اندلعت الاشتباكات، الأحد، إثر مقتل مسؤول الأمن الوطني في المخيم
الاشتباكات اندلعت الأحد إثر مقتل مسؤول الأمن الوطني في المخيم

على وقع هدوء نسبي، يتخلله خروقات متقطعة، وأمل بتثبيت وقف إطلاق النار، تلتقط مدينة صيدا أنفساها الأولى بعد 3 أيام من الاشتباكات العنيفة والمتواصلة في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، جنوب لبنان.

وأدت الاشتباكات العنيفة ما بين عناصر من حركة "فتح" ومجموعات إسلامية مسلحة في المخيم إلى إلحاق أضرار واسعة بالمدينة، التي بدت الحركة فيها شبه متوقفة تماما لليوم الثاني على التوالي في ظل تساقط للرصاص الطائش والقذائف العشوائية في أنحاء مختلفة من المدينة. 

واندلعت الاشتباكات، الأحد، إثر مقتل مسؤول الأمن الوطني في المخيم، القيادي بحركة فتح، أبو أشرف العرموشي، مع 4 من مرافقيه بعد تعرضهم لكمين مسلح في منطقة حي البستان في مخيم عين الحلوة، الذي يعتبر أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان.

وأدت الاشتباكات حتى الساعة إلى مقتل 11 شخصا وإصابة أكثر من 40 بحسب بيان صادر عن وكالة "الأونروا" لغوث اللاجئين.

وبحسب الوكالة الأممية فإن العنف المسلح في المخيم يؤثر على المدنيين بمن فيهم الأطفال ويتسبب بفرار العائلات بحثا عن الأمان، حيث أجبر أكثر من 2000 شخص على الفرار خارج المخيم، فيما فتحت "الأونروا" مدارسها لإيواء العائلات النازحة بمساعدة متطوعين حيث تؤمن "الفرش والغذاء والماء ومستلزمات النظافة والدعم النفسي والاجتماعي والرعاية الصحية".

وبينما تعرضت مدرستان تابعتان للوكالة لأضرار نتيجة الاشتباكات، فقد تم تعليق جميع خدماتها في المخيم "بشكل مؤقت"، ودعت الأونروا المسلحين إلى "احترام حرمة جميع مباني ومرافق الأونروا وفقا للقانون الدولي".

الرصاص مثل الشتاء

وخلت شوارع صيدا اليوم من المارة والسيارات، بعدما سجلت إصابات عدة بالرصاص الطائش والقذائف العشوائية، وأغلقت الإدارات الرسمية أبوابها بقرار من محافظة الجنوب، لاسيما الدوائر الواقعة على مقربة من المخيم ومناطق الاشتباك، ومنها بلدية صيدا والسراي الحكومي والجامعة اللبنانية ومدارس المدينة ومؤسساتها التجارية، كما جرى إغلاق مستشفى صيدا الحكومي بشكل كامل ونقل جميع المرضى منها إلى المستشفيات المجاورة، بسبب قربها من الاشتباكات.

"ينزل علينا الرصاص مثل الشتاء" يقول مختار حارة صيدا، مصطفى الزين، في حديثه لموقع "الحرة"، ويضيف أن قذيفة صاروخية سقطت أيضاً بالقرب من الحي، لافتاً إلى أن ساعات النهار الأولى فقط أسفرت عن رصد 10 رصاصات تساقطت في حارة صيدا قرب أشخاص يتجولون أو في منازلهم، "أنا سقطت أمامي رصاصة اليوم، لا يمكن استمرار هذا الأمر الذي يهدد كل المدينة وأهلها، الناس تتململ وتشعر بالامتعاض من هذا الوضع".

ورصدت مقاطع مصورة لتساقط الرصاص الطائش على الناس بشكل مفاجئ وعشوائي، حيث بينت إحدى المقاطع المنتشرة، إصابة مواطن لبناني مقابل السرايا في صيدا خلال دخوله إلى أحد المحال التجارية، فيما أظهرت منشورات وصور أخرى إصابة سيارات وحافلات لنقل الركاب، خلال المرور في المدينة.

كما سقطت قذيفة صباحاً في سوق "الحسبة" لبيع الخضار بالجملة، والذي يؤمن حاجات المدينة وجوارها ومناطق عدة جنوب لبنان من الخضار والفاكهة، ما دفع أصحاب المؤسسات والمحال إلى إغلاقها وإخلاء المكان.

لم يتوجه أحد في صيدا إلى عمله اليوم، وفق ما يؤكد الزين، ويلفت إلى أن السكان لم يناموا طوال الليل بسبب أصوات القصف والرصاص، "وكأن المعركة في صيدا".

ويعمل مختار حارة صيدا بالتنسيق مع أحزاب وفعاليات وشباب في المنطقة على منع تجول الناس حرصا على سلامتهم، حيث يوزع شباناً في الأحياء لحث الناس على التزام منازلهم، ويفيد عن التزام كبير في المقابل.

ويوضح رئيس بلدية صيدا، محمد السعودي، من جهته أن مساحة المخيم الجغرافية صغيرة جداً بحيث لا تتجاوز الكيلومتر المربع الواحد، أي أن مدى الرصاص والقذائف المستخدمة في المعارك الجارية، ستتخطاه حكما إن لم تصب هدفها، "خاصة وأن أسلحة ثقيلة باتت تستخدم في المعركة، من قذائف هاون وصواريخ كاتيوشا وقذائف صاروخية".

من جهته يؤكد الزين أن هنالك أطفال ونساء وعجزة تضرروا وأصيبوا نتيجة الاشتباكات، "دون ذنب لهم"، وهناك المئات ممن خرجوا من المخيم إلى المصليات والجوامع ولا أحد يلتفت لهم، خاصة أنهم من الفقراء ومعدومي الحال بالأصل وازدادت اليوم مشكلتهم بعد تهجيرهم من بيوتهم.

عائلات تنزح والأطفال مرعوبون

علي البيطار، وهو أحد سكان صيدا، والد لطفلين، يروي لموقع "الحرة" مدى تأثر الأطفال في المدينة بالاشتباكات وأصوات القصف، حيث عمت حالة من الرعب والهلع في صفوف الصغار الذين لم يناموا ليلتهم بدورهم بسبب الأصوات.

وينقل البيطار حالة تململ وغضب كبيرة في أوساط سكان المدينة بسبب الوضع المستجد، والذي يأتي في ظل ظروف شاقة يعاني منها الناس، يقول "الناس هنا غاضبة وهناك نقمة كبيرة لذلك"، موضحاً أن الهيئات الاجتماعية والسياسية في المدينة تبذل قصارى جهدها لتهدئة الأمور وتهدئة الناس التي "ما عادت قادرة على السكوت عن الموضوع".

وتوجه عدد كبير من سكان مخيم عين الحلوة والمناطق المجاورة له في صيدا إلى المساجد والساحات العامة والحدائق للاحتماء من الاشتباكات، فيما نزح آخرون بشكل كامل عن المدينة إلى القرى المحيطة بها.

"باقي الناس في منازلهم، ينتظرون الفرج، والمدينة مشلولة تماماً، كل الطرق مغلقة ومحولة"، حتى محطات الوقود، تغلق أبوابها بحسب البيطار، خشية إصابتها بقذائف أو رصاص ما قد يتسبب بكارثة.

المستشفيات والمراكز الطبية والمدارس لم تسلم هي الأخرى أيضاً من تداعيات الاشتباكات، وسقطت قذيفة في جادة نبيه بري بالقرب من مجمع مختبرات صحية وعيادات طبي، وتعرض مستشفى الهمشري أيضاً لأضرار نتيجة الرصاص والقذائف.

وكان النائب عن مدينة صيدا، عبد الرحمن البزري، قد واكب عملية إخلاء المستشفى الحكومي في صيدا من نزلائها المرضى.

ويشرح لموقع "الحرة" أنه تم بالأمس نقل كافة المرضى من مستشفى صيدا الحكومي إضافة إلى مرضى غسيل الكلى الذين يعتمدون على المستشفى الحكومي، وجرى توزيعهم على 3 مستشفيات حكومية في سبلين وجزين والنبطية، فيما توزع مرضى العناية الفائقة أيضاً على مستشفيات حكومية وخاصة.

ويلفت إلى أن المستشفى الحكومي في صيدا كان يضم قسم عناية فائقة للأطفال، "عانينا كي نجد لهم مكاناً آخر، ونجحنا اليوم في ذلك".

خسائر كبيرة.. بلا تعويض

يتأسف البيطار على الموسم السياحي الواعد الذي "ضيعوه على المدينة"، لافتاً إلى أن صيدا كانت تشهد خلال الشهر الماضي حركة نشطة جداً لاسيما عند واجهتها البحرية حيث المقاهي والكورنيش البحري وسوق المدينة القديم، كانوا يغصون بالسياح وأبناء المدينة وجوارها الذين يرتادونها بكونها المتنفس شبه الوحيد لهم، "الآن فارغة والمقاهي مقفلة ولا أحد يجرؤ على التجول".

هاجس يتكرر على لسان رئيس بلدية صيدا، الذي يعبر عن خوفه على الموسم السياحي في المدينة، بعدما كان قد انطلق بشكل مقبول وحقق حركة جيدة، خاصة وأن التوتر بات مربوطا بصيدا، وشهدت الناس سقوط قتلى وجرحى، ما من شأنه أن يخيفهم من ارتياد المدينة مجددا.

ويضيف السعودي "حتى سكان ضواحي المدينة والقرى المجاورة ما عادوا يجرؤون على النزول إلى المدينة ويتجنبون المرور منها في ظل عشوائية انهمار القذائف والرصاص".

ويشرح أن المنطقة التجارية والسياحية في صيدا مغلقة تماماً، فيما القوى الأمنية حولت السير إلى الطريق البحرية وبالتالي "المدينة مشلولة، لا أحد يغادر منزله إلا في حالات الطوارئ، خاصة في ظل الأصوات المسموعة التي قد تكون مرعبة أكثر من الحقيقة".

يعدد السعودي الأضرار التي لحقت بالمدينة من حسبة الخضار إلى مدرسة "عائشة أم المؤمنين" التي تأثرت أيضاً وتضررت، هناك أيضاً منطقة مدينة المفروشات، لحق بها أضرار كبيرة نتيجة الرصاص، حتى مكتب رئيس البلدية لم يسلم "تحطم زجاج كل الغرف فيه، نتيجة الرصاص الطائش".

وبالإضافة إلى زجاج المنازل وزجاج السيارات التي تحطمت، وخزانات المياه التي ثقبها الرصاص، كانت الصرخة الأكبر صادرة عن المتضررين نتيجة إصابة ألواح الطاقة الشمسية بالرصاص الطائش.

وفي ظل إقفال مؤسسات الدولة، ليس أمام الناس مكان لتتوجه بشكواها، لاسيما أصحاب الخسائر المكلفة، كالألواح الشمسية التي يعتبر إصلاحها مكلف جداً، حيث ترتفع الصرخة على مسمع فعاليات المدينة.

وبات يعتمد عدد كبير من اللبنانيين على الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء في منازلهم نتيجة غياب التغذية الكهربائية التي تقدمها الدولة اللبنانية، وارتفاع أسعار الاشتراك مع مولدات الكهرباء الخاصة، فيما يتراوح معدل تكلفة تركيب ألواح الطاقة الشمسية ما بين 5 إلى 7 آلاف دولار، حيث يعمد كثيرون إلى الاستدانة من أجل تأمينها.

يؤكد مختار حارة صيدا أن أكثر من 25 مشروع طاقة شمسية للمنازل تعطلت وتحطمت نتيجة تساقط الرصاص الطائش عليها، ويسأل: "من يعوض عليهم؟ الناس تتصل بي بكوني المختار ولا أعلم ماذا أقول لهم، أغلبهم يدفعون ثمن الألواح بالتقسيط حتى اليوم.

ويضيف "الطقس حار جداً، والكهرباء مقطوعة، والناس لا تحتمل نفسها فكيف باشتباكات استجدت وزادت من معاناتهم".

وفي هذا الإطار يوضح السعودي أنه لا معلومات حول التعويض على الناس حتى الآن، "فيما التجارب علمتنا أن لا أحد يعوض على أحد"، مضيفاً أن الدولة عاجزة اليوم عن التعويض، والأونروا غير قادرة بدورها فيما لا تستطيع إتمام أعمالها في المخيمات نتيجة نقص التمويل، "وبالتالي ما من أمل بتعويضات على الناس".

ويذكّر رئيس بلدية صيدا أيضاً بخسائر خزانات المياه، التي سبق أن شكلت أزمة في الماضي بسبب اشتباكات مشابهة شهدها المخيم وأدت إلى تضرر أعداد كبيرة من خزانات المياه على أسطح الأبنية، واليوم تعود لتتسبب بمعاناة إضافية على الناس في ظل الصيف والحر والحاجة الماسة إلى المياه، فيما تكلفة الخزان اليوم أعلى من قدرة الكثير من المواطنين.

هدنة هشة

وشهدت مدينة صيدا اليوم حراكاً سياسياً وأمنياً على خط إعلان وقف إطلاق نار، وهو ما حصل بعد اجتماع ضم ممثلين عن الفصائل الفلسطينية وأحزاب لبنانية ونواب المنطقة، أعلن على إثره وقف لإطلاق النار، لكنه لم يدخل حيز التنفيذ إلا بعد أكثر من 4 ساعات على إعلانه، وحافظ على صموده حتى منتصف الليل، حيث تجددت الاشتباكات.

وهو ثالث إعلان لوقف إطلاق النار يجري التوصل إليه دون النجاح في تثبيته.

ويضع النائب البزري آمالاً على الإعلان الجديد انطلاقاً من أن الأمن الوطني الفلسطيني وحركة فتح خصوصاً، تسعى لهذه التهدئة ولديهم رغبة بتثبيت وقف إطلاق النار، ويفيد بأن تعميماً وصل من السفير الفلسطيني في لبنان، أشرف دبور، لجميع عناصر الأمن الوطني ومنظمة التحرير بالتزام وقف إطلاق النار، "ولكن حتى الآن الأمور لم تحسم بعد".

ويوضح البزري أن هذا الاتفاق مرتبط باتفاقات أخرى مثل تشكيل لجنة تحقيق في اغتيال العرموشي، ولجنة مشرفة على وقف إطلاق النار، "ثم الشق الأصعب والذي قد يطول" وهو تسليم المطلوبين الذين نفذوا الكمين يوم الأحد.

ويلفت إلى أن أحزابا لبنانية بينها حركة أمل وفعاليات فلسطينية ولبنانية تبذل جهوداً كبيرة لتثبيت وقف إطلاق النار، وهي على تواصل مع السفارة الفلسطينية وقيادة فتح والمجموعات الإسلامية.

ويكشف النائب عن مدينة صيدا أنه سيكون هناك موقف واضح وجامع لمدينة صيدا في دار الفتوى، الثلاثاء، يشارك فيه نواب المدينة والقوى السياسية الرئيسية فيها، إضافة إلى علماء دين لاتخاذ موقف باسم مدينة صيدا حماية للمواطنين اللبنانيين والفلسطينيين وللمدينة ومخيمها ومحيطها، والدعوة إلى عدم تكرار هذه الأحداث وإدانة المرتكبين.

نقمة كبيرة

وقد أظهرت مواقع التواصل الاجتماعي نقمة كبيرة لدى اللبنانيين عموماً وأبناء مدينة صيدا خصوصاً على الفصائل المتصارعة في المخيم، بسبب الأضرار والتداعيات التي أدت إليها الاشتباكات، لاسيما في الظروف الصعبة التي يعاني منها لبنان أمنياً واقتصادياً.

ويؤكد كل من تحدث إليهم موقع "الحرة" على أنهم لمسوا هذه النقمة لدى سكان المدينة الذين يطالبون بإنهاء هذه المعركة بأسرع وقت ممكن.

ويقول البزري في هذا السياق إن مدينة صيدا لطالما كانت "حاضنة تاريخية للفلسطينيين، والبيئة الصيداوية متعاطفة جداً، واليوم من يتعرض للخطر هو المواطن الفلسطيني والمواطن اللبناني"، مشيراً إلى وجود علاقة متميزة بين الطرفين في التجارة والاقتصاد والاجتماعيات والروابط العائلية والصداقات.

ويضيف "ولكن اليوم لدى المواطن غريزة البقاء وفي ظل المشاكل التي يعاني منها سواء فلسطيني أو لبناني نحاول حل المشكلة بأقصى سرعة لعدم فسح المجال أمام تولد نوع من الحساسية التي لا داعي لها بين الطرفين".

ويؤكد النائب في البرلمان اللبناني أنه لا خطر من تمدد الاشتباكات إلى صيدا أو خارج المخيم، "هناك وعي صيداوي كبير في هذا الجانب، وهناك تعامل فلسطيني بمسؤولية عالية من جهتهم".

ويختم مشيداً "بالدور المميز للجيش اللبناني الذي يقوم به ولو بشكل احتياطي"، لناحية تمترسه واتخاذه إجراءات وقائية لحماية عناصره وحماية المواطنين اللبنانيين.

وكان قد أصيب أحد العسكريين في الجيش اللبناني بجروح جراء الاشتباكات، الاثنين، وعلى الفور، عملت إحدى الهيئات الطبية على نقل المُصاب إلى المستشفى لتلقي العلاج.

كما كان أصيب عددٌ من العسكريين بجروح جراء استهداف إحدى المراكز التابعة لهم عند مدخل المخيم بقذيفة صاروخية.

فيما حذَّرت قيادة الجيش في بيانٍ مقتضب لها، من مغبة تعريض مراكزه العسكرية وعناصره للخطر، مؤكدة أنّ العناصر العسكريّة ستردُّ على مصادر النيران بالمثل.

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".