لقطة جوية لكنيسة في الكحالة احتضنت جنازة شاب سقط في المواجهات مع حزب الله
لقطة جوية لكنيسة في الكحالة احتضنت جنازة شاب سقط في المواجهات مع حزب الله

شكلت الأحداث الأمنية التي شهدها لبنان، الخميس، الموافق 10 أغسطس، في بلدة الكحالة، لحظة مفصلية في الواقع السياسي اللبناني، كادت أن تودي بالبلاد إلى مواجهات أهلية – طائفية، في ظل شلل سياسي تام ناتج عن انقسام وفرز حاد في البلاد بين مكوناته السياسية والطائفية.  

إلى جانب مشهد الاشتباكات، وسقوط القتلى والتحريض المتبادل الذي أعقب الإشكال ما بين عناصر "حزب الله" وأهالي بلدة الكحالة ذات الأغلبية المسيحية، على خلفية سقوط شاحنة للميليشيا الشيعية محملة بالأسلحة والذخائر على الطريق الرئيسي في البلدة، ومحاولة أهالي البلدة تبيان ما بداخلها، كان مشهد سقوط ما يسمى بـ "الغطاء المسيحي" عن "حزب الله" أبرز ما بدا واضحا جليا في تلك الأحداث.  

ويعبر مصطلح "الغطاء المسيحي" في القاموس السياسي اللبناني عن تحالفات "حزب الله" مع الأحزاب المسيحية، وعلى رأسها "التيار الوطني الحر"، الذي أسسه ميشال عون، ويرأسه، جبران باسيل، والتي يستمد منها "شرعية وطنية" لتواجده كميليشيا مسلحة في لبنان، تحت مسمى "المقاومة". 

برزت أهمية هذا "الغطاء" بالنسبة للحزب في إبعاد الصبغة المذهبية عن تواجده المسلح وإعطائه بعدا وطنيا، لا سيما حين كان يخوض اشتباكا سياسيا وعسكريا مع البيئات الأخرى، بالأخص السنّة في لبنان، ولاحقا في سوريا.  

وكانت أبرز مفاعيل التقارب مع البيئة المسيحية في "اتفاق مار مخايل"، عام 2006، وهو تفاهم سياسي بين حزب الله والتيار الوطني الحر، الذي كان الحزب المسيحي الأكثر انتشارا وتمثيلا في لبنان في ذلك الحين.  

خدم هذا "الغطاء" مصالح حزب الله على مدى ما يقارب 17 عاما، تخللها حرب مع إسرائيل، عام 2006، وحرب في الداخل (7 أيار)، انتهاء بحرب خارجية في سوريا حوّل خلالها حزب الله لبنان إلى قاعدة خلفية له.  

عناصر أمن لبنانيون وبعض أهالي قرية الكحالة في موقع الحادث.

انكشاف "الغطاء" 

بدأت أولى مظاهر انكشاف "الغطاء المسيحي" بعد الانهيار المالي والانتفاضة الشعبية التي شهدها لبنان، أواخر عام 2019، حيث عبّر المجتمع المسيحي، على وجه الخصوص، عن نقمة عارمة على الصيغة القائمة في الحكم، والأثمان التي دفعها لبنان من علاقاته الدولية والعربية واقتصاده وأمنه نتيجة خيارات "حزب الله" المحلية والإقليمية، التي تحقق المصالح الإيرانية حصرا.  

تصاعدت النقمة أكثر بعد الدور الذي لعبه "حزب الله" في قمع الاحتجاجات من جهة، وعدم تقديم تنازلات سياسية من جهة أخرى لصالح حليفه الذي كان على رأس الحكم مع عهد رئيس الجمهورية وقتها، ميشال عون.  

وجاء انفجار مرفأ بيروت، عام 2020، ليفجر العلاقة بين حزب الله والبيئة الشعبية المسيحية، الأكثر تضررا من الانفجار، حيث رأت بأشكال متعددة مسؤولية على "حزب الله" فيما جرى، سواء فيما يخص فرضية استفادة الحزب من تخزين نيترات الأمونيوم لاستخدامها في سوريا، التي لا تزال رائجة في لبنان، أو لدور الحزب في عرقلة التحقيقات بالانفجار فيما بعد، للتغطية على مسؤولية شخصيات سياسية حليفة له، أو محسوبة عليه، في وقوع الانفجار.  

وكانت "أحداث الطيونة"، التي شهدها لبنان عام 2021، أول ترجمة فعلية للتصادم بين البيئة المسيحية و"حزب الله"، على خلفية التحقيقات في انفجار المرفأ، إذ تخللتها اشتباكات مسلحة أودت بضحايا من الطرفين.  

إلا أن اللافت في أحداث الكحالة الأخيرة، كان عدم قدرة "التيار الوطني الحر" على تغطية سلوك حزب الله، واستباحته للأراضي اللبنانية في سبيل أهدافه العسكرية، خاصة في ظل النقمة الشعبية الكبيرة على الساحة المسيحية، وأضراره لمجاراة هذا التوجه الشعبي، من خلال تصريحات لاذعة لمسؤولين فيه عالية اللهجة تجاه "حزب الله".  

ومن تصريح النائب عن التيار الوطني الحر، سيزار أبي خليل، الذي كذّب فيه رواية حزب الله لما جرى، واعتبره "مجاف للحقيقة"، إلى تصريح جبران باسيل الذي اعتبر بمثابة إعلان عن غياب "الغطاء المسيحي" تماما، ودعوة لحزب الله لتقديم تنازلات مقابل استعادته.  

وقال باسيل في معرض تعليقه على أحداث الكحالة إن ما جرى "له دلالته الكبيرة بأنّ هناك أماكن ومواقع وشعبا عصيّا على أي إساءة، ويدل على أهمية أن تكون المقاومة (حزب الله) محتضنة من الشعب اللبناني، وإلا تفقد مناعتها وقوّتها، يحمي ظهرها شعب وليس شخص. لا يكفي أن تكون هناك وحدة شيعية، الوحدة الوطنية تبقى أكبر وأكثر مناعة".  

وتابع: "الدلالة كبيرة على أهمية الاستراتيجية الدفاعية الوطنية التي تنظّم موضوع السلاح، كي لا يشعر أحد بخطر منه بأي منطقة في لبنان، الطرقات والتواصل داخل البلد أهم بكثير من المحاور والممرّات والمعابر الخارجية".

أنصار لحزب الله خلال مراسم تشييع أحد عناصره بعد مقتله في حادثة الكحالة

نقمة مسيحية عارمة 

في هذا السياق يرى الكاتب السياسي، منير الربيع، أن ردود الفعل الشعبية والتعليقات التي تلت حادثة الكحالة، توضح بأن الجماعات اللبنانية المختلفة "ما عادت مستعدة للتعايش مع بعضها، وسط تنامي أصوات التقسيم والانفصال والطلاق بينها".  

ويضيف أن الحزب ظهر بعد الحادثة أنه "مكشوف مسيحيا، وهذا يتضح بردة فعل كل القوى السياسية المسيحية، ما سيتسبب بإحراج للتيار الوطني الحرّ الذي كان يسعى إلى إعادة إبرام اتفاق معه". 

هذا الواقع يضع الساحة اللبنانية في حالة جهوزية دائمة للدخول في صراعات واشتباكات ومعارك، بحسب الربيع، الذي يرى أن أخطر ما في ذلك، هو تبدل وجهة الصراع بين الطوائف اللبنانية، "من الصراع السنّي الشيعي سابقا، إلى صراع بين الشيعة والمسيحيين". 

يتفق الربيع في ذلك مع المحلل السياسي المقرب من حزب الله، فيصل عبد الساتر، إلا أن الأخير يرى ذلك من منظور "استهداف حزب الله"، من خلال "استهداف علاقته بالبيئة المسيحية في لبنان، بعدما فشل مشروع استهدافه عبر ضرب علاقته بالبيئة السنية، منذ اغتيال الرئيس السابق، رفيق الحريري، عام 2005".  

ويضيف "الساعون إلى ذلك، يظنون أن فك التحالف، سيكشف حزب الله الذي سيفقد الغطاء المسيحي بعد السني، وبالتالي يصبح وكأنه منغلقا ومحصورا في الساحة الشيعية".

إلا أن الناشط السياسي في "التيار الوطني الحر"، ناجي حايك، يرى من منظور آخر، أنه ما من استهداف مؤامراتي لهذه العلاقة مع حزب الله، وإنما هناك نقمة ناجمة عن تجاوزات حزب الله نفسه، وتعاطيه مع حلفائه المسيحيين والبيئة المسيحية عموما، لا سيما مع تجاهله لمصالح حلفائه ومطالبهم، واقتصار نتائج التحالف والعلاقة معه على الأثمان التي دفعها التيار والمسيحيون دون مقابل.  

ويضيف أن حزب الله فقد الغطاء المسيحي منذ زمن، وفي وقت سابق بكثير لحادثة الكحالة، "يفضل أحيانا عدم الإقرار بذلك، ولكن هذا الواقع".  

ويرى حايك أن ما ضرب عهد عون هو "حزب الله أكثر من أي طرف آخر"، لا سيما في الاستحقاقات السياسية التي أدت في النتيجة إلى عرقلة العمل السياسي، "وإن حاولت قيادة التيار تلطيف هذه الحقيقة، إلا أنها تبقى واضحة جدا".  

في هذا الإطار يتحدث الربيع عن تنامي "معارضة عارمة لحزب الله" في الجو المسيحي، ما من شأنه أن يفرض على التيار الوطني الحرّ "إعادة اعتماد لعبة الطرف الوحيد القادر على تحقيق الأمن والاستقرار وجلب الحماية للمسيحيين من خلال علاقته بالحزب".  

 وهذا ما يؤشر إليه كلام حايك عن أن التفاهم السياسي بين التيار الوطني الحر وحزب الله "ما عاد يعكس المزاج الشعبي على أرض الواقع، ولا الإرادة الشعبية لقواعد التيار الوطني الحر". 

وهذا ناجم عن "تراكمات طيلة السنوات الماضية"، بحسب الناشط في التيار الوطني الحر، وليس وليد إشكال الكحالة أو غيره.  

إنه وقت "التنازل" 

بالنسبة إلى الربيع، فإن حزب الله اليوم يبدو بحاجة إلى "إعادة تشكيل تحالفاته، سواء على الساحة المسيحية، أو الساحات الأخرى". وهو ما قد يترجم كلام باسيل الأخير الموجه للحزب.  

ويضيف الربيع أنه وفي حال عدم حصول ذلك، "قد نشهد تكرار مثل هذه الأحداث في مناطق مختلفة، إما تؤدي في النهاية إلى التسوية وتدفع حزب الله لتقديم التنازل، وإما أن الحالة ستمتد لفترة طويلة". 

في هذا الاطار يرى عبد الساتر أن كلام باسيل، وإن جاء في لحظة حساسة "تساير المزاج الشعبي المسيحي وتثير تساؤلات، إلا أنها، في المضمون، تتناسب مع ما يراه حزب الله لناحية السعي نحو المزيد من التفاهم والتلاصق والتحالف الذي يشكل بالتأكيد قوة له".

ويضيف أن باسيل "مصيب فيما يخص عدم كفاية الوحدة على صعيد الطائفة الشيعية فقط"، مشددا على أن علاقة حزب الله والتيار الوطني الحر هي "أبعد من أن تقف عند التصريحات اللحظية".  

وعن تصريحات نواب التيار التي هاجمت حزب الله يصفها عبد الساتر بـ "الشعبوية وغير المسؤولة، لكونها انجرفت في الخطاب العاطفي الذي يجاري غضب الناس"، مؤكدا أن "حزب الله لا يريد سقوفا مرتفعة ولا تبعاتها وكان ذلك واضحا في بيانه المقتضب واختياره بعناية للمتحدثين في تشييع القصاص، حرصا على ذلك".  

وفيما تأتي هذه التطورات في ظل صراع سياسي على ملء فراغ رئاسة الجمهورية، يرشح فيه حزب الله، سليمان فرنجية، للمنصب، بعكس رغبة باسيل، يبدو أن المنتظر من ناحية حزب الله تقديم تنازلات وتجديد التفاهمات والتحالفات على الساحة المسيحية، التي قد تبدأ من الملف الرئاسي.  

في هذا السياق، يقول الحايك: "على حزب الله ان يعلم أن المسيحيين في لبنان، ليسوا رجاله وأتباعه، بعضهم حليفه والتحالفات تقوم على توازن في العلاقة". 

ويضيف "كنا نراه تحالفا استراتيجيا مع حزب الله، ولكنه في المقابل، كان يرى في أداء المسيحيين تجاهه واجبا عليهم، لا يحتاج مقابلا، فيما الحقيقة ليست كذلك".

وشدد الحايك على أن ما يطلبه المسيحيون في لبنان من حزب الله اليوم "بسيط جدا وليس تعجيزيا، التيار الوطني كان يقف إلى جانبه ويحقق له ما يريد دون أي مقابل سوى الفتات".  

اختلاف جوهري 

بالنسبة إلى حايك فإن الاختلاف ما بين حزب الله والمسيحيين يكمن في التفكير ومقاربة الأمور، حيث أن هناك تباينا جوهريا في الأهداف النهائية لدى الطرفين.  

ينطلق حزب الله دائما من الفكرة الحربية والعسكرية المسخرة لصالح أيديولوجيته وعقيدته، بحسب الحايك، بينما في المقابل، الشارع اللبناني ولا سيما الطوائف الأخرى، "ليست مجبورة بهذه الأيديولوجيا ولا تعني لها شيئا، وليست مستعدة للتضحية من أجل هذه الأفكار والتوجهات".  

ويشدد على أن البيئات الأخرى في لبنان "ما عادت ترى نفسها مثلا معنية بالحرب مع إسرائيل فيما الدول العربية في اتجاه متزايد نحو السلام. ما عاد بإمكان اللبنانيين اليوم حمل وزر القضية الفلسطينية والدخول في مواجهات عسكرية وتهديدات أمنية في سبيل ذلك، ولا قدرة على تحمل التبعات اليوم". 

ويسأل الناشط في التيار الوطني الحر عن رأي حزب الله إن قال له المسيحيون اليوم إن "القسطنطينية لنا ونريد تحريرها، "هل هو مستعد لمجاراة المسيحيين في ذلك؟ بالتأكيد لا، والأمر ذاته في المقابل، لا يمكنه أن يجر جميع اللبنانيين ويوظف مقدراتهم في سبيل عقيدة خاصة به وحده"، مؤكدا أن اعتبارات المقاومة هي بالنسبة إلى حزب الله "ولكنها لا تلزم غيره في لبنان.  

لا يمكن اليوم لحزب الله اأ يستفز بممارساته بقية الأطراف اللبنانية ثم يقول هذه "مقاومة" كلما وقع تصادم معه، بحسب حايك، "هناك مجتمع لا يريد أن تمر ذخيرة وسلاح مع أرضه، منذ مدة أطلق حزب الله النار على آلية للأمم المتحدة وقوات اليونيفيل بحجة أنها مرت على طريق فرعي في مناطقه، واليوم يرفض الاعتراض على مرور شاحنات أسلحته من أراضي غيره؟" .

في المقابل يوضح عبد الساتر أن حزب الله "وإن كان في سعي دائم للحفاظ على تلك التحالفات والتقارب، إلا أن ذلك لا يشكل له هاجسا حول شرعية وجوده كمقاومة".  

يذكّر عبد الساتر أن "حزب الله" انطلق في ثمانينيات القرن الماضي، في ظل انهيار للدولة اللبنانية والأحزاب والعيش المشترك، "ومع ذلك مضى وحقق ما يريده دون أن يعيقه ذلك، رغم خسارته العديد من التحالفات ونقاط القوة والدعم في استحقاقات متعددة". 

مع ذلك يشدد عبد الساتر على وجود حرص من ناحية كل من حزب الله والتيار الوطني الحر، على بقاء التفاهم بينهما، معتبرا أن عوامل اللقاء بينهما أكثر بكثير من عوامل الفرقة، مستشهدا بتصريح ميشال عون "الحكيم والمتزن" بعد أحداث الكحالة كدليل على ذلك، معتبرا أنه لا يمكن استنباط الواقع فقط من "الخطابات الانفعالية والشعبوية في لحظات معينة".   

مراسم تشيع شاب مسيحي قتل خلال اشتباكات الكحالة

المواجهة أو الطلاق  

وفيما يستبعد الجميع حصول مواجهة أهلية واسعة النطاق على خلفية المزاج العام المتشنج، يلفت الربيع إلى أن الاشتباك ما بين المسيحيين وحزب الله يختلف تماما عما سبق وحصل بين حزب الله والبيئة السنية.  

ويعتبر الربيع أن الصراع بين السنة والشيعة "أسهل على حزب الله"، لأسباب عدة، من بينها "استسهال تصوير أي مواجهة له بالإرهاب، إضافة إلى استخدام تحالفه مع جزء من المسيحيين لتصوير الصراع بين أقليات وأكثرية، فضلا عن عدم تواجد رغبة حقيقية أو توجه لدى السنّة للانخراط في القتال وتسليم زمام الأمور للجيش والسلطات اللبنانية".   

وينبه الكاتب السياسي من أن الواقع الحالي مختلف، "لناحية أن غالبية المسيحيين ولا سيما الموارنة، يعتبرون أنفسهم مجتمعا مقاتلا ولديه تجاربه القتالية".  

هذا التوجه ظهر واضحا في الانتشار المسلح وإطلاق النار الكثيف الذي شهدته بلدة الكحالة بالتزامن مع تشييعها، الجمعة، لجثمان، فادي بجاني، الذي قتل بنيران عناصر حزب الله.  

ولكن في الوقت ذاته  لا يعني ذلك أي دعوة للصدام مع حزب الله من ناحية المسيحيين، وفق ما يؤكد حايك، نظرا للتكلفة الباهظة لتوجه كهذا "لا يحتملها أحد".  

وحتى ولو كان هناك توجه لخيار التصادم، ليس لدى المسيحيين واقعيا القدرة العسكرية والعقائدية على مواجهة حزب الله، بحسب حايك، الذي يؤكد أن ان المجتمع المسيحي والسني والدرزي في لبنان ليسوا "موجهين عقائديا ولا يسعون لحروب ومواجهات وإنما يريدون فقط العيش بسلام وراحة أمنية واقتصادية لا أكثر".  

ولكن ذلك لا يعني القبول بالواقع القائم، حيث أن هذا النوع من المشاكل قد يكون مرشحا للتصعيد، بحسب ما يرى الربيع من جهته، وذلك عبر مزيد من مظاهر التحلل والمزيد من الدعوات التي ترفض الصيغة القائمة وتطالب بتغييرها، "وهو أمر لا يمكن حصوله بدون وقوع مواجهة كبرى ظروفها غير متوافرة حتى الآن".  

ويشير حايك إلى أن كثيرين على الساحة المسيحية، باتوا يرون أن الانفصال خيار أفضل، وهو توجه بدأ يتصاعد كمطلب للمسيحيين تترجم تارة من ناحية على شكل مطالبات باللامركزية المالية وأحيان أخرى بالفيدرالية.

ويختتم الناشط السياسي في التيار الوطني الحر بالقول: "في نهاية الأمر، المسيحيون ليسوا مستعدين للاستمرار بدفع أثمان عن خيارات غيرهم التي لا يتخذون فيها أي خيار".

كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟
كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟

طائرة تحلّق في الأجواء. صاروخ لا تراه لكن تشاهد أثره: سيارة تتحول في ثوان إلى حطام، أو شقة سكنية تتحول إلى كتلة لهب.

الهدف كادر أو قيادي في حزب الله.

والمشهد يتكرر.

في لبنان، تهدئة معلنة.. هذا على الأرض.

لكن في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تخلّف آثاراً جسيمة، ليس في ترسانة الحزب العسكرية فقط، بل في البنية القيادية كذلك.

وفيما يحاول الحزب امتصاص الضربات، تتوالى الأسئلة: كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ أهو التقدّم التكنولوجي المحض، من ذكاء اصطناعي وطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك ما هو أخطر؟ اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تُستغلّ لتسهيل تنفيذ الضربات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية هنا والأهداف؟

"اختراق بشري"

استهداف تلو الآخر، والرسالة واضحة: اليد الإسرائيلية طويلة بما يكفي لتصل إلى أي نقطة في لبنان، والعين الإسرائيلية ترى ما لا يُفترض أن يُرى.

يصف القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها "بالغة التعقيد، تعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدّمة والاختراق الاستخباراتي البشري"، مشيراً إلى أن "تحديد هوية القادة الجدد الذين حلّوا مكان المُغتالين يتم عبر تقنيات متطوّرة تشمل بصمات العين والصوت والوجه"، متسائلاً "من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة والكوادر الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال".

ويتابع نادر "حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصّنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبّع، إذ تحدّثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه".

ويرى أن "ما نشهده هو منظومة اغتيال متطوّرة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسّر نجاح العمليات الأخيرة، والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي".

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن هذه الاستهدافات "تعكس مزيجاً من التفوق التقني الإسرائيلي والاختراق الأمني الداخلي في بنية الحزب، وكما هو واضح فإن إسرائيل تمتلك قائمة أهداف تتعامل معها تباعاً، وفقاً لمعلومات دقيقة يتم تحديثها باستمرار، ما يتيح لها تنفيذ عمليات مدروسة بعناية شديدة، ويحدّ من قدرة حزب الله على المناورة أو استعادة توازنه سريعاً".

صمت وعجز

على الرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب منذ 27نوفمبر الماضي، والتي أودت بحياة عدد كبير من كوادره، لم يقم بالرد، ويُفسّر نادر ذلك بـ"ضعف فعلي في القدرة على الرد، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً".

ويقول نادر "ليس بالضرورة أن الحزب لا يريد الرد، بل الحقيقة أنه لم يعد يمتلك القدرة. هو يعاني من تراجع عملياتي ملحوظ، وتصدّع في هيكليته القيادية، يرافقه حصار سياسي داخلي وخارجي يزداد ضيقاً".

ويضيف "حتى لو قرّر الرد، فما الذي يمكنه فعله فعلاً؟ هل يملك القدرة على تنفيذ عملية نوعية تترك أثراً؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه القدرة باتت شبه معدومة، لا سيما بعد خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له بعض الحلفاء، ومع تزايد عزلته على الصعيدين العربي والدولي".

ويختم نادر بالقول "تصريحات الحزب تعكس حالة من التردد والارتباك. فتارةً يتحدّث عن التزامه بقرارات الدولة، وتارةً يلوّح بحق الرد. لكن الواقع على الأرض يقول إنه في وضع حرج: محاصر سياسياً، وعاجز عسكرياً، وأي مغامرة جديدة قد تكلّفه الكثير... وهو يعلم ذلك جيداً".

من جانبه، يرى السبع أن حزب الله لا يسعى حالياً إلى الرد، بل يركّز على "مرحلة إعادة التقييم والاستعداد"، مشيراً إلى أن الحزب "رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها إمكانيات الجيش اللبناني نفسه، لكنه في المقابل، يقرأ المشهد اللبناني الداخلي بدقة، ويدرك حساسية التزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي، ولا سيما مع توقف خطوط إمداده من سوريا، ما يدفعه إلى التريّث في اتخاذ قرار المواجهة".

خريطة استراتيجية تغيرت

يرى الباحث نضال السبع أن الإسرائيليين يشعرون بالتفوق. يضيف "عزز هذا الانطباع عدد من العوامل، أبرزها سقوط النظام السوري كحليف استراتيجي، والتقدم الميداني في غزة، وعجز الحزب عن تنفيذ ضربات نوعية، فضلاً عن ازدياد عزلته السياسية في الداخل اللبناني، لا سيما بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل نواف سلام للحكومة".

يشبّه السبع ما يجري اليوم في لبنان بالمشهد الذي أعقب حرب يوليو 2006، "حيث توقفت العمليات العسكرية رسمياً، فيما بدأت إسرائيل التحضير لما وصفته آنذاك بـ(المعركة الأخيرة)، مستغلة فترة الهدوء الطويل لإعادة التموضع وتكثيف الجهوزية".

يقول إن "حزب الله دخل مرحلة إعادة تقييم وتجهيز بعد سلسلة الضربات التي تلقاها في الأشهر الماضية، في حين تسعى إسرائيل إلى منعه من التقاط الأنفاس، عبر استمرارها في تنفيذ عمليات نوعية ودقيقة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نفذتها في الساحة السورية بعد العام 2011، عندما استباحت الأجواء السورية".

ويضيف أن "المشهد ذاته يتكرر اليوم في لبنان، حيث باتت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً من المشهد اليومي، تنفّذ عمليات اغتيال متتالية".

كسر البنية القيادية

لكن هل تؤثر هذه العمليات على بنية الحزب؟

يوضح السبع أن "الاستهدافات الأخيرة تطال كوادر داخل حزب الله، لكن الضربة الكبرى وقعت خلال حرب الشهرين، حين تعرّضت قيادات الصف الأول والثاني للاغتيال، أما اغتيال كوادر من الصف الثالث، فله تأثير محدود ولا يحدث خللاً جذرياً في الهيكل التنظيمي للحزب".

من جهته، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن أهداف إسرائيل من تصفية الكوادر العسكرية تلامس عمقاً استراتيجياً أكبر، موضحاً: "الرسالة الأساسية التي تبعث بها إسرائيل من خلال هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على استهداف أي عنصر أو قائد في حزب الله، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً تتحكم فيه بالمجال الجوي للبنان".

ويؤكد نادر أن وراء هذا الاستهداف "رسالة مباشرة مفادها أن لا أحد بمنأى، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على العناصر، ويقوّض شعورهم بالأمان".

خريطة استهدافات

رسمت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، عبر عمليات اغتيال شكّلت ضربة قاسية للحزب. ومن بين أبرز هذه العمليات، اغتيال ثلاثة من أمنائه العامين.

ففي 16 فبراير 1992، اغتيل عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، في غارة جوية استهدفت موكبه في جنوب لبنان.

وفي سبتمبر 2024، قتل حسن نصر الله، بصواريخ خارقة للتحصينات، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد أسابيع، في أكتوبر 2024، اغتيل هاشم صفي الدين، خلفية نصر الله، في عملية مماثلة.

وطالت الاغتيالات شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، أبرزهم عماد مغنية، الذي قُتل في فبراير 2008، إثر تفجير سيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، وفي مايو 2016، لقي مصطفى بدر الدين، خليفة مغنية مصرعه في تفجير استهدفه قرب مطار دمشق.

واغتيل فؤاد شكر، القائد البارز في وحدة "الرضوان"، في يوليو 2024، بواسطة طائرة استهدفته داخل مبنى سكني في الضاحية الجنوبية.

وفي سبتمبر 2024، لقي إبراهيم عقيل، عضو مجلس الجهاد والرجل الثاني في قيادة الحزب بعد مقتل شكر، المصير ذاته، إثر ضربة بطائرة استهدفته في الضاحية.

ويرى نادر أن "هذه الاغتيالات لا تكتفي بالتأثير الرمزي، بل تُحدث خللاً فعلياً في التراتبية القيادية داخل الحزب، إذ يصعب تعويض القادة المستهدفين بسرعة أو بكفاءة مماثلة، ما يربك الأداء الميداني والتنظيمي، ويجعل من عمليات الاغتيال أداة استراتيجية تستخدم لإضعاف حزب الله من الداخل".