مصرف لبنان استخدم المنصة لتسهيل تعاملات تحويل الدولار
مخاطر تواجه لبنان بعد توقف تمويل مصرف لبنان للحكومة (أرشيفية-تعبيرية)

يرتفع منسوب الضغط على الساحة اللبنانية كلما تقدم شهر أغسطس في أيامه مقتربا من نهايته، ويتوزع على جميع السلطات في البلاد التي دخلت مرحلة المراوحة والترقب، بعدما اصطدمت بسدّ منيع، شيده المصرف المركزي للبنان، بحاكميته الجديدة، لحماية ما تبقى لديه من احتياطات نقدية لا تزال تطلبها السلطة السياسية في البلاد. الأمر الذي بدل جوهريا في السياسة النقدية القائمة في لبنان منذ تسعينيات القرن الماضي، والتي لطالما أثارت الجدل لناحية إقراض الحكومة اللبنانية أموال المصرف المركزي، خلافا للدور الذي يفترض أن يلعبه المصرف.

تلك السياسة يحملها كثيرون في لبنان المسؤولية عن الوصول إلى الانهيار المالي والأزمة المستفحلة منذ العام 2019.

كان واضحا هذا التوجه لدى نواب حاكم مصرف لبنان قبيل استلامهم لمهام الحاكم بالوكالة بعد انتهاء ولاية رياض سلامة في 31 يوليو الماضي.

وقد أعلنوا عن ذلك في أكثر من تصريح وبيان، أبرزها جاء في الورقة التي قدموها للحكومة وتضمنت خطة خلصت إلى رفض إقراض الحكومة أي دولار من "التوظيفات الإلزامية"، أي احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية، التي تمثل في النتيجة أموال المودعين، دون إقرار مجلس النواب قانونا يجيز ذلك، لما في ذلك من مسؤولية قانونية.

وأكد حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري، خلال مؤتمر صحفي عقده في مصرف لبنان، أنه لن يوقع أي صرف للحكومة خارج الإطار القانوني لذلك، محددا جملة من الإصلاحات التي يجب القيام بها خلال الأشهر المقبلة، ومن أبرزها إقرار قانون الكابيتال كونترول وإعادة هيكلة المصارف إضافة إلى توحيد وتحرير سعر الصرف.

"كارثة.. نهاية أغسطس"

هذا الواقع وضع الحكومة اللبنانية أخيرا أمام مسؤولياتها في تأمين الإيرادات اللازمة لتمويل إنفاقها من جهة، وتنفيذ الخطوات الإصلاحية المنتظرة منذ سنوات من جهة أخرى.

موقف تحاول الحكومة التنصل منه، من خلال محاولة تأمين مخرج قانوني للمصرف المركزي، عبر تشريع في مجلس النواب، يتيح الاستمرار في إقراض الحكومة اللبنانية. وبذلك تنقل الضغط عنها إلى المجلس النيابي.

في هذا السياق، حذر رئيس حكومة تصريف الأعمال في لبنان نجيب ميقاتي، من "كارثة قد يشهدها لبنان نهاية أغسطس"، منبها إلى إمكانية العجز عن تأمين الدواء ودفع الرواتب بالعملة الأجنبية لموظفي القطاع العام.

وشدد ميقاتي، في بيان بتاريخ 3 أغسطس، على "ضرورة إقرار مجلس النواب للخطة النقدية والاقتصادية التي تقدم بها القائم بأعمال حاكم مصرف لبنان، وسيم منصوري".

وتأتي مطالبة ميقاتي وسط معوقات كثيرة تحول دون ذلك، بعضها مبدئي يتعلق بمدى صحة خيار إقراض المصرف المركزي للحكومة، المخالف لمبدأ قانون النقد والتسليف. والبعض الآخر يتعلق بالمرحلة السياسية الحرجة التي يمر بها لبنان في ظل فراغ رئاسي يحوّل المجلس النيابي إلى هيئة ناخبة، وفق الدستور، ويسلبها القدرة التشريعية حتى انتخاب رئيس جديد.

في هذه الحالة يبقى أمام الحكومة اللبنانية خيار واحد متاح، رغم محاذيره الشعبية، يتمثل في فرض مزيد من الضرائب المرتفعة لتأمين الإيرادات، والتي بدأت أولى بوادرها قبل أيام مع رفع تعرفة الإنترنت 7 أضعاف عما كانت عليه، ومن المنتظر أن يستكمل ذلك من خلال ضرائب ورسوم موازنة العام 2023 التي لم تقر بعد.

الخيارات الأخرى دونها كثير من المخاطر التي قد تفاقم المشكلة بدل حلها، كأن تطلب الحكومة من مصرف لبنان طبع مزيد من العملة اللبنانية لتمويل نفقاتها بالليرة، وهو ما قد ينتج تضخما كارثيا، يفقد الليرة مزيدا من قدرتها الشرائية المنهارة، وينعكس على رواتب القطاع العام مجددا.

بين "الجيد.. والسيء جدا"

دوامة الخيارات غير الآمنة هذه، قد تفسر ما وصف بـ"التناقض" الذي بدا في مواقف منصوري، خلال مؤتمره الصحفي عند استلام مهماته، حيث انتقد سياسة تمويل مصرف لبنان للحكومة التي كانت سائدة في عهد سلامة، ورفض المس باحتياطات مصرف لبنان "المحدودة"، إلا أنه وفي الوقت نفسه طالب بتشريع قانوني يتيح له صرف تمويل إضافي للحكومة، قد يشكل سابقة تقونن عملية الإقتراض من مصرف لبنان، وتتيح تكرارها إن حصلت.

وفي هذا الإطار، يثمّن رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق باتريك مارديني، موقف منصوري "الجيد" بعدم المس بالاحتياطي، ولكنه ينتقد بشدة طلب تشريع إقراض الحكومة، ويصفه بـ "السيئ جدا"، كونه يصرف ما تبقى من أموال المودعين اللبنانيين، "وبالتالي يعمق الأزمة".

بحسب مارديني، إذا ما تم إقراض الحكومة 1.2 مليار دولار للأشهر الـ 6 المقبلة، "ليس هناك ما يمنع تكرار ذلك في الأشهر اللاحقة، والتجديد لعملية الإقراض، وبالتالي يكون ذلك عودة للنهج الذي ساد قبل اندلاع الأزمة في لبنان، وتحاصص أموال المودعين".

هذا الإجراء ينطوي على مخالفة لجوهر قانون "النقد والتسليف"، بحسب مارديني، فهدف هذا القانون هو منع الحكومة من الاقتراض من المصرف المركزي، لضمان استقلالية المصرف، إلا أن تشريع الاقتراض يجعل المصرف المركزي "عرضة للتجاذبات السياسية"، ويحرمه إمكانية الاحتماء خلف القانون لرفض إقراض الحكومة اللبنانية، "ويكون باب الهدر قد فتح على مصراعيه"، على حد وصفه.

من جهته يرى رئيس قسم البحث والتحليل الاقتصادي في "بنك بيبلوس"، نسيب غبريل، أن ما يطلبه نواب حاكم مصرف لبنان هو غطاء قانوني لهم، معتبرا أنه في الواقع ما من سبب يدفع مصرف لبنان للاستمرار في "استنزاف احتياطاته"، لتمويل عجز الدولة اللبنانية ومصاريفها، خاصة بوجود موارد للخزينة "كانت مهملة لسنوات طويلة من قبل الحكومات المتعاقبة".

موارد من بينها، بحسب غبريل، تفعيل الجباية ومكافحة التهرب الضريبي، وعودة موظفي القطاع العام إلى عملهم لاسيما في الإدارات التي تؤمن واردات، وضبط التهريب والتهرب الجمركي، تطبيق قوانين موجودة وتزيد إيرادات الخزينة، ولكن لا تطبق، رفع الرسوم على الأملاك البحرية والنهرية، "وغيرها الكثير من المصادر المهملة".

وعبر ذلك يمكن التوقف عن "إدمان الاستدانة من مصرف لبنان"، بحسب تعبير غبريل، الذي يذكّر بأن دور مصرف لبنان وأولويته، التدخل في سوق القطع للحفاظ على الاستقرار النقدي، وتنظيم القطاع المصرفي، وليس مهمته إقراض الدولة وإيجاد إيرادات للخزينة، وهو نهج يحمّله الخبير الاقتصادي مسؤولية رئيسية في الانهيار المالي الذي وصل إليه لبنان، في ظل "تلكؤ السلطة التنفيذية والتشريعية"، في إقرار وتطبيق الإصلاحات، وتخفيض النفقات والعجز في الموازنة وتحسين الإيرادات.

ويعتبر غبريل أن وقف إقراض الحكومة هو الخيار الوحيد أمام مصرف لبنان، "الذي عليه بذلك تأكيد استقلاليته، فمن هنا تأتي مصداقية المصرف المركزي".

التعثر مؤكد

ويشترط منصور لإقراض الحكومة اللبنانية من أموال المودعين المتبقية، أن يكون ذلك "مشروطا" بآلية واضحة لرد تلك الأموال.

أمر يستبعده الخبراء الاقتصاديون، ويقللون من جديته، على اعتبار أن الدولة اللبنانية متعثرة أصلا عن سداد ديونها، منذ العام 2020.

ويشرح غبريل أن لبنان متعثر على دين بقيمة 31 مليار دولار عبارة عن سندات "يوروبوند"، فيما مصرف لبنان هو أكبر حامل لسندات الخزينة بالليرة اللبنانية، ما يصل نسبته إلى 60%، وبالتالي الحكومة لا تسدد دينها أصلا.

ويذكّر بأن وكالة "فيتش" خفضت تصنيف لبنان الائتماني قبل أيام بسبب عدم دفع الدولة فوائد لمصرف لبنان على الدين العام الذي حمله.

ويستشهد غبريل بتصريح لنائب رئيس مجلس الوزراء سعادة الشامي يقول فيه أن "الحكومة ليست قادرة على سداد هذه الديون، لا خلال 18 شهرا ولا بعد ذلك حتى".

كل تلك المؤشرات، بحسب غبريل، تقول أنه لا يجب على مصرف لبنان أن يدين دولارا واحدا للحكومة اللبنانية "بقانون أو بغير قانون".

بدوره يرى مارديني ان إقراض الحكومة اللبنانية اليوم "يعمق من الأزمة ويزيد من فجوة المصارف، ويقطع أي أمل للمودعين باستعادة أموالهم أو جزء منها".

ويشكك رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق بالمبلغ المطلوب من مصرف لبنان، 1,2 مليار دولار، مفصلا أن عجز الموازنة العامة للسنة كلها، هو 34 ترليون ليرة، ما يوازي 400 مليون دولار للعام كله، وبالتالي تكون الحاجة لـ 200 مليون دولار في 6 أشهر، "وبرأيي الشخصي حتى الـ 200 مليون دولار لا تحتاجها كلها الحكومة، لذا فإن تشريع الاقتراض يعني عودة للفساد والمحاصصة.

التذرع بالرواتب.. "تهويل"

يتفق كل من غبريل ومارديني على أن الحديث عن عجز في دفع الرواتب للقطاع العام ليس سوى "تهويل"، لا يتلاءم مع الواقع.

فيراه غبريل "عذرا لتبرير الإدمان على الاستدانة، والتلكؤ في اللجوء إلى مصادر تمويل للخزينة"، بينما يشرح مارديني أن الحكومة اللبنانية تمتلك فعليا ما يكفي من الموارد من أجل تسديد رواتب القطاع العام، "والتهويل الجاري في هذا السياق غير صحيح وافتعال أزمة وهمية".

ينطلق في ذلك من كون رواتب القطاع العام لا تتجاوز الـ 7 ترليون ليرة في الشهر، فيما الحكومة تجبي اليوم 20 ترليون ليرة في الشهر، "أي نحو 3 أضعاف قيمة الرواتب للقطاع العام".

ويذكر مارديني بأن الحكومة قد رفعت من فواتير الاتصالات والإنترنت، لتسدد فاتورة الاتصالات منها، ورفعت فاتورة الكهرباء لتغطي كلفة الكهرباء، ورفعت الدولار الجمركي لتغطي نفقاتها.

وعليه يعتبر أن الوقف التام لتمويل الحكومة سيدفعها إلى "تحمل مسؤولية أفعالها، وعدم الصرف بشكل غير مسؤول، وسيخلق وعيا في عملية الصرف وبالتالي يضع البلد على سكة الإصلاح".

بدوره يؤكد غبريل أن المطلوب من مصرف لبنان هو من مسؤولية الحكومة وموازنتها، مذكرا ببيان صندوق النقد الدولي الذي أصدره بعد زيارة وفده إلى لبنان في مارس الماضي، حيث شدد على أن تطبيق الإصلاحات والخروج من الأزمة يحصل من خلال التعاون بين السلطة التشريعية والتنفيذية والنقدية، "وليس رمي العبء على عاتق السلطة النقدية منفردة".

الاقتراض أو طبع العملة؟

في المقابل يرى الخبير في المخاطر المصرفية محمد فحيلي، تمويل مصرف لبنان لنفقات الحكومة اللبنانية أمرا لا مفر منه، مستبعدا الوصول إلي وقف نهائي لهذا التمويل، لما لذلك من تداعيات "لا قدرة لأي طرف على تحملها".

ويذكر فحيلي أنه ومع تخلف الحكومة السابقة في مارس 2020 عن تسديد ديونها، "أقفلت الأسواق المالية في وجه لبنان"، فيما الاقتصاد اللبناني "ينكمش يوميا من 55 مليار دولار إلى 20 مليار".

ويضيف أن 20 في المئة من الاقتصاد اللبناني اليوم هو اقتصاد رسمي يسدد الضرائب والرسوم، فيما 80 في المئة غير رسمي نقدي ولا يدفع ضرائب ورسوم، "وبالتالي الحديث عن إيرادات من الضرائب أمر غير واقعي، والجميع يعلم ذلك، السؤال إلى أين تلجأ الحكومة؟".

لم يعد أمام الدولة من خيارات إلا اللجوء إلى مصرف لبنان، وفق الخبير بالمخاطر المصرفية، حيث يرى أن الحالة التي وصل إليها لبنان اليوم هي "الظروف الاستثنائية الخطورة" و"الضرورة القصوى" التي تنص عليها المادة 91 من قانون النقد والتسليف في سياق السماح لمصرف لبنان بإقراض الحكومة، "بسبب هكذا أوضاع فكر المشرع بحلول قانونية من هذا النوع".

في حال لم يمنح مصرف لبنان قرضا للدولة اللبنانية، يمكن لوزير المال أن يطلب من المصرف المركزي أن يطبع مزيدا من الليرات لتأمين نفقات الدولة اللبنانية، ومصرف لبنان مجبور على ذلك وفق القانون. وفي هذه الحالة يرى فحيلي أن الاقتراض من مصرف لبنان، سيكون أكثر أمانا من طبع مزيد من الليرات، لما لذلك من "تداعيات كارثية لجهة الضغوطات التضخمية".

"جبل من الضرائب"

يستبعد فحيلي أن يكون هناك أي تغيرات جذرية أو انعطاف استراتيجي في السياسات النقدية، في ظل استمرار الفراغ الرئاسي وعدم إقرار موازنة العام 2023، وفي ظل العجز عن التشريع يرى الخبير بالمخاطر المصرفية أن توقيت ما يطلبه وسيم منصوري غير مناسب، "رغم أنه بالشكل جيد جدا، لكن الأولى بالمطالبة أن تتوجه اليوم نحو انتخاب رئيس للجمهورية، لتسيير بقية الأمور، كل ما عدا هو للاستهلاك الإعلامي".

وإذ يتوقع فحيلي أن يتم في نهاية الأمر صرف الرواتب للقطاع العام كما جرت العادة، يبقى السؤال ما إذا كان الصرف سيتم بالليرة أو بالدولار، وما سيعنيه ذلك من تداعيات.

ويمثل صرف الرواتب بالليرة بعدما كان تصرف في الأشهر الماضية بالدولار، طلبا متزايدا على الدولار الذي سيكون ملجأ الموظفين الأكثر أمانا للحفاظ على قيمة أموالهم، وفي المقابل ستكون المصارف عاجزة عن تأمين تلك المبالغ الضخمة بالليرة اللبنانية دون تدخل من مصرف لبنان لتزويدها بالسيولة.

وفي هذا الشأن يستبعد فحيلي أن أيا من المرجعيات السياسية "يحتمل حصول إضرابات على الساحة النقدية خصوصا اليوم"، معتبرا أن أسوأ السيناريوهات قد يحمل استقالة جماعية لنواب حاكم مصرف لبنان، يجري بعدها تكليفهم بإدارة المرفق العام وفق إرادة السلطة التنفيذية.

ويخلص فحيلي إلى أنه "لا يمكن لحاكمية مصرف لبنان أن تنأى بنفسها عن الوضع السياسي والدستوري القائم في البلاد".

وفي حال توقف تمويل مصرف لبنان للحكومة أم لا، فإن المواطن اللبناني ومعه القطاع الخاص والشركات، سيواجهون في الفترة المقبلة زيادة في الضرائب والرسوم، على غرار ما شهده قطاع الإنترنت في الأيام الماضية.

هذه الزيادة "مقبلة بكافة الأحوال"، بحسب ما يؤكد غبريل، وليس بسبب توقف مصرف لبنان عن إقراض الدولة، وإنما بسبب "جبل الضرائب والرسوم في الموازنة العامة المقبلة"، على حد تعبيره، والتي ستستهدف القطاعات السياحية والصناعية والعقارية، "ومع ذلك سيبقى هناك عجز بالموازنة بنسبة ١٩ في المئة".

ويختم غبريل أن على الدولة اللبنانية "ان تتعلم كيف تعيش ضمن إمكانياتها بموازنة من دون عجز".

حزب الله

في أقصى الجنوب اللبناني، حيث لا يبدو أن إعادة الإعمار قادرة على إعادة عقارب الدمار إلى الوراء، يبرز السؤال مرة أخرى: من يملك القرار في لبنان فعلا؟ الدولة، أم ميليشيا تعمل بالوكالة داخل الدولة؟

عاد هذا السؤال المزمن إلى الواجهة بعد تأكيد نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في 3 مايو، مرة أخرى،  رفض الحزب التخلي عن سلاحه لصالح سيادة الدولة.

 "سلاح المقاومة باق ولن يُسلَّم مهما اشتدت الضغوط،" قال قماطي. 

العبارة مألوفة، لكنها تتردد اليوم في لبنان المنهار اقتصاديا، المتعثر سياسيا، والمثقل بتبعات حرب لم يكن حزب الله قادرا على خوضها.

بالنسبة لكثير من اللبنانيين، الجواب بات واضحا. فالحرب الأخيرة مع إسرائيل كشفت حدود قدرة حزب الله العسكرية، وفشله في حماية لبنان من التدمير الواسع النطاق، بل فشله حتى في حماية قياداته. 

ورغم قبوله باتفاق وقف إطلاق النار، الذي اعتبره مراقبون بمثابة "استسلام"، يواصل الحزب تأويل بنود الاتفاق، مصرا على حصر تسليم السلاح في جنوب نهر الليطاني، والاحتفاظ بترسانته في شماله.

الدولة في مواجهة الميليشيا

إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه يتناقض بشكل صارخ مع خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، وقرارات دولية أبرزها القرار 1701، والتي تؤكد جميعها حصر السلاح بيد الدولة. ومع ذلك، يصر حزب الله على أن سلاحه لا يزال ضروريا لـ"الحماية والدفاع" رغم أن هذا السلاح نفسه يغرق لبنان أكثر فأكثر في صراعات إقليمية لا طاقة له بها.

"سلاح حزب الله لم يكن يوما لحماية لبنان"، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، "الهدف الأساس كان حماية المصالح الإيرانية في المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن".

وفي رأيه، فإن مواجهة حزب الله لإسرائيلي في السابق، لم تكن إلا وسيلة للحفاظ على نفوذ طهران، لا على السيادة اللبنانية. "لبنان لم يكن أولوية، بل جاءت سيطرة هذا السلاح على لبنان لتضعف الدولة والاقتصاد وتساهم في الانهيار المالي والسياسي الذي يعاني منه لبنان حتى اليوم"، كما قال في حديثه لـ"الحرة".

سلاح بلا مهمة

يصف الأمين تصريح قماطي بأنه "نوع من المكابرة". ويضيف: "إذا كان المقصود بالسلاح مواجهة إسرائيل، فسلاح حزب الله فشل فشلا ذريعا في حماية لبنان، بل في حماية قيادته والبيئة الحاضنة ووفر فرصة لإسرائيل لتدمير وتهجير عشرات القرى والبلدات الحدودية".

التناقض جلي: كيف يمكن لحزب أن يشارك في المؤسسات الدستورية للدولة بينما يحتفظ بميليشيا مسلحة خارجة عن سلطتها؟

أداة بيد طهران

من جانبه، يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن تمسك حزب الله بسلاحه يعكس تطورات تتجاوز حدود لبنان.

"يتبدّل خطاب الحزب تبعا لمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، والوضع في اليمن، ومصير سلاح الحوثيين"، يشرح الزغبي، "حتى تصريح قماطي الأخير جاء، بعد ثلاثة أسابيع من الصمت، بطلب إيراني على الأرجح، في إطار لعبة التفاوض الأوسع".

ويشير الزغبي إلى أن طهران تسعى لضبط إيقاع أذرعها: إيقاف ضربات ضد الأميركيين، الاستمرار في الضغط على إسرائيل، والمحافظة على ورقة السلاح للتفاوض.

درع مُكلف

ينتقد كثير من اللبنانيين سلاح الحزب باعتباره درعا جلب الخراب بدلا من الحماية. المحلل السياسي خالد ممتاز كتب على منصة أكس "لو كان سلاح حزب الله رادعا، لما تجرأت إسرائيل على استهداف قياداته، ولما بلغت خسائر لبنان 14 مليار دولار، ولا تدمرت مئات القرى بالكامل".

ويضيف: "سلاح الحزب له قيمة فقط في الداخل، لذلك نطالب بتفكيك المنظومة الأمنية المرتبطة به، لأن كواتم الصوت والمتفجرات قتلت خيرة الناس وساهمت في دمار الدولة وإفلاس البنوك ووصول الفاسدين إلى السلطة".

بين البقاء والاندثار

يعتقد الأمين أن الحزب يتمسك بسلاحه لأنه لا يستطيع الاستمرار من دونه. "نزع السلاح يعني تحوّله إلى حزب سياسي عادي، ما يفقده جزءا كبيرا من النفوذ القائم على المال والسلاح والتبعية الكاملة لإيران".

لكن هذا النفوذ يأتي بثمن داخلي متزايد. "حين يتحول السلاح إلى أداة لتخويف المجتمع وفرض القرار، يُغذي الطائفية ويزيد الانقسام"، يحذر الأمين.

ويدعو الحكومة إلى الحزم إذ "لا يجوز للدولة أن تتعايش مع ميليشيا. إما أن يلتزم الحزب بشرعية الدولة، أو أن يخرج منها. لا وجود لمنطقة وسطى".

وهم المقاومة

بحسب الزغبي، فقدت ذريعة المقاومة صلاحيتها بعد الهزيمة أمام إسرائيل. ويقول: "لم يعد بإمكان الحزب الادعاء بأن سلاحه يحمي لبنان، إذليس باستطاعته حتى حماية معاقله".

ويرى أن تذرّع الحزب بخطر التكفيريين وسوريا هو محاولة جديدة لتبرير بقاء السلاح، لكنه يضيف: "الحماية الحقيقية لا تأتي إلا من الدولة وشرعيتها".

ورغم ذلك، لا يتردد حزب الله في مطالبة الدولة بالحماية من الغارات الإسرائيلية، وبالدعم في إعادة الإعمار، بينما يُصر على التفرد بالسلاح. هذا التناقض يعمّق أزمة الشرعية والحكم في لبنان.

البُعد الدولي

تتجاوز تداعيات احتفاظ حزب الله بسلاحه حدود لبنان. فالدعم الدولي مشروط بسيادة الدولة الكاملة. أما إسرائيل، فتحذر من أنها قد تتصرف بمفردها إذا عجزت الدولة اللبانية عن ضبط الميليشيات.

بالنسبة للأمين، لم تعد مسألة السلاح داخلية فقط. فالحزب وافق على اتفاق وقف إطلاق النار. "تصريحاته اليوم تهدف لإشعال أزمة داخلية، لكنها لن تغيّر الموقف الدولي".

ويحذر من أن المماطلة ستزيد من كلفة نزع السلاح على اللبنانيين.

ويذهب الزغبي في الاتجاه ذاته: "ما دام الحزب مسلحا، سيبقى لبنان غير مستقر. السلاح يمنع قيام الدولة، ويُبقي الطوائف في حالة ترقب وقلق دائم من مواجهات جديدة".

ضرورة وطنية

في الذكرى السنوية لأحداث 7 أيار، كتب العميد المتقاعد بعرب صخر، الباحث في شؤون الأمن القومي: "يوم عار كشف الستار عن الوجه القبيح لحزب إيران في لبنان، وبين أن سلاحه ليس من أجل لبنان، بل على لبنان".

وأضاف في منشور على أكس: "اليوم المجيد هو اليوم القريب الذي ننزع فيه هذا السلاح، سلاح الدمار والغدر والاغتيال، والعبثية والتبعية لأعداء لبنان".

ويخلص الزغبي إلى القول إن على الدولة اللبنانية "حصر السلاح في يدها" وذلك "كي تنجح في تحقيق وعودها بالاستقرار والسيادة والإصلاح. فنزع السلاح غير الشرعي سواء كانت هويته لبنانية أو غير لبنانية هو الشرط الأول لنجاح الإصلاح واستجرار أموال المساعدات العربية والدولية المخصصة لإعادة الإعمار، وكذلك لاستعادة ثقة العرب والعالم وتشجيع السياحة وأموال الاستثمارات" في لبنان.