إلياس الحصروني
التحقيقات الأولية أشارت إلى أن إلياس الحصروني توفي في حادث سير لكن مقطع فيديو أظهر شبهات حول "اغتيال مدبر"

كان يفترض بالجريمة أن تُدفن مع إلياس الحصروني، عند دفنه قبل 6 أيام، بعد وفاته بـ"حادث سير"، كما اعتقد أهله وأبناء بلدته، عين إبل - جنوب لبنان، إلا أن مقاطع مسجلة على كاميرات مراقبة خاصة في البلدة كشفت عن "كمين أمني" محكم التنفيذ تعرض على اثره عضو المجلس المركزي في حزب القوات اللبنانية لما وصف بأنه "اغتيال مدبّر". 

في التفاصيل، وبحسب ما يؤكد رئيس بلدية عين إبل، عماد الّلوس، فقد كان الحصروني، الأربعاء، بتاريخ الثاني من أغسطس، يرتاد مطعما في البلدة، برفقة عائلة ابنته وأحفاده، ليغادر من بعدها عائدا إلى منزله. 

إلا أنه لم يصل إلى المنزل، حيث عثر على الحصروني جثة هامدة في سيارته الملقاة في جلّ قرب أحد الطرق في البلدة باتجاه بلدة حانين. 

حين كشف الطبيب الشرعي على الجثة، بحسب رئيس البلدية، قال إنه لا توجد ضربات على جسده، باستثناء ضربة غير قاتلة على الرأس، فيما أضلاعه مكسرة والأكياس الهوائية بالسيارة مفتوحة، حيث لم يكن يضع حزام الأمان، ما أدى إلى اعتبار القوى الأمنية في المرحلة الأولى أن سبب الوفاة هو حادث سير. 

وفي اليوم الثاني وصل مسؤولون من الأدلة الجنائية ورفعوا البصمات عن السيارة، وأجروا تحقيقاتها في المكان وفق اللوس، وفيما بعد نقلت السيارة إلى مخفر الدرك في عين إبل، "ولم يكن هناك أي شيء من قبل القوى الأمنية يدل على أن ما حصل هو جريمة". 

وعلى هذا الأساس جرى تحديد، الأحد، السادس من أغسطس، موعدا للدفن، بانتظار وصول شقيقته من كندا. 

مع ذلك بقيت التساؤلات مطروحة في البلدة حول ما جرى، لاسيما وأن الحصروني لم يكن لديه أي سبب ليتوجه إلى المكان الذي عثر فيه على سيارته، بحسب رئيس البلدية، الذي يؤكد أن " أحدا لم يكن مقتنعا أنه حادث سير أبدا، لا من عائلته ولا من أبناء البلدة، فالمكان الذي عثر فيه على السيارة لا يرتاده أبدا وليس له أي توجه عليه". 

ويتابع أن كل أهالي البلدة كانوا يسألون "ما الذي أوصله إلى تلك الطريق، وما الذي يفعله هناك الساعة التاسعة والنصف ليلاً؟" من هنا بدأت الشكوك، بحسب اللوس. 

مصدر من العائلة فضل عدم الكشف عن هويته، أكد لموقع "الحرة" أن طريقة حصول الحادث ومكانه الذي ليس ضمن روتين تنقلات الحصروني، إضافة إلى عدم وجود أضرار في السيارة توحي بوقوع حادث، أثارت الكثير من الشكوك وجعلت فرضية الحادث مستبعدة جدا. 

وأضاف "نحن كعائلة كنا مشغولين بالدفن وتقبل التعازي، وكان شباب من البلدة مع البلدية يتابعون هذه التفاصيل". 

وعلى أثر ذلك بدأ بعض الشبان من البلدة البحث في كاميرات المراقبة الموجودة في الأماكن التي تنقل فيها الحصروني، لاسيما بعدما تنبهت ابنة شقيقته إلى أن سيارات غريبة عن البلدة كانت تتنقل بالتزامن (قبل نحو نصف ساعة) في ذلك اليوم وأثار الأمر استغرابها ما دفعها لحفظ أرقامها، التي قدمتها لاحقا في إفادة أمنية، اطلع موقع "الحرة" على فحواها. 

وبنتيجة البحث في كاميرات المراقبة تمكن أحد أقارب الضحية من العثور على مقطع مسجل على كاميرا DVR يظهر اعتراض سيارتين لطريق الحصروني ودفعوه للتوقف، ليترجل منها أشخاص ويصعدون بسيارة الحصروني، من ثم انطلقت السيارات الثلاث. 

يقول رئيس البلدية، إن الحصروني لم يكن متخذا أي احتياطات، بحسب ما يظهر الفيديو، لم يحاول الترجل مثلا أو الفرار أو المراوغة، "لم يكن لديه أي خوف أو شك بتعرضه لخطر الاختطاف".

يتضح من الفيديو أن 3 سيارات شاركت في عملية الخطف، إلا أن أهالي البلدة تحدثوا عن سيارات أخرى كانت متوزعة على مفارق بعض الطرق، وتحاول عرقلة السير من وإلى مكان عملية الخطف، وفي هذا السياق يؤكد اللوس أن أهالي البلدة لاحظوا ذلك في بعض المقاطع، "ولكن ليس هناك معلومات مؤكدة عن ارتباط مع عملية الخطف". 

القوى الأمنية حصلت على كل تلك التسجيلات، ولا تزال تجري تحقيقاتها بإشراف النيابة العامة الاستئنافية في النبطية. 

وادى انتشار المقاطع المصورة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى إحداث بلبلة كبيرة وإثارة قلق وخوف بالغين، لاسيما في بلدة عين إبل، ذات الأغلبية المسيحية، ومحيطها، لما يمثله ذلك من تهديد أمني، في المنطقة التي لم تكن قد اختبرت أي تطورات أو أحداث أمنية مشابهة طيلة السنوات الماضية. 

يقول رئيس البلدية "لم نكن نتوقع حصول حادث من هذا النوع أبدا، نحن أهدأ منطقة في كل لبنان، لا تسجل سرقات ولا إشكالات ولا إجرام، وهذا سبب استغرابنا وقلقنا مما جرى، ومن الواضح أن هدفه الرئيسي زعزعة الأمن في المنطقة".

كل من تواصل معه موقع "الحرة" من مصادر عائلية وأهلية من أبناء البلدة إضافة إلى رئيس البلدية، أكدوا بأن الحصروني لم يكن لديه أي عداوة أو خلاف مع أحد في البلدة أو خارجها، لا مع جهات سياسية ولا مع مجموعات أو أفراد، فيما هو من أعيان بلدة عين إبل والمعروفين فيها بنشاطه الاجتماعي في البلدة، مقرب من أبنائها ولاسيما الشباب فيها الذي يكنون له احتراما كبيرا. 

هل خلفية الحادث سياسية؟ 

وسرعان ما اتخذت الأمور أبعادا سياسية، لاسيما على مواقع التواصل الاجتماعي، نتيجة هوية الضحية السياسية من جهة، ومن جهة أخرى مكان وقوع الجريمة جنوب لبنان، والتي تخضع لسيطرة عسكرية وأمنية من قبل حزب الله، بالإضافة إلى ما أظهرته المقاطع المصورة من تفاصيل تكشف عن حرفية وتنظيم لدى المرتكبين.

وأعاد الفيديو المنتشر التذكير بواقعة اغتيال الناشط السياسي، لقمان سليم، عام 2021 والتي تمت بظروف مشابهة تماما لناحية استهدافه خلال تنقله في سيارته وقتله بمسدس كاتم للصوت، في منطقة خاضعة لسيطرة حزب الله جنوب لبنان، وهو الذي كان معروفا بمعارضته للميليشيا الشيعية. 

وفي سياق تعليقه على الحادثة، قال عضو كتلة القوات اللبنانية في البرلمان اللبناني، النائب، غياث يزبك، إن الياس الحصروني "اغتيل في المنطقة التي لا يُكشَف فيها مجرم، هكذا تعلّمنا من اغتيال السياديين، وليس آخرهم لقمان سليم".

وفي حديث لموقع "الحرة"، أضاف يزبك أن المسار العام وما أظهرته الكاميرات يؤشر بطريقة واضحة جدا إلى أن الرجل "خطف من قبل مجموعة من السيارات، واخذ إلى مكان وقوع جريمة القتل"، وعما إذا كان ذلك يشكل اغتيالا سياسيا أم لا يضع يزبك مسؤولية الحسم في عهدة التحقيق. 

وعن تعليقه حول "المنطقة التي لا يكشف فيها مجرم" يشير يزبك إلى أن حزب القوات اللبنانية "فقد رفيقين في تلك المنطقة في حوادث وضعت في سياق القضاء والقدر، في حين أن الدولة اللبنانية ليست حرة التنقل في تلك المنطقة". 

ويسأل يزبك: "من يستطيع التنقل بسيارات ذات زجاج داكن وأرقام مزورة في تلك المنطقة إلّا جهات معروفة هناك؟" واضعا تساؤلاته في سياق رأيه الشخصي الذي قد لا يعبر عن رأي حزب القوات اللبنانية.

وانتشرت الكثير من الفرضيات التي تحدثت عن خلاف سابق مع جمعية "أخضر بلا حدود" التابعة لحزب الله على خلفية استحواذ على أراض في بلدة رميش المتاخمة لبلدة عين إبل. كما سرت فرضيات أخرى تتحدث عن دور له في التصدي لتجار حطب كانوا يستغلون أحراش البلدة لقطع الأشجار، يمكن أن يكونوا تضرروا منه. 

 

إلا أن كل تلك الفرضيات ينفيها حتى الآن كل من رئيس بلدية عين إبل، والمصدر العائلي، وأبناء البلدة، في حديثهم لموقع "الحرة". 

ويتمسك كل الأطراف بالتحقيقات الأمنية كسبيل أوحد لكشف ملابسات ما حصل وتحميل المسؤوليات رافضين كل الاتهامات الصادرة حتى الآن والتي تحمل أبعادا سياسية. 

ويقول اللوس، إن للرجل نشاط سياسي معروف في حزب القوات اللبنانية، "لكنه لم يكن صاحب خطابات ومواقف واستفزازات، وما إلى ذلك، بل كان نشاطا حزبيا عاديا، كان مسؤولا في القوات اللبنانية منذ سنين طويلة وكل الناس تعرفه، فلماذا اليوم؟"

مضيفا قوله: "نحن لا نتهم أي أحد، لا حزب الله ولا غيره، مسؤولية القوى الأمنية هي أن تحدد المسؤوليات وتصدر التحقيقات".

كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟
كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟

طائرة تحلّق في الأجواء. صاروخ لا تراه لكن تشاهد أثره: سيارة تتحول في ثوان إلى حطام، أو شقة سكنية تتحول إلى كتلة لهب.

الهدف كادر أو قيادي في حزب الله.

والمشهد يتكرر.

في لبنان، تهدئة معلنة.. هذا على الأرض.

لكن في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تخلّف آثاراً جسيمة، ليس في ترسانة الحزب العسكرية فقط، بل في البنية القيادية كذلك.

وفيما يحاول الحزب امتصاص الضربات، تتوالى الأسئلة: كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ أهو التقدّم التكنولوجي المحض، من ذكاء اصطناعي وطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك ما هو أخطر؟ اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تُستغلّ لتسهيل تنفيذ الضربات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية هنا والأهداف؟

"اختراق بشري"

استهداف تلو الآخر، والرسالة واضحة: اليد الإسرائيلية طويلة بما يكفي لتصل إلى أي نقطة في لبنان، والعين الإسرائيلية ترى ما لا يُفترض أن يُرى.

يصف القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها "بالغة التعقيد، تعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدّمة والاختراق الاستخباراتي البشري"، مشيراً إلى أن "تحديد هوية القادة الجدد الذين حلّوا مكان المُغتالين يتم عبر تقنيات متطوّرة تشمل بصمات العين والصوت والوجه"، متسائلاً "من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة والكوادر الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال".

ويتابع نادر "حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصّنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبّع، إذ تحدّثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه".

ويرى أن "ما نشهده هو منظومة اغتيال متطوّرة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسّر نجاح العمليات الأخيرة، والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي".

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن هذه الاستهدافات "تعكس مزيجاً من التفوق التقني الإسرائيلي والاختراق الأمني الداخلي في بنية الحزب، وكما هو واضح فإن إسرائيل تمتلك قائمة أهداف تتعامل معها تباعاً، وفقاً لمعلومات دقيقة يتم تحديثها باستمرار، ما يتيح لها تنفيذ عمليات مدروسة بعناية شديدة، ويحدّ من قدرة حزب الله على المناورة أو استعادة توازنه سريعاً".

صمت وعجز

على الرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب منذ 27نوفمبر الماضي، والتي أودت بحياة عدد كبير من كوادره، لم يقم بالرد، ويُفسّر نادر ذلك بـ"ضعف فعلي في القدرة على الرد، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً".

ويقول نادر "ليس بالضرورة أن الحزب لا يريد الرد، بل الحقيقة أنه لم يعد يمتلك القدرة. هو يعاني من تراجع عملياتي ملحوظ، وتصدّع في هيكليته القيادية، يرافقه حصار سياسي داخلي وخارجي يزداد ضيقاً".

ويضيف "حتى لو قرّر الرد، فما الذي يمكنه فعله فعلاً؟ هل يملك القدرة على تنفيذ عملية نوعية تترك أثراً؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه القدرة باتت شبه معدومة، لا سيما بعد خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له بعض الحلفاء، ومع تزايد عزلته على الصعيدين العربي والدولي".

ويختم نادر بالقول "تصريحات الحزب تعكس حالة من التردد والارتباك. فتارةً يتحدّث عن التزامه بقرارات الدولة، وتارةً يلوّح بحق الرد. لكن الواقع على الأرض يقول إنه في وضع حرج: محاصر سياسياً، وعاجز عسكرياً، وأي مغامرة جديدة قد تكلّفه الكثير... وهو يعلم ذلك جيداً".

من جانبه، يرى السبع أن حزب الله لا يسعى حالياً إلى الرد، بل يركّز على "مرحلة إعادة التقييم والاستعداد"، مشيراً إلى أن الحزب "رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها إمكانيات الجيش اللبناني نفسه، لكنه في المقابل، يقرأ المشهد اللبناني الداخلي بدقة، ويدرك حساسية التزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي، ولا سيما مع توقف خطوط إمداده من سوريا، ما يدفعه إلى التريّث في اتخاذ قرار المواجهة".

خريطة استراتيجية تغيرت

يرى الباحث نضال السبع أن الإسرائيليين يشعرون بالتفوق. يضيف "عزز هذا الانطباع عدد من العوامل، أبرزها سقوط النظام السوري كحليف استراتيجي، والتقدم الميداني في غزة، وعجز الحزب عن تنفيذ ضربات نوعية، فضلاً عن ازدياد عزلته السياسية في الداخل اللبناني، لا سيما بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل نواف سلام للحكومة".

يشبّه السبع ما يجري اليوم في لبنان بالمشهد الذي أعقب حرب يوليو 2006، "حيث توقفت العمليات العسكرية رسمياً، فيما بدأت إسرائيل التحضير لما وصفته آنذاك بـ(المعركة الأخيرة)، مستغلة فترة الهدوء الطويل لإعادة التموضع وتكثيف الجهوزية".

يقول إن "حزب الله دخل مرحلة إعادة تقييم وتجهيز بعد سلسلة الضربات التي تلقاها في الأشهر الماضية، في حين تسعى إسرائيل إلى منعه من التقاط الأنفاس، عبر استمرارها في تنفيذ عمليات نوعية ودقيقة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نفذتها في الساحة السورية بعد العام 2011، عندما استباحت الأجواء السورية".

ويضيف أن "المشهد ذاته يتكرر اليوم في لبنان، حيث باتت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً من المشهد اليومي، تنفّذ عمليات اغتيال متتالية".

كسر البنية القيادية

لكن هل تؤثر هذه العمليات على بنية الحزب؟

يوضح السبع أن "الاستهدافات الأخيرة تطال كوادر داخل حزب الله، لكن الضربة الكبرى وقعت خلال حرب الشهرين، حين تعرّضت قيادات الصف الأول والثاني للاغتيال، أما اغتيال كوادر من الصف الثالث، فله تأثير محدود ولا يحدث خللاً جذرياً في الهيكل التنظيمي للحزب".

من جهته، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن أهداف إسرائيل من تصفية الكوادر العسكرية تلامس عمقاً استراتيجياً أكبر، موضحاً: "الرسالة الأساسية التي تبعث بها إسرائيل من خلال هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على استهداف أي عنصر أو قائد في حزب الله، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً تتحكم فيه بالمجال الجوي للبنان".

ويؤكد نادر أن وراء هذا الاستهداف "رسالة مباشرة مفادها أن لا أحد بمنأى، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على العناصر، ويقوّض شعورهم بالأمان".

خريطة استهدافات

رسمت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، عبر عمليات اغتيال شكّلت ضربة قاسية للحزب. ومن بين أبرز هذه العمليات، اغتيال ثلاثة من أمنائه العامين.

ففي 16 فبراير 1992، اغتيل عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، في غارة جوية استهدفت موكبه في جنوب لبنان.

وفي سبتمبر 2024، قتل حسن نصر الله، بصواريخ خارقة للتحصينات، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد أسابيع، في أكتوبر 2024، اغتيل هاشم صفي الدين، خلفية نصر الله، في عملية مماثلة.

وطالت الاغتيالات شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، أبرزهم عماد مغنية، الذي قُتل في فبراير 2008، إثر تفجير سيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، وفي مايو 2016، لقي مصطفى بدر الدين، خليفة مغنية مصرعه في تفجير استهدفه قرب مطار دمشق.

واغتيل فؤاد شكر، القائد البارز في وحدة "الرضوان"، في يوليو 2024، بواسطة طائرة استهدفته داخل مبنى سكني في الضاحية الجنوبية.

وفي سبتمبر 2024، لقي إبراهيم عقيل، عضو مجلس الجهاد والرجل الثاني في قيادة الحزب بعد مقتل شكر، المصير ذاته، إثر ضربة بطائرة استهدفته في الضاحية.

ويرى نادر أن "هذه الاغتيالات لا تكتفي بالتأثير الرمزي، بل تُحدث خللاً فعلياً في التراتبية القيادية داخل الحزب، إذ يصعب تعويض القادة المستهدفين بسرعة أو بكفاءة مماثلة، ما يربك الأداء الميداني والتنظيمي، ويجعل من عمليات الاغتيال أداة استراتيجية تستخدم لإضعاف حزب الله من الداخل".