مصرف لبنان استخدم المنصة لتسهيل تعاملات تحويل الدولار
مخاطر تواجه لبنان بعد توقف تمويل مصرف لبنان للحكومة (أرشيفية-تعبيرية)

يرتفع منسوب الضغط على الساحة اللبنانية كلما تقدم شهر أغسطس في أيامه مقتربا من نهايته، ويتوزع على جميع السلطات في البلاد التي دخلت مرحلة المراوحة والترقب، بعدما اصطدمت بسدّ منيع، شيده المصرف المركزي للبنان، بحاكميته الجديدة، لحماية ما تبقى لديه من احتياطات نقدية لا تزال تطلبها السلطة السياسية في البلاد. الأمر الذي بدل جوهريا في السياسة النقدية القائمة في لبنان منذ تسعينيات القرن الماضي، والتي لطالما أثارت الجدل لناحية إقراض الحكومة اللبنانية أموال المصرف المركزي، خلافا للدور الذي يفترض أن يلعبه المصرف.

تلك السياسة يحملها كثيرون في لبنان المسؤولية عن الوصول إلى الانهيار المالي والأزمة المستفحلة منذ العام 2019.

كان واضحا هذا التوجه لدى نواب حاكم مصرف لبنان قبيل استلامهم لمهام الحاكم بالوكالة بعد انتهاء ولاية رياض سلامة في 31 يوليو الماضي.

وقد أعلنوا عن ذلك في أكثر من تصريح وبيان، أبرزها جاء في الورقة التي قدموها للحكومة وتضمنت خطة خلصت إلى رفض إقراض الحكومة أي دولار من "التوظيفات الإلزامية"، أي احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية، التي تمثل في النتيجة أموال المودعين، دون إقرار مجلس النواب قانونا يجيز ذلك، لما في ذلك من مسؤولية قانونية.

وأكد حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري، خلال مؤتمر صحفي عقده في مصرف لبنان، أنه لن يوقع أي صرف للحكومة خارج الإطار القانوني لذلك، محددا جملة من الإصلاحات التي يجب القيام بها خلال الأشهر المقبلة، ومن أبرزها إقرار قانون الكابيتال كونترول وإعادة هيكلة المصارف إضافة إلى توحيد وتحرير سعر الصرف.

"كارثة.. نهاية أغسطس"

هذا الواقع وضع الحكومة اللبنانية أخيرا أمام مسؤولياتها في تأمين الإيرادات اللازمة لتمويل إنفاقها من جهة، وتنفيذ الخطوات الإصلاحية المنتظرة منذ سنوات من جهة أخرى.

موقف تحاول الحكومة التنصل منه، من خلال محاولة تأمين مخرج قانوني للمصرف المركزي، عبر تشريع في مجلس النواب، يتيح الاستمرار في إقراض الحكومة اللبنانية. وبذلك تنقل الضغط عنها إلى المجلس النيابي.

في هذا السياق، حذر رئيس حكومة تصريف الأعمال في لبنان نجيب ميقاتي، من "كارثة قد يشهدها لبنان نهاية أغسطس"، منبها إلى إمكانية العجز عن تأمين الدواء ودفع الرواتب بالعملة الأجنبية لموظفي القطاع العام.

وشدد ميقاتي، في بيان بتاريخ 3 أغسطس، على "ضرورة إقرار مجلس النواب للخطة النقدية والاقتصادية التي تقدم بها القائم بأعمال حاكم مصرف لبنان، وسيم منصوري".

وتأتي مطالبة ميقاتي وسط معوقات كثيرة تحول دون ذلك، بعضها مبدئي يتعلق بمدى صحة خيار إقراض المصرف المركزي للحكومة، المخالف لمبدأ قانون النقد والتسليف. والبعض الآخر يتعلق بالمرحلة السياسية الحرجة التي يمر بها لبنان في ظل فراغ رئاسي يحوّل المجلس النيابي إلى هيئة ناخبة، وفق الدستور، ويسلبها القدرة التشريعية حتى انتخاب رئيس جديد.

في هذه الحالة يبقى أمام الحكومة اللبنانية خيار واحد متاح، رغم محاذيره الشعبية، يتمثل في فرض مزيد من الضرائب المرتفعة لتأمين الإيرادات، والتي بدأت أولى بوادرها قبل أيام مع رفع تعرفة الإنترنت 7 أضعاف عما كانت عليه، ومن المنتظر أن يستكمل ذلك من خلال ضرائب ورسوم موازنة العام 2023 التي لم تقر بعد.

الخيارات الأخرى دونها كثير من المخاطر التي قد تفاقم المشكلة بدل حلها، كأن تطلب الحكومة من مصرف لبنان طبع مزيد من العملة اللبنانية لتمويل نفقاتها بالليرة، وهو ما قد ينتج تضخما كارثيا، يفقد الليرة مزيدا من قدرتها الشرائية المنهارة، وينعكس على رواتب القطاع العام مجددا.

بين "الجيد.. والسيء جدا"

دوامة الخيارات غير الآمنة هذه، قد تفسر ما وصف بـ"التناقض" الذي بدا في مواقف منصوري، خلال مؤتمره الصحفي عند استلام مهماته، حيث انتقد سياسة تمويل مصرف لبنان للحكومة التي كانت سائدة في عهد سلامة، ورفض المس باحتياطات مصرف لبنان "المحدودة"، إلا أنه وفي الوقت نفسه طالب بتشريع قانوني يتيح له صرف تمويل إضافي للحكومة، قد يشكل سابقة تقونن عملية الإقتراض من مصرف لبنان، وتتيح تكرارها إن حصلت.

وفي هذا الإطار، يثمّن رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق باتريك مارديني، موقف منصوري "الجيد" بعدم المس بالاحتياطي، ولكنه ينتقد بشدة طلب تشريع إقراض الحكومة، ويصفه بـ "السيئ جدا"، كونه يصرف ما تبقى من أموال المودعين اللبنانيين، "وبالتالي يعمق الأزمة".

بحسب مارديني، إذا ما تم إقراض الحكومة 1.2 مليار دولار للأشهر الـ 6 المقبلة، "ليس هناك ما يمنع تكرار ذلك في الأشهر اللاحقة، والتجديد لعملية الإقراض، وبالتالي يكون ذلك عودة للنهج الذي ساد قبل اندلاع الأزمة في لبنان، وتحاصص أموال المودعين".

هذا الإجراء ينطوي على مخالفة لجوهر قانون "النقد والتسليف"، بحسب مارديني، فهدف هذا القانون هو منع الحكومة من الاقتراض من المصرف المركزي، لضمان استقلالية المصرف، إلا أن تشريع الاقتراض يجعل المصرف المركزي "عرضة للتجاذبات السياسية"، ويحرمه إمكانية الاحتماء خلف القانون لرفض إقراض الحكومة اللبنانية، "ويكون باب الهدر قد فتح على مصراعيه"، على حد وصفه.

من جهته يرى رئيس قسم البحث والتحليل الاقتصادي في "بنك بيبلوس"، نسيب غبريل، أن ما يطلبه نواب حاكم مصرف لبنان هو غطاء قانوني لهم، معتبرا أنه في الواقع ما من سبب يدفع مصرف لبنان للاستمرار في "استنزاف احتياطاته"، لتمويل عجز الدولة اللبنانية ومصاريفها، خاصة بوجود موارد للخزينة "كانت مهملة لسنوات طويلة من قبل الحكومات المتعاقبة".

موارد من بينها، بحسب غبريل، تفعيل الجباية ومكافحة التهرب الضريبي، وعودة موظفي القطاع العام إلى عملهم لاسيما في الإدارات التي تؤمن واردات، وضبط التهريب والتهرب الجمركي، تطبيق قوانين موجودة وتزيد إيرادات الخزينة، ولكن لا تطبق، رفع الرسوم على الأملاك البحرية والنهرية، "وغيرها الكثير من المصادر المهملة".

وعبر ذلك يمكن التوقف عن "إدمان الاستدانة من مصرف لبنان"، بحسب تعبير غبريل، الذي يذكّر بأن دور مصرف لبنان وأولويته، التدخل في سوق القطع للحفاظ على الاستقرار النقدي، وتنظيم القطاع المصرفي، وليس مهمته إقراض الدولة وإيجاد إيرادات للخزينة، وهو نهج يحمّله الخبير الاقتصادي مسؤولية رئيسية في الانهيار المالي الذي وصل إليه لبنان، في ظل "تلكؤ السلطة التنفيذية والتشريعية"، في إقرار وتطبيق الإصلاحات، وتخفيض النفقات والعجز في الموازنة وتحسين الإيرادات.

ويعتبر غبريل أن وقف إقراض الحكومة هو الخيار الوحيد أمام مصرف لبنان، "الذي عليه بذلك تأكيد استقلاليته، فمن هنا تأتي مصداقية المصرف المركزي".

التعثر مؤكد

ويشترط منصور لإقراض الحكومة اللبنانية من أموال المودعين المتبقية، أن يكون ذلك "مشروطا" بآلية واضحة لرد تلك الأموال.

أمر يستبعده الخبراء الاقتصاديون، ويقللون من جديته، على اعتبار أن الدولة اللبنانية متعثرة أصلا عن سداد ديونها، منذ العام 2020.

ويشرح غبريل أن لبنان متعثر على دين بقيمة 31 مليار دولار عبارة عن سندات "يوروبوند"، فيما مصرف لبنان هو أكبر حامل لسندات الخزينة بالليرة اللبنانية، ما يصل نسبته إلى 60%، وبالتالي الحكومة لا تسدد دينها أصلا.

ويذكّر بأن وكالة "فيتش" خفضت تصنيف لبنان الائتماني قبل أيام بسبب عدم دفع الدولة فوائد لمصرف لبنان على الدين العام الذي حمله.

ويستشهد غبريل بتصريح لنائب رئيس مجلس الوزراء سعادة الشامي يقول فيه أن "الحكومة ليست قادرة على سداد هذه الديون، لا خلال 18 شهرا ولا بعد ذلك حتى".

كل تلك المؤشرات، بحسب غبريل، تقول أنه لا يجب على مصرف لبنان أن يدين دولارا واحدا للحكومة اللبنانية "بقانون أو بغير قانون".

بدوره يرى مارديني ان إقراض الحكومة اللبنانية اليوم "يعمق من الأزمة ويزيد من فجوة المصارف، ويقطع أي أمل للمودعين باستعادة أموالهم أو جزء منها".

ويشكك رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق بالمبلغ المطلوب من مصرف لبنان، 1,2 مليار دولار، مفصلا أن عجز الموازنة العامة للسنة كلها، هو 34 ترليون ليرة، ما يوازي 400 مليون دولار للعام كله، وبالتالي تكون الحاجة لـ 200 مليون دولار في 6 أشهر، "وبرأيي الشخصي حتى الـ 200 مليون دولار لا تحتاجها كلها الحكومة، لذا فإن تشريع الاقتراض يعني عودة للفساد والمحاصصة.

التذرع بالرواتب.. "تهويل"

يتفق كل من غبريل ومارديني على أن الحديث عن عجز في دفع الرواتب للقطاع العام ليس سوى "تهويل"، لا يتلاءم مع الواقع.

فيراه غبريل "عذرا لتبرير الإدمان على الاستدانة، والتلكؤ في اللجوء إلى مصادر تمويل للخزينة"، بينما يشرح مارديني أن الحكومة اللبنانية تمتلك فعليا ما يكفي من الموارد من أجل تسديد رواتب القطاع العام، "والتهويل الجاري في هذا السياق غير صحيح وافتعال أزمة وهمية".

ينطلق في ذلك من كون رواتب القطاع العام لا تتجاوز الـ 7 ترليون ليرة في الشهر، فيما الحكومة تجبي اليوم 20 ترليون ليرة في الشهر، "أي نحو 3 أضعاف قيمة الرواتب للقطاع العام".

ويذكر مارديني بأن الحكومة قد رفعت من فواتير الاتصالات والإنترنت، لتسدد فاتورة الاتصالات منها، ورفعت فاتورة الكهرباء لتغطي كلفة الكهرباء، ورفعت الدولار الجمركي لتغطي نفقاتها.

وعليه يعتبر أن الوقف التام لتمويل الحكومة سيدفعها إلى "تحمل مسؤولية أفعالها، وعدم الصرف بشكل غير مسؤول، وسيخلق وعيا في عملية الصرف وبالتالي يضع البلد على سكة الإصلاح".

بدوره يؤكد غبريل أن المطلوب من مصرف لبنان هو من مسؤولية الحكومة وموازنتها، مذكرا ببيان صندوق النقد الدولي الذي أصدره بعد زيارة وفده إلى لبنان في مارس الماضي، حيث شدد على أن تطبيق الإصلاحات والخروج من الأزمة يحصل من خلال التعاون بين السلطة التشريعية والتنفيذية والنقدية، "وليس رمي العبء على عاتق السلطة النقدية منفردة".

الاقتراض أو طبع العملة؟

في المقابل يرى الخبير في المخاطر المصرفية محمد فحيلي، تمويل مصرف لبنان لنفقات الحكومة اللبنانية أمرا لا مفر منه، مستبعدا الوصول إلي وقف نهائي لهذا التمويل، لما لذلك من تداعيات "لا قدرة لأي طرف على تحملها".

ويذكر فحيلي أنه ومع تخلف الحكومة السابقة في مارس 2020 عن تسديد ديونها، "أقفلت الأسواق المالية في وجه لبنان"، فيما الاقتصاد اللبناني "ينكمش يوميا من 55 مليار دولار إلى 20 مليار".

ويضيف أن 20 في المئة من الاقتصاد اللبناني اليوم هو اقتصاد رسمي يسدد الضرائب والرسوم، فيما 80 في المئة غير رسمي نقدي ولا يدفع ضرائب ورسوم، "وبالتالي الحديث عن إيرادات من الضرائب أمر غير واقعي، والجميع يعلم ذلك، السؤال إلى أين تلجأ الحكومة؟".

لم يعد أمام الدولة من خيارات إلا اللجوء إلى مصرف لبنان، وفق الخبير بالمخاطر المصرفية، حيث يرى أن الحالة التي وصل إليها لبنان اليوم هي "الظروف الاستثنائية الخطورة" و"الضرورة القصوى" التي تنص عليها المادة 91 من قانون النقد والتسليف في سياق السماح لمصرف لبنان بإقراض الحكومة، "بسبب هكذا أوضاع فكر المشرع بحلول قانونية من هذا النوع".

في حال لم يمنح مصرف لبنان قرضا للدولة اللبنانية، يمكن لوزير المال أن يطلب من المصرف المركزي أن يطبع مزيدا من الليرات لتأمين نفقات الدولة اللبنانية، ومصرف لبنان مجبور على ذلك وفق القانون. وفي هذه الحالة يرى فحيلي أن الاقتراض من مصرف لبنان، سيكون أكثر أمانا من طبع مزيد من الليرات، لما لذلك من "تداعيات كارثية لجهة الضغوطات التضخمية".

"جبل من الضرائب"

يستبعد فحيلي أن يكون هناك أي تغيرات جذرية أو انعطاف استراتيجي في السياسات النقدية، في ظل استمرار الفراغ الرئاسي وعدم إقرار موازنة العام 2023، وفي ظل العجز عن التشريع يرى الخبير بالمخاطر المصرفية أن توقيت ما يطلبه وسيم منصوري غير مناسب، "رغم أنه بالشكل جيد جدا، لكن الأولى بالمطالبة أن تتوجه اليوم نحو انتخاب رئيس للجمهورية، لتسيير بقية الأمور، كل ما عدا هو للاستهلاك الإعلامي".

وإذ يتوقع فحيلي أن يتم في نهاية الأمر صرف الرواتب للقطاع العام كما جرت العادة، يبقى السؤال ما إذا كان الصرف سيتم بالليرة أو بالدولار، وما سيعنيه ذلك من تداعيات.

ويمثل صرف الرواتب بالليرة بعدما كان تصرف في الأشهر الماضية بالدولار، طلبا متزايدا على الدولار الذي سيكون ملجأ الموظفين الأكثر أمانا للحفاظ على قيمة أموالهم، وفي المقابل ستكون المصارف عاجزة عن تأمين تلك المبالغ الضخمة بالليرة اللبنانية دون تدخل من مصرف لبنان لتزويدها بالسيولة.

وفي هذا الشأن يستبعد فحيلي أن أيا من المرجعيات السياسية "يحتمل حصول إضرابات على الساحة النقدية خصوصا اليوم"، معتبرا أن أسوأ السيناريوهات قد يحمل استقالة جماعية لنواب حاكم مصرف لبنان، يجري بعدها تكليفهم بإدارة المرفق العام وفق إرادة السلطة التنفيذية.

ويخلص فحيلي إلى أنه "لا يمكن لحاكمية مصرف لبنان أن تنأى بنفسها عن الوضع السياسي والدستوري القائم في البلاد".

وفي حال توقف تمويل مصرف لبنان للحكومة أم لا، فإن المواطن اللبناني ومعه القطاع الخاص والشركات، سيواجهون في الفترة المقبلة زيادة في الضرائب والرسوم، على غرار ما شهده قطاع الإنترنت في الأيام الماضية.

هذه الزيادة "مقبلة بكافة الأحوال"، بحسب ما يؤكد غبريل، وليس بسبب توقف مصرف لبنان عن إقراض الدولة، وإنما بسبب "جبل الضرائب والرسوم في الموازنة العامة المقبلة"، على حد تعبيره، والتي ستستهدف القطاعات السياحية والصناعية والعقارية، "ومع ذلك سيبقى هناك عجز بالموازنة بنسبة ١٩ في المئة".

ويختم غبريل أن على الدولة اللبنانية "ان تتعلم كيف تعيش ضمن إمكانياتها بموازنة من دون عجز".

كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟
كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟

طائرة تحلّق في الأجواء. صاروخ لا تراه لكن تشاهد أثره: سيارة تتحول في ثوان إلى حطام، أو شقة سكنية تتحول إلى كتلة لهب.

الهدف كادر أو قيادي في حزب الله.

والمشهد يتكرر.

في لبنان، تهدئة معلنة.. هذا على الأرض.

لكن في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تخلّف آثاراً جسيمة، ليس في ترسانة الحزب العسكرية فقط، بل في البنية القيادية كذلك.

وفيما يحاول الحزب امتصاص الضربات، تتوالى الأسئلة: كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ أهو التقدّم التكنولوجي المحض، من ذكاء اصطناعي وطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك ما هو أخطر؟ اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تُستغلّ لتسهيل تنفيذ الضربات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية هنا والأهداف؟

"اختراق بشري"

استهداف تلو الآخر، والرسالة واضحة: اليد الإسرائيلية طويلة بما يكفي لتصل إلى أي نقطة في لبنان، والعين الإسرائيلية ترى ما لا يُفترض أن يُرى.

يصف القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها "بالغة التعقيد، تعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدّمة والاختراق الاستخباراتي البشري"، مشيراً إلى أن "تحديد هوية القادة الجدد الذين حلّوا مكان المُغتالين يتم عبر تقنيات متطوّرة تشمل بصمات العين والصوت والوجه"، متسائلاً "من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة والكوادر الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال".

ويتابع نادر "حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصّنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبّع، إذ تحدّثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه".

ويرى أن "ما نشهده هو منظومة اغتيال متطوّرة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسّر نجاح العمليات الأخيرة، والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي".

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن هذه الاستهدافات "تعكس مزيجاً من التفوق التقني الإسرائيلي والاختراق الأمني الداخلي في بنية الحزب، وكما هو واضح فإن إسرائيل تمتلك قائمة أهداف تتعامل معها تباعاً، وفقاً لمعلومات دقيقة يتم تحديثها باستمرار، ما يتيح لها تنفيذ عمليات مدروسة بعناية شديدة، ويحدّ من قدرة حزب الله على المناورة أو استعادة توازنه سريعاً".

صمت وعجز

على الرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب منذ 27نوفمبر الماضي، والتي أودت بحياة عدد كبير من كوادره، لم يقم بالرد، ويُفسّر نادر ذلك بـ"ضعف فعلي في القدرة على الرد، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً".

ويقول نادر "ليس بالضرورة أن الحزب لا يريد الرد، بل الحقيقة أنه لم يعد يمتلك القدرة. هو يعاني من تراجع عملياتي ملحوظ، وتصدّع في هيكليته القيادية، يرافقه حصار سياسي داخلي وخارجي يزداد ضيقاً".

ويضيف "حتى لو قرّر الرد، فما الذي يمكنه فعله فعلاً؟ هل يملك القدرة على تنفيذ عملية نوعية تترك أثراً؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه القدرة باتت شبه معدومة، لا سيما بعد خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له بعض الحلفاء، ومع تزايد عزلته على الصعيدين العربي والدولي".

ويختم نادر بالقول "تصريحات الحزب تعكس حالة من التردد والارتباك. فتارةً يتحدّث عن التزامه بقرارات الدولة، وتارةً يلوّح بحق الرد. لكن الواقع على الأرض يقول إنه في وضع حرج: محاصر سياسياً، وعاجز عسكرياً، وأي مغامرة جديدة قد تكلّفه الكثير... وهو يعلم ذلك جيداً".

من جانبه، يرى السبع أن حزب الله لا يسعى حالياً إلى الرد، بل يركّز على "مرحلة إعادة التقييم والاستعداد"، مشيراً إلى أن الحزب "رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها إمكانيات الجيش اللبناني نفسه، لكنه في المقابل، يقرأ المشهد اللبناني الداخلي بدقة، ويدرك حساسية التزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي، ولا سيما مع توقف خطوط إمداده من سوريا، ما يدفعه إلى التريّث في اتخاذ قرار المواجهة".

خريطة استراتيجية تغيرت

يرى الباحث نضال السبع أن الإسرائيليين يشعرون بالتفوق. يضيف "عزز هذا الانطباع عدد من العوامل، أبرزها سقوط النظام السوري كحليف استراتيجي، والتقدم الميداني في غزة، وعجز الحزب عن تنفيذ ضربات نوعية، فضلاً عن ازدياد عزلته السياسية في الداخل اللبناني، لا سيما بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل نواف سلام للحكومة".

يشبّه السبع ما يجري اليوم في لبنان بالمشهد الذي أعقب حرب يوليو 2006، "حيث توقفت العمليات العسكرية رسمياً، فيما بدأت إسرائيل التحضير لما وصفته آنذاك بـ(المعركة الأخيرة)، مستغلة فترة الهدوء الطويل لإعادة التموضع وتكثيف الجهوزية".

يقول إن "حزب الله دخل مرحلة إعادة تقييم وتجهيز بعد سلسلة الضربات التي تلقاها في الأشهر الماضية، في حين تسعى إسرائيل إلى منعه من التقاط الأنفاس، عبر استمرارها في تنفيذ عمليات نوعية ودقيقة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نفذتها في الساحة السورية بعد العام 2011، عندما استباحت الأجواء السورية".

ويضيف أن "المشهد ذاته يتكرر اليوم في لبنان، حيث باتت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً من المشهد اليومي، تنفّذ عمليات اغتيال متتالية".

كسر البنية القيادية

لكن هل تؤثر هذه العمليات على بنية الحزب؟

يوضح السبع أن "الاستهدافات الأخيرة تطال كوادر داخل حزب الله، لكن الضربة الكبرى وقعت خلال حرب الشهرين، حين تعرّضت قيادات الصف الأول والثاني للاغتيال، أما اغتيال كوادر من الصف الثالث، فله تأثير محدود ولا يحدث خللاً جذرياً في الهيكل التنظيمي للحزب".

من جهته، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن أهداف إسرائيل من تصفية الكوادر العسكرية تلامس عمقاً استراتيجياً أكبر، موضحاً: "الرسالة الأساسية التي تبعث بها إسرائيل من خلال هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على استهداف أي عنصر أو قائد في حزب الله، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً تتحكم فيه بالمجال الجوي للبنان".

ويؤكد نادر أن وراء هذا الاستهداف "رسالة مباشرة مفادها أن لا أحد بمنأى، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على العناصر، ويقوّض شعورهم بالأمان".

خريطة استهدافات

رسمت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، عبر عمليات اغتيال شكّلت ضربة قاسية للحزب. ومن بين أبرز هذه العمليات، اغتيال ثلاثة من أمنائه العامين.

ففي 16 فبراير 1992، اغتيل عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، في غارة جوية استهدفت موكبه في جنوب لبنان.

وفي سبتمبر 2024، قتل حسن نصر الله، بصواريخ خارقة للتحصينات، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد أسابيع، في أكتوبر 2024، اغتيل هاشم صفي الدين، خلفية نصر الله، في عملية مماثلة.

وطالت الاغتيالات شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، أبرزهم عماد مغنية، الذي قُتل في فبراير 2008، إثر تفجير سيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، وفي مايو 2016، لقي مصطفى بدر الدين، خليفة مغنية مصرعه في تفجير استهدفه قرب مطار دمشق.

واغتيل فؤاد شكر، القائد البارز في وحدة "الرضوان"، في يوليو 2024، بواسطة طائرة استهدفته داخل مبنى سكني في الضاحية الجنوبية.

وفي سبتمبر 2024، لقي إبراهيم عقيل، عضو مجلس الجهاد والرجل الثاني في قيادة الحزب بعد مقتل شكر، المصير ذاته، إثر ضربة بطائرة استهدفته في الضاحية.

ويرى نادر أن "هذه الاغتيالات لا تكتفي بالتأثير الرمزي، بل تُحدث خللاً فعلياً في التراتبية القيادية داخل الحزب، إذ يصعب تعويض القادة المستهدفين بسرعة أو بكفاءة مماثلة، ما يربك الأداء الميداني والتنظيمي، ويجعل من عمليات الاغتيال أداة استراتيجية تستخدم لإضعاف حزب الله من الداخل".