفترض، وفق يونس، أن "يكون لها قيود تسجل في مقاصة، تظهر من اشترى ومن باع، مع إمكانية وصول لهذه المداولات، وإظهار واضح لهوية الحسابات في حال تم طلبها من الجهة الرقابية، وهو ما ليس متوفرا على "صيرفة". 

المعروف من مستخدمي منصة صيرفة هم موظفي الإدارة العامة وأصحاب الودائع في المصارف، أما ما تبقى من تجار ومضاربين ومصارف هويتهم غير واضحة، كذلك حجم استفادتهم، فيما تفتقد المنصة لقيود شفافة تثبت من باع ومن اشترى.

هذا الواقع بحسب يونس، أفرز إمكانية تربيح فئات دون أخرى، حيث تلعب المحسوبيات دورا بارزا في الاستفادة، ولاسيما لناحية المتمولين، والمصارف، والشركات، والمضاربين.  

ويؤكد فحيلي بدوره أن كل التداولات التي تتم وفق احكام التعميم 157 شهدت "استنسابية مفرطة" من قبل المصارف. وكل العمليات وفق التعميم 161 كان الخطأ فيها أن الدولة تلجأ إلى مصرف لبنان لتمويل عجزها، كما كان يحصل في الماضي. 

ويشير الخبير بالمخاطر المصرفية إلى أن القطبة المخفية بسبب غياب الرقابة على المنصة، كانت في إجراء المصارف لعملياتها وفق التعميم 157 وتسجل كتداول بأموال المودعين، ثم تمررها تحت احكام التعميم 161 لتحافظ على موجوداتها لدى مصرف لبنان، فلا تتناقص، في خطوة "تفتقد للمهنية والمناقبية" بحسب فحيلي. 

ويتفق الخبيران الاقتصاديان على أن منصة "صيرفة" تحولت بفعل كل ذلك إلى "صندوق أسود" وغامض، يحتاج إلى تدقيق، "وربما تدقيق جنائي" بحسب يونس الذي يؤكد على حق "اللبنانيين المأزومين" في معرفة من استفاد من أرباح الـ 2.5 مليار دولار. 

ماذا بعد صيرفة؟ 

وبينما شكل خبر التوجه للتخلي عن "صيرفة" بارقة أمل لكثير من الطامحين لتوحيد سعر الصرف وتحريره في لبنان، من أجل وقف النزيف الحاصل في احتياطات مصرف لبنان، يخشى آخرون من الآثار المالية المترتبة عن إمكانية التخلي عن المنصة، خاصة وأنها الضابط الوحيد لسعر الدولار. 

وفي هذا السياق يرى يونس أنه لن يكون هناك تداعيات لتوقف "صيرفة" إذا ترافق ذلك مع جملة إصلاحات مالية ومصرفية وإقرار لقانون الكابيتال كونترول وإعادة هيكلة للمصارف وموازنة بعائدات ضريبية جيدة، والعودة إلى الدفع بالليرة في الأسواق بدلا من الدولار، "حينها يمكن للمنصة الحرة أن تنجح بتحرير سعر الصرف وتحقق استقراراً معينا". 

لكن يبقى دون ذلك عقبات سياسية رئيسية تتمثل في انعدام إمكانية التشريع النيابي في ظل الفراغ الرئاسي في لبنان، وعدم إمكانية إطلاق خطة حكومية إصلاحية بكون الحكومة الحالية يقتصر دورها على تصريف الأعمال لحين انتخاب رئيس جديد للبلاد. 

في ظل هذا الواقع، "سنكون أمام انفجار في سعر صرف الدولار" على حد تعبير يونس، الذي يضع المسؤولية في هذه الحالة على "الجهات السياسية المنتخبة التي اختارها الشعب اللبناني لحماية مصالحه ولم يفعلوا"، معتبرا أن انفجار سعر الصرف يجب أن يحرك المسائلة لدى الناس.

بينما يؤكد فحيلي أن أحدا لا يتحدث اليوم عن إلغاء منصة صيرفة دون وجود البديل، بما فيهم نواب حاكم مصرف لبنان،  مستبعدا أن يؤدي ذلك إن حصل لصدمة اقتصادية كبيرة، "بحكم عدم وجود فارق كبير بين سعر صيرفة وسعر السوق السوداء اليوم"، مؤكدا أن الهاجس الأساسي يكمن في تفادي الضغوطات التضخمية التي من شأنها إعادة ضرب القدرة الشرائية لرواتب الموظفين، ولاسيما القطاع العام. 

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".